Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
(١) كتاب الإيمان - (٦٦) باب: من لم يؤمن لم ينفعْه عملٌ صالح
[١٦٢] وعن عَمْرِو بن العَاصِ، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَلِّ، جهاراً
غَيْرَ سِرٍّ، يقولُ: ((أَلَا إِنَّ آلَ أبي (يَعني فُلاناً) لَيْسُوا لي بِأَوْلِيَاءَ، إنَّما وَلِيِّيَ
الله وصَالِحُ المؤمنینَ)).
رواه أحمد (٢٠٣/٤)، والبخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥).
كافر فبشّره بالنار)) فكان الرجلُ يفعل ذلك، فشقّ عليه حتى قال: لقد كلّفني
رسول الله # شططاً، ذكره النسائي(١).
و (قوله: ((ألا إنّ آلَ أبي فلان))) كذا للسّمرقندي ولغيره: أَلَا إنَّ آل أبي
(يعني فلاناً) وفي رواية ((فلانٌ)) على الحكاية. وهذا كنايةٌ عن قومٍ معينين كره
الرّاوي تسميتهم؛ لما يُخافُ ممّا يقعُ في نفوس ذراريهم المؤمنين. وقيل: إن
المكنّى عنه: هو الحكم بن أبي العاصي.
وفائدة الحديث: انقطاعُ الولاية بين المسلم والكافر وإن كان قريباً حَمِيماً. انقطاع الولاية
وقد وقع في أَصْل كتاب مسلم موضع فلان أبيض لم يُكتب عليه شيءٍ (٢). بين المسلم
والكافر.
وفلان: كناية عن اسم علمٍ كُتِب في ذلك إصلاحاً له(٣).
(١) لم يروه النسائي في المجتبى ولا في السنن الكبرى، بل رواه ابن ماجه (١٥٧٣) من
حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. وانظر: تحفة الأشراف (٣٦٥/٥).
(٢) ساقط من (ع).
(٣) أي: كتبت لفظة (فلان) في المكان الأبيض من أصل صحيح مسلم، مَلاً للفراغ
وإصلاحاً للكتابة.
٤٦٢
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي # سبعون ألفاً بغير حساب
(٦٧) باب
يدخل الجنة من أمة النبي ◌َّا و سبعون ألفاً بغير حساب
[١٦٣] عن حُصَيْنِ بن عبد الرحمن، قالَ: كنتُ عندَ سعيدٍ بن جُبير
فقال: أيُّكم رأَى الكوكبَ الذي انْقَضَّ البَارِحَة؟ قلتُ: أنَا. ثم قلتُ: أمَا
إِنِّي لم أكنْ في صَلاةٍ، ولكنِّي لُدِغْتُ. قالَ: فماذَا صَنَعْتَ؟ قلتُ:
اسْتَرْقَيْتُ. قالَ: فما حَمَلَكَ على ذلِكَ؟ قلتُ: حديثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ.
فقالَ: وما حَدَّثُكُم الشَّعبِيُّ؟ قلتُ: حَدَّثَنَا عن بُرِيدةَ بنِ حُصَيبِ الأَسْلَمِيّ أنَّه
قالَ: لا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينِ أو حُمَةٍ. فقالَ: قد أَحْسَنَ انتهى إلى ما سَمِعَ.
ولكنْ حَدَّثَنَا ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ وَِّ أنه قالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ،
فرأيتُ النبيَّ ومعهُ الرُّهَيْطُ، والنبيَّ ومعهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، والنبيَّ ليسَ مَعَهُ
(٦٧) ومن باب: كم يدخل الجنَّة من أمّة محمّد نَّه بغيرِ حساب؟
(قوله: ((لا رقية إلا من عين أو حُمَة))) العينُ: إصابةُ العين، والحمة: بضمّ
الحاء وفتح الميم مخفّفة: حُرقة السّم ولذْعه. وقيل: السّم نفسه.
قال الخطابي: ومعنى ذلك: لا رقية أشفى وأولى من رقية العينِ والحُمَّة،
رُفِيِ ﴾ ورقى. وكان عليه الصلاة والسلام قد رُقي، ورَقى، وأَمَرَ بها، وأجازها. وإذا كانت
الرُّقْية الجائزة. بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهي مُباحة، أو مأمورٌ بها، وإنما جاءت الكراهيةُ والمنعُ
فيما كان منها بغير لسانِ العرب؛ فإنه رُبَّما كان كفراً أو قولاً يدخله الشّرك.
ما يُكره من
الرقية.
قال: ويحتمل أن يكونَ الذي يكره من الرُّقية ما كان منها على مَذَاهبٍ
الجاهلية التي كانوا يتعاطُونها، وأنها تدفعُ عنهم الآفات، ويعتقدون أنَّ ذلك من
قِبَلِ الجن ومَعُونتهم.
١
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي 98 سبعون ألفاً بغير حساب
٤٦٣
أحدٌ. إذْ رُفِعَ لي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهم أمَّتِي. فقيل لي: هذا مُوسى
وقومُه. ولكنْ انظرْ إلى الأُفُقِ، فنظرتُ، فإِذَا سَوَادٌ عَظيمٌ. فقيل لي: انظرْ
إلى الأُفقِ الآخَرِ. فإذا سَوَادٌ عظيمٌ. فقيل لي: هَذه أُمَّتُكَ، ومعهم سبعونَ
أَلْفاً يَدْخَلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ)). ثم نهضَ فدخلَ منزلَه،
فخاضَ النَّاسُ في أولئك الذينَ يدخلونَ الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عَذابٍ.
فقالَ بعضُهم: فلعلَّهم الذينَ صَحِبُوا رسولَ الله وَّهِ. وقال بعضُهم: فلعلَّهم
الذينَ وُلِدُوا في الإسلامِ ولم يُشْرِكُوا بالله. وذَكَرُوا أشياءَ. فخرجَ عليهم
رسولُ الله ◌َ﴿ فقالَ: ((ماَ الذي تَخُوضُونَ فيه؟)) فأخبرُوه. فقالَ: ((هُمُ الذينَ
لا يَرْقُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطِيَّرُونَ،
وقد اختلفتِ الرّوايةُ عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم؛ فأجازها رقية أهل
مرّة إذا رقی بكتاب الله، ومَنَعها أخرى إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به.
الکتاب
للمسلم.
و (قوله: ((فإذا سوادٌ عظيم))) يعني به: أشخاصاً كثيرة، وجمعه أسودة. وقد
تقدم.
و (قوله: ((هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيّرون))) مزية الذين
اختلفَ الناسُ في معنى هذا الحديث، وعلى ماذا يُحمل؟ فحمله الإمامُ المازري يدخلون الجنة
- رحمه الله -: على أنهم الذين جانبوا اعتقادَ الطّبائعيين في أنَّ الأدويةَ تنفعُ
دون حساب.
بطباعها، واعتقاد الجاهلية في ذلك ورُقاهم، وهذا غيرُ لائقٍ بمساقِ الحديث ولا
بمعناه؛ إذ مقصودُه: إثباتُ مزيّةٍ وخُصُوصيّةٍ لهؤلاء السّبعين ألفاً. وما ذكره يرفعُ
المزيةَ والخصوصيّة؛ فإن مجانبةَ اعتقاد ذلك هو حالُ المسلمين كافّة، ومن لم
يجانب اعتقادَ ذلك لم يكن مسلماً. ثم إنَّ ظاهرَ لفظ الحديث إنما هو ((لا يرقون
ولا یکتوون» أي: لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروجٌ عنه من غیر دلیل.
وقال الداودي: المراد بذلك: الذين يجتنبون فِعْلَه في الصِّحَّة، فإنه يُكره
٤٦٤
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي { # سبعون ألفاً بغير حساب
لمن ليست به علَّة أن يتَّخذ التَّمائم، ويستعمل الرقى، فأما مَن يستعملُ ذلك في
مرضٍ به فهو جائز، وهذا إن صحَّ أن يُقال في الثَّمائم وفي بعض الرّقى، فلا يصحُ
أن يُقال في التَّعويذات، وهي من باب الرّقى، إذ قد يجوزُ أن يتعوَّذَ من الشُّرور
كلّها قبل وقوعها، ولا يصحُّ ذلك في التَّطْبُّب، فإنه يجوزُ أن يتحرّز من الأدواء قبل
وقوعها، وأما الكيّ فيأتي القولُ فيه إن شاء الله تعالى. وذهب الخطابيّ وغيره إلى
أنَّ وَجْه ذلك؛ أن يكونَ تَرْكُها على جهة التَّوكّل على الله تعالى، والرِّضا بما يقضيه
من قضاء، وينزل به من بلاء. قال: وهذه أرفعُ درجات المحقّقين بالإيمان. قال:
وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ من السَّلف. وسمّاهم. قال القاضي أبو الفضل عياض:
وهذا هو ظاهِرُ الحديث، ألا ترى قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]
ومضمون كلامه: أنه لا فَرْقَ بين ما ذكر من الكيّ والرّقى وبين سائر أبواب الطّب.
أرفع درجات
المحققين
بالإيمان.
لرقی والكي
والتوكل.
وقد ذهب غيرُه إلى أنّ استعمالَ الرُّقى والكيّ قادحٌ في النَّوكل، بخلاف سائر
أنواع الطّب فإنها غيرُ قادحة في التوكّل. وفرَّق بين القسمين بأن قال: باب الرقى
والكي [والطيرة، موهوم] (١)، فيقدح في التوكل وما عداها غير موهوم، بل
محقّق؛ فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للرِّيِّ فلا يقدح، قال الشيخُ: وهذا فاسدٌ
من وجھین:
أکثر أبواب
أحدهما: أنَّ أكثرَ أبواب الطب موهومة كالكي، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ
الطب موهومة. والرّقى.
وثانيهما: أنَّ الرّقى بأسماء الله تعالى هو غايةُ التَّوكل على الله تعالى فإنه
التجاءٌ إليه، ويتضمَّن ذلك رغبته له، وتبرّكاً بأسمائه، والتّعويل عليه في كشف
الضّر والبلاء، فإن كان هذا قادحاً في التّوكل فليكن الدعاءُ والأذكارُ قادحاً في
لرقی بأسماء
له هو غاية
و كل.
(١) ساقط من (ع).
٤٦٥
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي # سبعون ألفاً بغير حساب
التوكّل؛ ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟! وقد رقى النّبي ◌َّ﴾ واسترقى، ورقاه
جبريلُ وغيره، وَرَقَتْهُ عائشة، وفَعَلَ ذلك الخلفاءُ والسَّلف؛ فإن كانت الرّقى قادحةً
في التّوكل ومانعةً من اللّحوق بالسبعين ألفاً، فالتوكل لم يتمّ النَّبِيِ ﴿ ولا لأحدٍ من
الخلفاء، ولا يكون أحدٌ منهم في السَّبعين ألفاً، مع أنهم أفضل مَن وافى القيامة
بعد الأنبياء، ولا يتخيَّل هذا عاقل(١).
قال الشيخُ - رحمه الله -: والذي يظهرُ لي: أن القولَ ما قاله الخطابي،
وحكاه عن جماعة من السَّلف، وذلك ظاهِرٌ في الطّيرة والكيّ، فإذا دفع الطيرة عن الطيرة ودَفْعها
نفسه؛ ولم يلتفت إليها بالتّوكل على الله تعالى؛ كان في المقام الأرفع من التّوكل؛ بالتوكل على
لأن الطيرةَ قد تُلازِم قلبَ الإنسان، ولا يجدُ الانفصال(١) عنها، ولذلك قال ◌َلِيٍ الله.
حين سُئِل عن الطيرة فقال: ((ذاك شيءٌ يجدونه في صدورهم فلا يَصُدَّنَّهُم)(٢) فإذا
استعمل المؤمنُ الإعراضَ عنها؛ والتفويضَ إلى الله في أموره؛ ذهب ما كان يجدُه
منها؛ ولذلك قال # فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: ((الطيرة شرك،
الطيرة شرك ـ ثلاثاً - وما منّا إلا، ولكن اللهَ يذهبه بالتّوكل)) (٣).
و (قوله: ((إلا))) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه:
«ذاك شيء يجدونه في صدورهم)).
وأما الكي: فالمأمونُ منه جائز، وقد كوى النَّبيُّ ◌َله أُبيّاً يوم الأحزاب على حُكْم الكتيّ.
(١) في (ل) و(م): الانفكاك.
(٢) رواه أحمد (٤٤٨/٥)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائي
(١٤/٣ - ١٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.
(٣) رواه أبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤).
ومعنى (إلا): أي: وما منا أحد إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له.
٤٦٦
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي # سبعون ألفاً بغير حساب
أُكْحَله لما رُمِي، وفي البخاري عن ابن عباس: أنَّ النبيِنَّ قال: ((الشِّفاء في
ثلاثٍ: في شَرْطة مِحْجَم، أو شَرْبة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمتي عن
الكي)) (١). وفي حديث جابر: ((وما أحب أن أكتوي)) (٢). وعلى هذا فالمأمون من
الكي، وإن كان نافعاً - جائز، إلا أنّ تَرْكَه خيرٌ من فعله، وهذا معنی نهيه ◌َّ عنه.
وسببه: أنه تعذيب بعذاب الله؛ وقد قال ◌َله: ((لا تُعذّبُوا بعذابِ الله))(٣) يعني:
النار، وبهذا ينفردُ الكي ولا يلحق به التّطبب بغير ذلك في الكراهة؛ فإن النبي ◌َّله
أقد تطبَّبَ وطبّب، وأحال على الطبيب، وأرشد إلى الطب بقوله: ((يا عبادَ الله!
تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» (٤).
التداوي
والتطبّب.
موقف الإسلام
من الرقي.
وأما الرّقي والاسترقاء: فما كان منه من رقي الجاهلية، أو بما لا يعرف،
فواجبٌ اجتنابُه على سائر المسلمين، وتَرْكُه حاصلٌ من أکثرهم، فلا یکون اجتنابُ
" ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرّقي بأسماء الله تعالى، وبالمرويّ عن
رسولِ اللهِوَ﴿، لما قدّمناه من أنه التجأ إلى اللهِ، وتبرَّك بأسمائه.
ويظهرُ لي - والله تعالى أعلم - أنَّ المقصودَ: اجتنابُ رَفْىٍ خارجٍ عن
القسمين؛ كالرقي بأسماء الملائكة، والنبيين، والصالحين، أو بالعرش،
والكرسي، والسموات، والجنة، والنار، وما شاكَلَ ذلك مما يعظم، كما قد يفعله
كثيرٌ ممن يَتَعاطى الرُّقى. فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور(٥) الذي يعمّ
اجتناب الرقي
المحظور.
(١) رواه البخاري (٥٦٨٠ و ٥٦٨١) وابن ماجه (٣٥٣٨).
(٢) رواه البخاري (٥٦٨٣)، ومسلم (٢٢٠٥).
(٣) رواه أحمد (٢٨٢/١)، والبخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)،
والنسائي (١٠٤/٧ و ١٠٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(٤) رواه أبو داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٩) من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه.
(٥) في (ع): المخصوص.
٤٦٧
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي 18 سبعون ألفاً بغير حساب
وعلى رَبِّهم يَتَوَكَّلُونَ).
اجتنابه، وليس من قبيل الرقي الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرّك بأسمائه، وكأنَّ
هذا القسم المتوسّط يلحق بما يجوزُ فِعْله، غير أنَّ تَرْكَه أولى من حيث أن الرقيَ
بذلك تعظيمٌ وفيه تشبيه المرقي به بأسماء الله تعالى وكلماته، فينبغي أن يُجْتَنَبَ
لذلك، وهذا كما نقوله في الحلف بغير الله؛ فإنه ممنوعٌ؛ فإنَّ فيه تعظيماً لغير الله
تعالى بمثل ما يعظّم به الله، والله أعلم. وهذا ما ظَهَرَ لي، فمن ظَهَرَ له ذلك فليقبله
شاكراً، وإلا فليتركْه عاذراً، وسيأتي الكلامُ في اشتقاق لفظ الطيرة في كتاب
الصّلاة، إن شاء الله.
و (قوله: ((وعلى ربهم يتوكلون))) التوكل لغة: هو إظهارُ العَجْز عن أمرٍ ما، معنى التوكل.
والاعتماد فيه على الغير. والاسم: التكلان، يقال منه: اتَّكَلْتُ عليه في أمري.
وأصله: إوتَكَلْتُ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أُبدل منها التاء، وأدغمت
في تاء الافتعال، ويقال: وكَّلته بأمر كذا توكيلاً. والاسم: الوكالة بكسر الواو
وفتحها .
واختلفَ العلماءُ في التوُّل، وفيمن يستحقُّ اسمَ المتوكّل على الله، فقالت من المتوكل
طائفةٌ من المتصوفة: لا يستحقّه إِلَّا مَن لم يخالطْ قلبَه خوفُ غير الله من سبع أو على الله؟
غيره، وحتى يترك السّعي في طلب الرزق؛ لضمان الله تعالى.
وقال عامَّةُ الفقهاء: إن التوكل على الله تعالى هو الثقةُ بالله، والإيقانُ بأنَّ
قضاءَهُ ماضٍ، واتّباعُ سنة نبيه في السَّعي فيما لا بُدَّ منه من الأسباب من مطعمٍ
ومشرب، وتحرزٍ من عدوّ، وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سُنَّةُ الله تعالى
المعتادة، وإلى هذا ذهب محقّقو المتصوّفة؛ لكنه لا يستحقُّ اسمَ المتوكّل عندهم
مع الطَّمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنَّها لا تجلبُ نفعاً ولا
تَذْفَعُ ضرّاً، بل السببُ والمسبّب فِعْلُ الله تعالى، والكلُّ منه وبمشيئته، ومتى وَقَع
من المتوكّل ركونٌ إلى تلك الأسباب فقد انسلخَ عن ذلك الاسم.
٤٦٨
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة النبي 8# سبعون ألفاً بغير حساب
فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنِ، فقالَ: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقالَ: ((أنتَ
منهم)). ثم قامَ رجلٌ آخرُ، فقالَ: ادعُ اللهَ أنْ يجعلَني مِنهم. فقالَ: ((سَبَقَكَ
بها عُگّاشَةُ».
رواه أحمد (٢٧١/١)، والبخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠)،
والترمذي (٢٤٤٨).
المتوكلون على
حالین.
ثم المتوگِّلون علی حالین:
الحال الأول: حال المتمكِّن في التوكّل، فلا يلتفتُ إلى شيءٍ من تلك
الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلا بحُكْم الأمر.
الحال الثاني: حال غير المتمكُّن؛ وهو الذي يقعُ له الالتفاتُ إلى الأسباب
أحياناً، غير أنه يَذْفَعُها عن نفسه بالطُّرق العلمية، والبراهين القطعيّة، والأذواق
الحالية، فلا يزالُ كذلك إلى أن يُرَقَِّّهُ اللهُ بجوده إلى مقام المتمكِّنين، ويُلْحِقه
بدرجات العارفين.
و (قوله: ((فقام إليه عُكَّاشة بن محصن فقال: ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم)))
عُّاشة هذا: هو بضم العين وتشديد الكاف. قال ثعلب: وقد تخفف. قال الشيخ
- رحمه الله -: ولعله منقول من (عُكَاشة) اسم لبيت النّمل بالتخفيف، أو مأخوذ
من: عكش الشعر، وتعكش؛ إذا التوى. وعُكَّاشة هذا من أفاضل الصّحابة،
وخيارهم، وشُجعانهم، له ببدر المقامُ المشهور، والعَلَمُ المنشور؛ وذلك: أنه
ضَرَب بسيفه في الكفار حتى انقطع، فأعطاه رسولُ الله ◌ِوَ جِزْلَ حَطَب، فأخذه
فهزّه فعاد في يده سيفاً صارماً، فَقَاتَل به حتى فَتَح اللهُ على المسلمين، وكان ذلك
السيف يُسمَّى: العون، ولم يزل عنده يَشْهَدُ به المشاهدَ مع رسولِ اللهِوَلِّ حتى قُتِل
عكاشةُ في الرِّدة وهو عنده، قَتَلَهُ طُليحة الأسدي. وهو الذي قال فيه
رسولُ اللهِوَّرِ: ((مِنّا خيرُ فارس في العرب))، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال:
عكاشة بن
محصن.
٤٦٩
(١) كتاب الإيمان - (٦٧) باب: يدخل الجنة من أمة الني # سبعون ألفاً بغير حساب
[١٦٤] وعن عمرانَ بنِ حُصَيْنِ، أَنَّ رسولَ اللهِلَّه قالَ: ((يَدْخُلُ
الجَنَّةَ مِنْ أُمَتي سبعونَ أَلْفاً بغيرِ حِسَابٍ)) قَالُوا: مَنْ هُم يا رسولَ الله! قالَ:
((هُمُ الذينَ لا يَسْتَرْقُونَ، وَلا يَتَطَّيَّرُونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعلى رَبِّهم
يَتَوَكَّلُونَ».
رواه أحمد (٤٤٨/٤)، ومسلم (٢١٨).
*
(عُلَّاشة بنُ محصن))(١). ولقوةً يقينه وشدّة حِرْصه على الخير، ورغبته فيما عند الله
سبحانه، سبق الصَّحابة كلَّهم بقوله: ادعُ الله أن يجعلني منهم. ولما لم يكنْ عند
القائم بعده من تلك الأحوال الشّريفة ما كان عند عكاشة. قال له: ((سبقك بها
عُكَّاشة)). وأيضاً: فلئلا يطلب كلُّ من هنالك ما طلبه عكاشة والرجل الآخر،
ويتسلسلُ الأمر، فسدَّ رسولُ اللهِوَ﴿ البابَ بما قال لعُكَّاشة، وهذا أولى مِن قَوْل
من قال: إنَّ ذلك الرجلَ كان منافقاً؛ لوجهين:
أحدهما: أن الأصلَ في الصحابة صحَّةُ الإيمان والعدالة، فلا يُظَنُّ بأحدٍ الأصل في
منهم شيءٌ يقتضي خلافَ ذلك الأصل، ولا يسمع ما لا يصحّ نقله، ولا يجوزُ
تقديره.
الصحابة صحة
الإيمان
والعدالة.
والثاني: أنه قلَّ أن يصدرَ مثلُ ذلك السؤال عن منافق، إذ ذلك السؤالُ
يقتضي تصديقاً صحيحاً، ويقيناً ثابتاً، والله أعلم.
(١) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢٩٠/٣).
٤٧٠
(١) كتاب الإيمان - (٦٨) باب: أمة محمد # شطر أهل الجنة
(٦٨) باب
أمة محمد طه شطر أهل الجنة
[١٦٥] عن أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: قالَ رسولُ الله وَلِ: ((يقولُ
الله: يا آدمُ! فيقولُ: لَبَّيْكَ! وسَعدَيْكَ! والخيرُ فِي يَدَيْكَ! قالَ: يقولُ:
أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قالَ: ومَا بَعْثُ النَّار؟ قال: مِنْ كلِّ ألفٍ تِسْعمئةٍ وتِسْعَةً
وتسعينَ. قالَ: فذاكَ حين يشيبُ الصَّغيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمّلَهَا
وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢].
(٦٨) ومن باب: أنَّ أمة محمد وَلِّ شطرُ أهل الجنة
(قوله تعالى لآدم: ((أَخْرِجْ بَعْثَ النَّار))) إنَّما خصّ آدم بذلك القول: لأنه أبٌّ
للجميع، ولأنَّ الله تعالى قد جَمَع له نسم بَنِيْه في السَّماء بين يديه، وهم الأسودةُ
التي رآها رسولُ اللهِ وَلَه ليلةَ الإسراء عن يمين آدم، وهم أهلُ الجنَّة، وعن يساره
وهم أهلُ النار كما تقدَّم. و((بَعْث النار)) من يُبعث إليها، وكذلك بَعْث أهل الجنة.
ومعنى ((أخرج)) هنا ممن يخرج ويميز بعضهم عن بعض، وذلك يكونُ في المحشر
حيث يجتمعُ النَّاسُ ويختلطون، والله تعالى أعلم. ويحتملُ أن يكونَ معنى أخْرِج:
أي: احضر إخراجهم. فكأنَّهم يُعْرَضُون عليه بأشخاصهم وأسمائهم، كما قد عُرِضت
علیھم نسمُهم.
و (قوله: ((وما بَعْثُ النار)))؟ وضعت هنا ((ما)) موضع ((كم)) العددية؛ لأنه
أُجيبَ عنها بعدد، وأصل ((ما)) أن يُسألَ بها عن ذوات الأشياء وحدودها. ولما
سمع أصحابُ النَّبِيِنَّهِ أنَّ ألفاً إلا واحداً للنَّار، وواحداً للجنة، اشتدَّ خوفُهم
لذلك، واستقلّوا عَدَدَ أهل الجنّة منهم، واستبعدَ كلُّ واحدٍ منهم أن يكونَ هو ذلك
تطبيبه چڼ
الواحدُ، فسكَّن النبيُّنَّه خوفَهم، وطَيَّب قُلُوبَهُم، فقال: ((أَبْشِرُوا فإنَّ من يأجوجَ
قلوب أصحابه. ومأجوجَ ألفاً ومنكم رجل))، ويعني بالألف هنا: التسعمئة والتسعة والتسعين
بعث النار
وبعث الجنة.
٤٧١
(١) كتاب الإيمان - (٦٨) باب: أمة محمد # شطر أهل الجنة
قالَ: فَاشْتَدَّ ذلكَ عليهم. قَالُوا: يا رسولَ الله! أيُّنا ذلكَ الرَّجُلُ؟ فقالَ:
(أَبْشِرُوا، فإنَّ مِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألفاً، ومِنكم رَجُلٌ)) قالَ: ثم قالَ:
((والذي نفسِي بيدِه! إنِّي لأطمعُ أنْ تَكُونوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ)) فَحَمِدْنا اللهَ
المتقدِّمة الذِّكر. (ويأجوج ومأجوج) خَلْقٌ كفّار وراء سدّ ذي القرنين. والمرادُ بهم يأجوج
في هذا(١) الحديث: هم ومن كان على كُفْرهم، كما أنَّ المرادَ بقوله: ((منكم)) ومأجوج.
أصحابه ومَن كان على إيمانهم؛ لأنَّ مقصودَ هذا الحديث: الإخبارُ بقلّة أهل الجنة
مِن هذه الأمة بالنسبة إلى كَثْرة أهلِ النار من غيرها من الأمم. أَلَا تَرى أنَّ قولَهُ
عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ مثلكم في الأمم كمثل الشَّعرة البيضاء في جِلْد الثَّور مثل الصحابة
في الأمم.
الأسود، أو كالرَّقْمة في ذِراع الحمار)) يدلُّ على ذلك المقصود؟.
وأما نسبةُ هذه الأمّة إلى مَن يدخل الجنّة من الأمم فهذه الأمةُ شَطْرُ أهل
الجنة كما نصَّ عليه، والشَّطْرُ: النَّصْفُ. ومنه يقال: شاطرته مشاطرة؛ إذا قاسمته
فأخذت نصفَ ما في يديه. والرقمتان للفرس أو الحمار: الأثران بباطن
أعضادهما، والرقمتان للشاة: هيئتان في قوائمها متقابلتان كالظّفرين. ((ولبيك))
معناه: إجابةً لك بعد إجابةٍ. وسعديك: مساعدةً بعد مساعدةٍ، وكلاهما منصوبٌ معنى: لبيك
على المصدر، ولم تستعملِ العربُ له فِعْلاً من لفظه يكون مَصْدَره.
وسعديك.
و (قوله: ((والخير في يديك))) أي: تملكه أنتَ لا يملكه غيرك، وهذا كقوله
تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرٌّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] أي: بيدك الخير الخير والشر بيد
والشر. ولكن سكت عن نسبة الشّر إليه تعالى مُراعاةً لأدب الحضرة، ولم ينسب الله.
اللهُ لنفسه الشرَّ تعليماً لنا مراعاةَ الأدب، واكتفى بقوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[آل عمران: ٢٦]؛ إذ قد استغرق كلَّ الموجودات الممكنات.
(١) ساقط من (ع).
٤٧٢
(١) كتاب الإيمان - (٦٨) باب: أمة محمد # شطر أهل الجنة
وكَبَّرْنا. ثم قالَ: ((والذي نفسِي بيدِه! إنِّي لأطمعُ أنْ تَكُونوا ثُلُثَ أَهل
الجَنَّةِ)) فحَمِدْنا اللهَ وكَبَّرْنا. ثم قالَ: ((والذي نَفسِي بيدِه! إنِّي لأطمعُ أنْ
تَكُونُوا شَطْرَ أهلِ الجَنَّةِ. إِنَّ مَثَلَّكُم في الأُممِ كمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ
الثَّوْرِ الأُسْوَدِ، أو كالرَّفْمَةِ في ذِراعِ الحِمار)).
رواه أحمد (٣٢/٣ و٣٣)، والبخاري (٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢).
و (قوله: ((إني لأطمعُ أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنة))) هذه الطَّماعية قد حُقُّقَتْ
له بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]، وبقوله: (إنَّا سَنُرضيك في
أمتك)) كما تقدَّم، لكن علَّق هذه البُشْرى على الطَّمَع أدباً مع الحضرة الإلهيّة،
ووقوفاً مع أحكام العبوديّة.
طمعه ﴾﴾
أن تكون أمته
شطر أهل
الجنة.
٤٧٣
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
(٢)
كتاب الطهارة
(١) باب
فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
[١٦٦] عن أبي مالكِ الأشعريِّ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((الطَّهُورُ
شَطْرُ الإيمانِ،
(٢)
كتاب الطهارة
(١) باب: فضل الطهارة
(قوله عليه الصلاة والسلام: ((الطهور شطر الإيمان))) الطّهور بفتح الطاء:
الاسم، وبضمّها المصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا ﴾
[الفرقان: ٤٨]. وكذلك الوضوء والوقود والوجور (١) والفطور (٢) الفتح للاسم،
والضم للمصدر، وحكي عن الخليل في الوضوء، الفتح فيهما، ولم يعرف الضّم،
قال ابنُ الأنباري: والأول هو المعروفُ والذي عليه أهلُ اللغة، فأما الغسل:
(١) ((الوجور)): الدواء يُصَبُّ في الحَلْق.
(٢) ساقط من (ع).
٤٧٤
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
فالفتح للمصدر، والضم للماء، عكس الوضوء، على ما حكاه الجوهريّ، وقد قيل
في الغسلِ ما قيل في الوضوء. والطهور والطهارة: مصدران بمعنى النّظافة. تقول
العربُ: طَهُرَ الشيءُ، بفتح الهاء وضمها، يطهُر بضمها لا غير طهارة وطهوراً، كما
تقول: نظف ينظّف نظافة، ونزه ينزُه نزاهة، بضمّها لا غير، وهي التنزّه عن
المستخبئات المحسوسة والمعنوية. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] والشطر: النصف،
وقد تقدّم، والشطر أيضاً: النحو والقصد، ومنه: ﴿شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
[البقرة: ١٤٤]. وقول الشاعر(١):
أُقُوْلُ لأمّ زِنْبَاعِ أَقِيْمِي صُدُوْرَ العِيْسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيْمٍ
أي: نحوهم. ويقال: شَطَرَ عنه أي: بَعُد، وشطر إليه: أي: أقبل.
والشاطر من الشبان: البعيدُ من الخير.
معنى: ((الطهور
شطر الإيمان»
وقد اختُلِف في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((الطهور شطر الإيمان))
على أقوال كثيرة؛ أولاها: أن يقال: إنه أراد بالطّهور الطهارةَ من المستخبئات
الظاهرة والباطنة. والشطر: النصف. والإيمانُ هنا: هو بالمعنى العام، كما قد
دَلَّلْنا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان تصديقٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان،
وعملٌ بالأركان))(٢). ولا شك أنَّ هذا الإيمانَ ذو خصالٍ كثيرة، وأحكام متعدّدة،
غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزّه والتطهر منه، وهي: كلّ ما نهى الشرُ عنه وفيما
(١) هو أبو زنباع الجذامي.
(٢) رواه الخطيبُ في تاريخه (٣٨٦/٩)، وفيه عبد الله بن أحمد الطائي، لم يكن
بالمرضي. وذكر الذهبي أوله في ميزان الاعتدال (٦١٦/٢) وفيه عبد السلام بن صالح
أبو الصلت الهروي، ليس بثقة.
٤٧٥
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
والحمدُ لله تملأّ المِيزانَ، وسُبْحَانَ اللهِ والحمدُ لله تملآنٍ (أو تملأٌ) ما بينَ
السَّمواتِ والأرضِ،
ينبغي التلبّس والاتصاف به، وهي: كلّ ما أمر الشرع به، فهذان الصنفان عبر عن
أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهذا كما قد روي مرفوعاً :(الإيمان نصفان:
نصف شكرٌ ونصف صبرٌ)) (١)، وقد قيل: إن الطهارة الشرعيةَ لما كانت تُكفّر
الخطايا السّابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله، فكانت شطر الإيمان بالنّسبة
إلى مَحو الخطايا، وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ الصَّلاة وغيرها من الأعمال الصَّالحة تُكَفِّر
الخطايا؛ فلا يكونُ لخصوصية الطّهارة بذلك معنى. ثم لا يصحّ أيضاً معنى كون
الطَّهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكونُ مثلاً له في التّكفير؛
ولا يُقال على المثل للشيء: شطره، وقيل: إنَّ الإيمانَ هنا يُرادُ به الصَّلاة، كما
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم على قول
المفسّرين، ومعناه على هذا: أن الصلاةَ لما كانت مفتقرة إلى الطهارة كانت
كالشّطر لها. وهذا أيضاً فاسِد؛ إذ لا يكونُ شرطُ الشيء شطره، لا لغة،
ولا معنىّ. فالأَوْلَى: التأويل الأول. والله أعلم. فإن قيل: كلُّ ما ذكرتم مبنيٌّ على
أن المرادَ بالطّهور: الطهارة، وذلك لا يصحّ؛ لأنه لم يروه أحد فيما علمناه:
الطُّهور، بالضم، وإنما رُوي بالفتح، فإذا هو الاسمُ على ما تقدَّم. قلنا: يصحُّ أن
يُقال: يُحْمَلُ هذا على مَذْهب الخليل كما تقدّم، ويمكن حَمْلُه على المعروف،
ويُراد به استعمالُ الطّهور شطر الإيمان.
و (قوله: ((والحمد لله تملأ الميزان))) قد تقدّم معنى الحمد، وأنه راجعٌ إلى معنى: («الحمد
الثَّناء على مُثنى ما بأوصاف كماله، فإذا حمد الله حامدٌ مُستحضراً معنى الحمدِ في لله تملأ الميزان)»
(١) رواه الديلمي في الفردوس (٣٧٨)، والقضاعي في الشهاب (١١٢)، والبيهقي في
الشعب (٩٧١٥)، وانظر: فيض القدير (١٨٨/٣) من حديث أنس رضي الله عنه.
وفيه: عتبة بن السكن: متروك، ويزيد بن أبان: متروك أيضاً.
٤٧٦
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ،
قلبه امتلأ ميزانُه من الحسنات، فإن أضاف إلى ذلك: سُبحان الله، الذي معناه تبرئة
الله، وتنزيهه عن كُلِّ ما لا يليقُ به من النَّقائص، ملأت حسناته - وثوابها زيادة(١)
على ذلك - ما بين السموات والأرض؛ إذ الميزانُ مملوء بثواب التحميد، وذكر
السموات والأرض على جهة الإغياء (٢) على العادة العربية، والمراد: أن الثوابَ
على ذلك كثيرٌ جدّاً، بحيث لو كان أجساماً لملأ ما بين السموات والأرض.
معنى: ((الصلاة
نور)
و (قوله: ((والصلاة نور))) معناه: أنَّ الصَّلاةَ إذا فُعِلت بشروطها: المصححة
والمكملة؛ نوّرت القلب؛ بحيث تشرقُ فيه أنوارُ المكاشفات والمعارف، حتى
ينتهي أمرُ من يراعيها حقّ رعايتها أن يقول: ((وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة))(٣).
وأيضاً: فإنها تنوّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظُّلَم. وأيضاً: تنوّر وَجْهَ
المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غُرّة وتَحْجِيل. كما قد وَرَدَ في حديث عبد الله بن
بسر مرفوعاً: ((أمتي يوم القيامة غرٍّ من السُّجود مُحَجّلون من الوضوء)) (٤).
و (قوله: ((والصّدقة برهان))) أي: على صحّة إيمان المتصدِّق، أو على أنه
ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات، أو على
صحّة محبّة المتصدِّق لله تعالى ولما لديه من الثَّواب، إذ قد آثر مَحَبَّةَ الله تعالى
وابتغاء ثوابه على ما جُبِل عليه من حُبِّ الذَّهب والفِضَّة؛ حتى أخرجه لله تعالى.
معنى: ((الصدقة
برهان))
(١) في (ع) زائد.
(٢) ((الإغياء)): أغيا الرجل: بلغ الغاية.
(٣) سبق تخريجه ص (١٤٣).
(٤) رواه أبو أحمد الحاكم وقال: غريب. (كنز العمال ٣٤٥٣٤). وانظره في فيض القدير
(١٨٤/٢).
٤٧٧
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
والصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ،
فَمُعْتِقُها أَو مُوِقُها)).
و (قوله: ((والصّبر ضِياء))) كذا صحَّت روايتُنا فيه، وقد رواه بعضُ المشايخ: معنى: ((الصبر
(والصوم ضياء)) بالميم، ولم تقعْ لنا تلك الرواية، على أنه يصحّ أن يُعبَّر بالصبر عن ضياء)»
الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
فإن تنزلنا على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياءً؛ كما قيل في كون الصّلاة نوراً،
وحينئذ لا يكون بين النور والضّياء فرقٌ معنوي بل لفظي؛ والأولى أن يقال: إن
الصبرَ في هذا الحديث غير الصّوم، بل هو الصَّبْرُ على العبادات، والمشاق،
والمصائب، والصّبر عن المخالفات، والمنهيات، كاتِّباع هوى النفس والشَّهوات
وغير ذلك، فمن كان صابراً في تلك الأحوال مُتَبَّاً فيها؛ مقابلاً لكلّ حال بما يليقُ
به؛ ضاءت له عواقب أحواله، ووضحت له مصالحُ أعماله، فظفرَ بمطلوبه،
وحَصَل له من الثواب على مرغوبه. کما قيل:
فَقَلَّ مَنْ جدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَه (١) واسْتَعْمَلَ الصَّبرَ إِلَّا فاز بالظَّفَرِ
و (قوله: ((والقرآن حجّة لك أو عليك))) يعني: أنك إذا امتثلتَ أوامره؛ القرآن حجة لك
واجتنبتَ نواهيه؛ كان حجّة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة المَلَكَنْ. أو عليك
في القبر، والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط؛ وإن لم تمتثل ذلك احتجّ
به عليك، ويحتملُ أن يُرَادَ به: أنَّ القرآنَ هو الذي يُنتهى إليه عند التَّنازع في
المباحث الشرعية والوقائع الحكمية، فبه تستدلّ على صحّة دعواك، وبه يَسْتَدِلُ
عليك خَضْمُك.
و (قوله: ((كلّ الناس يغدو ... )) الحديث). يغدو: بمعنى يبكّر، يقال: الناس فريقان
-
(١) في (ل) و (م): يطالبه، والمثبت من (ع).
٤٧٨
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
رواه أحمد (٣٤٢/٥ و٣٤٣ و٣٤٤)، ومسلم (٢٢٣)، والترمذي
(٣٥١٧)، والنسائي (٥/٥ -٦).
[١٦٧] وعن مصعبٍ بن سعدٍ، قالَ: دخلَ عبدُ الله بنُ عمرَ على
ابنِ عَامٍ يعودُه وهو مريضٌ. فقالَ: ألا تَدْعُو اللهَ لي يابنَ عمرَ؟ فقالَ: إني
سمعتُ رسولَ اللهِال﴿ يقولُ: ((لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةٌ من
غدا؛ إذا خرج صباحاً في مصالحه، يغدو. وراح: إذا رجَعَ بعشيٍّ، ومعنى ذلك:
أنَّ كُلَّ إنسانٍ يصبحُ ساعياً في أموره، مُتَصَرِّفاً في أغراضه، ثم إمّا أن تكونَ
تصرفاتُه بحسب دواعي الشّرع والحق، فهو الذي يبيعُ نفسه من الله، وهو بيع آيلٌ
إلى عثْق وحرية؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم
بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وإما أن تكون تصرفاتُه بحسب دواعي الهوى
والشّيطان، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها؛ أي: أهلكها، ومنه: ﴿أَوْ
يُعِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [الشورى: ٣٤] ومنه قول ابن مسعود: الناس غاديان، فبائعٌ
نفسه فموبقها، أو مُفاديها فَمُعْتِقُها(١).
لا يقبل الله صلاةً
بغیر طهور
و (قوله: ((لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهور))) دليلٌ لمالك وابن نافع على
قولهما: إن من عَدِمِ الماء والصّعيد لم يصلِّ، ولم يقض إن خرج وقتُ الصلاة؛
لأنَّ عَدَمَ قبولها لعدم شرطها يدلُّ: على أنه ليس مخاطباً بها حالة عدم شرطها فلا
يترتب شيء في الذمة، فلا تُقضى. وعلى هذا فتكون الطهارةُ من شروط الوجوب،
واختلفَ أصحابُ مالك في هذه المسألة لاختلافهم في هذا الأصل، وسيأتي إن
شاء اللهُ تعالى.
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٦/١٠): رواه الطبراني، وإسناده جيد.
٣٠
۔۔
٤٧٩
(٢) كتاب الطهارة - (١) باب: فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
غُلُولٍ)) وكنتَ على البَصْرةِ.
رواه أحمد (٥٧/٢)، ومسلم (٢٢٤)، والترمذي (١).
[١٦٨] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا تُقْبَلُ صَلاةُ
أَحَدِكُم إذَا أَحْدَثَ حتَّى يَتَوضَّأَ)).
رواه أحمد (٣٠٨/٢)، والبخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو
داود (٦٠)، والترمذي (٧٦).
والغُلُول هنا: الخيانة مطلقاً، والمال الحرام، وذِكْر ابن عمر هذا الحديثِ معنى الغلول
لابن عامر حين سأله في الدعاء إنما كان على جهة الوعظ والتّذكير، حتى يخرج
عن المظالم، وكأنه يشير له إلى أنَّ الدُّعاءَ مع الاستمرار على المظالم لا ينفعُ، كما الدعاء مع
الاستمرار على
لا تنفعُ صلاةٌ بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
المظالم لا ينفع
و (قوله: وكنت على البصرة) تنبيهً على الزمان الذي تعلّقت به فيه الحقوقُ
حتى يحاسب نفسه على تلك المدة، فیتخلّص مما ترتّب عليه فيها.
و (قوله: ((لا تُقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))) الحَدَثُ هنا: كنايةٌ معنى الحَدَث
عمّا يخرج من السَّبيلين مُعتاداً في جنسه وأوقاته(١)، عند مالك وجلِّ أصحابه، وقال
ابنُ عبد الحكم والشّافعي: المعتبر: الخارج النجس من المخرجين. وقال
أبو حنيفة: المعتبر: الخارج النجس وحده، فمن أيِّ محلّ خَرَج نقضَ وأوجب.
(١) الأوقات تُطلق على الأزمان والأماكن، والمقصود بها هنا: الأماكن.
٤٨٠
(٢) كتاب الطهارة - (٢) باب: في صفة الوضوء
(٢) باب
في صفة الوضوء
[١٦٩] عن حُمْرَانَ مَولَى عثمانَ، أنَّ عثمانَ بنَ عَفَّانَ دعَا بوَضُوءٍ،
فتَوضَّأَ، فغسلَ كَفَّيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم مَضْمَضَ، واسْتَنْثَر، ثم غَسَلَ وجهَه
ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ يدَه اليُمنَى إلى المِرْفَقِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ يَدَهُ
اليُسْرَى مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثم غَسَلَ رِجْلَه اليُمنى إلى الكعبينِ ثلاثَ
مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلكَ، ثم قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَ تَوضَّأ
نحوَ وُضُوِي هذا، ثم قالَ رسول الله وََّ: ((مَنْ تَوَضَّأ نحو وُضُوئِي هذا، ثمَّ
قامَ فركعَ رَكعتَيْنِ، لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبهِ)).
قال ابن شِهاب: وكانَ عُلماؤُنا يقولون: هذا الوُضُوءِ أَسْبَغُ مَا يَتَوضَّأُ
به أحدٌ للصَّلاة.
(٢) ومن باب: صفة الوضوء
(قوله: ((ثلاث مرات))) هو تعديدُ الغسلات لا تعديدُ الغَرَفَات كما ذهب إليه
بعضُهم، وليس بشيء؛ إذْ لم يجر للغَرَفَات في هذا الحديث ذِكْرٌ، وإنما قال:
((غسل يديه ثلاث مرات)). وثلاث: منصوب نصبَ المصدر لإضافته إليه فكأنه
قال: غسلات ثلاثاً، ومن ضرورة ذلك تعديد الغَرَفَات. والمضمضة: وَضْعُ الماء
المضمضة في الفم، وخَضْخضتُه فيه. والاستئثارُ: إيصالُ الماء إلى الأنف ونثره منه بِنَفَسٍ أو
والاستئثار بأصبعيه، وسمي: استنثاراً بآخر الفعل، وقد يُسمَّى: استنشاقاً بأوله. وهو استدعاءُ
الماء بنفَس الأنف.
و (قوله: ((هذا الوضوء أسبغ))) أي: أكمل، والدّرع السّابغ: الكامل. وقد
يقال على هذا: فكيف يكونُ هذا الوضوءُ أسبغَ ما يَتوضأ به أحدٌ، ولم يذكر فيه
٠٠