Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٣) كتاب الصلاة - (٤٠) باب: ابتناء مسجد النبي ◌َ } قالَ: فكأَنِّي أنظرُ إلى رسولِ الله ◌ِوَّهِ على راحلتِهِ، وأبو بكر رِدْفُهُ، ومَلُّ بني النَّجَّارِ حولَه، حتَّى ألقَى بِفِنَاءِ أبي أيُّوبَ، قالَ: فكانَ رسولُ الله ◌ِێ يُصلِّي حَيْثُ أدركتْه الصَّلاة ويُصلِّي في مَرَابِضِ الغَنَم، ثمَّ إنَّه أمرَ بالمسجدِ، قالَ: فأرسلَ إلى ملأ بني النَّجَّارِ فَجَاؤوا، فقالَ: ((يا بني النَّجَّارِ! ثَامِنُوني بحَائِطِكُم هذا)) قَالُوا: لا واللهِ! لا نطلبُ ثمنَه إلا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. قالَ أنس: فكانَ فيه مَا أقولُ، كانَ فيه نَخْلٌ، وقُبُورُ المشركينَ، وخِرَبٌ. فأمرَ و (قوله: ((ثامِنوني بحائطكم))) أي: اطلُبُوا ثَمَنَهُ، وبايعوني به. والحائط : بستان النخل. (فقالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلا الله عز وجل) وهذا ينصُّ: على أنهم لم يأخذوا فيه ثمناً، وإنما وهبوه للنبي وَ له، وقد ذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير عن الواقدي: أن النبي و # اشتراه من بني عفراء(١) بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصِّدِّيق(٢)، فإن صحَّ هذا فلم يقبله النبي و له إلا بالثمن لأنه كان ليتيمين، وفي هذا دليلٌ على لزوم بناء المساجد في القرى التي يستوطنُ بها، لأجل لزوم بناء الجمعة، ولإظهار شعائر الإسلام. المساجد في القرى و (قوله: ((وكانت فيه نخلٌ وقبورُ المشركين وخرب))) روي بفتح الخاء وكسر الراء: جمع خربة، مثل: كلمة، وكلم، وبكسر الخاء وفتح الراء، جمع: خِرْبة بسكون الراء، لغتان فيما يخرب من البناء، والثانية لتميم، هذا هو الصحيح في الرواية والمعنى. وقد فسّره حيث قال: وبالخرب فسويت. وقد استبعد الخطابيُّ ذلك المعنى، وأخذ يقدّر اللفظ تقديراتٍ فقال: لعلَّ الصوابَ: خُرَب جمع خُرْبة: وهي الخروقُ في الأرض، أو لعلها: جِرَف جمع جِرْفة، وهي جَمْع (١) في (م): عمرو. وفي وفاء الوفا (١/ ٣٢٣): أنَّ الحائط كان ليتيمين هما سهل وسهيل ابني عمرو، وكانا في حجر ابن عفراء. (٢) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢٣٩/١ - ٢٤٠). ١٢٢ (٣) كتاب الصلاة - (٤٠) باب: ابتناء مسجد النبي (﴾ رسولُ اللهِ﴿ بالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وبقبورِ المشركينَ فُتُبِشَتْ، وبالخِرَبِ فسُوِّيَتْ. جواز قطع المثمر جَرْف. قال: وأبين منه إنْ ساعدت الرواية، حَدَب، جمع حَدَبة، وهي ما ارتفعَ من الشجر إذا من الأرض، وهذا منه تكلُّف لا يُحتاجُ إليه مع صحة الرواية والمعنى، كما قدّمناه، وفيه دليل؛ على جواز قطع المثمر من الشجر إذا احتيج إليه؛ من نكايةٍ في عدو، احتیج إلیه وإزالةِ ضَرَر، أو ما يُخاف منه. حُكم نبش قبور المشر کین و (قوله: ((وبُقُبور المشركين فنبشت))) إنما نَبَشَ قبورَهم لأنهم لا حرمةَ لهم؛ فإن قيل: كيف جاز نَبْشُهم وإخراجُهم من قبورهم والقبرُ مختصّ بمن دُفِن فيه، مُختبسٌ علیه، قد حازه المیت، فلا يجوز بيعه، ولا نقله عنه؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن تلك القبورَ لم تكن أملاكاً لمن دُفِن فيها، بل لعلها غَصْب، ولذلك باعها مُلاكها. الثاني: على تسليم أنها حُبست؛ فذلك إنما يلزمُ في تحبيس المسلمين، أما تحبيسُ الكفّار فلا؛ إذ لا يصحُ منهم التقرُّبُ إلى الله تعالى، لا يقال: فهذا العتق يلزمهم إذا رفعوا أيديهم عن المعتق، لأنّا نقولُ في العتق: إنه أمرٌ عظيمٌ يتشوّف الشرعُ إليه ما لم يتشوّف للحبس، ولا لغيره، وُّنه تعلّق به حقٌّ لّآدمي، فجرى ذلك مجرى هِباتهم وأُعطياتهم اللازمة. ويمكن أن يقال: دعت الحاجةُ والضرورةُ إلى النَّبش فجاز. وقد اختلف في نبش قبور الكفار لطلب مال: فكرهه مالك؛ لأنها مواضعُ سخط وعذاب فلا تُدخل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تدخلُوا بيوتَ هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باکین أن یصیبکم ما أصابهم»(١). فمن دخلها لطلب الدنيا كان بضدّ ذلك، وأجازه جماعةٌ من أصحاب مالك محتجّين: بأن الصحابةَ نبشتْ قبرَ أبي رغال، (١) رواه أحمد (٩٢/٢)، والبخاري (٤٤٢٠)، ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ١٢٣ (٣) كتاب الصلاة - (٤٠) باب: ابتناء مسجد النبي # قالَ: فصَقُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً له، وجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً. قال: فكانُوا يَرْتَجِزُونَ ورسولُ الله ◌َلِّ معهم. وهم يَقُولون: واستخرجتْ منه قضيبَ الذهب الذي أعلمهم النبيُّونَ﴿ أنه مدفونٌ معه. واتخاذٌ النَّبِي ◌َّرِ مسجده في تلك البقعة دليلٌ على أن القبورَ إذا لم يَبقَ منها ولا من الموتى فيها بقية (١) جَازت الصلاةُ فيها. واختلف العلماءُ في جواز الصلاة في المقابر جُملة؛ فأجازه مالك وأكثرُ الصلاة في أصحابه، وإن كان القبرُ بين يديه، وهو مذهبُ الحسن البصري والشافعي وآخرين. المقابر ورُوي أيضاً عن مالك الكراهة، وبه قال أحمد، وإسحاق، وجماعةٌ من السلف. وحكى العراقيّون عن المذهب: كراهيةَ الصلاة في القديمة دون الجديدة. وقد كره العلماءُ الصلاةَ في مقابر المشركين بكل حال، وعليه تأوّل أكثرُهم النهيَ عن الصلاة في المقبرة، قالوا: لأنها حفرةٌ من حُفَر النار، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالی في الجنائز. وفي بنائه وَّهر مسجده بالجذوع والجريد دليلٌ: على ترك الزّخرفة في زخرفةُ المساجد المساجد والتأنّق فيها، والإسراف، بل قد وَرَدَ عنهِ لَ ما يقتضي النَّهي عن وتشيدها زخرفتها وتشييدها فقال: ((ما أُمِرْتُ بتشييدِ المساجد))، قال: ((لَتُرَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنصارى»(٢). و (قوله: ((فكانوا يرتجزون ورسول الله وَلخير معهم))) اختلف أصحابُ العروض وعلم الشعر في أعاريض الرّجز هل هي من الشِّعر؟ والصحيحُ: أنه من الشِّعر؛ لأن أعاريض الرجز الشعرَ هو كلامٌ موزونٌ تلتزمُ فيه قوافٍ، والرجز كذلك. وأيضاً: فإن قريشاً لما هلٍ هي من الشِّعر؟ اجتمعوا وتراؤوا فيما يقولون للنّاس عن النبيِ وَّهِ فقال قائلٌ: نقولُ: هو شاعر، فقالوا: والله لتكذبنكم العربُ، قد عرفنا الشعر كلّه: هَزْجه، ورَجزه، ومقبوضه ومبسوطه. فذكروا الرَّجَز من جُملة أنواع الشعر، وإنما أخرجه من جنس الشعر من (١) ساقط من (ع). (٢) رواه البخاري تعليقاً (٥٣٩/١)، وأبو داود (٤٤٨). ١٢٤ (٣) كتاب الصلاة - (٤٠) باب: ابتناء مسجد النبي ﴾ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ والمُهاجِرَة اللَّهُمَّ إِنَّه لا خيرَ إلا خَيْرُ الآخِرة رواه أحمد (١١٨/٣ و١٢٣)، والبخاري (١٨٦٨)، ومسلم (٥٢٤) (٩)، وأبو داود (٤٥٣)، والنسائي (٢/ ٤٠)، وابن ماجه (٧٤٢). # * أشكل عليه إنشاد النبي و هو إياه، فقال: لو كان شِعْراً لما علمه النبي وَ الر لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ مَن أنشدَ القليلَ من الشعر، أو قاله، أو تمثّل به على التُّدور لم يستحقّ به اسم الشّاعر، ولا يُقال فيه: إنه تعلَّم الشعر، ولا يُنسب إليه، ولو كان ذلك لَلَزِمِ أن يُقالَ على الناس كلهم: شعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يخلونَ أن يعرفوا كلاماً موزوناً مرتبطاً على أعاريض الشعر. ثم (قوله: ((كانوا يرتجزون ورسولُ اللهِوَ﴿ معهم))) ليس فيه دليلٌ راجحٌ على أن النبيَّ ◌َّ كان المنشد، بل الظّاهِرُ منهم أنهم هُم كانوا المرتجزين وبحضرة النَّبِي وَّرَ، فإن الواو للحال، ((ورسول)): مبتدأ و ((معهم)): الخبر. والجملة في موضع الحال. هذا الظاهِرُ. ويحتمل: أن يكون معطوفاً على المضمر في: يرتجزون. والله تعالى أعلم. وهذا الحديثُ وشبهه يُسْتَدُّ به: على جَوَاز إنشادِ الشِّعْرِ، والاستعانةِ بذلك على الأعمال والتّنشيط. جواز إنشاد الشعر ومن هنا أَخَذَتِ الصُّوفيّةُ إباحةَ السَّماعِ، غير أنهم اليومَ أفرطوا في ذلك، وتعدّوا فيه الوجهَ الجائز، وتذرَّعوا بذلك إلى استباحة المحرَّمات من أصناف الملاهي: كالشّبابات، والطّارات، والرّقص، وغير ذلك، وهذه أفعالُ المُجّان، أهل البطالة والفُسوق المدخِلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنِّه. و (قوله: ((كان يُصلِّي في مرابض الغنم))) حُبَّة لمالك على طَهَارة بولِ ما يُؤکل لحمه وروثه، وقد قدّمنا ذلك. ١٢٥ (٣) كتاب الصلاة - (٤١) باب: تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة (٤١) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور، وعن التصاوير فيها [٤١٩] عن البَراءِ بن عازبٍ، قالَ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ وَِّ إلى بيتٍ المقدس ستةَ عشرَ شهراً - وفي روايةٍ: أو سبعةَ عشرَ شهراً - حتَّى نزلتِ (٤١) ومن باب: تحويل القبلة قد تقدَّم القولُ في: ((الشَّطر)) في الطّهارة. وأحاديثُ تحويلِ القبلة من الشام - من بيت المقدس - فيها مسائلُ أصولية: المسألة الأولى: نَسْخ السنّة بالقرآن. أجازه الجمهور. ومنعه الشافعي. نَسْخ السُّنّة وهذه الأحاديثُ حُجَّةُ عليه،. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ بالقرآن [الممتحنة: ١٠] نسخ لما قرّره رسولُ اللهِ وَ﴿ من العهد والصلح على ردّ كلّ مَن أسلم من الرجال والنساء، مِن أهل مكة وغير ذلك. المسألة الثانية: رَفْع القاطع بخبر الواحد: وذلك أنَّ استقبالَ بيت المقدس رفع القاطع كان مقطوعاً به من الشّريعة عندهم، ثم إنَّ أهلَ قُباء لما أتاهم الآتي فأخبرَهُم أنَّ بخبر الواحد في القِبلة قد حُوِّلَتْ إلى المسجد الحرام قَبِلُوا قوله، واستداروا نحو الكعبة، فتركوا حیاته ﴾ التواترَ بخبر الواحد، وهو مظنونٌ. وقد اختلفَ العلماءُ في جَوَازه عَقْلاً ووقوعه؛ قال أبو حامد: والمختار: جوازُ ذلك عقلاً لو تعبّدنا الشّرع به، ووقوعه في زمن رسولِ اللهِوَ﴿ بدليل: قصة قُباء، وبدليل: أنه كان عليه الصلاة والسلام يُنفِذُ آحادَ الولاة إلى الأطراف، وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعاً، لكن ذلك ممنوعٌ بعد وفاته وي ليه بدليل: الإجماع من الصَّحابة: على أنَّ القرآنَ المتواترَ المعلومَ القرآن المتواتر لا يرتفعُ بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السّلف والخَلَف. وبَسْط ذلك في لا يرتفع بخير الأصول. الواحد ١٢٦ (٣) كتاب الصلاة - (٤١) باب: تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة ھل یکون المسألة الثالثة: وهي أنَّ النسخَ إذا وُجد من الشارع فهل يكونُ نسخاً في حقّ النسخ نسخاً في مَن لم يبلغه الناسخ؟ أو لا يكون نَسْخاً في حقّه حتى يبلغه؟ اخْتُلِفَ فيه على حق مَن لم يبلغه الناسخ؟ قولين. وفائدةُ الخلافِ في هذه المسألة في عباداتٍ فُعِلت بعد النسخ، وقبل البلاغ هل تُعاد أو لا؟ فإن قُلنا بالأول أعادها؛ إذ لم تكن عبادةً في نفسها وقد نُسِخت،َ وإن تنزّلنا على الثاني لم يُعِد؛ إذ هو مُخَاطَبُ بفعل ما قد تقرَّر الأمرُ به وهو الأولى، وقد ردّ إلى هذه المسألة مسألة الوكيل إذا تصرّف بعد العزل وقبل العِلْم به، فهل يُمضي تصرُّفه أو لا؟ قولان. وقد فرّق القاضي عياض بين مسألة النَّسخ ومسألة الوكيل؛ بأن مسألةَ الوكيل تعلَّقَ بها حقُّ الغير على الموكّل، فلهذا توجّه الخلافُ فيها، ولم يختلفِ المذهبُ عندنا في أحكام مَن أُعتِقِ ولم يعلم بعتقه: أنها أحكام حرّ فيما بينه وبين الناس، فأمّا ما بينه وبين الله فجائزة. ولم يختلفوا في المعتقة، أنها: لا تعيدُ ما صلّت - بعد عتقها، وقبل علمها - بغير سَتْرٍ، وإنما اختلفُوا فيمن يطرأُ عليه موجبٌ يغيّرِ حُكْمَ عبادةٍ وهو فيها، بناءَ على هذه المسألةِ. قبول خبر الواحد المسألة الرابعة: قبول خبر الواحد، وهو مُجْمَعٌ عليه من السَّلف، معلومٌ بالتواتر من عادةِ النَّبِيِوَهِ في توجهه وُلاتَهُ ورُسُلَهُ آحاداً للآفاق، لِيُعَلِّمُوا الناسَ دينَهم، ويُبَلِّغُوهم سُنَّةَ رسولِهم من الأوامر والنَّواهي، والمخالِفُ في ذلك مُعَانِد، أو ناقص الفطرة. وقول البراء: صَلَّيْتُ مع رسول اللهِوَ ﴿ إلى بيت المقدس ستةَ عشر شهراً، أو سبعةَ عشر شهراً. الصحيحُ: سبعة عشر؛ من غير شكّ. وهو قولُ مالك وابن المسيّب، وابن إسحاق. ويُروى(١): ثمانيةَ عشر شهراً. وبعد سنتين. وبعد تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، والصحيح ما ذكرناه أولاً . مدّة الصلاة إلى بیت المقدس (١) في (ل): وقد روي. ١٢٧ (٣) كتاب الصلاة - (٤١) باب: تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة الآيةُ التَي في البقرة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فنزلتْ بعدَ ما صلَّى النبيُّ نَّهِ، فانطلقَ رجلٌ مِنَ القومِ، فمرَّ بناسٍ مِنَ الأنصارِ وهم يُصَلُّونَ، فحدَّثهم، فَوَلَّوْا وُجوهَهم قِبَلَ البيتِ. رواه أحمد (٢٨٨/٤)، والبخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) (١١)، والترمذي (٢٩٦٦)، والنسائي (٢٤٣/١)، وابن ماجه (١٠١٠). [٤٢٠] وعن ابن عمرَ، قالَ: بينما النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إذْ جاءَهم آتٍ فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّه قد أُنزِلَ عليه اللَّيْلَةَ، وقد أُمرَ أنَّ يستقبلَ الكعبةَ، فاسْتَقْبِلُوها، وكانتْ وجُوهُهُم إلى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلى الكعبةِ. البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) (١٣)، والترمذي (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٦١). [٤٢١] وعن عائشةَ، أَنَّ أُمَّ حبيبةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذكرتَا كنيسةً رَأَيْنَها بالحَبَشَةِ فيها تصاويرُ، لرسولِ اللهِ وَ ◌ّهِ، فقالَ رسولُ الله وَّهِ: ((إنَّ أولئكَ إذَا كانَ فيهمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فماتَ بَنَوْا على قبرِهِ مسجداً، وصَوَّرُوا فيه تلكَ الصَّورَ. أولئكَ شِرَارُ الخلقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ)). رواه أحمد (٥١/٦)، والبخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨) (١٦)، والنسائي (٢/ ٤٢). و (قوله: ((فاستقبلوها))) روي بفتح الباء على الخبر، وبكسرها على الأمر، وكلاهما صحيح. و (قوله: «أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصَّالِحُ فمات بنوا على قبره مَسْجداً، النهي عن اتخاذ وصوّروا تلك الصور))) قال الشيخُ: إنما فَعَلَ ذلك أوائلُهم ليتأنّسوا برؤيةٍ تلك القبور مساجد الصورة، ويتذكّروا بها أحوالَهم الصَّالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللهَ ١٢٨ (٣) كتاب الصلاة - (٤١) باب: تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة [٤٢٢] وعنها، قالت: قالَ رسولُ الله ◌َّ في مرضِه الذي لم يقمْ منه: ((لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، انَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مَساجِدَ)». قالتْ: فلولا ذلكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غيرَ أنَّه خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مَسْجِداً. رواه أحمد (٣٤/٦ و٨٠)، والبخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩)، والنسائي (٤٠/٢ - ٤١). تعالى عند قُبُورهم، فمضتْ لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خَلَفَ مِن بعدهم خَلْفٌ جهلوا أغراضَهِم، ووسوس لهم الشَّيطانُ: أنَّ آباءهم وأجدادَهُم كانوا يعبدون هذه الصّور، ويُعظُّمونها، فَعَبَدُوها. فحذّر النَّبِي ◌َّر عن مثل ذلك، وشدَّد النكيرَ والوعيد على فِعْل ذلك، وسدّ الذرائعَ المؤذِّيَة إلى ذلك، فقال: ((اشتدَّ غَضَبُ الله على قومٍ اتخذوا قُبُورَ أنبيائهم مساجدَ فلا تَنَّخذوا القبورَ مَسَاجِد)) (١) أي: أنهاكم عن ذلك. وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم ما فُعِل حول مساجد))(٢)، وقال: ((اللهم لا تجعلْ قبري وَثَناً يُعبد))(٣) ولهذا بالغ المسلمون في سدِّ الذَّريعة في قبر رسولِ اللهِ ◌ّله، فأعلوا حيطانَ تربته، وسدّوا المداخلَ إليها، وجعلوها مُحْدِقةً بقبره وَّه، ثم خافوا أن يُتَّخَذَ موضعُ قبره قبلة - إذ كان مستقبلَ المصلِّين - فتتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من رُكني القبر الشّماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثٍ من ناحية الشمال، حتى لا يتمكَّنَ أحدٌ مِن استقبال قَبْره(٤). ولهذا الذي ذكرناه كلّه قالت عائشةُ: ولولا ذلك لأبرز قبره. (١) رواه مالك في الموطأ (١٧٢/١) من حديث عطاء بن يسار رضي الله عنه. (٢) رواه مسلم (٥٣٢)، وهو تتمة حديث جندب في التلخيص (٤٢٤). (٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) من حديث عطاء بن يسار رضي الله عنه. (٤) هذا الوصف يتوافق مع وَضْع القبر الشريف في عصر المؤلف. ثم طرأ عليه تعديل في العصر المملوكي ثم العثماني بحيث أصبح القبر ضمن حجرة مربعة تعلوه القبة الخضراء. فمن صلّى خلف الحجرة لم يكن مستقبلاً القبر لوجود الساتر. ١٢٩ (٣) كتاب الصلاة - (٤١) باب: تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة [٤٢٣] وعنها، وعن عبد الله بن عَبَّاس، قالا: لمَّا نُزِلَ برسولِ اللهِ وَ﴿ طَفِقَ يطرحُ خَمِيصَةً له على وجهِه،َ فإذَا اغْتَمَّ كَشَفَها عن وجههِ، فقالَ وهو كذلكَ: ((لعنةُ اللهِ على اليهودِ والنَّصارى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مَساجِدَ)) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا)). رواه أحمد (٢٧٥/٦ و٢٩٩)، والبخاري (٣٤٥٣ و٣٤٥٤)، ومسلم (٥٣١)، والنسائي (٤٠/٢). [٤٢٤] وعن جُنْدُبِ، قالَ: سمعتُ النبيَّ وَِّ قبلَ أنْ يموتَ بخمس وهو يقولُ: ((إنِّي أبرأُ إلى اللهِ أنْ يكونَ لي مِنْكُم خليلٌ، فإنَّ الله قدِ انَّخذَنِي تنبيه: وفي هذه الأحاديث ما يستدلّ به مالك على صحة القول بسدّ الذرائع على الشافعي وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاةٌ في الأصول. و (قوله: ((لما نزل برسول الله وَ ل﴿))) يعني: نَزَلَ به الموتُ. وطفق: أخذ وجعل، وهي من أفعال المقاربة، وهي لا بُدَّ لها من اسمٍ وخبر، إلا أنَّ خبرَها يلزمُ فيه أن يكون فعلاً مجرّداً عن ((أن)). وقد قدّمنا القول في عسى، ويوشك. و «الخميصة)»: كساءٌ له أعلام. و (قوله في حديث جندب: ((إني أبرأُ إلى الله أن يكونَ لي منكم خليل)) أي: أُبْعِدُ عن هذا، وأنقطعُ عنه، وإنما كان ذلك؛ لأنْ قَلْبَهُ وَّهِ قد امتلاً بما تخلّله مِن محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يشَعُ لمخالّة غيره، أو لأنهمَ ◌ِّ قد انقطعَ بحاجاته كلِّها إلى الله، ولجأ إليه في سدّ خلّته، فكفاه ووقاه، فلا يحتاجُ إلى أحدٍ من المخلوقين. وقد تقدّم القولُ في الخلّة والخليل. ١٣٠ (٣) كتاب الصلاة - (٤٢) باب: ثواب من بنى الله مسجداً خَلِيلاً، كما اتَّخذَ إبراهيمَ خَلِيلاً، ولو كنتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبَا بَكرٍ خَلِيلاً. أَلَا وإنَّ مَنْ كانَ قبلكم كَانُوا يُتَّخِذُونَ قُبُورَ أنبيائهم وصَالحِيهِم مَساجِدَ، ألا فلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَساجِدَ، إِنِّي أَنْهاكُم عَنْ ذلكَ)). رواه مسلم (٥٣٢). (٤٢) باب ثواب من بَنَى اللهِ مسجداً [٤٢٥] عن محمودٍ بن لَبِيدٍ، أنَّ عثمانَ بنَ عفَّنَ أرادَ بناءَ المسجدِ، فَكَرِهَ الناسُ ذلكَ، وأَحَبُّوا أنْ يدعَه على هَيئِهِ، فقالَ سمعتُ رسولَ الله وَهـ يقولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً لله، بَنَى اللهُ لَهُ في الجَنَّةِ مِثْلَه)). و (قوله: ((لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكرِ خليلاً))) هذا يدلُّ: فضيلة أبي بكر على أنَّ أبا بكر أفضلُ الناس، بعد رسول الله وَّهِ، وأنه مخصوصٌ مِن مِنَح الله، ومن كريم مواهبه، ومن محبة رسول الله وَلي له؛ بما ليس لأحدٍ مِن بَعْده، وهذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة أجمعين، من السَّلَف الماضين والخَلَف اللاحقين. (٤٢) ومن باب: ثواب من بنى الله مسجداً (قوله: ((من بنى الله مسجداً)) أي: مُخْلِصاً في بنائه اللهِ تعالى، كما قال في فضيلة بناء المساجد الرِّواية الأخرى: ((يبتغي به وَجْهَ الله)). وقوله: ((بنى اللهُ له في الجنة مِثْلَه)) هذه المثليةُ ليستْ على ظاهِرها، ولا مِن كُلِّ الوجوه، وإنما يعني: أنه بنى له بثوابه بناءً ١٣١ (٣) كتاب الصلاة - (٤٢) باب: ثواب من بنى الله مسجداً وفي رواية، قالَ عثمانُ: إنَّكم قد أكثرتُم، وإِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً لله تعالى - قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنه قال يَبْتَغِي به وجهَ اللهِ - بَنَى اللهُ له بَيْتاً في الجَنَّةِ)). رواه أحمد (٦١/١ - ٧٠)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦). * أشرف، وأعظم، وأرفع، وكذلك في الرّواية الأخرى: ((بنى اللهُ له بيتاً في الجنة))(١) ولم يُسَمِّه مسجداً، وهذا البيتُ هو - والله أعلم - مثل بيت خديجة، الذي قال فيه: (إنه من قصبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نصب))(٢). يريد: من قصب الزمرد والياقوت، ويعتضدُ هذا: بأن أجورَ الأعمال مضاعفة، وأن الحسنةَ بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدِّق بالثمرة: ((إنها تُربى حتى تصير مثل الجبل))(٣) ولكن هذا التضعيفَ هو بحسب ما يقترنُ بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولما فهم عثمانُ هذا المعنى تأنَّق في بناء المسجد، وحسَّنه، وأتقنه، وأخلص لله فيه، رجاءً أن يُبنى له في الجنة قصرٌ متقنّ مشرفٌ مرفّع، وقد فَعَل اللهُ تعالى له ذلك وزيادة، رضي الله تعالی عنه. (١) رواه أحمد (٣٥٥/٤ و٣٨١)، والبخاري (١٧٩٢)، ومسلم (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. (٢) رواه البخاري (١٤١٠). (٣) رواه أحمد (٢٦٨/٢ و٣٣١)، والبخاري (١٤١٠)، ومالك في الموطأ (٩٩٥/٢) من حدیث سعید بن يسار رضي الله عنه. ١٣٢ (٣) كتاب الصلاة - (٤٣) باب: التطبيق في الركوع (٤٣) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه [٤٢٦] عن الأسودِ وعلقمةَ، قالا: أَتَيْنا عبدَ الله بنَ مَسْعودٍ في دَارِه، فقالَ: أَصَلَّى هؤلاءِ خلفَكُم؟ فَقُلْنا: لا. قالَ: فقومُوا فَصَلُّوا. فلم يأمُّرْنا بِأَذَانٍ ولا إقامةٍ. قال: وذهَبْنا لنقومَ خلفَه، فأخذَ بأَيْدِينا، فجعلَ أحدنا عن يمينِهِ، والآخَرَ عن شِماله. قال: فلمَّا ركعَ وضعْنا أيديَنا على رُكَبِنَا قالَ: فضربَ (٤٣) ومن باب: التطبيق (قوله: (أَصَلّى هؤلاء خلفكم))؟) هذه الإشارةُ إلى الأمراء، عابَ عليهم تأخيرها عن وقتها المستحب، ويدلّ عليه آخر الحديث. و((خلفكم)) إشارة إلى مَوْضعهم فكأنه قال: الذين خَلْفَكُم، ولم يُرِدْ به أنّهم أئمتهم إذ قد صلّى بهم عبد الله رضي الله عنه. الأذان والإقامة للمنفرد و (قوله: ((فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة))) اختُلِف في صلاةِ الرَّجُل وَحْدَه أو في بيته، فذهب بعضُ السّلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم؛ إلى أنه تجزئة إقامةُ أهل المصر وأذانهم، وذهبَ عامةُ فقهاءِ الأمصار: إلى أنه لا بُدَّ له من إقامةِ الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذّن. واستحبَّ ابنُ المنذر أن يؤذِّنَ ویقیم . الاقتداء بالإمام و (قوله: ((وذهبنا لنقومَ خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخرَ عن شماله))) هذه الكيفيةُ هي مذهبُ ابن مسعود والجمهور، على أنَّهما يقومان خَلْفه، وسيأتي حديثُ ابنِ عباس حيث أقامه النبيُّ ◌َّ وجابر بن عبد الله ١٣٣ (٣) كتاب الصلاة - (٤٣) باب: التطبيق في الركوع أيدينَا، وطَبَّقَ بينَ كَفَّيْهِ، ثم أدخلَهما بينَ فَخِذَيْهِ، قالَ: فلمَّا صَلَّى قالَ: إِنَّه ستكونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُون الصَّلاة عن مِيقَاتِها، ويَخْتُقُونَها إلى شَرَقِ المَوْتَی، خلفه(١)، ولا خلافَ أنهم إذا كانوا ثلاثة قامُوا خَلْفَه، فإن كان واحداً قام عن يمينه، على مذهب كافة العلماء، وحكي عن ابن المسيب: أنه يقومُ عن شِماله، بحديث صلاةِ النبي ◌َ﴿ وأبي بكر في مَرَضِه، على ما تقدَّم. وما ذكر من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين هو مذهبُ ابن مسعود وأصحابه، خاصّة. وهو صحيحٌ مِن فِعْل النبيِ وَ ﴿، إلا أنه منسوخٌ كما ذُكِر في حديث سعد بن أبي وقاص، ولم يبلغْ ابنَ مسعود نَسْخُه. والله أعلم. وعلى نَسْخ التطبيق كافة العلماء غير مَن جـ ذُكِرٍ. و (قوله: ((سيكون عليكم أمراءُ يؤخِّرون الصَّلاة))) هذا وَقَعَ في بني أمية . وكذلك أخّر عمرُ بنُ عبد العزيز العصرَ، فدخل عليه عروةُ بن الزبير، فأنكر عليه، وهذا الحديثُ من أدلّة نبوة النبي ◌َله؛ إذ قد أخبر عن شيءٍ من الغيب فوقع على نحو ما أخبر، وكأنّ بني أمية كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخيرَ الصَّلاة إلى آخر وقتٍ توسعتها أفضل، کما هو قیاسُ قول أبي حنيفة حیث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب(٢) . و (قوله: ((يخنقونها إلى شرق الموتى))) أي: يضيّقون وقتها، ويتركون معنى: ((شرق أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خناق من كذا، أي: في ضيق منه، قال الموتى)) (١) سيأتي في التلخيص برقم (٦٤٢). (٢) يرى الأحنافُ أن التعجيل في أول الوقت هو المستحب في صلاتي الفجر والمغرب، أمّا صلاة الظهر فيستحبّ تأخيرها حتى تنكسر حدّة الشمس، وكذا صلاة العصر بحيث لا تؤثر إلى تغيّر قرص الشمس، والعشاء يستحب تأخيرها إلى قبل ثلث الليل. انظر: فتح القدير لابن الهمام (١٥٨/١). ١٣٤ (٣) کتاب الصلاة ۔ (٤٣) باب: التطبيق في الركوع فإذا رأيتمُوهم قد فَعَلُوا ذلكَ فصَلُوا الصَّلاة لميقَاتِها، واجْعَلُوا صَلاتَكُم معَهم سُبْحَةً، وإِذَا كنتُم ثلاثةً فصَلُّوا جميعاً، وإِذَا كُنْتُم أكثرَ مِن ذلكَ فَلْيَؤُمَّكُم أحدُكم، وإذَا ركعَ أحدُكمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْه على فَخِذَيْهِ، ولْيَحْنٍ وليُطَبَقْ بين كَفَّيْهِ. فَكَأَنِّي أنظرُ إلى اختلافِ أصَابع رسولِ الله ◌َّهِ. - وفي روايةٍ: وهُو رَاكِعٌ - فَأَرَاهُم. وفي أخرى: فلمَّا صَلَّى قالَ: هكذا فعلَ رسولُ اللهِ وَهـ رواه مسلم (٥٣٤)، والنسائي (١٨٤/٢). [٤٢٧] وعن مُصعبٍ بن سَعْدٍ، قالَ: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي، قالَ: وجعلتُ يَدَيَّ بينَ رُكْبَتَيَّ. فقالَ لي أبي: اضربْ بِكَفَّيْكَ على رُكْبتَيْكَ. أبو عبيد: سأل الحسنُ بنُ محمد ابنَ الحنفية عن هذا الحديث، فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعتْ عن الحيطان، وصارت بين القبور وكأنها لُجّة، فذلك شرق الموتى. وقال الهروي في تفسير شرق الموتى: قال ابنُ الأعرابي: فيه معنيان: أحدُهما: أن الشمسَ في ذلك الوقت إنما تثبتُ ساعةً، ثم تغيبُ، فشبّه قلّةَ ما بقي من الوقت ببقاء تلك الساعة. والثاني: شرق الميت بريقه فشبّه قلّة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة من شرق بريقه، حتى تخرج روحُه، وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعتِ الشمس، وقيل: هو اصفرارُ الشمس قبل غروبها. و (قوله: ((واجعلوا صلاتكم معهم سبحة))) أي: نافلة. وهذا لما يُخشى من أذاهم، ومن المخالفة عليهم. و (قوله: ((وليحن))) رواية العذري، بضم النون، من: حنوت العود؛ إذا عطفته، ورواية أكثر الشيوخ: ((وليخن)) بكسر النون، من: حنيت العود، وهما ١٣٥ (٣) كتاب الصلاة - (٤٣) باب: التطبيق في الركوع قالَ: ثم فعلتُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى، فضربَ يَديَّ، وقالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هُذَا، وأُمِرْنا أن نضربَ بالَكُفِّ على الرُّكَبِ. وفي رواية: فقلتُ بِيَدَيَّ هكَذا، يعني طَبَّقَ بهما ووضعَهما بينَ فَخِذَيْهِ، فقالَ أبي: قد كنَّا نفعلُ هذا، ثم أُمِرْنا بالرُّكَبِ. وفي أُخرى: ثم أُمِرْنَا أنْ نرفعَ إلى الرُّكُبِ. رواه مسلم (٥٣٥)، والنسائي (١٨٥/٢). لغتان. وعند الطبري: ((فليجْنأ)) بالجيم وفتح النون وبهمز آخره، وكلها صحيح. والمرادُ به الانحناء في الركوع وهو تعقف الصلب، يقال: حنا على الشيء، يحنو، حنواً بالحاء، وجنا يجنأ جناء وجنوءاً بالجيم والهمز؛ إذا فعل ذلك. وأصل الركوع معنى الركوع في لغة العرب: الخضوع والذلة. قال شاعرُهم: لا تُعادِ الفقيرَ علَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يوماً والدَّهرُ قَدْ رَفَعَهْ ثم هو في الشرع: عبارة عن التذلّل بالانحناء، وأقله عندنا تمكينُ وضع اليدين على الركبتين مُنحنياً، وهو الواجبُ، وهل الطمأنينةُ واجبةٌ أو ليست بواجبة؟ قولان. وعند أبي حنيفة: الواجبُ منه أقلّ ما يُطلق عليه اسم المنحني. والحديثُ الصحيحُ يردّ عليه، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ١٣٦ (٣) كتاب الصلاة - (٤٤) باب: جواز الإقعاء على العقبين (٤٤) باب [جواز الإقعاء على العَقِبِيْنِ] [٤٢٨] عن طَاؤُوس، قالَ: قلنا لابن عَبَّاس في الإقعاءِ عَلى القَدَمَيْنِ. فقالَ: هي السُّنة. [(٤٤) ومن باب: جواز الإقعاء على العقبين] (١) معنى الإقعاء (قول ابن عباس في الإقعاء: ((هي السنة))) قال أبو عبيد: الإقعاء: هو أن يلصقَ الرجلُ ألیتیه بالأرض، وینصب ساقيه، ويضع یدیه بالأرض كما يفعلُ الكلب. قال: وفي تفسير الفقهاء أن يضعَ أليتيه على عقبيه بين السَّجدتين نظر، وقال ابنُ شميل: الإقعاء: أن يجلسَ على وركيه. وهو الاحتفازُ والاستيفاز، وحُكي عن الثَّعالبي أنه قال في أشكال الجلوس عن الأئمة: أنَّ الإنسانَ إذا ألصقَ عقبيه بأليتيه، قيل: إقعاء. وإذا استوفز في جلوسه كأنه يريدُ أن يثورَ للقيام؛ قيل: احتفز، واقعنفز، وقعد القُعْفُزاء. فإذا ألصق أليتيه بالأرض، وتوسّد ساقيه؛ قيل: قرطش. کذا وقع، وصوابه: فرشط بالفاء. وتقديم الشين المعجمة والطاء المهملة. وقد ذكره أبو عبيد في المصنّف. قال القاضي عياض: والأشبه عندي في تأويل الإقعاء، الذي قال فيه ابنُ عباس أنه من السُّنَّة: الذي فسَّره به الفقهاءُ مِن وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين. وكذا جاء مفسّراً عن ابن عباس: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك. وقد رُوي عن جماعة من السّلف والصّحابة: أنهم كانوا يفعلونه. ولم يقلْ بذلك عامةُ فقهاء الأمصار، وسمّوه إقعاء، ووافق الشافعيُّ مالكاً في كراهية ذلك بين السَّجدتين، وخالفه في استعمال ذلك، عند الرَّفع من السَّجدة الثّانية للقيام. فأجازه، وقال: ليس ذلك بإقعاء، وإلى ذلك ذهبَ جماعةٌ من أصحاب الحديث؛ متمسِّكين بحديث مالك بن الحويرث: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان إذا كان في وتر (١) لم يرد في الأصول، وأثبتناه من صحيح مسلم. ١٣٧ (٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة فقُلْنا له: إنَّا لنراهُ جَفاءَ بالرَّجُلِ. فقالَ ابنُ عَبَّاس: بل هي سُنَّ نَبِيِّكَ لاَهـ رواه أحمد (٣١٣/١)، ومسلم (٥٣٦)، وأبو داود (٨٤٥)، والترمذي (٢٨٣). (٤٥) باب نسخ الكلام في الصلاة [٤٢٩] عن معاوية بن الحكم السُّلَمِيِّ، قالَ: بَيْنا أنَا أُصَلِّ معَ رسولِ اللهِ وَ﴾، إذْ عطسَ رجلٌ مِنَ القَوْم، فقلتُ: يرحمُك اللهُ، فَرَمانِي القومُ بأبصَارِهم، فقلتُ: وَاتُكْلَ أُمَّيَّاهْ! مَّا شَأُنْكُم تنظرونَ إليَّ؟ من صَلاته لم ينهضْ حتى يستوي قاعداً. ومَنَعَ ذلك كافةُ الفقهاء. ولعلّهم رأوه من الإقعاء المكروه. وحديثُ مالك بن الحويرث لعلّه لعذرٍ أوجبَ ذلك، أو ليبين: أنه لیس بحرام. و (قوله: ((إنّ لنراه جفاء بالرَّجُل))) كذا صحّتِ الروايةُ منه، بفتح الراء وضم الجيم. وقيّده أبو عمر بن عبد البرّ: بكسر الراء وسكون الجيم، وكان يقول: من قال بالرجل فقد صحّف. ولا معنى له. قال القاضي: والأوجهُ عندي روايةٌ الجماعة. ويدلُّ عليه: إضافةُ الجفاء إليه في جلسته المكروهة عند العلماء، وأما الرِّجْل فلا وجه له. (٤٥) ومن باب: نسخ الكلام في الصلاة (قوله: ((واتُكْلَ أُمَّيَّاه))) الثكل: الحزن لفقد الولد. والمرأة الثكلى: الفاقدةُ لولدها، الحزينةُ عليه. و (أُمَّيَّاه) مضاف إلى: ثكل. وكلاهما منادى مندوب. كما ١٣٨ (٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة فجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأيديهم على أَفْخَاذِهم، فلمَّا رأيتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُ. فلمَّا صَلَّى رسولُ اللهِوَّهِ، فبِأَبِي هو وأُمي، ما رأيتُ مُعَلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعلِيماً منه، واللهِ ما كَهَرَنِي، ولا ضَرَيَّنِي، ولا شَتَمَنِي، قالَ: ((إنَّ هذهِ الصَّلاة لا يَصْلُحُ فيهَا شيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكبيرُ وقِرَاءَةُ القُرآنِ)) . قالوا: واأمير المؤمنيناه! و (أمِّياه) أصله: ((أمِّي)) زيدت عليها الألف لمدّ الصّوت، وأُردفت بهاء السّكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل. و (قوله: ((فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم))) يعني: يسكتونه، يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي ◌َظهر عن التصفيق والأمر بالتّسبيح. قال التصفيق المنهي المؤلف - رحمه الله -: ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهي عنه إنما عنه هو ضرب الكف على الكف، أو الأصابع على الكف، ويبعدُ أن يُسمَّى مَن ضرب على فخذه، وعليها ثوبه، مُصفِّقاً. والله أعلم. ولذلك قال: ((فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم)) ولو كان سمّى هذا تصفيقاً لكان الأقربُ في لفظه أن يقولَ: يصفّقون، لا غیر. و (قوله: ((فما كهرني))) أي: فما انتهرني. والكهرُ: الانتهار، قاله أبو عُبيد، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: (فأما اليتيمَ فلا تكهر) (١) وقيل: الكهر: العبوس في وجه من تلقاه. و (قوله: ((إن هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلام الناس)») يدل: على منع الكلام في الصلاة، وعلى مَنْع تشميت العاطس فيها، وهو متمسّكٌ عند مَن(٢) الكلام في الصلاة (١) فتح القدير للشوكاني (٥٥٩/٥) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب (١٩٩٤ م). (٢) في (ل) و (م): متمسّك لمن. ١٣٩ (٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة أو كما قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ. قلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي حديثُ عَهْدٍ بجاهليةٍ، وقد جاءَ اللهُ بالإسلام، وإنَّ مِنَّا رِجَالاً يأتونَ الكُهَّانَ. قالَ: ((فلا مَنَع الدعاء في الصَّلاة بغير ألفاظِ القرآن، كما قدَّمناه. ويعتضدُ بقوله: ((إنما هي التسبيحُ والتكبيرُ، وقراءةُ القرآن)) لأن إنما للحصر، وينفصلُ عنه بما ثبت من تخصيص هذا الحديثِ بدعائه 3 18 في الصَّلاة، على أقوامٍ بأعيانهم، كما سيأتي، وقد كان الكلامُ مُباحاً في الصَّلاة حتى تقرَّر نَسْخُه، كما جاء في حديث زيد بن أرقم، ولا يختلف: في أنَّ الكلامَ العمدَ الذي لا يُقْصَدُ به إصلاحُ الصلاة، ولا صَدَرَ من جاهلٍ بمنعه يفسد الصلاة. واختلف فيه: سَهْواً، وعَمْداً للإصلاح، وجَهْلاً. فقال الكوفيون: تفسدُ الصلاةُ بالكلام كيفما وقع، والجمهورُ على خلافهم. وسببُ الخلاف: هل الامتناعُ من الكلام شرطٌ مطلقاً، أو هو شرطٌ في بعض الأحوال دون بعض؟ والصَّحيحُ: مذهبُ الجمهور، بدليل ما رُوي في هذا الحديث: من أنَّ معاوية تكلَّم في الصلاة جاهِلاً بحُكْم ذلك، ثم لما فرغ أعلمه النَّبِيُّ وَّهِ بتحريم الكلام، ولم يأمره بالإعادة. وإذا كان ذلك في الجاهل؛ فالنّاسي أولى بذلك؛ إذ هو غيرُ مقصّر ولا ملوم. وأما الكلامُ لإصلاح الصَّلاة: فقد صحَّت فيه الأحاديثُ على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما تشميت العاطس: فهو كلامٌ مع مخاطَبٍ عمداً فيفسدُ الصلاة، وأما تحميدُه هو بنفسه: فروي عن ابن عمر والشّعبي وأحمد أنه يحمد الله ويجهر به. ومذهبُ مالك والشافعي: أنه يحمد اللهَ تعالى ولكن سرّاً في نفسه. و (قوله: ((ومنا رجال يأتون الكهّان))) الكهّان: جمع كاهن، ككاتب الكهانة في وكتّاب، والكاهن: الذي يتعاطى عِلْمَ ما غابَ عنه. وكانت الكِهانةُ في الجاهلية الجاهلية في كثيرٍ من الناس شائعةً فاشيةً. وكان أهلُ الجاهلية يترافعون إلى الكُهَّان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فعل عبدُ المطلب؛ حيث أراد ذَبْحَ ابنه عبد الله في نَذْرٍ كان نَذَره، فمنعته عشيرتُه من ذلك، وسَرَى أمرُهم حتى نَذْر عبد المطلب ١٤٠ (٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة تَأْتِهِم)). قالَ: ومِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. ترافعوا إلى كاهنٍ معروف عندهم(١)، فحكم بينهم بأن يُقْدُوه بمئةٍ من الإبل، على ترتيبٍ ذُكِرَ في السِّيرة، وإنما كان الكاهنُ يتمكّن من التكهّن بواسطة تابعه من الجِن، وذلك أن الجنيَّ كان يسترقُ السمع، فيخطف الكلمةَ من الملائكة، فيخبرُ بها وليّه، فيتحدَّث بها(٢) ويزيدُ معها مئة كذبة، كما قال رسولُ اللهِوَلِ(٣)، فلما بَعَثَ اللهُ رسولَهِ وَل﴿ أُرسلتِ الشهب على الجن، فلم يتمكّنوا مما كانوا يتمكّنون منه قبل ذلك، فانقطعت الكهانة؛ لئلا يجرّ ذلك إلى تغيير الشّرع. ولبس (٤) الحق بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت؛ فقد بقي في الوجود قومٌ يتشبّهون بأولئك النهي عن اتباع الكُهَّان، فنهى الرسولُ اللّهِ وَظَهر عن اتّباعهم؛ لأنهم كَذَبة، مُمَخْرِقُون(٥)، مبطلون، الگھَّان ضالون، مضلون، فيحرم إتيانُهم، والسماحُ منهم، وقد كثر هذا النوعُ في کثیرٍ من(٦) نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليُحذرِ الإتيانُ إليهم والسَّماعُ منهم. و (قوله: ((ومنّا رجال يتطيّرون))) الطيرة: مصدر طار، يطير، طيرة، وطيراناً، وأصلها: أن العربَ كانوا إذا خَرَجَ الواحدُ منهم في حاجة نَظَر إلى أول طائر يراه؛ فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع من المضيّ في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمّن به، ومضى في حاجته، وأصلُ هذا: أن الراميَ للطّر، إنما معنی التطیُّر (١) ساقط من (ع). (٢) ساقط من (ع). (٣) قال ◌َله: ((تلك الكلمةُ من الجِنِّ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّها في أُذُنٍ وَلِيُّه قَرَّ الدَّجاجة، فَيَخْلِطُون فيها أكثر مِن مئةٍ كَذْبَةِ». رواه البخاري (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨). (٤) في (م): تلبيس. (٥) ((ممخرقون)): مختلقون للكذب والإفك. (٦) من (ل).