Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
رواه أحمد (٥٩/٢)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٦)، وأبو داود
(١٠٦ - ١١٠)، والنسائي (١ /٦٤ - ٦٥).
[١٧٠] وعن أبي أنس: أن عثمان تَوَضَّأَ بالمَقاعِدِ فقالَ: أَلَا أُرِيْكُم
وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ وَهَ؟ ثمَّ تَوضَّأَ ثَلاثاً ثَلاثًاً.
رواه أحمد (٥٧/١)، ومسلم (٢٣٠).
مَسْح الأذنين؟ والجواب: أنّ اسم الرأس تضمنهما(١). والله أعلم. والمقاعد:
دکاکین ومواضع کانوا یقعدون عليها، وكانت بقرب المسجد.
و (قوله: ((ثلاثاً ثلاثاً)) تمسَّك به الشافعي في استحبابه تكرارَ مسح الرأس
بمياهٍ مُتعدِّدة كالأعضاء المغسولة. وخالفه في ذلك مالك وأبو حنيفة، ورأيا: أنَّ
هذا اللفظَ مخصّص، أو مبيّن بما وَرَدَ من حديث عثمان نفسه، حيث ذكر أعضاءَ
الوضوء مُفصّلة؛ وقال فيها: ((ثلاثاً ثلاثاً). ولم يذكر لمسح الرأس عَدَداً. وليس
في شيء من أحاديث عثمان الصّحاح ذِكْر: أنه عليه الصلاة والسلام مَسَحَ رأسَه
ثلاثاً، على ما قاله أبو داود، بل قد جاء في حديث عبد الله بن زيد: أنه: ((مسح
رأسَه مرّة واحدة)) وعضَّدا هذا بإبداء مناسبة، وهي أنَّ المسحَ شُرِع تخفيفاً، وفَرْضُ
مشروعية التكرار فيه تثقيلٌ، فلا يكونُ مشروعاً.
و (قوله: عن أبي أنس) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي، قال أحمدُ بن مسح الرأس
حنبل: وَهِمَ وكيع في قوله: عن أبي أنس، وإنما هو أبو النضر عن بشر بن سعيد
عن عثمان، وقال الدارقطني: هذا مما وَهِمَ فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقيةُ
أصحاب الثوري الحفّاظ فرووه عن: الثوري، عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد،
عن عثمان.
(١) في هامش (م): في نسخة: يعمهما.

٤٨٢
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
[١٧١] وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ النبيَّ وَ ﴿ قالَ: ((إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثمَّ لِيَنْتَثِرْ، ومَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)).
رواه أحمد (٢٤٢/٢ و٢٧٨)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٧)،
وأبو داود (١٤٠)، والنسائي (٦٦/١ - ٦٧).
حديث النفس
في الصلاة
و (قوله: «لا یحدِّث فيهما نفسه») أي: حديثاً مكتسباً له؛ بحیث یتمكّن من
إيقاعه ودَفْعه، فأمَّا ما لا يكون مكتسباً للإنسان، فلا يتعلَّق عليه ثوابٌ ولا عِقاب.
الاستنثار في
الوضوء
و (قوله: ((ثم لينتثر)): مُتَمَسَّكٌ لأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: على وجوب
الاستنشاق في الوضوء والغسل. والجمهور: على أنَّ ذلك من السُّنن فيهما،
مُتَمَسِّكين بأنَّ فروضَ الوضوء محصورةٌ في آية الوضوء، بدليل: قول النبي ◌ِّـ
للأعرابي: ((توضَّأ كما أمرك الله))(١). وليس في الآية ذِكْرُ الاستئثار، وبدليل: أنه قد
صحَّ عن النبيِّ ◌َّهِ: أنه اقتصر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يزد عليها،
وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعْلُه بواجب، وهذه عمدةُ أصحابنا في
حُكْمهم بحصر فُروض الوضوء في ستّة، فإن النيةَ مفهومةٌ من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ﴾
[المائدة: ٦] أي: إذا أردتم القيام، والماء المطلق من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾
[المائدة: ٦] ومن تضمّن الغسل له، والأربعة الأعضاء منصُوص عليها في الآية،
السنة في وما عدا ذلك من أحكام الوضوء مأخوذٌ من فعل النَّبِيّ وَّهِ، فمنه: متأكّد، ويُسمَّى:
سنة، وغير متأكّد، ويُسَمَّى: فضيلة، كما هو معروفٌ في كُتُب أصحابنا.
الوضوء
معنی
و (قوله: ((من استجمر فليوتر))) الاستجمار: هو التمشُّح من الغائط
الاستجمار بالجمار، وهي: الأحجارُ الصِّغار، ومنه: الجمار التي يُرمى بها في الحجّ، وقد
نُصّ عليها في حديث سلمان(٢)، وقال أبو الحسن بن القصّار: ويجوز أن يقال:
(١) رواه أبو داود (٨٦١) من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه.
(٢) رواه مسلم (٢٦٢)، وسيأتي في التلخيص في باب: ما يُستنجى به رقم (٩).

٤٨٣
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
[١٧٢] وعنه، عن النبيِّ وَليهِ قالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكم مِنْ مَنَامِهِ
فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً، فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيْتُ على خَيَاشِيْمِهِ)).
رواه أحمد (٣٩٥/٢)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو
داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (٦ - ٧).
إنه أُخِذ من الاستجمار بالبخور لأنه يزيلُ الرَّائحة القبيحة.
وقد اختلف قول مالك وغيره في معنى الاستجمار في هذا الحديث. فقيل:
ما تقدّم، وقيل: هو البخور، فَيُجْعَل منه ثلاثُ قِطَع، أو يأخذ منه ثلاث مرات،
واحدة بعد أخرى، والأول أظهر.
و (قوله: ((فإن الشيطانَ يبيتُ على خياشيمه))) هو جمع خيشوم، وهو: أعلى معنى:
الأنف، وقيل: الأنف كلّه، ويحتمل البقاء على ظاهره، كما جاء: ((إن الشيطانَ («الشيطان يبيت
يدخلُ إذا لم يكظم المتثائبُ فاه)) (١) ويحتمل: أن يكون ذلك عبارةً عمّا ينعقدُ من
على الخياشيم،
رطوبة الأنف وقذرِه الموافقة للشيطان، وهذا على عادة العرب في نسبتهم
المستخبث والمستشنع إلى الشّيطان، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾
[الصافات: ٦٥] وكما قال الشاعر(٢):
وَمَسْئُونَةُ زُزْقٌ كَأَنْيَابٍ أغْوالِ (٣)
وهي الشياطين، ويحتمل أن يكونَ ذلك عبارةً عن تكسيله عن القيام إلى
الصَّلاة كما قال عليه الصلاة والسلام: ((يعقدُ الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا
(١) رواه أحمد (٣٧/٣) بلفظ: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليضع يده على فيه؛ فإنَّ
الشيطان يدخل مع التثاؤب)) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٢) هو امرؤ القيس.
(٣) صدر البيت: أَيُقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي.

٤٨٤
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
[١٧٣] وعن عبد الله بن زيدٍ بن عَاصم الأنصاريِّ - وكانت له
صحبة - قالَ: قيل له: تَوَضَّأُ لَنَا وُضُوءَ رَسولِ اللهَ وَّهِ. فَدَعا بإناءٍ فَأَكْفَأْ مِنْهُ
هو نام ثلاثَ عقد))(١). ويكون أمره بالاستنثار أمراً بالوضوء كما قد جاء مفسّراً في
غير كتاب مسلم: ((فليتوضأ وليستنثر ثلاثاً؛ فإن الشيطانَ يبيتُ علی خیاشیمه)).
الوتر في
و (قوله في الحديث قبله: ((ومن استجمر فليوتر))) تمسّك به مَن يُراعي عَدَدَ
الاستجمار الثلاث مع الإنقاء، وهو قولُ أبي الفرج، وابن شعبان من أصحابنا. والشّافعي
وأصحابه صائرين(٢) إلى أن أقلَّ الوتر هنا ثلاث، بدليل حديث سلمان: حيث نهى أن
يُستنجى بأقلّ من ثلاثة أحجار(٣)، والجمهور يستحبُّون الوتر؛ بدليل قوله:
(الاستجمار تؤٍ))(٤) أي: وتر، ولا يشترطون عدداً، بل الإنقاء إذا حصل هو
المقصودُ الأصلي، وقد استدعى النبيُّ وَل﴿ ثلاثةَ أحجار فأُتي بحجرين وروثة، فأخذ
الحجرين وألقى الرّوثة، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في كتاب أبي داود:
((إذا استجمر أحدُكم فليستجمر بثلاثة أحجار، من فعل فقد أحسن، ومن لا،
فلا حرج))(٥). وإنما جرى ذِكْر الثَّلاث في الأحجار إمَّا لأن الإنقاء يحصل بها
غالباً، وإمَّا لأنَّ الاثنين للصفحتين، والثالث للوسط. والله أعلم.
و (قوله في حديث عبد الله بن زيد: ((وقيل له: توضَّأُ لنا وضوء
* رسول الله (وَ﴿، فتوضأ)) المعلّم للوضوء إذا نوى به رفْعَ الحدث أجزأه، فإن لم ينوِ
لم يجزه عند من يشترط النيّة على ما يأتي، وكذلك المتعلّم.
وضوء
رسول الله ◌ِ﴾*
(١) رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاري (١١٤٢)، ومسلم (٧٧٦)، وأبو داود (١٣٠٦)،
والنسائي (٢٠٣/٣ و٢٠٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) كذا في جميع النسخ، وهي حال سدَّ مسدّ الخبر.
(٣) يأتي برقم (١٩٩) باب رقم (٩).
(٤) رواه مسلم (١٣٠٠).
(٥) رواه أبو داود (٣٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: التمهيد (١٨/١١).

٤٨٥
۔
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
على يَدَيْهِ، فغسلَهما ثَلاثاً. ثمَّ أدخلَ يدَه فاسْتَخرجَها، فمضمضَ واستنشقَ
مِنْ كَفِّ واحدةٍ، ففعلَ ذلكَ ثَلاثاً. ثمَّ أدخلَ يدَه فاستخرجَها فغسلَ وجهَه
ثلاثاً.
و (قوله: ((فغسلهما ثلاثاً)) حجّة لأشهب في اختياره في غَسْلهما الإفراغ
عليهما معاً، وقد روى ابنُ القاسم عن مالك: أنه استحبّ أن يُفْرغَ على يده اليمنى
فيغسلها، ثم يدخلها ويصبّ بها على اليسرى، محتجّاً بقوله في الموطأ في هذا
الحديث: ((فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين مرتين))(١). وقد يكون منشأُ الخلاف
في هذا الفرع الخلاف في غسلهما، هل هو عادة فيغسلُ كلَّ عضوٍ منهما بانفراده
كسائر الأعضاء؟ أو هو للنّظافة فتغسلان مجتمعَين(٢).
و (قوله: ((فمضمض واستنشق من كفّ واحدة، فعل ذلك ثلاثاً)) أي: جمع
بين المضمضة والاستنشاق في كفّ واحدة. وفَعَل ذلك ثلاثاً من ثلاث غَرَفات،
كما بيَّنه في رواية ابن وهب، فإنه قال: فمضمض واستنشق من ثلاث غَرَفَات، وقد
اختلف في الأولى من ذلك عن مالك والشافعي، فقيل: الأولى عندهما: جمعهما
في غَرْفة واحدة والإتيان بها كذلك في ثلاث غَرَفَات، وقيل: بل الأولى عندهما:
إفراد كلِّ واحدة منهما متفرّقين بثلاث غَرَفَات، ويشهد للأولى رواية ابن وهب،
والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله: ((فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق))
قيل: بل يُفْعَلان معاً ثلاث مراتٍ من غَرْفٍ واحدة، كما روى البخاري قال:
«فمضمض واستنشق ثلاثاً من غرفة)).
و (قوله: ((ثم أدخل يده فاستخرجها فغَسَل وَجْهَه))) ظاهره: أنه أدخل يده
الواحدةَ في الماء فأفرغَ بها على اليسرى. وهو أحدُ القولين عندنا، وأنه كذلك
(١) رواه مالك في الموطأ (١٨/١) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
(٢) في (ل): مجموعتين.
1

٤٨٦
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
يفعلُ في جميع الأعضاء، وفي البخاري في بعض طرق هذا الحديث: ((ثم أدخل
يديه فاغترفَ بهما)». وهذا حجةٌ لاختيار مالك في هذه المسألة، وكذلك القولُ في
غرفة مَسْح الرأس. وفي البخاري: ((ثم أخذ بيديه ماءً فمسح برأسه)) واختلف عن
مالك في حدّ الوجه طُولاً وعَرْضاً. فأما الطول: فمن منابتٍ شَعْر الرأس المعتاد
إلى الذَّقْن مُطْلقاً، للأمرد والملتحي. وقيل: إلى آخر اللحية للملتحي، وأما حدُّه
عَرْضاً: فمن الأذن إلى الأذن. وقيل: من العذار(١) إلى العذار، وقيل: بالفرق بين
الأمرد والملتحي، وسببُ هذا الخلاف: الاختلاف في اسم الوجه والمواجهة على
ماذا يقعان؟ .
و (قوله: ((فغسل يديه إلى المرفقين))) المرفق: هو العظمُ الناتىء في آخر
الذّراع، سُمِّي بذلك: لأنه يرتفق عليه، أي: يتكأ ويعتمد، واخْتُلف فيهما: هل
يدخلان في الغسل أم لا؟ وسببه: توهّم الاشتراك في (إلى) وذلك (٢) أنها لانتهاء
الغاية في الأصل، وقد تأتي بمعنى: مع؛ في مثل(٢) قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَقْوَلَهُمْ
إِلََّ أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وفي قول العرب: الذود (٣) إلى الذود إبل، والأصل فيها: انتهاء الغاية، فيجب أن
تُحمَلَ عليه. ويمكن أن يقال: إن ((إلى)) وإن كانت لانتهاء الغاية فهي محتملةٌ
لدخول الغاية فيما قبلها، والذي يرفعُ الخلافَ فيها ما حُكي عن سيبويه: أن الغايةَ
إن كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن لم تدخلْ، مثال ذلك: أن
تقولَ: بعتُك من هذه الشَّجرة إلى هذه الشجرة، والمبيع شجر، فلا شكَّ في دخول
(١) ((العذار)): جانب اللحية.
(٢) ساقط من (م).
(٣) ((الذَّوْد)»: جماعة الإبل بين الثلاث والعَشْر.

٤٨٧
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
ثُمَّ أدخلَ يدَه فاستخرجَها فغسلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ مَرَّتِينٍ. ثمَّ أدخلَ
یدَه فاستخرجَها فمسحَ برأسهِ
الشَّجرتين في جُملة الشجر المبيعة، وإن كان المبيعُ أرضاً لم يدخلا. والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين))) دليلٌ على عدم كراهة
الشّفع في الغسلات، ولا خلافَ أنه يجوزُ الاقتصارُ على الواحدة إذا أسبغ، وأن
الاثنتين أفضلُ من الاقتصار على الواحدة، وأن الثلاثَ أفضلُ من الاثنتين، وأن
الزيادةَ على الثَّلاث ممنوعة، إلا أن يفعلَ بنية تجديد الوضوء، فإنَّ أبا حنيفة أجاز
ذلك، وعندنا أنّه لا يصحُّ له التَّجديدُ حتى يفعلَ بذلك الوضوء صلاة، وسيأتي.
وقد كره مالك الاقتصار على الواحدة للجاهل؛ لما يُخاف من تفريطه، وللعالم لئلاً
يقتدي به الجاهل.
و (قوله: ((فمسح برأسه))) الباء في ((برأسه)) باء التعدية، أي: التي يجوزُ
حَذْفها وإثباتها، كقولك: مسحتُ برأس اليتيم، ومسحتُ رأسَه، وسَمَّيت ابني:
بمحمدٍ، ومحمداً. ولا يصح أن تكون للتّبعيض، خلافاً للشافعي؛ لأنَّ المحقّقين
من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض
لکان قولك: مسحتُ برأسه کقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لما
حَسُنَ أن تقولَ: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه، لأنه كان يكون(١)
تكریراً، ولا مسحت برأسه كله؛ لأنه: کان یکون مناقضاً له، ولو كانت للتبعيض
لما جاز إسقاطُها هنا(٢). فإنه يُقالُ: مسحتُ برأسه، ومسحت رأسه بمعنى واحد؛
وأيضاً: فلو كانت مبعضة في مسح الرأس في الوضوء لكانت مبعضة في مَسْح
(١) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (ع).

٤٨٨
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
فأقبلَ بيديْه وأدبرَ. ثم غسلَ رِجْلَيْهِ إلی الکَعْبَیْنِ. ثم قالَ: هكذا كان وُضُوء
رسولِ الله وَل﴾ .
الوجه في الثَّيمم؛ لتساوي اللَّفظين في المحلَّين، ولَمْ لا، فلا (١). ومذهب مالك
- رحمه الله - وجوب عموم(٢) مسح الرأس تمسّكاً باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته،
كالوجه، وتمسّكاً بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزلنا على أن الباء تكون
مبعضةً وغير مبعضة، فذلك يوجب فيها إجمالاً أزاله النبيُّ وَ﴿ بفعله، فكان فِعْلُه
بياناً لمجملٍ واجب، فكان مسحُه كلّه واجباً (٣). وسيأتي القولُ في حديث المغيرة
الذي ذكر فيه أنه عليه الصلاة والسلام: ((مَسَحَ مُقَدَّمَ رأسه وعلى عمامته)).
و (قوله: ((فأقبل بيديه (٤) وأدبر))). معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار:
رجوعه إلى حيث بدأ، كما فسَّره حيث قال: ((فأقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدّم رأسه)»
وقيل: المرادُ: أدبر وأقبل؛ لأنَّ الواو لا تعطي رُتبة. وفي البُخاري: ((فأدبر بهما
وأقبل)) وهذا أولى لهذا النّص، وقيل: معنى أقبل: دَخَلَ في قبل الرأس. كما
يقال: أنجد، وأَتْهَم: إذا دخل نجداً وتِهامة، وقيل: معناه: أنه ابتدأ من النّاصية
مُقْبِلاً إلى الوجه، ثم ردَّهما إلى القفا، ثم رجع إلى النَّاصية. وهذا ظاهِر اللَّفظ.
والإقبالُ والإدبار مسْحةٌ واحدة، لأنها بماءٍ واحدٍ، والمقصودُ بالرّدة على الرأس:
المبالغة في استيعابه.
و (قوله: ((ثم غسل رجليه إلى الكعبين))) الكعب في اللغة: هو العَظْمُ الناشِزُ
(١) المقصود: لمّا لم تكن كذلك في مسح الوجه في التيمم، فلا تكون كذلك في مسح الرأس في
الوضوء.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) في (ع): فكان مسح جميع الرأس واجباً.
(٤) في (ع): بهما.

٤٨٩
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
زاد في أخرى: فأقبلَ بهما وأدبَر: بدأَ بِمُقَدَّم رأسهِ، ثم ذهبَ بهما
إلى قَفَاهُ، ثمَّ ردَّهُما حتَّى رجعَ إلى المكانِ الذي بدأ منه.
وفي أخرى: فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ مِن ثَلاَثِ غَرَفَاتٍ. وفيها:
فمسحَ برأسِه فأقبلَ بِهِ وأدبرَ مَرَّةً واحدةً .
وفي أخرى: ومسحَ برأسهِ بماءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ، وغسلَ رِجْلَيْهِ حَّی
أَنْقَاهُمَا .
رواه أحمد (٣٩/٤)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥) و (٢٣٦)،
وأبو داود (١١٨ - ١٢٠)، والترمذي (٣٥ و٤٧)، والنسائي (١/ ٧١ -
٧٢).
عند ملتقى السَّاق والقدم. وأنكر الأصمعي قولَ الناس: إنَّ الكعبَ في ظَهْر القدم،
قاله في الصِّحاح، والأوَّلُ هو المشهورُ عند أَهْلِ المذهب والفُقهاء. وقد رُوي عن
ابن القاسم: أنه العَظْم الذي في ظَهْر القدم عند معقد الشِّراك، والأول هو الصَّحيح
المعروف.
و (قوله: ((ومسح رأسه بماء غير فضلٍ يديه))) دليلٌ على مشروعية تجديد
الماء لمسح الرأس، وأنه سُنَّة، خلافاً للأوزاعي؛ والحسن؛ وعروة في تجويزهم
مسحه ابتداءً بما فَضَلَ في يديه. ولم يجىءْ في هذا الحديث ولا في حديث عُثمان
للأُذُنين ذِكْر، ويمكن أن يكونَ ذلك لأنَّ اسمَ الرأس تضمّنهما. وقد جاءتٍ
الأحاديثُ صحيحةً في كتاب النَّسائي وأبي داود وغيرهما: أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ مسح أذنيه
ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخيه(١). وسيأتي ذكرهما.
(١) رواه أبو داود (١٢٣) من حديث المقدام بن معدي كَرِب رضي الله عنه. ورواه النسائي
(١٠٥) في السنن الكبرى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٤٩٠
(٢) كتاب الطهارة - (٣) باب: فضل تحسين الوضوء
(٣) باب
فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات
[١٧٤] عن عثمانَ، قال: قالَ سمعتُ رسولَ اللهِوَلَّهِ يقولُ: ((ما مِن
امرىءٍ مسلم تحضرُه صَلَةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها،
إِلَّا كانتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَها مِن الذُّنُوبِ، ما لم يُؤْتِ كَبِيرَةً. وذلكَ الدَّهْرَ
كُلَّهُ».
رواه البخاري (٦٤٣٣)، ومسلم (٢٢٨)، والنسائي (١/ ٩١).
[١٧٥] وعن حُمْرَانَ، قالَ: أتيتُ عثمانَ بوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأ، ثم قالَ:
إِنَّ نَاساً يَتَحَدَّثُونَ عن رسولِ اللهِ﴿ أحاديثَ، لا أدري مَا هِي؟ إلا أنِّي
رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَّه تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هذا، ثم قالَ: ((مَنْ تَوضَّأَ هكَذا غُفِرَ
له ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ، وكَانَتْ صَلاتُهُ ومَشْيُه إلى المَسْجِدِ نَافِلَةً».
الترتيب
وهذه الأحاديثُ، أعني: حديث عثمان؛ وعبد الله؛ تدلُّ على مراعاة التَّرتيب
والموالاة في في الوضوء، والموالاة، وقد اختلفَ أهلُ المذهب في ذلك وغيرهم على ثلاثة
الوضوء
أقوال: الوجوب، والسُّنَّة، والاستحباب. والأولى: القول بالسنة فيهما؛ إذ لم
يصحّ قطُّ عن النبيِ وَل﴿ أنه توضّأ منكساً، ولا مفرقاً تفريقاً متفاحشاً، وليس في آية
الوضوء ما يدلُّ على وجوبهما، وما ذكر من أنَّ الواو تُرتّب لا يصحّ، ومما يدلُّ
على بطلان ذلك وقوعها في موضع يستحيلُ فيه الترتيب، وذلك بابُ المفاعلة،
فإِنَّها لا تكونُ إلا من اثنين، فإنَّ العَرَبَ تقولُ: تخاصَمَ زيد وعمرو، ولا يجوز أن
يكون هنا ترتيب، ولا أن يقعَ موقعَها حرفٌ من حروف التَّرتيب بوجهٍ من الوجوه.
فصحّ ما قلناه.
(٣) ومن باب: فضل تحسين الوضوء
(قوله: ((وكانت صلاته ومَشْيه إلى المسجد نافلة))) يعني: أنَّ الوضوءَ لم يُبْقِ
الوضوء يغفر
الذنوب

٤٩١
(٢) كتاب الطهارة - (٣) باب: فضل تحسين الوضوء
رواه أحمد (٦٥/١ -٦٦)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٩).
[١٧٦] وعن عثمانَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((مَنْ أَتَمَّ الوضوءَ
كمَا أَمَرَهُ اللهُ، فالصَّلَواتُ المَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)).
رواه أحمد (٦٦/١)، ومسلم (٢٣١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والنسائي
(٩١/١).
عليه ذنباً، فلمّا فَعَل بعده الصَّلاة كان ثوابُها زيادةً له على المغفرة المتقدِّمة.
((والنَّقل)): الزيادة، ومنه: نفل الغنيمة: وهو ما يعطيه الإمامُ من الخمس بعد
القسمة .
وهذا الحديثُ يقتضي: أن الوضوء بانفراده يستقلّ بالتكفير. وكذلك حديثُ
أبي هريرة، فإنه قال فيه: ((إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ فغَسَل وَجْهَه خَرَجَ من وجهه كلُّ
خطيئة نَظَر إليها بعينيه))(١) وهكذا إلى أن قال: ((حتى يخرج نقيّاً من الذنوب))(١)،
وهذا بخلاف أحاديثٍ عثمان المتقدِّمة؛ إذ مَضْمُونها: أنَّ التكفيرَ إنما يحصلُ
بالوضوء إذا صلّى به صلاةً مكتوبةً يُتِمُّ ركوعَها وخُشُوعَها. والتَّلفيق من وجهين:
أحدهما: أن يُرَدَّ مطلقُ الأحاديثِ إلى مقيَّدِها.
والثاني: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلافِ أحوالِ الأشخاص؛
فلا بُعْدَ في أن يكون بعضُ المتوضّئين يحصلُ له من الحضور؛ ومراعاة الآداب
المكمِّلة؛ ما يستقلُّ بسببها وضوءه بالتكفير، ورب متوضِّىٍ لا يحصلُ له مثل
ذلك، فيكفر عنه بمجموع الوضوء والصّلاة، ولا يُعْتَرَضُ على هذا بقوله
عليه الصلاة والسلام: ((من أتمَّ الوضوءَ كما أمره الله فالصلواتُ المكتوبةُ كفّاراتٌ
لما بينهن)) لأنا نقول: من اقتصر على واجبات الوضوء فقد توضأ كما أمره
الله تعالى، كما قال النبي وَ ل﴿ للأعرابي: ((توضَّأ كما أمركَ الله)) فأحاله على آية
(١) سيأتي الحديث قريباً برقم (١٧٨).

٤٩٢
(٢) كتاب الطهارة - (٣) باب: فضل تحسين الوضوء
[١٧٧] وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ كان يقولُ: ((الصَّلْوَاتُ
الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكفِّراتٌ لِمَا
بَيْنَهُنَّ، إذا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ)».
رواه أحمد (٣٥٩/٢ و٤٠٠ و٤١٤)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي
(٢١٤).
[١٧٨] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِلَ يْ قالَ: ((إذا تَوَضَّأَ العَبْدُ المسلمُ (أو
المؤمنُ)، فغسلَ وجهَه،
الوضوء، على ما قدمناه. وكذلك ذكر النَّسائي من حديث رفاعة بن رافع، فقال
النبيُّ ◌َِّ: ((إنها لم تتمّ صلاةُ أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره اللهُ تعالى،
فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين))(١)
ونحن إنما أردنا المحافظةَ على الآداب المكمِّلة التي لا يراعيها إلا من نوَّر الله
باطنه(٢) بالعلم والمراقبة. والله تعالى أعلم.
الكبائر إنما
و (قوله: ((إذا اجتنبت الكبائر))) يدلُّ: على أن الكبائرَ إنما تُغفر بالتوبة
تغفر بالتوبة المعبر(٣) عنها بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ
عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقد تقدَّم القولُ في الكبائر ما هي. فقوله: ((حتى
يخرج نقيّاً من الذنوب)) يعني به: الصّغائر، ولا بُعْدَ في أن يكون بعضُ الأشخاصِ
تُغفر له الكبائرُ والصَّغائرُ بحسب ما يحضره من الإخلاص بالقلب(٤)، ويراعيه من
الإحسان والأدب، وذلك فَضْلُ الله يُؤتيه من يشاء.
(١) رواه النسائي (٢٢٦/٢).
(٢) في (ع): قلبه.
(٣) ساقط من (ع).
(٤) من (م).

٤٩٣
(٢) كتاب الطهارة - (٣) باب: فضل تحسين الوضوء
خرجَ مِن وجهِه كلُّ خَطِيْئَةٍ نظرَ إليها بعينيْهِ معَ المَاءِ (أو معَ آخرِ قَطْرِ الماءِ)، فإذَا
غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كلُّ خَطِيْئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ (أو معَ آخِرٍ قَطْرٍ
المَاءِ)، فإذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كلُّ خَطيئةٍ مَشَتْها رِ جْلاهُ مَعَ المَاءِ (أو معَ آخِرٍ قَطْرِ
المَاءِ)، حتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ)).
رواه أحمد (٣٠٣/٢)، ومسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢).
و (قوله: ((إذا توضَّأ العبدُ المسلم، أو المؤمن))) شكّ من بعض الرواة،
وكذلك (قوله: ((مع الماء، أو مع آخر قَطْر الماء)))، ويدلُّ على أنه على الشّك
زيادةُ مالك فيه: مع الماء، أو مع آخر قَطْر الماء، أو نحو هذا، ويُفهم منه: أن
الغسلَ لا بُدَّ فيه من نَقْل الماء، ولا يفهم منه: أن غايةَ الغسل أن يقطرَ الماء؛ لأنه
على الشّك، ولما جاء: حتى يسبغ.
و (قوله: ((خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه))) هذه عبارةٌ مُستعارة،
المقصودُ بها الإعلامُ بتكفير الخطايا ومحوها، وإلا فليست الخطايا أجساماً حتى
يصحّ منها الخروج.
وقد استدل أبو حنيفة - رحمه الله - بهذا الحديث على نجاسة الماء
المستعمل، ولا حجة له فيه لما ذكرناه، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهر حُكْم الماء
مطهِّر غير أنه يُكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن الفرج(١) المستعمل
أنه طاهر غير مُطهِّر. وقيل: إنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وقد سمَّاه
بعضُهم: ماء الذّنوب. وقد روى هذا الحديثَ مالكٌ من رواية أبي عبد الله
الصّنابحي، وهو عبد الرحمن بن عُسيلة، ولم يدرك النبي ◌َّهِ، وقال فيه: ((فإذا
(١) من (م).

٤٩٤
(٢) كتاب الطهارة - (٤) باب: ما يقال بعد الوضوء
(٤) باب
ما يقال بعد الوضوء
[١٧٩] عن عُقبةَ بن عامرٍ، قالَ: كانتْ علينَا رِعَايَةُ الإبلِ، فجاءتْ
نَوْبَتِي، فَرَوَّحْتُها بِعَشِيٍّ، فأدركتُ رسولَ اللهِوَّهِ قَائِماً يُحَدِّثُ النَّاسَ.
فأدركتُ مِن قولِه: ((مَا مِن مُسلمٍ يَتَوضَّأْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَه، ثمَّ يقومُ فِيُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عليهما بقلبهِ ووَجَههِ، إِلَّ وجبتْ له الجَنَّةُ)). قالَ فقلتُ:
ما أجودَ هذه! فإذَا قَائِلٌ بينَ يديَّ يقولُ: التي قبلَها أجودُ! فنظرتُ فِإِذَا عُمَرُ.
مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه)) استدلَّ به بعضُ
أصحابنا على صحَّة قول مالك: ((الأذنان من الرأس)) ولم يرد بذلك أنَّ الأذنين جزءٌ
من الرأسِ، بدليلٍ أنه لم يختلف عنه أنهما يُمسحان بماء جديد، وأن مَن تركهما
حتى صلَّى لم تلزمْه إعادةٌ، وإنما أرادَ مالك بقوله: ((الأذنان من الرأس) أنهما
يُمسحان كما يُمسح الرأس، لا أنهما يُغسلان كما يُغْسَل الوجه، تحرّزاً مما يُحكى
عن ابن شهاب أنه قال: إنّ ما أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيغسل معه،
وما يلي الرأس هو من الرأس، فيمسح معه.
(٤) ومن باب: ما يقال بعد الوضوء
(قول عقبة: كانت علينا رعاية الإبل) يعني: إِبل الصّدقة المنتظر بها تفريقها.
أو الإبل المُعَدَّة لمصالح المسلمين.
و (قوله: ((فروّخْتُها بعشي)) يعني(١): رَدَدْتُها إلى حيث تبيت. والمُراح:
بضم الميم، مبيتُ الماشية.
(١) في (ل): أي.

٤٩٥
(٢) كتاب الطهارة - (٥) باب: توعد من لم يُنْبغ وغسله ما ترك
قالَ: إنِّي قدْ رأيتُكَ جئتَ آنِفاً. قالَ: ((مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأ فِيُبْلِغُ (أو
فيُسْبِغُ) الوُضُوءَ ثم يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّ اللهُ وأنَّ محمداً عبدُ اللهِ
ورسولُهُ، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجَنَّةِ الثَّمانيةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» .
رواه أحمد (١٤٦/٤ و١٥٣)، ومسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩
و ١٧٠)، والترمذي (٥٥)، والنسائي (٩٢/١ -٩٣).
(٥) باب
توعد من لم يُسْبِغْ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة
[١٨٠] عن سَالم مولى شَدَّاد، قالَ: دخلتُ على عائشةَ زَوْج
النَّبِيِّ وَّهِ يومَ تُوفِيَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ. فدخلَ عبدُ الرحمن بن أبي بكر
فَتَوَضَّأَ عندَها. فقالتْ: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوءَ. فإِنِّي سمعتُ
رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
رواه أحمد (٨١/٦ و٨٤ و٩٩ و١٩٢)، ومسلم (٢٤٠).
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّ الذِّكْر بعد الوضوء فضيلةٌ من فضائله. الذكر بعد
وعلى أنَّ أبوابَ الجنّة ثمانيةٌ لا غير. وعلى أنَّ داخل الجنّة يُخيَّر في أيٍّ الأبواب الوضوء
شاء، وقد تقدّم استيعاب هذا المعنى.
(٥) ومن باب: توعّد مَن لم يُسْبغ
(قوله: ((ويلٌ للأعقاب من النار))) ويل: كلمةُ عذابٍ وقبوحٍ وهلاكٍ، مثل:
ويح. وعن أبي سعيد الخدري وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنّم لو أُرسلت فيه
الجبال لماعت من حرّه. وقال ابنُ مسعود: صديدُ أهل النار، ويقال: ويلٌ لزيد،

٤٩٦
(٢) كتاب الطهارة - (٥) باب: من لم يُشْبغ وغسله ما ترك
[١٨١] وعن عبدِ الله بن عَمْرٍو، قالَ: رجعنَا معَ رسولِ الله وَّهِ من
مَكَّةَ إلى المدينةِ. حتَّى إذا كُنَّا بماءٍ بالطَّريقِ. تَعَجَّلَ قومٌ عندَ العَصْرِ،
فَتَوَضَّؤوا وهُم عِجَالٌ، فانتهينا إليهم، وأعقابُهم تَلُوحُ لم يَمَسَّهَا المَاءُ. فقالَ
رسولُ الله ◌َله: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ. أَسْبِغُوا الوُضُوءَ)).
وويلاً له بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، فإن أضفته لم يكنْ إلا
النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبر. والأعقاب: جمع عقب، وعقب كلّ
شيء: آخره، والعَراقيب: جمع عُرْقُوب، وهو العَصَب الغليظ الموتر فوق عقب
الإنسان، وعُزْقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال الأصمعي: وكلُّ
تعميم الأعقاب ذي أربع فَعُرْقُوباه في رجليه، وركبتاه في يديه. ومعنى ذلك: أن الأعقابَ
والعراقيبَ تُعذّب إن لم تُعَمّم بالغَسْل.
وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على أنَّ فَرْضَ الرجلين الغسل، لا المسح، وهو
لغسل لا المسح مذهبُ جمهور السلف وأئمّة الفتوى، وقد حُكي عن ابن عباس، وأنس، وعِكْرمة:
والعراقيب
بالغسل
فرض الرجلين
أن فَرضَهما المسحُ إن صحّ ذلك عنهما. وهو مذهب الشيعة. وذهب ابنُ جرير
الطبري: إلى أنَّ فَرْضَهما التخييرُ بين الغَسْلِ والمسح، وسببُ الخلاف اختلافُ
القراء (١) في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالخفض والنصب، وقد
أكثر الناسُ في تأويل هاتين القراءتين. والذي ينبغي أن يُقال: إن قراءةَ الخفض
عَطْف على الرأس فهما يُمسحان. لكن إذا كان عليهما خفّان، وتلقّينا هذا القيدَ من
فِعْل رسول الله وَلتر؛ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفّان. والمتواتر
عنه غَسْلهما، فبيّنِ النَّبِيُّ وَّ بفعله الحالَ الذي تُغسل فيه الرِّجْلُ، والحال الذي
تُمسح فيه(٢). فليكتف بهذا فإنه بالغٌ، وقد طوَّلْنا النفسَ في [هذه المسألة في](٣)
كتابنا في ((شرح التلقين)) أعان الله على تمامه.
(١) في (ل): القراءة.
(٢) في (ع): به.
(٣) سقط من (ع).

٤٩٧
(٢) كتاب الطهارة - (٥) باب: توعد من لم يُسْبغ وغسله ما ترك
وفي رواية: قالَ: تخلَّف عنَّ النبيُّ نَّهِ فِي سَفَرِ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنا وقد
حَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ فَجَعَلْنا نمسحُ على أَرْجُلِنا، فنادى: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ
مِنَ النَّارِ)).
رواه أحمد (١٩٣/٢)، والبخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، وأبو داود
(٩٧)، والنسائي (٧٨/١).
[١٨٢] وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌ِ ل﴿ رأى رَجُلاً لم يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ،
فقالَ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
وفي أُخرى: ((وَيْلٌ للعَراقيبِ مِنَ النَّارِ)).
رواه أحمد (٢٨٢/٢ و٢٨٤ و٤٠٦ و٤٠٩ و٤٣٠)، والبخاري
(١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، والترمذي (٤١)، والنسائي (١/ ٧٧).
و (قوله: ((فجعلنا نمسح على أرجلنا))) قد يتمسّك به مَن قال بجواز مَسْح
الرجلين، ولا حُجّة له فيه لأربعة أوجه:
أحدها: أن المسحَ هنا يُراد به: الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض
الحجاز، أن يقولوا: تمسَّحنا للصَّلاة، أي: توضأنا.
وثانيها: أنّ قوله: ((وأعقابهم تلوحُ لم يمسّها الماء)) يدلُّ: على أنهم كانوا
يغسلون أرجلهم، إذ لو كانوا يمسحونها؛ لكانت القدمُ كلّها لائحة، فإن المسح
لا يحصلُ منه بَلَل الممسوح.
وثالثها: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إنَّ النبيَّ ◌َ # رأى رجلاً لم
يغسل عقبه فقال: ((ويلٌ للأعقاب من النار))(١).
(١) رواه أحمد (٤٠٩/٤)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢) (٢٩).

٤٩٨
(٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ
[١٨٣] وعن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، أنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فتركَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ
على قَدَمِهِ، فأبصرَه النبيُّ مِ﴿ فقالَ: ((ارجعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ)) فرجعَ ثم
صَلَّى.
رواه أحمد (٢١/١ و٢٤)، ومسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣)،
وابن ماجه (٦٦٦).
(٦) باب
الغرة والتحجيل من الإسباغ، وأين تبلغ الحلية
وفضل الإسباغ على المكاره
[١٨٤] عن نُعَيْم بن عبد الله المُجْمِرِ، قالَ: رأيتُ أبا هريرةَ يَتَوضَّأُ؛
فغسلَ وجهَه وأسبغَ الوُضوءَ، ثم غسلَ يدَه اليُمنى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ،
ورابعها: أنّا لو سلَّمنا أنهم مَسَحُوا، لم يضرّنا ذلك، ولم تكن فيه حُجَّةٌ
لهم؛ لأن ذلك المسحَ هو الذي توعّد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعاً. واللهُ
تعالى أعلم.
و (قوله للرجل الذي ترك موضع ◌ُفُر على قدمه: ((ارجع فأحسنْ وضوءك)))
دليلٌ على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرِّجلين، وأنَّ تاركَ بعض وضوئه
جهلاً أو عمداً يستأنفه، إذ لم يَقُلْ له: اغسلْ ذلك الموضعَ فقط. وقد جاء في
كتاب أبي داود في هذا الحديث: ((أنَّ النبيَّ وَ﴿ أمره أن يعيدَ الوضوءَ والصَّلاة»،
وهذا نصّ.
(٦) ومن باب: الغُرَّة والتَّحجيل
(قوله: «ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد))) أشرع: رباعي، أي:

٤٩٩
(٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ
ثم يدَه اليُسرى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم مسحَ برأسِه، ثم غسلَ رِجْلَه
اليُمنى حتَّى أشرعَ في السَّاقِ، ثم غسلَ رجلَه اليُسرى حتَّى أشرعَ في
السَّاق، ثم قالَ: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يَتَوَضَّأُ. وقالَ: قالَ
مدَّ يده بالغسل إلى العضد، وكذلك: ((حتى أشرع في السَّاق)) أي: مدَّ يده إليه، من
قولهم: أشرعتُ الرمحَ قِبَله، أي: مَدَدْتُه إليه، وسدّدته نحوه، وأشرعَ باباً إلى
الطّريق، أي: فَتَحَهُ مسدداً إليه، وليس هذا من: شرعتُ في هذا الأمر، ولا من:
شرعت الدوابُّ في الماء؛ بشيء؛ لأن هذا ثلاثي وذاك رباعي. وكان أبو هريرة
يبلغُ بالوضوء إبْطَيْهِ وساقَيْهِ. وهذا الفعلُ منه مذهبٌ له، ومما انفردَ به، ولم يَحْكِه
عن النَّبِيّ ◌َ﴿ فعلاً، وإنما استنبطه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنتم الغرّ
المحجّلون)). ومِن قوله: ((تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ منه الوضوء)). قال
أبو الفضل عياض: والناس مُجْمِعُون على خلافِ هذا، وأن لا يتعدّى بالوضوء
حدودَه لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن زاد فقد تعدَّى وظلم))(١).
والإشراع المروي عن النبي والقر من حديث أبي هريرة هو محمول على
استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبّر عن ذلك بالإشراع في العضد والسّاق، استيعاب
لأنهما مباديهما. وتطويل الغرّة والتّحجيل بالمواظبة على الوضوء لكلِّ صلاة المرفقين
والكعبين
وإدامته، فتطول غرّته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نُور أعضائه.
بالغسل
قال الشيخ - رحمه الله -: وأصلُ الغرّة لمعةٌ بيضاء في جبهة الفرس، تزيد الغُرَّة
على قدر الدرهم. يقال منه: فرس أغرّ. ثم قد استُعْمِل في الجمال والشّهرة وطِيْب
الذكر، كما قال(٢):
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارىْ نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّارُ
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٢) هو امرؤ القيس.

٥٠٠
(٢) كتاب الطهارة - (٦) باب: الغرّة والتحجيل من الإسباغ
رسولُ اللهِّهِ: (أَنْتُم الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يومَ القيامةِ، مِنْ إسباغِ الوُضُوءِ. فمنْ
استطاعَ مِنْكُم فَلْيُطِلْ غُرَّتَه وتَحْجِيْلَه)).
رواه أحمد (٤٠٠/٢)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).
النّحجیل
والتَّحجيل بياضٌ في اليدين والرّجلين من الفرس، وأصله من الحجل؛ وهو
الخلخال والقيد. ولا بُدَّ أن يجاوزَ التَّحجيلُ الأرساغَ ولا يجاوزُ الرّكبتين
والعُرْقُوبين، وهو في هذا الحديث مستعارٌ عبارة عن النور الذي يعلو أعضاءَ
الوضوء يوم القيامة .
و (قوله أتى المقبرة فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين))) المقبرة: تقال
بفتح الباء وضمها. وتسلیمُه علیهم لبيان مشروعية ذلك. وفيه معنی الدُّعاء لهم.
مشروعية
التسليم على
أهل القبور
ويدُّ أيضاً: على حُسْنِ التَّعاهد وكَرَم العَهْد، وعلى دوام الحرمة. ويحتمل:
أن يردّ اللهُ تعالى أرواحَهم فيسمعون ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البَرّ حديثاً
صحيحاً عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: ((ما من مسلم يمرُّ بقبر أخيه المسلم كان
يعرفُه في الدنيا؛ فيسلِّم عليه؛ إلا رد عليه السلام من قبره))(١). وإتيان النَّبِي وَليه
زيارة القبور المقبرةَ يدلُّ: على جواز زيارة القبور. ولا خلافَ في جوازه للرجال، وأن النَّهْيَ
عنه قد نُسِخ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي.
و (قوله: ((وإنَّا إن شاء اللهُ بكم لاحقون))) يحتمل أوجهاً:
أحدها: أنه امتثالٌ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدّاً »
إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤] فكان يُكْثِرُ من ذلك حتى أدخلَه في ما لا بُدَّ
منه وهو الموت.
(١) رواه ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. انظر:
فيض القدير (٤٨٧/٥)، وشرح الصدور للسيوطي ص (٢٧٣).