Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(١) كتاب الإيمان - (٦١) باب: شفاعة النبي 18 لمن أُدْخِل النار من الموحّدين
(٦١) باب
شفاعة النبي قل لمن أدخل النار من الموحدين
[١٤٨] عن معبد بن هِلال العَنَزِيِّ، قال: انطلقنا إلى أنس بن مالكِ
وتَشَفَّعْنَا بثابتٍ، فانْتَهَيْنا إليه وهو يُصَلِّي الضُّحَى، فاستأذنَ لَنَا ثابتٌ،
فَدَخَلْنا عليهِ، وأجلسَ ثابتاً معه على سَريرهِ، فقالَ له: يا أبا حمزةَ! إنَّ
إخوانَكَ مِن أهلِ البَصْرةِ يسألونَكَ أن تُحَدِّثَهُم حديثَ الشَّفاعِةِ. فقالَ:
حدَّثَنَا محمَّدٌ وَلِّ قال: ((إذَا كانَ يومُ القِيَامَةِ، ماجَ النَّاسُ بعضُهم إلى بَعْضٍ،
فيأتونَ آدَمَ فيقولُونَ له: اشفعْ لِذُرِّيَّتِكَ! فيقولُ: لستُ لَها، ولكنْ عليكم
بإبراهيمَ، فإنَّه خليلُ اللهِ. فيأتونَ إبراهيمَ، فيقولُ: لستُ لَها، ولكنْ عليكُم
بموسى، فإنَّه كليمُ اللهِ. فيُؤتى مُوسى، فيقولُ: لستُ لَها، ولكنْ عليكم
بعيسى، فإنَّه رُوحُ الله وكلمتُه. فيُؤْتى عيسى، فيقولُ: لستُ لهَا، ولكنْ
عليكم بمحمّد ◌ِّهِ. فأُوتى فأَقولُ: أَنَا لَها، فأنطلقُ، فأستأذنُ على ربِّي،
فِيُؤْذَنُ لي، فأقومُ بين يَدَيْهِ، فأحمدُه بمحامِدَ لا أقدرُ عليه الآن يُلْهِمِنيْهِ اللهُ،
ثم أَخِرُ لَهُ ساجِداً. فيُقالُ: يا محمّد! ارفعْ رأسَكَ، قُلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ
تُعْطَة، واشفَعْ تُشَفَّعْ. فأقولُ: يا ربِّ! أُقَّتِي .. أُمَّتي! فيُقالُ: انطلقْ، فمنْ
كانَ في قلبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن بُرَّةٍ أو شَعيرةٍ من إيمانٍ فأخرجْه مِنها. فأنطلقُ
(٦١) ومن باب: شفاعة النبي وَ﴾ لمن أُدْخِل النَّار من الموحِّدين
(قوله: فيقال: ((انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برّة أو شعيرة من
إيمان فأخرجه منها)) إلى أن قال: ((أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من
إيمان))) اختَلَفَ النَّاسُ في هذا الإيمان المقدَّر بهذه المقادير، فمنهم من قال: هو
اليقين، ورأى أنَّ العلمَ يصحّ أن يُقالَ فيه: إنه يزيدُ باعتبار توالي أمثاله على قلب
المؤمن، وباعتبار دوام حُضُوره، وأنه ينقصُ بتوالي الغفلات على قلب المؤمن،

٤٤٢
(١) كتاب الإيمان - (٦١) باب: شفاعة النبي ◌ُ * لمن أُدْخِل النار من الموحّدين
فأفعلُ. ثم أرجعُ إلى رَبِّي فَأَحْمَدُه بتلك المَحامِدِ ثمَّ أَخِرُّ له ساجداً. فيُقالُ
لي: يا محمّد! ارفعْ رأسَكَ، وقَلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَه، واشفعْ تُشَفَّعْ.
فأقولُ: أُمَّتِي .. أُمَّتي! فيقالُ لي: انطلقْ، فمَنْ كانَ في قلبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ من
خردلٍ مِن إيمانٍ فأخرجْه مِنْها فأنطلقُ فأفعلُ. ثم أعودُ إلى ربِّي فَأَحْمَدُه
بتلك المَحَامِدِ، ثم أَخِرُّ له ساجِداً. فيُقَالُ لي: يا محمّد! ارفع رأسك، وقُلْ
يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَة، واشَفَعْ تُشَفَّعٍْ. فأقولُ: يا ربِّ! أُمَّتِي .. أُنَّتِي!
فيُقالُ لي: انطلقْ، فمنْ كانَ في قلبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِن مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِن
خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فأخرجْهُ مِن النَّارِ. فأنطلقُ فأَفعلُ.
وهذا معقولٌ، غير أنَّ حَمْل هذا الحديث عليه فيه بُعْدٌ؛ لما جاء من حديث
أبي سعيد(١)، حيث قال الشَّافعون: لم نَذَرْ فيها خيراً، مع أنه تعالى مُخْرِجٌ بعد
ذلك جموعاً كثيرة ممن يقول: لا إله إِلَّ الله، وهم مؤمنون قطعاً، ولو لم يكونوا
مؤمنين لما خَرَجوا بوجه من الوجوه. ولذلك قال تعالى: ((لأخرجنَّ مَن قال لا إله
إِلَّا الله))، وعن إخراج هؤلاء عبّر بقوله: ((فيقبض قبضةً فيُخْرِج قوماً لم يعملوا خَيْراً
قط))، فإذاَ الأصحّ في تأويل هذا الحديث أن يكونَ الإيمانُ - هنا - أُطلق على أعمال
القلوب؛ كالنية، والإخلاص، والخوف، والنّصيحة، وشبْه ذلك [من أعمال
القلوب](٢)، وسمَّاها: إيماناً لكونها في محلّ الإيمان أو عن الإيمان، على عادة
العرب في تسمية الشَّيء باسم الشَّيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وإنما قلنا:
أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان؛ لقوله: ((من كان في قلبه))
و ((وجدتم في قلبه)) فخصّه بالقلب، ولا جائز أن يكونَ التّصديق على ما تقدّم،
فتعيَّن ما قلناه، والله أعلم. وذكر الحبّة ونصفها، والمثقال ونصفه، وأدنى من
ذلك، هي كلّها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقلّتها.
١
يُطلق الإيمان
على أعمال
القلوب.
(١) حديثُ أبي سعيد يأتي برقم (١٤٩).
(٢) ساقط من (م).

٤٤٣
(١) كتاب الإيمان - (٦١) باب: شفاعة النبي 18 لمن أُدْخِل النار من الموحّدين
هذا حديث مَعْبَد عن أنس، وزادَ الحسنُ عنه: ((ثمَّ أرجعُ إلى ربِّي في
الرابعةِ، فَأَحْمَدُهُ بتلكَ المَحَامِدِ، ثم أَخِرُّ له سَاجِداً، فيُقالُ لي: يا محمّد!
ارفعْ رَأْسَكَ، وقلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يا ربِّ!
ائذنْ لي فيمِنْ قالَ: لا إله إلاّ اللهُ. قالَ: ليسَ ذَاكَ لكَ - أو قالَ: ليسَ ذَاكَ
إليكَ - ولكنْ وعِزَِّي! وكَبْرِيَائِي! وعَظَمَتِي! وجِبْرِيَائِي لُأُخْرِ جَنَّ مَنْ قالَ:
لا إلهَ إِلَّ اللهُ).
رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).
و (قوله: ((وعزّتي، وكبريائي، وعظمتي))) العزّة: القوة والغَلَبة، ومنه: عزّته تعالى.
﴿ وَعَزَِّ فِى الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، أي: غلبني، ويقال أيضاً: عزّ الشيء؛ إذا قلّ،
فلا يكاد يوجد مثله، يعزُّ عزّاً وعزازةً، وعزَّ يعزّ عِزة؛ إذا صار قوياً بعد ضعف
وذِلّةٍ. فعزة الله تعالى قَهْره للجبابرة، وقوّته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل
والنّظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وأما الكبرياء كبرياؤه تعالى.
والكبر: فكلاهما مصدر: كبر في نفسه، يكبر، وأصله: من كبر السن، أو كبر
الجِزْم، لكن صار ذلك بحكم عُرْف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذّات
يستلزمُ ترفيعاً لها على الغير. ومن ها هنا كان الكبرُ قبيحاً ممنوعاً في حقّنا؛ واجباً
في حقّ الله تعالى. وبيانه: أنّ الكمالَ الحقيقي المطلق لا يصحُّ إلا لله تعالى.
وكمال غيره إنما هو عَرَض نسبي، فإذا وَصَف الحقُّ نفسَه بالکبر ونسبه إلیه؛ كانت
النسبة حقيقة في حقّه، إذ لا أكمل منه، ولا أرفع، فكل كامل ناقص؛ وكل رفيع
محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله، والعظمة بمعنى الكبرياء، غير أنها لا تستدعي عظمته تعالى.
غيراً يتعاظمُ عليه كما يستدعيه الكبرُ على ما بيّنّا، وأيضاً فقد يستعملُ الكبير فيما
لا يستعمل فيه العظيم، فيقال: فلان كبير السِّن، ولا يقال: عظيم السّن.
و (قوله: ((وجِبريائي))) بكسر الجيم، فمعناه: بجبروتي. والجبّار: العظيم جبروته تعالى.

٠
٤٤٤
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
(٦٢) باب
شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
[١٤٩] عن أبي سعيد الخدري، أن ناساً في زمنٍ رسولِ الله وَل
قالوا: يا رسولَ الله! هل نَرى رَبَّنا يومَ القيامةِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَطِّ: ((نعم))
قالَ: ((هل تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمس بالظَّهيرةَ صَحْواً ليسَ معها سَحَابٌ؟
وهَلْ تُضَارُّونَ في رؤيةِ القَمَر ليلةَ الَبَدْرِ صَحْواً ليسَ فيها سَحَابٌ؟)) قَالُوا:
لا. يا رسولَ الله! قالَ: ((مَا تُضَارُّونَ في رؤيةِ الله يومَ القيامةِ إِلَّا كَما
تُضَارُّونَ في رؤيةٍ أَحَدِهِما. إذَا كانَ يومُ القيامةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما
كانتْ تعبدُ، فلا يَبقى أحدٌ كانَ يعبدُ غيرَ اللهِ من الأَصْنام والأَنْصابِ، إِلَّا
يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حثَّى إذا لم يبقَ إلا مَنْ كانَ يعبدُ اللَّهَ مِن بَرِّ وَفَاجِرٍ،
الشّأن، الممتنع على مَن يرومه، ومنه: نخلة جبّارة؛ إذا فاقت الأيدي طولاً. يقال
منه: جبَّار بيِّن الجبرية والجبروت، ولم يأت فَعَّال من أفعلت إلا جبَّار من
أجْبرت، ودرَّاك، وسَأَر. والجبروت أيضاً؛ للمبالغة بزيادة التاء، مثل: ملكوت،
ورحموت، ورهبوت، من الملك، والرحمة، والرهبة. وجاء جبريائي هنا: لمطابقة
كبريائي، كما قالوا: هو يأتينا بالغدايا والعشايا. وقيل في معنى الجبار: أي:
المصلح. من قولهم: جبرتُ العَظْمَ، وذلك أنه تعالى يجبرُ القلوبَ المنكسرةَ من
أجله، ویرحمُ عبادَه، ویسدّ خلاتِھم.
(٦٢) ومن باب: شفاعة الملائكة
(قوله: ((أذن مؤذن))) أي: نادى منادٍ برفيع صوته كي يعلمَ أهلُ الموقف.
والأنصاب: جمع نَصب بفتح النون، وهو ما يُنْصَب من حجارة، أو غيرها، لِيُعْبَدَ

٤٤٥
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
وغُبَّرِ أهلِ الكِتَابِ. فيُدعَى اليهودُ فيُقالُ لهم: ما كنتُم تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنَّا
نعبدُ عُزَيْرَ ابنَ الله. فيُقالُ: كَذَبْتُم، مَا اتَّخَذَ الله مِن صاحبةٍ ولا وَلدٍ. فماذَا
تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنا، يا رَبَّنَا! فَاسْقِنا. فيُشارُ إليهم: ألا تَرِدُونَ؟
فيُحْشَرُونَ إلى النَّارِ كأنَّها سَرابٌ، يَخْطِمُ بعضُها بَعْضاً، فيَتَساقَطُونَ في
النار. ثم يُدْعَى النَّصَارى. فيُقال لهم: ما كُنْتم تَعبدُونَ؟ قالُوا: كنَّا نعبدُ
المسيحَ ابنَ الله. فقالَ لهم: كَذَبْتُم، ما اتَّخَذَ الله من صَاحِبَةٍ ولا وَلَدٍ. فيُقال
لهم: مَاذا تَبْغُونَ؟ فيقولونَ: عَطِشْنَا يا ربَّنَا! فَاسْقِنَا. قالَ: فَيُشار إليهم: ألا
تَرِدُونَ؟ فيُحشرونَ إلى جهنّم كأنَّها سَرابٌ، يَحْطِمُ بعضُها بَعْضاً،
من دون الله تعالى. والأصنام: جَمْع صَنَم، وهو ما كان مُصوَّراً؛ انُّخِذ لِيُعْبَد،
ويُقال عليه: وثن وأوثان.
و (قوله: ((وغُبَّر أهل الكتاب))) يعني: بقاياهم، وهو من: غبر الشيءُ إذا
بقي. ويُقال أيضاً بمعنى: بَعُد وذهب، وهو من الأضداد، وقد جاء الأمران في
كتاب الله تعالى. و(عُزير) رجلٌ من بني إسرائيل، قيل: إنه لما حرق بختنصر من هو عُزير؟.
التّوراة؛ وقَتَل القائِمين بها؛ والحافظين لها؛ قذفها الله تعالى في قلبه، فقرأها
عليهم، فقالت جَهَلَةُ اليهود عنه: إنَّه ابنُ الله. و (تبغون) تطلبون، قال:
أَنْشِدُوا! الباغِي يُحِبُّ الوُجْدَان(١)
و (السراب) ما تراه نصف النهار وكأنه ماء. و (يحطم بعضها بعضاً): أي؛
يركب بعضُها على بعض، ويكثر بعضُها على بعض، كما يفعل البحرُ إذا هاج.
و (قوله: فيشار إليهم ((ألا تردون))) لما ظنّوا أنه ماء أُسمعوا بحسب ما ظنّوا،
(١) (الباغي)): الذي يطلب الشيءَ الضال. والوجدان: الاهتداء إلى الضالة ووجودها.
أي: أَعْلِنُوا عن الشيء الضائع، فإنَّ الطالب له مُتَلهَّفٌ إلى لقياه.

٤٤٦
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
فيتساقَطُون في النَّار. حتَّى إذا لم يبقَ إلا مَنْ كانَ يعبدُ اللهَ مِن بَرِّ وفَاجِرٍ،
أتاهم ربُّ العالمينَ في أدنى صُورةٍ مِن التي رَأَوْهُ فيها. قالَ: فما تنتظرونَ؟
تتبعُ كلُّ أُمَّةٍ ما كانتْ تعبدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا! فَارَقْنَا النَّاسَ في الدُّنيا أفقرَ ما كنَّا
إليهم ولم نُصَاحِبْهُم. فيقولُ: أَنَا ربُّكم. فيقولونَ: نعوذُ باللهِ منكَ.
فإن الورودَ إنما يقال لمن قصد إلى الماء ليشرب. و (يحشرون) يساقون
مجموعین.
و (قوله: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر))) يعبد الله:
يوحّده ويتذلّل له. والبَرُّ: ذو البِرِّ: وهو فعل الطاعات والخير. والفجور: عكسه.
و (قوله: ((أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورةٍ من التي رأوه فيها))) إتيان الله
تعالى هنا: هو عبارةٌ عن إقباله عليهم وتكليمه إياهم. و (أدنى) بمعنى: أقرب،
و (الصّورة) بمعنى الصّفة، و (رأوْه) بمعنى(١) أبصروا غضبه. ومعنى ذلك: أنهم
لما طال عليهم قيامُهم في ذلك المقام العظيم الكَرْب(٢)، الشديد الخوف، الذي
يقول فيه كلُّ واحدٍ من الرّسل الكرام: ((إن ربِّي قد غضب غضباً لم يغضبْ قبله مثله
ولم يغضب بعده مثله)) هالهم ذلك، وكأنهم يئسوا مِن انْجلاءِ ذلك، فلما كشف اللهُ
عنهم ذلك، وأقبل عليهم بفَضْله ورَخْمته، وكلّمهم رأوا من صفات لطفه، ومن
أول مقام يكلم كرمه، ما هو أقرب مِمَّا رأوه أولاً من غَضَبه، وأخذه. وإلا فهذا أول مقام كلّمهم
الله المؤمنين اللهُ فيه مشافهةً، وأرى من أراد منهم وَجْهَه الكريم، إن قلنا: إنَّ المؤمنين رأوهُ في
مشافهة.
هذا المقام. وقد اختلف فيه، ولم يكن تقدّم لهم قبل ذلك سمائٌ ولا رُؤْية، فتعيَّن
ما قلناه، والله أعلم.
و (قوله: ((قالوا: يا ربنا! فارقْنا الناس في الدُّنيا أفقر ما كُنَّا إليهم))) الصَّحیحُ
من أحوال يوم
القيامة.
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ع): الكريم.

٤٤٧
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
لا نشركُ بالله شيئاً (مرتين أو ثلاثاً) حتَّى إنَّ بعضَهم لَيكادُ أن ينقلبَ.
فيقولُ: هل بينكم وبينَهَ آيَةٌ فتعرفونه بها؟ فيقولونَ: نعم. فيُكْشَفُ عن
سَاقٍ، فلا يَبقَى مَنْ كانَ يسجُد لله مِن تِلْقَاءِ نفسِه إلا أَذِنَ الله له بالسُّجودِ،
ولا يَبقى مَنْ كان يسجدُ اتَّقَاءَ ورِيَاءَ إلا جعلَ الله ظهرَه طَبقةً واحدةً، كلَّما
أرادَ أنْ يسجدَ خَرَّ على قَفَاه. ثمَّ يرفعونَ رؤوسَهم، وقد تحوَّل في صُورِتِهِ
التي رأَوْه فيها أولَ مرَّةٍ. فيقولُ: أنَا ربّكم. فيقولونَ: أنتَ رَبُّنا. ثم يُضْرَبُ
الجِسْرُ على جَهنَّم، وتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. ويَقُولونَ: اللَّهُمَّ! سَلِّمْ سَلِّمْ)). قيلَ:
يا رسولَ اللهِ! ومَا الجِسْرُ؟ قالَ: ((دَحْضٌ مَزلَّةٌ فيها خَطَاطِيْفُ، وَكَلَاَلِيْبُ،
وحَسَكٌ، تكونُ بنجدٍ فيها شُوَيْكَةٌ، يُقال لها السَّعْدانُ. فيمرُّ المؤمنونَ
كطَرْفِ العينِ وكالبرقٍ وكالرِّيح وكالطّيرِ وكَأْجَاوِيدِ الخيلِ والرِّكابِ. فتاجٍ
مِن الرواية: ((فارقْنا)) ساكنة القاف، والنّاس: منصوب على مفعول فارَقْنا، وهو
جوابُ الموحِّدين لمَّا قيل: لِتَتَّبع كلُّ أمة ما كانت تعبد. ومعناه: إنَّا فارقنا الناسَ
في معبوداتهم، ولم نصاحِبُهُم على شيءٍ منها اكتفاءَ بعبادتك، ومعاداةً فيك،
ونحن على حالٍ حاجةٍ شديدةٍ إليهم وإلى صُخْبتهم إذ قد كانوا أهلاً وعشيرة،
ومخالطين ومعامِلين، ومع ذلك ففارقناهم فيك، وخالفناهم إذا خَالَفُوا أَمْرَك،
فليس لنا معبودٌ ولا متبوعٌ سواكَ. وكان هذا القولُ يصدرُ من المحقّ والمتشبّه،
فحينئذٍ تظهرُ لهم صورةٌ تقول: ((أنا ربّكم)) امتحاناً واختباراً، فيثبتُ المؤمنون
العارفون، ويتعوّذون، ويرتابُ المنافقون والشَّاُون؛ ثم يُؤمرُ الكلُّ بالسُّجودِ على
ما تقدَّم، وقد تقدَّم القولُ على مشكلات هذا الحديث في حديث أبي هريرة
المتقدِّم(١).
و (قوله: ((كأجاويد الخيل والرّكاب))) هي سِراعُها، وهو جمع جياد، فهو
(١) حديث أبي هريرة سبق برقم (١٤٦).

٤٤٨
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ في نَار جهنّم. حتَّى إذا خَلَصَ
المؤمنونَ مِنَ النَّارِ، فوالَّذِي نَفْسِي بيدِه، ما منكم من أحدٍ بأشَدَّ مُنَاشدةً لله،
في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ، مِن المؤمنينَ لله يومَ القيامةِ لإخوانِهِم الذينَ في النَّار.
يَقُولونَ: رَبَّنَا! كَانُوا يَصُومونَ مَعَنا ويُصَلُّون ويَحُونَ. فيُقال لهم: أَخْرِجُوا
مَنْ عَرَفْتُم، فَتُحَرَّمُ صُورُهُم على النَّار، فيُخْرِجُون خَلْقاً كَثِيراً، قد أَخَذتِ
جمع الجمع. و (الركاب) الإبل. و ((مخدوش مرسل)) يعني: تأخذ منه الخطاطيفُ
حتی تقطع لحمه، ثم يخلّی، وبعد ذلك ينجو.
و (قوله: ((ومكدوس في نار جهنم))) روايتنا فيه (١) بالسّين المهملة، ورُوي
عن العذري: بالشين المثلثة(٢). ووقع في بعض نسخ کتاب مسلم مكردس بدل
مكدوس. وهي الثابتة في حديث أنس المتقدّم(٣). وقد ذُكِر تفسيرُها فيه،
والكَذْسُ، بالمهملة: إسراع المثقل في السّير، يقال: تكدَّس الفَرَسُ: إذا مشى
كأنّه مُثقل؛ والكُذس بضم الكاف: واحد أكداس الطعام؛ ويحتمل أنْ يُؤْخَذَ
المكدوسُ من كلِّ واحد منهما. وأما الشين المعجمة؛ فالكدش: الخدش، عن
الأصمعي، وهو أيضاً: السَّوق الشديد، وكلاهما يصحُّ حَمْلُ هذه الرواية عليه.
تحريم صور
و (قوله: ((فتحرم صورهم على النار))) يعني: صُور المُخْرَجين. وهذا كما
المُخْرَجين من قال فيما تقدّم: ((حرَّم الله تعالى على النارَ أن تأكلَ أَثَرَ السُّجودِ))(٤). وآثارُ السّجود
النار على النار.
تكونُ في أعضائه السّبعة، ولا يُقال: فقد قال عقيب هذا فيُخْرِجُون خَلْقاً كثيراً قد
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ل): المعجمة.
(٣) حديث أنس سبق برقم (١٤٨)، وليس فيه (مكردس) بل هي في حديث أبي هريرة رقم
(١٤٧).
(٤) سبق تخريجه برقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٤٤٩
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
النَّارُ إلى نصفِ سَاقَيْهِ وإلى رُكْبَتَيْهِ. يقولونَ: رَبَّنا! ما بقِيَ فيها أحدٌ مِمَّن
أمرتَنا به. فيقولُ - جلَّ وعزَّ -: ارجعُوا. فمن وَجَدْتُم في قلبهِ مثقالَ دِینارٍ
من خيرٍ فأخرجُوه. فيُخرجونَ خَلْقاً كَثِيراً. ثمَّ يقولونَ: ربَّنا! لم نذر فيها
أحداً مِمَّن أمرتَنا. ثم يقولُ: ارْجِعُوا. فمن وَجَدْتُم في قلبهِ مثقالَ نصفٍ
دينارٍ مِنْ خَيْرٍ فأخرجُوه. فيُخْرِجُونَ خَلْقاً كثيراً. ثم يقولونَ: رَبَّنا! لم نذر
فيها مِمَّنْ أمرتَنا أحداً. ثم يقولُ: ارْجِعُوا، فمن وَجَدْتُم في قلبهِ مثقالَ ذَرَّةٍ
مِنْ خيرٍ فأخرجُوه. فيُخْرِجُونَ خَلْقاً كثيراً. ثم يقولونَ: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها
خَيْراً.
وكان أبو سعيد يقولُ: إنْ لم تُصَدِّقُوني بهذا الحديثِ فاقرؤوا إنْ
شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُّوْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًا
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤]، (فيقولُ الله تعالى: شفعتِ الملائكةُ، وشفعَ
أخذتِ النارُ إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه، وهذا ينصُّ على أنّ النارَ قد أخذتْ
بعضَ أعضاء السجود، لأنّا نقول: تأخذ فتغير ولا تأكل فتذهب، ولا يبعدُ أن
يُقَال: إن تحريمَ الصُّور على النَّار إنما يكونُ في حقِّ هذه الطَّائفة المشفوع لهم أوّلاً
لعلوّ رتبتهم على مَن يخرج بعدهم، فتكونُ النارُ لم تقربْ صُوَرهم ولا وُجُوهَهُم
بالتّغيير ولا الأكل، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((مثقال ذرة))) كذا صحَّتْ روايتُنا فيه بفتح الذَّال المعجمة، وتشدید
الرّاء. وهي الصَّغيرة من الثَّمْل، ولم يُختلفْ أنه كذلك في هذا الحديث. وقد صحّفه
شُعبة في حديث أنس فقال: ((ذُرَة: بضمّ الذال وتخفيف الراء على ما قيّده أبو علي
الصّدفي، والسَّمرقندي. وفيما قيّده العذري، والخُشَنِي: دُرّة بالدال المهملة
وتشديد الراء. واحدة الدرِّ. وهو تصحيفُ التّصحيف، وقول أبي سعيد: ((إن لم
تصدقوني فاقرؤوا) لیس على معنی: أنهم اتّهموه، وإنما کان منه على معنى التأکید
والعَضَد.

٤٥٠
(١) كتاب الإيمان - (٦٢) باب: شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
النَِّيُّونَ، وشفعَ المُؤمنونَ، ولم يبقَ إلا أَرْحَمُ الرَّاحمينَ. فيقبضُ قَبْضَةً مِن
النَّارِ فِيُخْرِجُ مِنها قَوْماً لم يعملوا خَيْراً قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَماً. فيُلقيهمْ في
نَهْرِ في أفْوَاهِ الجَنَّة يُقال له نهرُ الحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تخرجُ الحِبَّةُ في
حَمِيْلِ السَّيْلِ، ألا تَرَوْنَها تكونُ إلى الحَجَرِ أو إلى الشَّجَرِ، ما يكونُ إلى
الشَّمس أُصَيْفِرُ وأُخَيْضِرُ، وما يكونُ منها إلى الظُّلِّ يكونُ أبيضَ؟)). فقالُوا:
يا رسولَ الله! كأنَّكَ كنتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ! قالَ: ((فَيَخْرُجُونَ كاللؤلؤِ، في
رِقَائِهُمُ الخَوَاتمُ، يعرفُهم أهلُ الجَنَّةِ، هؤلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ، الذينَ أدخلَهم اللهُ
الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ ولا خَيْرٍ قدَّمُوه. ثم يقولُ: ادْخُلُوا الجنَّةَ فما
رأيتُموه فهو لكم. فيقولونَ: رَبَّنا! أعطيتَنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمينَ.
و (قوله: ((فيقبض قبضةً)) يعني: يجمع جماعةً فيخرجهم دفعةً واحدة بغير
بغير شفاعة أحدٍ، ولا ترتيب خروج، بل كما يلقي القابضُ الشيءَ المقبوضَ عليه من
يده في مزّةٍ واحدة.
تخرج من النار
دفعة
شفاعة أحد.
و (قوله: ((قد عادوا حُمَماً)) أي: صاروا، وليس على أصل العَوْد الذي هو
الرُّجوع إلى الحال الأولى، بل هذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ﴾
[الأعراف: ٨٨] أي: لتصيرن إليها؛ فإنَّ الأنبياء لم يكونوا قطّ على الكفر؛ وكما
قال الشاعر:
تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَّنِ شِيْبًا بماءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالا(١)
((والحمم)): الفحم واحدها: حُمَمَة.
و (قوله: ((في رقابهم الخواتم))) أي: الطّوابع والعلامات التي بها يُعْرَفُون.
(١) البيت للشاعر أمية بن أبي الصَّلت. (الشعر والشعراء ص ٤٦٢).

٤٥١
(١) كتاب الإيمان - (٦٣) باب: كيفية عذاب من يُعذَّب من الموحّدين
فيقولُ: لَكُم عندي أفضلُ من هذا. فيقولون: يا رَبَّنا! أيُّ شَيء أفضل مِنْ
هذا؟ فيقولُ: رِضَاي، فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً».
وفي رواية، قال أبو سعيد: بلغني أَنَّ الجِسْرَ أَدَقُّ مِن الشَّعْرِ وأَحَدُّ مِن
السَّيْفِ.
رواه أحمد (١٦/٣)، والبخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)،
والنسائي (١١٢/٨ - ١١٣).
(٦٣) باب
كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار
[١٥٠] عن أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((أَمَّا أَهْلُ
النَّارِ الذينَ هم أهلُها، فإنَّهم لا يَموتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ. ولكنْ نَاسٌ
أصابَتْهُم النَّار بذنوبِهِم (أو قالَ: بخطَايَاهُم) فَأَمَاتَهم إِمَاتَةً، حتَّى إذا كَانُوا
فَحْماً، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بهم ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُّوا عَلَى أَنْهَارِ الجَنَّةِ، ثمّ
(٦٣) ومن باب: كيفية عذاب من يُعذَّب من الموحِّدين(١)
(قوله: ((ضبائر ضبائر))) قال الهروي: جمع ضِبارة بكسر الضّاد، مثل:
عِمارة، وعَمائر. وهي الجماعةُ من الناس، يقال: رأيتُهم ضبائر، أي: جماعات
في تفرقة. وقال غيره(٢): الصّواب أضابر، جمع إضبارة، وفي الصِّحاح: الإضبارة
(١) في (ع): المؤمنين.
(٢) في (ع): بعضهم.

٤٥٢
(١) كتاب الإيمان - (٦٤) باب: النبي الغر أكثر الأنبياء أتباعاً
قيلَ: يا أهلَ الجَنَّةِ! أَفِيْضُوا عَليهِمِ. فَيَنْبُون نَبَاتَ الحِبَّةِ تكونُ في حَمِيْلٍ
السَّيْل)). فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسولَ اللهِوَ لَه قد كانَ بالبادية.
رواه أحمد (٥/٣ ١١)، ومسلم (١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩).
(٦٤) باب
النبيّ ◌َّر أكثر الأنبياء أتباعاً، وأولهم تفتح له الجنة،
وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته
[١٥١] عن أنس بن مالكِ، قالَ: قالَ رسول الله وَله: ((أنَا أوَّلُ
النَّاسِ يَشْفَعُ في الجَنَّةِ، وأَنَا أكثرُ الأنبياءِ تَبَعاً يومَ القِيَامَةِ، وأنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ
بابَ الجنَّةِ».
بالكسر: الإضمامة. يقال: جاء فلان بإضبارة من كتب، وهي الأضابير. قال:
والضّبر: الجماعة من الناس يغزون. وضَبَر الفرس؛ إذا جمع قوائمه ووثب.
و ((بُتُوا)): فُرقوا.
وهذا الحديث ردُّ على الخوارج والمعتزلة؛ حيث حَكَّمُوا بخلود أهل الكبائر
في النار، وأنهم لا يخرجون منها أبداً.
ردّ على
الخوارج
والمعتزلة.
وقد تقدَّم الكلامُ على الحبة.
(٦٤) ومن باب: قوله: ((أنا أوّل النّاس يشفعُ في الجنة))
أي: في دخول الجنة قبل الناس، ويدلُّ عليه قولُه: ((وأنا أوّل من يَقْرَعُ بابَ
الجنة)). وقول الخازن: ((بك أُمِرْتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك)). وقوله في حديث آخر:
((فأنطلقُ معي برجالٍ فَأُدْخِلهم الجنَّة)) وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذكر. وقوله
* أول من
يقرع باب
الجنة.

٤٥٣
(١) كتاب الإيمان - (٦٤) باب: النبي * أكثر الأنبياء أتباعاً
وفي روايةٍ: ((أَنَا أوَّلُ شَفِيع فِي الجنَّةِ، لم يُصَدَّقْ نبيٌّ مِن الأنبياءِ مَا
صُدِّقْتُ. وإنَّ مِن الأنبياءِ نبيّاً ما يُصُدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ».
رواه البخاري (٦٣٠٥)، ومسلم (١٩٦).
[١٥٢] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِوَّرِ: ((آتي بابَ الجَنَّةِ يومَ
القيامةِ، فأسْتَفْتِحُ، فيقولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فأقولُ: مُحمَّدٌ. فيقولُ: بِكَ
أُمِرْتُ لا أفتحُ لأحَدٍ قبلَكَ)).
رواه أحمد (٣٦/٣)، ومسلم (١٩٧).
[١٥٣] وعن أبي هُريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لكلِّ نبيِّ دَعْوَةٌ
مُسْتَجابَةٌ. فَتَعَجَّلَ كلُّ نبِيٍّ دَعْوَتَهُ. وإِنِّي اختبأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لَأُمَّتِي يومَ
في الرِّواية الأخرى: ((أنا أوّل شفيع في الجنة)) يمكن حَمْلُه على ما تقدّم. ويحتمل
أن يُرادَ به أنه يشفعُ في ترفيع منازل بعضٍ أهل الجنة. والأول أظهر.
و (قوله: ((لكلّ نبي دعوة مُستجابة))) أي: مُجابة. والسين زائدة. يقال: لكل نبي دعوة
أجاب واستجاب. قال: فلم يستجبه عند ذلك مجيب أي: لم يُجبه، ومعناه: أنّهم "
مستجابة.
عليهم السلام لهم دعوةٌ في أممهم هم على يقينٍ في إجابتها؛ بما أعلمهم الله
تعالى، ثم خيّرهم في تعيينها؛ وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها، وإلا فكم
[قد وقع](١) لهم من الدعوات المجابة؟ وخصوصاً نبينا وَّه، فقد دعا لأمته بأَلَّ دعواته (﴾
يسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم وأَلا يهلكهم بسنة عامة. فأعطيهما. وقد مُنع أيضاً لأمته.
بعض ما دعا لهم به، إذ قد دعا: أَلا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَها. وهذا يحقّق ما
قلناه: من أنهم في دعواتهم راجون الإجابة، بخلاف هذه الدَّعوة الواحدة؛ والله
تعالى أعلم.
(١) ساقط من (ع).

٤٥٤
(١) كتاب الإيمان - (٦٤) باب: النبي # أكثر الأنبياء أتباعاً
القيامةِ، فهي نائلةٌ إنْ شاءَ الله مَنْ ماتَ مِن أُمَّتِي لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً)).
رواه أحمد (٢٧٥/٢)، والبخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨)،
والترمذي (٣٥٩٧)، وابن ماجه (٤٣٠٧).
[١٥٤] وعن عبدِ الله بن عَمْرو بن العَاصِ، أنَّ النبيَّ نَّهِ تَلا قولَ الله
تباركَ وتعالَى في إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ... ﴾
الآية [إبراهيم: ٣٦]. وقالَ عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفعَ يَدَيْهِ وقالَ: ((اللَّهُمَّ! أُمَّتِي ..
أُمَّتِي)) وبكَى، فقالَ اللهُ تباركَ وتعالَى: يا جبريلُ! اذهبْ إلى محمّد، وربُّك
أعلمُ، فسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جبريلُ فسألَه، فأخبرَه رسولُ اللهِوَ بما قالَ،
و (قوله: ((فهي نائلة إن شاء الله تعالى))) نائلة، وأصله: من: نال الشيء؛ إذا
ظفر به، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن
شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وسيأتي القولُ فيه في قوله عليه الصلاة
والسلام: ((وإنّا إن شاء اللهُ بكم لاحقون)) (١) في الطهارة.
و (قوله: ((وقال عيسى: إن تعذبهم))) هو مصدرٌ معطوفٌ على قوله: وتلا
قول الله، والعرب تقول: قال يقول قولاً وقالاً وقيلاً، فكأنه قال: وتلا قول
إبراهيم وعيسى [عيسى](٢) ومعنى هاتين الآيتين: أنَّ كلَّ واحدٍ من إبراهيم وعيسى لم يجزما في
لم يجزما في الدّعاءِ لعُصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسَهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فَرْط
الدعاء لعصاة
أممهما.
الشَّفقة ما كان ينبغي لهما، ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبرّأا من عُصاة أممهما؟!
ولما فهم نبيّنا﴿ ذلك؛ انبعث بحكم ما يجده من شدّة شفقته ورأفته وكثرة حِرْصِه
(١) سيأتي برقم (١٨٥).
(٢) ساقط من (ع).

٤٥٥
(١) كتاب الإيمان - (٦٤) باب: النبي # أكثر الأنبياء أتباعاً
وهو أعلم. فقالَ الله: يا جبريلُ! اذهبْ إلى محمّدٍ فقلْ: إنَّا سَنُرضِيْكَ في
أُمَّتِكَ ولا نَسُوءِكَ.
رواه مسلم (٢٠٢).
على نجاةٍ أمّته، وبحكم ما وَهَبه اللهُ تعالى من رفْعة مقامه على غيره جازماً في شدة شفقته وله
الدعاء، مجتهداً فيه لهم، مُتَضرِّعاً، باكياً، ملحّاً، يقول: أمتي! أمتي! فِعْل وكثرة حرصه
المحبّ المستهتر (١) بمحبوبه، الحريص على ما يرضيه، الشفيق عليه، اللطيف على نجاة أمته.
به، ثم لم يزلْ كذلك حتى أجابه الله فيهم، وبشّره بما بشَّره من مآل حالهم [حيث
قال له تعالى: إنا سنُرضيكَ في أمّتك. وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]](٢).
قال بعض العلماء: والله ما يَرضى محمد وواحدٌ من أمته في النار. وهذا كلُّه
يدل: على أن الله تعالى خصَّ نبيّنا وَ﴿ من كَرَم الخُلُق؛ ومن طِيْب النَّفْس، ومن ما خصَّ به الله
مقام الفتوة (٣)، بما لم يخص به أحداً غيره وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى نِينا ◌َ﴾.
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾
الآية [التوبة: ١٢٨]. صلى الله عليه أفضل ما صلّى على أحدٍ من خليقته، وجازاه
عنّا أفضل ما جازى نبياً عن أمته.
وأَمَرَ الله تعالى جبريلَ أن يسأل نبيَّنا عليه الصلاة والسلام عن سبب بكائه؛
ليعلم جبريل تمكّن نبينا في مقام الفتوة، وغاية اعتنائه بأمته وَثته .
(١) ((المستهتر)): المولَع.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) ((الفتوة)): حُسْن الخُلُق وبذل المعروف.

٤٥٦
(١) كتاب الإيمان - (٦٥) باب: شفاعة النبي ﴿ لعمَّه
(٦٥) باب
شفاعة النبي ◌َّل لعمه في التخفيف عنه
[١٥٥] عن العبّاس، قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ أبا طالبٍ كانَ
يَحُوطُكَ ويَنْصُرُكَ فِهِلْ نَفَعَه ذلكَ؟ قالَ: ((نعمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَراتٍ مِن
النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلى ضَحْضَاحٍ)).
وفي روايةٍ: ((لولا أَنَا لكانَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)).
رواه أحمد (٢٠٦/١ - ٢١٠)، والبخاري (٦٢٠٨)، ومسلم
(٢٠٩).
(٦٥) ومن باب: شفاعة النَّبِي وَ﴿ لعمّه أبي طالب في التَّخفيفِ عنه
(قوله: ((كان يحوطك))) أي: يحفظك. و ((ينصرك)): يعينك. والنّصرة:
نَصْرُ أبي طالب
لرسول الله. العَوْن. تقول العربُ: أرض منصورة، أي: معانة على إنباتها بالمطر. وقد كان
أبو طالب يمنعه ممّن يريدُ به مكروهاً، ويُعينه على ما كان بصدده، وغمرات؛
بالميم: جمع غمرة. وهي ما يغطّي الإنسان ويغمره، مأخوذ من الماء الغمر، وهو
الكثير، وقد وقع في بعض النسخ غبرات، وهو تصحيف، ولا معنى للغبرات هنا.
قول عمرو في والضّحضاح: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض. ومنه قول عمرو في عمر: أنه
عمر.
جانب غمرتها، ومشى ضحضاحها، وما ابتلت قدماه، يعني: لم يتعلق من الدنيا
الدرك أشد
أطباق جهنم
عذاباً.
بشيء، والدرك في مراتب التسفّل والنزول كالدَّرج في مراتب العلوّ والارتفاع،
ويُراد به: آخر طبقٍ في أسفل النّار، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذاباً. ولذلك قال
تعالى: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِي الدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وكان أبو طالب
يستحقّ ذلك، إذ كان قد عَلِم صِدْقَ النبي ◌ََّ في جميع حالاته، ولم يَخْفَ عليه
ما قاله أبو
طالب لعليّ.
شيءٌ من أموره من مولده إلى حين اكتهاله، ولذلك كان يقول لعليّ ابنه: اتَّبعه فإنه
لا يُرْشِدُك إِلَّا إلى خَيْر أو حقّ، أو كما قيل عنه.

٤٥٧
(١) كتاب الإيمان - (٦٥) باب: شفاعة النبي ﴿﴿ لعمّه
[١٥٦] وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ ذُكر عندَه عَنُّه
أبو طَالِبٍ. فقالَ: ((لعلَّ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يومَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ
مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهِ دِمَاغُهُ)).
رواه أحمد (٩/٣ و ٥٠)، والبخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).
[١٥٧] وعن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللهِ بَّهِ قالَ: ((أهونُ أَهْلِ النَّارِ
عَذاباً أبو طَالِبٍ، وهُو مُنْتَعِلٌ بنعلينِ يَغْلِي مِنْهُما دِمَاغُهُ)).
رواه أحمد (٢٩٠/١)، ومسلم (٢١٢).
و (قوله: ((لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة))) هذا المرتجى في هذا الحديث قد
تحقَّق وقوعه، إذ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((وجدتُه في غمراتٍ فأخرجته إلى ضَحْضَاح))، شفاعتهِلَ في
فكأنه لما ترجَّى ذلك أعطيه وحُقّق له، فَأَخْبَر به. وهل هذه الشَّفاعةُ لبيان قَول تخفيف العذاب
محقّقٍ أو لسان حال؟ اختُلِفَ فيه: فإن تنزلنا على أنّه حقيقة وأنه عليه الصلاة
عن أبي طالب.
والسلام شفع لأبي طالب بالدعاء والرّغبة حتى شُفِّع، عارضه قوله تعالى: ﴿فَمَا
تَتَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾
[الأنبياء: ٢٨] وما في معناه. والجوابُ مِن أوجه: أقربها: أن الشَّفاعةَ المنفيَّةَ إنما
هي شفاعةٌ خاصّة، وهي التي تخلصُ من العذاب، وغاية ما ذُكِر من المعارضة إنّما
هي بين خصوص وعموم، ولا تعارضَ بينهما، إذ البناءُ والجمع مُمْكِن. وإن
تنزلنا: على أنه لسان حال، فيكون معناه: أنَّ أبا طالب لما بَالَغَ في إكرام
النَّبِيِوَ﴿، والذَّبِّ عنه، خُفِّفَ عنه بسبب ذلك ما كان يستحقّه بسبب كُفْرَه؛ مع
ما حَصَل عنده من معرفته صِدْق النَّبِي وَ ﴿، كما قدّمناه. ولما كان ذلك بسبب
وُجُودِ النََِّ﴿ه، وببركة الحنوّ عليه نسبه النَّبِيِلَ ◌ّهِ إلى نفسه، ولا يُستبعدُ إطلاقُ
الشَّفاعة على مِثْل هذا المعنى، فقد سَلَك الشُّعراءُ هذا المعنى، فقال بعضُهم:
فِيْ وَجْهِهِ شافعٌ يَمْحُو إِساءَتَهُ إِلَى الْقُلُوبِ وَجِيْهٌ حَيْثُمَا شَفَعا

٤٥٨
(١) كتاب الإيمان - (٦٦) باب: شفاعة النبي ◌َلٌ لعمُّه
[١٥٨] وعن النُّعمان بن بشيرٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ:
((إنَّ أهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذاباً يومَ القِيَامَةِ، لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصٍ قَدَمَيْهِ
جَمْرَتانِ، يَغْلِي مِنْهُما دِمَاغُهُ)).
رواه أحمد (٢٧١/٤ و٢٧٤)، والبخاري (٦٥٦١ و ٦٥٦٢)،
ومسلم (٢١٣)، والترمذي (٢٦٠٧).
وقد يورد أيضاً على هذا المعنى فيقال: هذا إثباتُ نَفْع الكافر في الآخرة بما
عمله في الدُّنيا. وقد نفاه النَّبِي ◌َّ بقوله في حديث ابن جُدعَان الآتي: ((لا ينفعه))(١).
يُعطى الكافر وبقوله: ((وأما الكافر فيعطى بحسنات ما عَمِل في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى
بحسنات ما
عمل في الدنيا.
الآخرة لم تكن له حسنةٌ يجزى بها))(٢)، والجواب من وجهين: أحدهما: ما تقدم
في بناء العام على الخاص. والثاني: أن المخفف عنه لمّا لم يجد أثراً لما خفّف
عنه فكأنه لم ينتفع بذلك. أَلَا تَرَى أنه يعتقد (٣) أنّه ليس في النار أشدّ عذاباً منه؟!
القليل من
مع أن عذابه جمرة من جهنم في أخمصه، وسببه: أنَّ القليلَ مِن عذاب جهنّمٍ
عذاب جهنم - أعاذنا الله منه(٤) - لا تطيقه الجبال، وخصوصاً عذاب الكافر، وإنما تظهرُ فائدةٌ
لا تطيقه الجبال.
التَّخفيف لغير المعذّب، وأما المعذَّب فمشتغل بما حلَّ به، إذ لا يُخلّى، ولا بغيره
يتسلى، فيصدق عليه أنه لم ينتفع ولم يحصل له نفع ألبتة، والله أعلم.
(١) سيأتي تخريجه برقم (١٥٩).
(٢) سيأتي تخريجه برقم (١٦١).
(٣) في (ع): ألا تراه يعتقد.
(٤) قوله: (أعاذنا الله منه) ساقط من (ع).

٤٥٩
(١) كتاب الإيمان - (٦٦) باب: من لم يؤمن لم ينفْعه عملٌ صالح
(٦٦) باب
من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قُربة في الآخرة
[١٥٩] عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله! ابنُ جُدْعَانَ كانَ في
الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمْ المِسْكِيْنَ، فهلْ ذلكَ نافِعُهُ؟ قالَ: ((لا يَنْفَعُهُ إِنَّه
لَمْ يَقُلْ يَوْماً: ربِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِّي يومَ الدِّئْنِ)».
رواه أحمد (٩٣/٦ و١٢٠)، ومسلم (٢١٤).
[١٦٠] وعن أنس، أنَّ رجُلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ! أينَ أَبِي؟ قالَ:
((في النَّارِ)) فلمَّا قَفَّى دَعَاهُ فقالَ: ((إنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)).
رواه أحمد (١١٩/٣ و١٧٧ و٢٦٨)، ومسلم (٢٠٣)، وأبو داود
(٤٧١٨).
(٦٦) ومن باب: من لم يُؤْمِنْ لم يَنْفَعْهُ عَمَلٌ صالح
(قول عائشة: ((هل ذلك نافعه))) معناه: هل ذلك مُخَلِّصه من عذاب الله
المُستَحقِّ بالكفر؟ فأجابها بنفي ذلك، وعلّله: بأنه لم يؤمن. وعبّر عن الإيمان لا يلزم من أراد
ببعض ما يدلُّ عليه، وهو قوله: ((لم يقل: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين))، الدخول في
ويُقتبس منه: أنَّ كل لفظ يدلُّ على الدخول في (١) في الإسلام اكْتُفِيَ به، ولا يلزم مخصوصة.
من أراد الدخولَ في الإسلام صيغة مخصوصة، مثل كلمتي الشّهادة، بل أيُّ شيء
دلَّ على صحّة إيمانه، ومجانبة ما كان عليه اكتُفي به في الدّخول في الإسلام،
الإسلام صيغة
ولا بُدَّ له مع ذلك من النُّطق بكلمتي الشَّهادة، فإن النُّطقَ بهما واجبٌ مرّة في النطق بكلمتي
العمر.
الشهادة واجب
مرة في العمر.
(١) قوله: (الدخول في) ساقط من (ع).

٤٦٠
(١) كتاب الإيمان - (٦٦) باب: من لم يؤمن لم ينفعْه عملٌ صالح
[١٦١] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِناً
حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بها في الْآخِرَةِ، وأمَّا الكَافِرُ فَيُطْعمُ
بحَسَناتِ ما عَمِلَ للهِ بها في الدُّنْيَا حتَّى إذا أَفْضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ لهُ
حَسنةٌ يُجْزَى بها».
رواه أحمد (١٢٣/٣ و٢٨٣)، ومسلم (٢٨٠٨).
و (قوله: ((إن الله لا يظلمُ مؤمناً حسنةً))) يعني: لا ينقصه، ولا يمنعه ثوابها
في الدّار الآخرة والأولى.
و (قوله: وأمّا الكافر فيطعم بحسنات ... ) هكذا رواه الجماعة. ورواه
ابنُ ماهان: فيعطى بحسنات. وكلاهما صحيح المعنى. وتسمية ما يصدر عن
لا تصحّ من الكافر: حسنة؛ إنما كان بحسب ظنِّ الكافر، وإِلَّ فلا تصح منه قُربة لعدم شرطها؛
الكافر قُرْبة.
الذي هو الإيمان. أو سُمّيت: حسنةً لأنها تشبه صورةً حسنة المؤمن ظاهراً. ثم
هل يُعطى الكافر بحسناته في الدنيا ولا بُدّ؛ فحكم هذا الوعد الصّادق؟ أو ذلك مقيّد
بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَةُ لِمَنْ
تُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]؟ وهذا هو الصَّحيح. وأما المؤمنُ فلا بُدَّ له من الجزاء
الأخروي، كما قد عُلم من الشَّريعة.
و (قوله في الكافر: ((لم تكن له حسنة يُجزى بها))) أي: لا يتخلّص من
العذاب بسببها، وأما التَّخفيفُ عنه بسببها فقد يكون على ما قررناه، والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((فلما قفّى))) أي: ولَّی قفاه.
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ أبي وأباك في النار))) جَبْر للرجل مما
أصابه وأحاله على التأسِّي؛ حتى تهونَ عليه مصيبتُه بأبيه، وذلك لمَّا حفظ الحرمة،
ولم يقل: أين أبوك؟ بخلاف مَن قال ذلك للنَّبِي وَّه، فقال له: ((حيثما مررتَ بقبرِ
من أخلاقه ﴾ ..