Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٣) کتاب الصلاة ۔ (٢٦) باب: في اعتدال الصلاة وتقارب أر کانها
[٣٧٣] وعن أنس، قالَ: ما صَلَّيْتُ خلفَ أحدٍ أوجزَ صَلاةً مِنْ
صَلاةِ رسولِ اللهِوَ﴿ فِيَ تَمَامِ. كَانَتْ صَلاةُ رسولِ الله ◌ِ مُتَقَارِبَةً، وكانتْ
صَلاةُ أبي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فلمَّا كانَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلاةِ الفَجْرِ.
وكانَ رسولُ اللهِ﴿ إِذَا قالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه)) قام حتَّى نقولَ: قَدْ
أَوْهَمَ. ثمَّ يَسْجُدُ، ويَقْعِدُ بينَ السَّجدتينِ: حتَّى نقولَ: قَدْ أَوْهَمَ.
رواه أحمد (٢٤٧/٣)، والبخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٣)، وأبو
داود (٨٥٣).
التي وقع فيها ذِكْرُ القيام وهمٍّ، وأن الصحيحَ إسقاطه كما رواه البخاري ومسلم(١)
أيضاً في رواية أخرى من حديث البراء، ولم يذكر فيها القيام، وزاد البخاري فيه:
ما خلا القيامَ والقعود. والطريقة الأولى أحسن وأسلم.
و (قوله في حديث أنس: ((حتى نقول: قد أوهم))) كذا صوابه، بفتح الهمزة
والهاء، فعل ماض مبني للفاعل، ومعناه: ترك، قال ثعلب: يقال: أوهمت
الشيء؛ إذا تركته كله، أُوهم، ووَهِمتُ في الحساب وغيره: إذا غلطت. أَوهِمُ،
ووهمت إلى الشيء؛ إذا ذهب وهَمُكَ إليه وأنت تريدُ غيره، أَهِم وَهْماً.
(١) رواه البخاري (٧٩٢)، ومسلم (١٩٤/٤٧١).

٨٢
(٣) كتاب الصلاة - (٢٧) باب: اتباع الإمام والعمل بعده
(٢٧) باب
اتباع الإمام والعمل بعده
[٣٧٤] عن البَراءِ، أنَّهم كَانُوا يُصَلُّونَ خلفَ رسولِ اللهِوَلّهِ، فإذَا
رفعَ رأسَه لم أرَ أَحَداً يَحْنِي ظهرَه حتَّى يضعَ رسولُ اللهِوَّه جبهته على
الأرضِ، ثم يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَه سُجَّداً.
وفي لفظٍ آخرَ: كَانُوا يُصَلُّونَ مع رسولِ اللهِّهِ فِإذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وإذا
رفعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع فقالَ: ((سَمِعَ اللهُ لمِنْ حَمِدَه)) لم نزلْ قِيَاماً حتَّى نراهُ
قد وضعَ وجهَه في الأرضِ، ثم نَّبِعُهُ.
رواه أحمد (٣٠٠/٤ و٣٠٤)، والبخاري (٦٩٠)، ومسلم (٤٧٤)
(١٩٧ و١٩٩)، وأبو داود (٦٢١)، والترمذي (٢٨١).
(٢٧ (١) و٢٨) ومن باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
(قوله في حديث أبي سعيد: ((ملْء السموات والأرض وملء ما شئتَ من
شيء))). قال الخطابي: هو تمثيلٌ وتقريبٌ، والمرادُ تكثيرُ العدد، حتى لو قُدِّر ذلك
أجساماً ملأ ذلك كلّه. وقال غيره: المرادُ بذلك: التعظيم، كما يقال: هذه الكلمةُ
تملأ طباقَ الأرض. وقيل: المرادُ بذلك: أَجْرها وثوابها. والله أعلم.
(١) الباب (٢٧) لم يرد في المفهم شرح المشكلة، لخلوّ الحديث الوارد فيه من
المشكلات. علماً بأنّ متابعة الإمام سبقت في الباب رقم (١٨)، وما يقال بعد الرفع
من الركوع سيأتي في الباب التالي رقم (٢٨).

٨٣
(٣) كتاب الصلاة - (٢٨) باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
(٢٨) باب
ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
[٣٧٥] عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَِّ إذَا رِفَع
رأسَه من الرُّكوع قالَ: ((رَبَّنا لكَ الحمدُ، مِلءَ السَّمواتِ والأرضِ، ومِلْء ما
شِئْتَ مِن شيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ والمَجْدِ، أَحَقُّ ما قالَ العبدُ، وكُلُّنا لكَ
و ((بعد)» ظرفٌ قُطِع عن الإضافة مع إرادة المضاف، وهو السّموات
والأرض، فَبُِّي على الضمّ لأنّه أشبهَ حرفَ الغاية؛ الذي هو منذ. والمراد بقوله:
((من شيء)): العرش، والكرسي، ونحوهما ممّا في مقدور الله تعالى. والله أعلم.
و (قوله: ((أهل الثناء والمجد))) أي: يا أهل الثناء، فهو مُنادى مضاف؛
حُذف حرفُ ندائه. وروايةُ الجمهور: المجد - بالميم والجيم - إلا ابن ماهان فإنه
رواها الحمد .. فأما المجد: فهو نهاية الشّرفُ وكثرته، والماجد: هو الذي يعدّد
لنفسه آباء أشرافاً ومآثر حسنة كثيرة. ومنه قالتِ العربُ: في كلِّ شجر نار،
واستمجد المَرْخِ والعَفَار، أي: كَثُر في هذين النّوعين من الشجر. وقد تقدَّم معنى
الحمد في أول الكتاب.
و (قوله: ((أحقّ ما قال العبد))) أي: أوجب وأثبت وأولى. وهو مرفوعٌ
بالابتداء، وخبره: [اللهم لا مانع لما أعطيت. إلى آخره: ((وكلنا لك عبد» معترض
بين المبتدأ والخبر](١). والعبد: جنس العباد العارفين بالله تعالى؛ فكأنه قال:
أولى ما يقولُ العبادُ العارفون بالله تعالى هذه الكلمات: لما تضمّنته من تحقيق
التوحيد، وتمام التّفويض، وصحّة التبرّي من الحول والقوة.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٨٤
(٣) كتاب الصلاة - (٢٨) باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مانعَ لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ
مِنْكَ الجَدُّ».
رواه مسلم (٤٧٧)، وأبو داود (٨٤٧)، والنسائي (١٩٨/٢ -
١٩٩)، وابن ماجه (٨٧٧).
[٣٧٦] وعن عبدِ اللهِ بن أبي أَوْفى، عن النبيِّ وَّ أنَّه كانَ يقولُ:
((اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ، مِلءَ السَّموات ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ
بَعْدُ. اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ، ومَاءِ البَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الدُّنُوبِ
والخَطَايَا كما يُتَّقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ مِنَ الوَسَخِ)».
و (قوله: ((لا ينفع ذا الجد منك الجد)) رواه الجمهور بفتح الجيم في
اللفظين، وهو هنا بمعنى: البخت والحظّ، ولفظُ الجدّ ينطلق على البخت،
والغِنى، والعظمة، والسلطان، وأب الأب، ومعناه: لا ينفع مَنْ رُزق مالاً وولداً
أو جاهاً دنيوياً شيء من ذلك عندك. وهذا كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *
إِلَّا مَنْ أَ اَللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ -٨٩]. وحُكي عن الشيباني في الحرفين:
كسر الجيم، وقال: معناه لا ينفعُ ذا الاجتهادِ والعملِ منك اجتهاده وعمله. قال
الطبري: وهذا خلافُ ما عرفه أهل النقل، ولا نعلم مَن قاله غيره، وضعّفه. قال
غيرُه: والمعنى الذي أشار إليه الشّيباني صحيح، ومراده: أن العملَ لا ينجي
صاحبه. وإنما النجاةُ بفضل الله ورحمته؛ كما جاء في الحديث: ((لن ينجي أحداً
منكم عمله))(١) .. الحديث.
و (قوله في حديث ابن أبي أوفى: ((اللهم طهّرني بالثلج والبرد وماء البارد)):
استعارةٌ للمبالغة في التنظيف من الذنوب، وماء البارد من باب إضافة الشيء إلى
صفته، وقد تقدّم ذكرها.
(١) رواه أحمد (٥٣٧/٢)، والبخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.

٨٥
(٣) كتاب الصلاة - (٢٩) باب: النهي عن القراءة في الركوع والسجود
رواه أحمد (٣٥٤/٤ و٣٥٦)، ومسلم (٤٧٦) (٢٠٤)، وأبو داود
(٨٧٦)، والترمذي (٣٥٤١)، وابن ماجه (٨٧٨).
(٢٩) باب
النهي عن القراءة في الركوع والسجود
[٣٧٧] عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: كشفَ رسولُ اللهِ نَّهِ السِّتَارَة، والنَّاس
صُفُوفٌ خلفَ أبي بَكْرٍ. فقالَ: ((أيُّها النَّاسُ! إنَّه لم يبقَ مِن مُبَشِّراتِ التُّوَّةِ
إلا الزُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاها المسلمُ أو تُرَى له. أَلَا وإِنِّي نُهِيتُ أنْ أقرأَ القُرآنَ
راكِعاً أو ساجِداً، فَأَمَّا الرُّكُوُ فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ - عزَّ وجلَّ-، وأمَّا السُّجُودُ
فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ،
(٢٩) [ومن باب: النهي عن القراءة في الركوع والسجود](١)
(قوله: ((أما الركوع فعظّموا فيه الرب. وأما السّجود فاجتهدوا فيه في القراءة في
الدعاء))) مذهبُ الجمهور: كراهةُ القراءة والدُّعاء في الركوع، وقال الشافعي الركوع
والكوفيّون: يقول في الركوع: سُبحانَ ربي العظيم. وفي السّجود: سُبحان ربي
والسجود
الأعلى؛ اتباعاً لحديث عقبة (٢). وكلّهم على استحباب ذلك، وذهبَ بعضُهم إلى
وجوب ذلك في الركوع والسّجود. وذهب إسحاق وأهلُ الظاهر: إلى وجوب
الذِّكر فيهما. دون تعيين، وأنه يعيدُ الصَّلاة مَنْ تركه. وفي المبسوط عن يحيى بن
يحيى، وعيسى بن دينار، من أئمتنا، فيمن لم يذكر الله في ركوعه ولا سجوده:
(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.
(٢) رواه أبو داود (٨٧٠).

٨٦
(٣) كتاب الصلاة - (٢٩) باب: النهي عن القراءة في الركوع والسجود
فقَمَنُ أن يُسْتَجابَ لكم)).
وفي رواية: كشفَ السَّتْرَ ورأسُهُ مَعْصُوبٌ، في مَرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ،
قالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) ثلاثَ مَرَّاتٍ ((إنَّه لم يبقَ مِن مُبَشِّراتِ النُّبوةِ إلا
الرُّؤْيَا يَراها العَبْدُ الصَّالِحُ، أو تُرَى له)).
رواه أحمد (٢١٩/١)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)،
والنسائي (١٨٩/٢)، وابن ماجه (٣٨٩٩).
[٣٧٨] وعن عليٍّ بن أَبِي طَالِبٍ، قالَ: نَهانِي رسولُ اللهِ وَّهِ عنِ
القِراءةِ في الرُّكوعِ والسُّجُودِ، ولا أقولُ: نَهاكُم.
أنه يعيد الصلاةَ أبداً. وقد تأوَّل المتأخرون من أصحابنا ذلك عليهما تأويلاتٍ
بعيدة.
و (قوله: ((فَقَمَنٌ))) بفتح القاف والميم؛ ومعناه: حقيق وجدير. ويقال:
(قمن)) بكسر الميم، و ((قمن)) بالفتح: مصدر. وغيره نعت؛ يثنى ويجمع.
((ومبشرات النبوة))) أول ما يبدو منها، مأخوذٌ من تباشير الصّبح وبشائره،
وهو أول ما يبدو منه، وهذا كما تقدّم من قول عائشة: ((أول ما بدىء به
رسولُ اللهِ﴿ من الوحي الرؤيا الصّالحة، في النوم))(١).
و (قول علي رضي الله عنه: ((نهاني رسولُ اللهِ وَ ل﴿ ولا أقول نهاكم))) لا يدلُّ
على خصوصيته بهذا الحكم، وإنّما أخبرَ بكيفية توجّه صيغة النهي الذي سمعه،
فكأن صيغة النهي التي سمع: ((لا تقرأ القرآنَ في الركوع)). فحافظَ حالةَ التبليغ على
(١) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، والترمذي (٣٦٣٦)، وابن ماجه (٨٨٧)، وسبق
برقم (١٢٦).

٨٧
(٣) كتاب الصلاة - (٣٠) باب: ما يقال في الركوع والسجود
رواه أحمد (٨١/١)، ومسلم (٤٨٠) (٢١١)، وأبو داود (٤٠٤٤
- ٤٠٤٦)، والنسائي (١٨٨/٢ -١٨٩).
(٣٠) باب
ما يقال في الركوع والسجود
[٣٧٩] عن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَّةٍ يُكْثِرُ أنْ يقولَ في
ركوعه وسُجودِهِ: ((سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي)) .....
كيفية ما سمع حالة التحمل. وهذا من باب نَقْل الحديث بلفظه كما سمع. ولا شكَ
أنّ مثلَ هذا اللفظ مقصورٌ على المخاطب، من حيث اللغة، ولا يُعدّى إلى غيره إلا
بدليل من خارج؛ إما عام كقوله عليه الصلاة والسلام: ((حكمي على الواحد
كحكمي على الجميع)) (١)؛ أو خاص في ذلك الحكم كقوله: ((نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ
راكعاً، أو ساجداً)(٢).
(٣٠) [ومن باب: مما يقال في الركوع والسجود](٣)
(قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك))) سُبحانك: اسم علم لمصدر سبح، وقع
موقعه. فنُصب نصبه، وهو لا ينصرف للتعريف والألف والنون الزائدتین کعثمان،
ومعناه: البراءةُ الله من كلّ نقص وسوء. وهو في الغالب مما لا ينفصلُ عن
الإضافة، وقد جاء مُنفصلاً عنها في قول الأعشى شاذّاً:
أَقُولُ لمَّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: ليس له أصل بهذا اللفظ، وقال في الدرر:
لا يُعرف، وسُئِل عنه المزي والذهبي فأنكراه. (كشف الخفاء ١١٦١).
(٢) هو من حديث ابن عباس. انظره في التلخيص (٣٧٧).
(٣) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.

٨٨
(٣) كتاب الصلاة - (٣٠) باب: ما يقال في الركوع والسجود
يَتَأَوَّلُ القُرآنَ.
رواه أحمد (٤٩/٦)، والبخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤) (٢١٧)،
وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (٢١٩/٢)، وابن ماجه (٨٨٩).
[٣٨٠] وعنها، قالتْ: افتقدتُ النبيَّ نَّهِ ذاتَ ليلةٍ، فظننتُ أنَّه
ذهبَ إلى بعضٍ نِسائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ، ثمَّ رَجَعْتُ، فإذا هو رَاكِعٌ أو سَاجِدٌ
وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجّب، فكأنه قال تعجّباً: من علقمة! هذا
قولُ حذّاق النحویین وأئمتهم. وقد ذهب بعضُهم: إلی أن ((سبحان) جمع سباح،
من: سبح يسبح في الأرض؛ إذا ذهب فيها سبحاً وسبحاناً. وهذا: كحساب
وحسبان. وقيل: جمع سبيح للمبالغة من التسبيح، مثل: خبير، وعليم، ويُجمع:
سبحان، كقضيب، وقضبان. وهذان القولان باطلان؛ بدليل عَدَم صرفه كما ذكرناه
من بيت الأعشى.
و (قوله: ((وبحمدك))) متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه التسبيح، أي: بحمدك
سبّحتك، أي: بتفضّلك وهدايتك. هذا قولُهم، وكأنّهم لاحظوا: أنَّ الحمدَ هنا
بمعنى الشكر.
قال الشيخ - رحمه الله -: ويظهرُ لي وجهٌ آخر، وهو إبقاءُ معنى الحمد على
أصله. كما قرّرناه أوّل الكتاب، ويكون إثباتاً للسّبب، ويكون معناه: بسبب أنك
موصوفٌ بصفات الكمال والجلال سبّحك المسبّحون، وعظّمك المعظّمون، والله
تعالى أعلم [بغيبه وأحكم](١).
و (قوله: ((يتأوّل القرآن))) معناه: يتمثل ما آل إليه معنى القرآن في قوله
تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء
الله تعالی.
(١) من (م).

٨٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٩) باب: ما يقال في الركوع والسجود
يقولُ: ((سُبْحانَكَ وبحمدِكَ. لا إلهَ إلّا أنتَ))، فقلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي! إنِّي
لَفِي شَأْنٍ، وإِنَّكَ لَفِي آخرَ.
رواه أحمد (١٩٠/٦)، ومسلم (٤٨٥)، والترمذي (٣٤٩١)،
والنسائي (٢/ ٢٢٣ و٢٢٥).
[٣٨١] وعنها، قالتْ: فَقَدْتُ رسولَ اللهِوَلِّ ليلةً من الفِرَاشِ،
فالتمستُه، فوقعتْ يَدِي على بَطْنِ قَدَمَيْهِ وهو في المسجدِ وهُما مَنْصُوبَتَانِ،
وهو يقولُ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبمُعافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ،
و (قولها: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!) أي: بأبي أنت وأمي تُفدى من
المكاره، وهو كلامٌ يستعملونه في محلّ المحبة، والمبالغة في الإكرام والاحترام،
وقد صرَّحوا بذلك المعنى المقدَّر فقالُوا: فداكَ أبي وأُمِّي، وجعلني الهُ فداك،
ويقولونه بكسر الفاء والمدِّ والهمز، وبفتح الفاء، والقصر.
و (قوله: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
عقوبتك)) ... الحديث) اللهم هي: (الله)) زِيْدَ عليها الميمُ عوضاً من حرف النداء،
ولذلك لا يُجْمَعُ بينهما إلا في الشاذّ في قوله:
وَمَا عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي كُلَّما سبحت أو هلّلت يا اللَّهُمَّا
هذا قولُ جمهور النّحويين. وقد قيل: معنى اللهم: يا الله! آمِنّا بخير، فأبدل
من همزة آمِنًا ميماً، وأدغمت في ميم آمِنًا، وهذا الحكم لا يشهدُ له دليلٌ
ولا صحيحُ تعليل.
قال القاضي - رحمه الله -: ((وسخطه، ومُعافَاتُه، وعقوبته)) من صفات
أفعاله، فاستعاذَ مِن المكروه منهما إلى المحبوب، ومن الشّر إلى الخير. قال
الشيخ - رحمه الله -: ثم ترقّى عن الأفعال إلى مُنْشِىء الأفعال، فقال: ((وبك منك))

٩٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٩) باب: ما يقال في الركوع والسجود
وأعوذُ بكَ منكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نَفْسِكَ)).
رواه أحمد (٢٠١/٦)، ومسلم (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)،
وابن ماجه (٣٨٤١).
[٣٨٢] وعنها، أنَّ رسولَ الله وَّ كانَ يقولُ فِي رُكُوعِه وسُجودِه:
((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ)).
مشاهدة للحق، وغيبة عن الخلق. وهذا محضُ المعرفةِ الذي لا يُعبِّر عنه قولٌ ولا
تضبطه صِفة .
و (قوله: ((لا أُحصي ثناءً عليك))) أي: لا أُطيقه. أي: لا أنتهي إلى غايته،
ولا أُحِيطُ بمعرفته؛ كما قال ◌َ﴿ مخبراً عن حاله في المقام المحمود حين يخِرُّ
تحت العرش للسجود قال: ((فأحمده بمحامد لا أقدرُ عليها إلا أن يلهمنيها
الله))(١). وروي عن مالك: لا أُحصي نعمتك وإحسانك والثَّناءَ عليك، وإن
اجتهدتُ في ذلك. والأول أولى لما ذكرناه. ولما جاء في نص الحديث نفسه:
((أنتَ كما أثنيتَ على نفسك)). ومعنى ذلك: اعترافٌ بالعجز عن أداءِ وفهم ما يريده
اللهُ مِن الثَّناء على نفسه، وبيان صمديته، وقدوسيّته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته
ما لا يُنتهى إلى عدِّه، ولا يوصل إلى حدِّه، ولا يحصِّله عقل، ولا يحيط به فكر،
وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهتْ معرفةُ الأنام؛ ولذلك قال الصدّيق الأكبر:
العجزُ عن درك الإدراك إدراك. وقال(٢) بعضُ العارفين في تسبيحه: سُبحان من
رضي في معرفته بالعجز عن معرفته.
و (قوله: ((سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح))) يقال: سُبُّوحٌ قُدُّوس، بضم
(١) رواه أحمد (٢٤٨/٣)، والبخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس رضي الله
عنه.
(٢) في (ل): روي.

٩١
(٣) كتاب الصلاة - (٣٠) باب: ما يقال في الركوع والسجود
رواه أحمد (٣٥/٦ و٩٤)، ومسلم (٤٨٧) (٢٢٣)، وأبو داود (٨٧٢)،
والنسائي (٢٢٤/٢).
[٣٨٣] وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِنَّهِ قالَ: ((أقربُ مَا يكونُ
العَبْدُ مِنْ رَبِّه وهُو سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعاءَ)).
رواه أحمد (٤٢١/٢)، ومسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)،
والنسائي (٢٢٦/٢).
[٣٨٤] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّّ كانَ يقولُ في سُجودِهِ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ
لي ذَنْبِي كُلَّه، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأَوَّلَهُ وَآخِرَه، وعَلاَنِيتَهُ وسِرَّهُ».
السين والقاف وفتحهما، مرفوعان على خَبَر المبتدأ المضمر، تقديره: أنت ستُّوح
قدُّوس، وقد قيلا بالنصب فيهما على إضمار فعل، أي: أُعَظُمُ، أو أذكر، أو
أعبد، وعُدِلا عن التسبيح، والتقديس للمبالغة، وقد تقدَّم معنى: سبحان، وأما
القدوس [فهو من القدس](١) وهي الطهارة، والقدس: السطل الذي يُستقى به،
ومنه: البيت المقدَّس، أي: المطهر. ورب الملائكة: أي: مالكهم، وخالقهم،
ورازقهم، أي: مُصلح أحوالهم، وقد تقدَّم الكلامُ في الملائكة. والرُّوح هنا:
جبريلُ عليه السلام، كما قال: ﴿نَزََّ بِهِ اُلُوعُ آلْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣.
١٩٤]، وخصّه بالذكر وإن كان من الملائكة تشريفاً وتخصيصاً، كما قال تعالى:
﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فخصّهما
بالذّكر تَشْرِيفاً لهما.
و (قوله: ((أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجِدٌ))) هذا قربٌ بالرّتبة الله مُتَزَّةٌ عن
الزمان والمكان
والكرامة لا بالمسافة والمساحة؛ إذ هو مُتَزّه عن المكان والزمان.
و (قوله: ((اللهم اغفرْ لي ذنبي كلّه)) الحديث) فيه دليلٌ على نسبة الذنوب عصمة الأنبياء
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٩٢
(٣) كتاب الصلاة - (٣١) باب: الترغيب في كثرة السجود
رواه مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨).
(٣١) باب
الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟
وفيمن صلى معقوص الشعر
[٣٨٥] عن مَعْدَانَ بن أبي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، قالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى
رسولِ الله وَّ﴿ فقلتُ: أَخبرِي بعملِ أعملُهُ يُدْخِلُني اللهُ به الجَنَّةَ، أو قالَ:
قلتُ: بِأَحَبِّ الأعمالِ إلى اللهِ. فسكتَ، ثم سألتُه فسكتَ، ثم سألتُه الثالثةَ
فقالَ: سألتُ عن ذلكَ رسولَ اللهِ﴿ فقالَ: ((عليكَ بكثرةِ السُّجودِ، فإنَّكَ
إليه، وقد اختلفَ الناسُ في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء كلُّهم معصومون من
الكبائر والصّغائر. وذهبت شرذمةٌ من الرّوافض: إلى تجويز كل ذلك عليهم إلا
ما يناقض مدلول المعجزة: كالكذب والكُفْر. وذهب المقتصدون: إلى أنهم
معصومون عن الكبائر إجماعاً سابقاً خلاف الرّوافض، ولا يُعْتَدّ بخلافهم؛ إذ قد
حَكَم بكفرهم كثيرٌ من العلماء. وللكلام في هذه المسألة تصانيفُ قد دُوِّنَتْ فيها.
[(٣١) ومن باب: الترغيب في كثرة السجود وعلى كم يسجد](١)
(قوله في حديث ثوبان وقد سُئِل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: ((عليك
بكثرة السجود))) الحديثُ دليلٌ على أنَّ كثرةَ السُّجود أفضلُ من طولِ القيام، وهي
مسألةٌ اختلفَ العلماءُ فيها: فذهبت طائفةٌ إلى ظاهِر هذا الحديث، وذهبتْ طائفةٌ
أخرى إلى أنَّ طول القيام أفضل؛ متمسّكين بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضلُ
كثرة السجود
وطول القيام:
أيهما أفضل؟
(١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص.

٩٣
(٣) كتاب الصلاة - (٣١) باب: الترغيب في كثرة السجود
لا تسجدُ لله سَجْدَةً إلا رَفَعَكَ اللهُ بها دَرَجَةً وحَطَّ عنك بها خَطِيئَةً)) قالَ
مَعْدَانُ: ثم لقيتُ أبَا الدَّرْدَاءِ فسألتُه، فقالَ لي مِثْلَ ما قالَ لي ثَوْبَانُ.
رواه أحمد (٢٧٦/٥)، ومسلم (٤٨٨)، والترمذي (٣٨٨)،
والنسائي (٢٢٨/٢).
[٣٨٦] وعن ربيعةَ بن كَعْبِ الأَسْلَمِيِّ، قالَ: كنتُ أبيتُ مع
رسولِ الله وَله، فأتيتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجِهِ، فقالَ لي: ((سَلْ)) فقلتُ: أسألُك
مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: ((أَوْ غَيْرَ ذلكَ؟)) قلتُ: هُو ذاكَ. قالَ: ((فَأَعِنِّي
على نَفْسِكَ بكثرةِ السُّجودِ)).
رواه أحمد (٥٧/٤ و٥٨)، ومسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)،
والنسائي (٢٢٧/٢ -٢٢٨).
الصلاة طولُ القنوت))(١) وفسَّروا القنوتَ بالقيام كما قال تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَلْنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ذكر هذه المسألةَ والخلافَ فيها الترمذيُّ، والصحيحُ من
فِعْل النبي وَليه: أنه كان يُطوِّل في قيام صلاة الليل، وداوَمَ على ذلك إلى حين
موته، فدلَّ: على أنَّ طولَ القيام أفضل. ويحتمل أن يُقال: إنَّ ذلك يرجعُ إلى
حال المصلِّي. فربَّ مصلّ يحصل له في حال القيام من الحضور والتدبر والخشوع
ما لا يحصلُ له في السجود، وربّ مصلّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا
يحصلُ له في القيام، فيكون الأفضلُ في هذه الحال التي حصلَ له فيها ذلك
المعنى؛ الذي هو روحُ الصلاة، والله تعالى أعلم.
و (قوله في حديث ربيعة: ((أو غيرَ ذلك))) رويناه بإسكان الواو من أو، مراتب ومنازل
ونَصْبِ ((غير)) أي: أو سَلْ غير ذلك، كأنه حضّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛ أهل الجنة
(١) رواه مسلم (٧٥٦)، والترمذي (٣٨٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٩٤
(٣) كتاب الصلاة - (٣١) باب: الترغيب في كثرة السجود
[٣٨٧] وعن ابن عَبَّاس، أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ
على سَبْعَة أعْظُمِ: الجَبْهَةِ - وأشارَ بيدِه عَلى أَنِفِه - واليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ،
وأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، ولا نَكْفِتَ التِّيَابَ ولا الشَّعْرَ)).
لأنه فهم منه أن يطلبَ المساواةَ معه في درجته، وذلك ممّا لا ينبغي لغيره، فلما
قال الرجلُ: هو ذلك، قال له: ((أعنّي على نفسك بكثرةِ السّجود)) أي: الصّلاة؛
ليزدادَ من القرب ورفعة الدّرجات؛ حتى يقرب من منزلته وإن لم يساوه فيها. ولا
يُعترض هذا بقول النبي ◌ٌَّ فيما رواه حذيفة ليلةَ الأحزاب: ((ألا رجل يأتيني بخبرِ
القوم جَعَله الله معي يوم القيامة))(١). لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُؤْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .. ) الآية [النساء: ٦٩]. لأنَّ هذه المعية هي النَّجاةُ من النار، والفوز
بالجنة، إلا أنَّ أهلَ الجنة على مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم، وقد
دلّ على هذا أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: ((المرء مع مَن أحبّ، وله
ما اكتسب))(٢).
السجود على
و (قوله: «أُمرت أن أسجدَ على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على
الجبهة والأنف أنفه ـ))) هذا يدلُّ: على أن الجبهةَ الأصلُ في السجود وأن الأنفَ تبع، وقد اختلفَ
العلماءُ فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاء، ونفيه،
والتفرقة؛ فإن اقتصرَ على الجبهة أجزأه، وإن اقتصرَ على الأنف لم يجزئه، وهو
الإخلال بعضو مشهورُ مذهبنا. وقد سوى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه
من أعضاء
السجود
واليدين والركبتين والقدمين، فدلَّ هذا الظاهر: على أنَّ مَن أَخَلَّ بعضو من تلك
الأعضاء مع تمكّنه من ذلك لم يفعلِ السجودَ المأمور به.
و (قوله: ((ولا نكفت الشعر ولا الثياب))) الكفت: الضم، وكذلك الكف
(١) رواه مسلم (١٧٨٨) من حديث حذيفة رضي الله عنه. وانظر: عيون الأثر (٩٨/٢).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٨٦) من حديث أنس رضي الله عنه.

٩٥
(٣) كتاب الصلاة - (٣١) باب: الترغيب في كثرة السجود
رواه أحمد (٢٩٢/١ و٣٠٥)، والبخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)
(٢٣٠)، وأبو داود (٨٨٩)، والترمذي (٢٧٣)، والنسائي (٢٠٨/٢).
[٣٨٨] وعنه، أنَّه رأَى عبدَ الله بنَ الحَارِثِ يُصَلِّي ورأْسُه مَعْقُوصٌ
مِنْ ورائِهِ، فقامَ فجعلَ يَحُلُّه، فلمَّا انصرفَ أقبلَ إلى ابنِ عَبَّاس، فقالَ:
مالكَ ورَأْسِي؟ فقالَ: إِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((إنَّمَا مَثَلُ هُذَا مَثَلُ
الذي يُصَلِّي وهو مَكْتُوفٌ)).
رواه أحمد (٣٠٤/١)، ومسلم (٤٩٢)، وأبو داود (٦٤٧)،
والنسائي (٢١٦/٢).
أيضاً، ومنه: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] وظاهرُ هذا الحديث النهي عن كفت
يقتضي: أن الكفتَ المنهي عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغلٌ فى الشّعر والثياب
في الصلاة
الصلاة لم تَدْعُ إليه حاجة، أو لأنه يرفعُ شعره وثوبَه مِن مباشرة الأرض في السُّجود
فيكون كبراً. وذهب الداودي: إلى أنَّ ذلك لمن فَعَله في الصلاة. قال عياض:
ودليلُ الآثار وفِعْل الصحابة يخالفه. ((والشعر المعقوص)): هو المضفورُ المربوط،
وحلُّ عبد الله بن عباس عقيصة(١) عبد الله بن الحارث في الصَّلاة دليلٌ على تغليظ
المنع من ذلك، ولم يأمره بالإعادة، وهو مجمعٌ عليه على ما حكاه الطّبري. وقد
حكى ابنُ المنذر فيه الإعادةَ عن الحسن البصري وحده، وذلك - والله أعلم - لما
جاء: أن الشعرَ يسجدُ معه؛ ولهذا مثّله بالذي يصلي وهو مكتوفٌ.
(١) في (ع): ضفيرة.

٩٦
(٣) كتاب الصلاة - (٣٢) باب: كيفية السجود
(٣٢) باب
كيفية السجود
[٣٨٩] عن أنس، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((اعْتَدِلُوا في السُّجود،
ولا يَبْسُطْ أحدُكم ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ».
رواه أحمد (١١٥/٣ و١٧٧)، والبخاري (٥٣٢)، ومسلم (٤٩٣)،
وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦)، والنسائي (٢١١/٢ - ٢١٢)،
وابن ماجه (٨٩٢).
[٣٩٠] وعن البراءِ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َله: ((إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ
كَفَّيْكَ، وارفعْ مِرْ فَقَيْكَ)).
رواه أحمد (٢٨٣/٤ و٢٩٤)، ومسلم (٤٩٤)، والترمذي (٢٧١).
(٣٢) ومن باب: كيفية السجود
(قوله في حديث أنس: ((ولا يبسط أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب))) انبساط:
مصدر على غير مصدر يبسط، لكن لما كان انبسطَ مِن بسط، جاء المصدر عليه
كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. كأنه قال: أنبتكم فنبتم نباتاً.
النهي عن ومثل هذا الحديث نهيه عليه الصلاة والسلام أن يفترشَ الرجلُ ذراعيه افتراشَ
الافتراش في السبع. ولا شكّ في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهي التجنيحُ
السجود
المذكور في الأحاديث بعد هذا مِن فعله عليه الصلاة والسلام، وهو التفريجُ
والتخوية، والحكمةُ في كراهية تلك واستحباب هذه: أنه إذا جنّح كان اعتماده على
يديه فيخفّ اعتماده على وجهه ولا يتأثّر أنفه، ولا جبينه، ولا يتأذّى بملاقاة
الأرض، فلا يتشوّش هو في الصلاة، بخلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتمادُه
على وجهه وحينئذ يتأذى، ويُخاف عليه التشويش. ووقع في رواية السمرقندي:

٩٧
(٣) كتاب الصلاة - (٣٢) باب: كيفية السجود
[٣٩١] وعن عمرو بن الحَارثِ، قالَ: كانَ رسول الله وَّهِ إِذَا سَجَدَ
يُجَنِّحُ في سُجُودِهِ، حتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ.
وفي روايةٍ: كانَ إذا سجدَ فرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ، حتَّى إِنِّي لأُرَى بَیَاضَ
إِبْطَيْهِ.
رواه أحمد (٣٤٥/٥)، ومسلم (٤٩٥) (٢٣٦).
[٣٩٢] وعن ميمونةَ زَوْج النبيِّ وَّهِ، قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَلِّ إذا
سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ (تَعْنِي: جَنّحَ)َ حتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وإذا قعَد
اطمأَنَّ على فَخِذِه الیُسْرَى.
يجنح مخففاً، ولا معنى له، بل الصواب: التشديد.
و ((وضح الإبطين)) بياضهما. وهذا إنما كان يُبْصَرُ منه ذلك إذا كان في ثوب
يلتحفُ به ويعقد طرفيه خَلْفَه، فإذا سَجَدَ جافى عَضُديه عن إبطيه فيرى وضحهما.
ويحتملُ أن يريدَ الراوي: موضع وضحهما لو لم يكن عليه ثوبٌ. والله تعالى
أعلم.
و (قول ميمونة: ((كان عليه الصلاة والسلام إذا سَجَدَ لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمرّ
بين يديه))) وكذا صحّت الرواية محذوف جواب لو للعلم به، فكأنه قال: لمرّت.
والبهمةُ: من أولاد الضَّأن(١)، يقال ذلك للذكر والأنثى، وجمعه: بَهْم. قاله
أبو عُبيد في غريبه. وقال ابن خالويه: وجَمْعُ البهم بهام.
وهذا الحديثُ يدلُّ على شدة رفع بطنه عن الأرض وتجنيحه. وهذا كلُّه
حُكْم الرجال، فأمَّا النِّساء: فحكمهن عند مالك حُكْم الرجال إلا أنه يُستحبُّ لهن
شدّة رَفْع البطن
عن الأرض
والتجنيح للرجال
(١) في (ل) و(م): الغنم.

٩٨
(٣) كتاب الصلاة - (٣٣) باب: تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم
قالَ وكيع في ((وَضَحِ الإِبْطَيْنِ)): يَعني بياضَهُما.
رواه أحمد (٣٣٣/٦)، ومسلم (٤٩٧)، وأبو داود (٨٩٨)،
والنسائي (٢/ ٢١٣).
[٣٩٣] وعن ميمونة، قالت: كانَ النبيُّ نَ لَّهِ إِذَا سجدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ
أنْ تَمُرَّ بینَ یَدَيْه.
رواه أحمد (٣٣٢/٦ و٣٣٥)، ومسلم (٤٩٦).
(٣٣) باب
تحريمُ الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التسلیمُ
[٣٩٤] عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يَستفتحُ الصَّلاةَ
الانضمام والاجتماع، وخيَّرَهُنَّ الكوفي (١) في الانفراج والانضمام. وذهب بعضُ
السلف: إلى أن سُنَّتهن التربُّع، وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء.
(٣٣) ومن باب: تحريمُ الصَّلاة التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ
هذه الترجمةُ هي نصُّ حديث عليّ الصَّحيح الذي خرّجه أبو داود(٢) وحديثُ
عائشة موافقٌ له بالفعل. وفي هذه الترجمة رةٌّ على أبي حنيفة حيث لا يشترطُ في
الدخول في الصلاة التکبیر، وفيه أيضاً ردًّ على الشافعي - رحمه الله - حیث یری أن
(١) هو أبو حنيفة.
(٢) رواه أبو داود (٦١)، وأوله: ((مفتاح الصلاة الطهور)).

٩٩
(٣) كتاب الصلاة - (٣٣) باب: تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم
بالتَّكْبِيرِ، والقِرَاءَةَ بـ ﴿الحَمْدُ للهِ ربِّ العَالميْن) وكانَ إذا ركعَ لم يُشْخِصْ
رأسَهُ ولم يُصَوِّبْهُ، ولكنْ بينَ ذلكَ. وكانَ إذا رفعَ رأسَه من الرُّكُوع لم
يسجدْ حتَّى يستويَ قَائماً. وكانَ إذا رفعَ رأسَه من السَّجْدةِ لم يسجدْ حتَّى
يستويَ جَالِساً. وكانَ يقولُ في كلِّ ركعتينِ التَّحِيَّةَ. وكان يَفْرِشُ رِجْلَه
الْيُسْرَى ويَنْصِبُ رجَلَهُ الْيُمْنَى. وكانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ ويَنْهَى أنْ
البسملةَ من الفاتحة، وأنها لا بُدَّ من قراءتها في الصلاة في أول الفاتحة؛ لأن عائشةً
قالت: كان يفتتحُ الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا إنما
يتّضح إذا خفضنا القراءة عطفاً على التكبير كما (١) اختاره بعضُ مَن لقيناه، وقد
قيّدته بالنصب عطفاً على الصلاة عن غيره، ويكون فيه أيضاً حُجَّة على الشافعي؛
إلا أن الوجه الأول أوضح، فتأمّله.
و (قولها: (لم یشخص رأسه ولم یصوبه)) تعني: لم يرفع رأسه بحیث یُری
أنه شخص ولم ينزله، وهو من: صاب، يصوب؛ إذا نزل. وفيه حُجَّة لمالك
- رحمه الله - على مختاره من كيفية الجلوس في الصلاة، وفيه حجة على من لم
يوجب الاعتدالَ في الرفع من السّجود، وفيه دليلٌ على مشروعية التشهدين في الاعتدال في
الصلاة. وجمهور الفقهاء: على أنهما سُنَّتان، وليستا بواجبتين إلا أحمد بن حنبل الرفع من
وطائفة من أصحاب الحديث. وقد روي عن الشّافعي: أن التشهد الأخيرَ واجبٌ، ومشروعية
السجود،
وروى أبو مُصعب نحو ذلك عن مالك. ومُستند الجمهور: كون النَّبِي بَّهِ سَهَا عن التشهدين
الجلوس والتشهد فاجتزا عنه بسجود السهو .
و (قولها: ((وكان ينهى عن عُقْبة الشيطان))) وفي رواية: ((عن عَقِب الشيطان)) النهي عن عقبة
قال الهروي عن أبي عُبيد: عقب الشيطان: هو أن يضعَ أَلْيَتَيْه على عقبيه بين الشيطان
السّجدتين، وهو الذي يجعله بعضُ الناس الإقعاء، وسيأتي في حديث ابن عباس.
(١) في (ل) كذا.

١٠٠
(٣) كتاب الصلاة - (٣٤) باب: في سترة المصلي وأحكامها
يَقْتَرِشَ الرَّجُلِ ذِرَاعَيْه افتراشَ السَّبُع. وكانَ يختُم الصَّلاة بالتسليم.
وفي روايةٍ: كانَ ينهَى عن عَقِبِ الشَّيْطَانِ.
رواه أحمد (١١٠/٦)، ومسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٨٣)،
وابن ماجه (٨١٢).
(٣٤) باب
في سترة المصلي وأحكامها
[٣٩٥] عن مُوسى بن طَلحةَ عن أبيهِ، قالَ: كنّا نُصَلِّي والذَّوابُ تمرُّ
بينَ أيدينَا، فَذَكَرُوا ذلكَ لرسولِ اللهِّهِ، فقالَ: ((مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ تكونُ
بَین یَدَيْ أَحَدِكُم، ثمَّ لا يَضُرُّه مَا مَرَّ بینَ يَدَيْهِ».
وروي عن الطبري: عُقَب، بضم العين وفتح القاف، وهو جمع عقبة، كغُرْفة
وغُرَف، والمحدِّثون يقولون: عَقِب بفتح العين، وكسر القاف.
خَتْم الصلاة
بالتسليم
و (قولها: ((وكان يختمُ الصَّلاةَ بالتسليم))) حُجَّة على أبي حنيفة - رحمه الله -
والأوزاعي، والثوري، حيث لم يشترطوا في الخروج من الصَّلاة التسليم، وحديثُ
علي جليٍّ في المسألة. كما قدَّمناه.
(٣٤) ومن باب: سترة المصلي
(قوله: ((مثل مُؤْخِرة الرَّحل))) هو العودُ الذي يكونُ في آخر الرحل، بضم
الميم وكسر الخاء، قاله أبو عبيد، وحكى ثابتٌ فيه فتح الخاء، وأنكره ابنُ قتيبة،