Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب أحسبه أراد بميله إلا أنه منخرقُ الأسفل، شبّه به القلب الذي لا يعي خيراً، ولا يثبت فيه، کما لا يثبت الماء في الكوز المنخرق. قال المؤلف - رحمه الله -: ولا يُحتاج إلى هذا التقدير والتكلّف؛ فإنه إذا كان مقلوباً منكوساً - كما قال سعد - لم يثبت فيه شيءٌ وإن لم يكن منخرقاً، وقد فسّره سياق الكلام حيث قال: لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه . و (قوله: ((أكسراً لا أبالك))) استعظامٌّ من عمر لِكَسْر ذلك الباب، وخوفٌ منه ألا ينجبر؛ لأن الكسرَ لا يكونُ إلا عن إكراهِ وغلبة، فكأنَّ البابَ المغلقَ عن دخول الفتن على الإسلام عمرُ رضي الله عنه، وكسره: قتله. واللام في ((لا أبالك)) مقحمة، وكذلك في قولهم: ((لا يَدِي لفلان بهذا الأمر)) ولا تريدُ العربُ بهذا الكلام نفيَ الأبوة حقيقة، وإنما هو كلامٌ جرى على ألسنتهم كالمثل، ولقد أبدع البدیعُ حیث قال في هذا المعنى: وقد يُوحِشُ اللَّفظُ وكلُّه ودُ ويُكْرَهُ الشيءُ وما مِنْ فِعْله بُدُ هذه العرب تقول: ((لا أبالك)» للشيء إذا أهمّ. و (قاتله الله) ولا يريدون به الذم، (وويل أُمّهِ) للأمر إذا تمّ. والإلبابُ(١) في هذا الباب(٢): أن يُنظرَ إلى القول وقائله، فإن كان ولياً فهو الولاء، وإن خشن، وإن كان عدواً، فهو البلاء وإن حسن. و (قوله: ((حديثاً ليس بالأغاليط))) أي: حدّثته حديثاً، فهو مصدر. والأغاليط: جمع أغلوطة؛ قال ابنُ دريد: هي التي يُغالط بها، واحدها مغلطة وأغلوطة، وجمعها: أغاليط. (١) ((الإلباب)): اللزوم والثبات. (٢) ساقط من (ل). - ٣٦٢ (١) كتاب الإيمان - (٤٨) باب: كيف بدأ الإسلام وكيف بعود؟ (٤٨) باب کیف بدأ الإسلام و کیف یعود؟ [١١٤] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ الله وَلِ: ((بدأَ الإسلامُ غَرِيْباً وسيعودُ كَما بدأ، فطُوبى للغُرَباءِ)). رواه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦). (٤٨) ومن باب: كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟ (قوله: ((بدأ الإسلامُ غريباً وسيعود كما بدأ))) كذا روايته بهمز بدأ، وفيه نظر؛ وذلك أن بدأ مهموزاً متعد إلى مفعول، كقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. قال صاحبُ ((الأفعال)): يُقال(١): بدأ الله الخلقَ بداً، وأبدأهم: خَلَقهم، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولاً فظهر الإشكال، ويرتفعُ الإشكالُ بأن يحملَ بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازماً، كما قد اتّفق للعرب في كثيرٍ من الأفعال يتعدّى حملاً على صيغة، ولا يتعدى حَمْلاً على أُخری، کما قالوا: رجع زید، ورجعته، وفغر فاه وفغر فوه وهو کثیر، وقد سمعتُ من بعض أشياخي إنكار الهمزة، وزعم أنه: بدأ، بمعنى: ظهر، غير مهموز، وهذا فيه بُعْدٌ من جهةَ الرّواية والمعنى، فأما الروايةُ بالهمز فصحيحةُ النّقل عمّن يُعتمد الإسلام نشأ في على علمه وضبطه، وأما المعنى فبعيدٌ عن مقصود الحديث، فإن مقصودَه أن آحادٍ من الناس الإسلامَ نشأ في أوّل أمره في آحادٍ من الناس وقِلّة، ثم انتشر وظهر، فأخبر وَلِّ أنه و قلة. سيلحقه من الضّعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحادٍ وقلّة كابتدائه. وأصلُ الغربة: البعد، كما قال: فلا تحرميني نائلاً عن جناية فإنِّي امرؤٌ وسط العُبابِ غريبُ (١) ساقط من (ع). ٣٦٣ (١) كتاب الإيمان - (٤٨) باب: كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟ [١١٥] وعن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَ﴿ِ قال: ((إنَّ الإِسلامَ بدأَ غَرِيْباً وسيعودُ كما بدأ، وهو يَأرِزُ بينَ المَسْجِدَيْنِ كما تَأْرِزُ الحَيَّةُ في جُحْرِها». رواه مسلم (١٤٦). [١١٦] ومن حديثٍ أبي هريرةَ: ((إنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلى المَدِيْنَةِ ... )) بنحوه. رواه أحمد (٤٢٢/٢)، والبخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، وابن ماجه (٣١١١). ويحتملُ أن يُرادَ بالحديث: المهاجرين، إذ هم الذين تغرّبوا عن أوطانهم فراراً بأديانهم، فيكون معناه: أن آخر الزمان تشتدُّ فيه المحنُ على المسلمين تشتد المحن في فيفرون بأديانهم، ويغتربون عن أوطانهم، كما فعل المهاجرون، وقد ورد في آخر الزمان على الحديث: ((قيل: يا رسول الله! مَن الغرباء! قال: ((هم النزّاع من القبائل))(١) إشارة المسلمين. إلى هذا المعنى، والله أعلم. ولذلك (٢) قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين. والتُزَّاعِ: جمع نزيع أو نازع، وهو الذي نَزَع عن أهله وعشيرته، وبَعُد عن ذلك. و (قوله: ((الإسلام يأرز بين المسجدين))، ((وإن الإيمانَ ليأرزُ إلى المدينة))) قال أبو عبيد: أي(٣): ينضمّ ويجتمعُ بعضه إلى بعض كما تنضمُّ الحَيَّةُ في جُخْرها. وقال ابنُ دريد: أرز الشيء، يأرز؛ إذا ثبت في الأرض، وشجرة أرزة؛ أي: ثابتة مجتمعة، وهذا منه ◌َ﴿ إخبارٌ بما كان في عصره وعصر مَن يليه مِن أصحابه وتابعيهم، من حيث أن المدينةَ دار هجرتهم ومقامهم ومقصدهم، وموضع رحلتهم (١) رواه أحمد (٣٩٨/١)، وابن ماجه (٣٩٨٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. (٢) في (ل): لذا. (٣) ساقط من (ع). ٣٦٤ (١) كتاب الإيمان - (٤٨) باب: كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟ [١١٧] وعن أنس، أنَّ رسولَ اللهِ وَ قالَ: ((لا تقومُ السَّاعَةُ حتَّى لا يُقالَ في الأرضِ: اللهُ، اللهُ). وفي أخرى: ((لا تقومُ السَّاعَةُ عَلى أَحَدٍ يقولُ: اللهُ، اللهُ). رواه أحمد (١٠٧/٣ و٢٠١ و٢٥٩ و٢٦٨)، ومسلم (١٤٨)، والترمذي (٢٢٠٨). في طلب العلم والدِّين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمّات دينهم ووقائعهم، حتى لقد حصل للمدينة من الخصوصية بذلك ما لا يوجدُ في غيرها. وفيه حجّةٌ عمل أهل على صحّة مذهب مالك في تمسّكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجّة شرعية. وقال المدينة حجة أبو مصعب الزّبيري في معنى هذا الحديث: إنّما المرادُ بالمدينة أهل المدينة، وأنه شرعية. تنبية على صحّة مذهبهم وسلامتهم من البِدَع المحدثات (١)، واقتدائهم بالسُّنن، والإيمان مجتمعٌ عندهم وعند مَن سلك سبيلهم. و (قوله: ((بين المسجدين))) يعني مسجدي مكة والمدينة، وهو إشارة إلى أنّ مبدأ الإيمان كان بمكّة، وظهوره بالمدينة. و (قوله: ((لا تقوم الساعةُ حتى لا يقال في الأرض: اللهَ اللهَ)) كذا صوابه بالنّصب، وكذلك قيّدناه عن محقّقي مَن لقيناه، ووجهه: أن هذا مثل قول العرب: ((الأسدَ الأسدَ)) و((الجدارَ الجدارَ)) إذا حذّروا من الأسد المفترس، والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مُضْمَر، كأنهم قالوا: احذر الأسد، لكنهم التزموا إضماره هنا لتكرار الاسم ونصبه، كما قال الشاعر(٢): أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لا أَخَالَهُ كَسَاعِ إِلىُ الهَيْجَا بِغيرِ سِلاَحٍ (١) في (ل): المحرمات. (٢) هو مسكين الدارمي. ٣٦٥ (١) كتاب الإيمان - (٤٨) باب: كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟ [١١٨] وعن حُذَيْفَةَ، قالَ: كثَّا معَ رسولِ اللهِوَ له فقالَ: ((أَحْصُوا لي كَمْ يَلْفِظُ الإسْلاَمُ؟)) قال: فقلنا: يا رسولَ الله! أتخافُ علينا ونحنُ ما بينَ السِّمئةِ إلى السَّبعمئةِ؟ قالَ: ((إنَّكم لا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أنْ تُبْتَلَوْا)). قالَ: فَابْتُلِيْنا، حتَّى جعلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا يُصَلِّي إِلَّا سِرّاً. رواه أحمد(٣٨٤/٥)، والبخاري (٣٠٦٠)، ومسلم (١٤٩)، وابن ماجه (٤٠٢٩). فإن أفردوا ذكروا الفعل فقالوا: اتَّقِ الأسدَ، واحذرِ الجدار، واحفظْ أخاك. وقد قيّده بعضهم ((اللّهُ اللهُ) بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، وفيه بُعْدٌ، ولا يعارض هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة)) (١)، لأن هذه الطائفةَ يقاتلون الدَّجالَ، ويجتمعون بعيسى عليه السلام، ثم لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضَهم اللهُ بالرِّيح اليمانية، التي لا تُبقي مؤمناً إلا قبضته، فيبقى شرارُ الخَلْقِ بَعْدَهم، ليس فيهم من يقول: الله الله، يتهارجُون تهارُج الحُمر، فعليهم تقومُ الساعة، على ما يأتي في كتاب الفتن. و (قوله: ((أحصوا لي كم يلفظ الإسلام))) أي: عدّوا لي، ومنه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. وأصل اللفظ: الرمي، ومنه: لفظه البحر، أي: رماه، وعدّاه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمولٌ على تكلّم المتعدي بحرف الجر، فكأنه قال: عدّوا لي كم يتكلم بالإسلام. و (قول حذيفة: فابتُلينا حتى جعل الرجلُ منّا لا يُصلِّي إلا سراً) يعني بذلك، والله أعلم: ما جرى لهم في أول الإسلام بمكة حين كان المشركون يؤذونهم ويمنعونهم من إظهار صلاتهم حتى كانوا يصلّون سرّاً. (١) رواه مسلم (١٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه. 1 1 ٣٦٦ - (١) كتاب الإيمان - (٤٩) باب: إعطاء من يُخاف على إيمانه (٤٩) باب إعطاء من يُخاف على إيمانه [١١٩] عن سعد بن أبي وقاص، قالَ: قَسَمَ رسولُ اللهِوَِّ قَسْماً. فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أعطِ فُلاناً فإنَّه مُؤْمِنٌ. فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((أَوْ مُسْلِمٌ))، أقولُها ثلاثاً، وَيُرَدِّدُها عَلَيَّ ثَلاثاً: (أَوْ مُسْلِمٌ)) ثمّ قالَ: ((إِنِّي لُأُعْطِي الرَّجُلَ (٤٩) ومن باب: إعطاء من يُخاف على إيمانه (قوله: أعط فلاناً فإنه مؤمن فقال: ((أو مسلم))) دليلٌ على صحّة ما قدّمناه الفرق بين من الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وأن الإيمانَ مِن أعمالِ الباطن، وأن حقيقتي الإيمان الإسلامَ من أعمال الجوارح الظّاهرة، وفيه رةٌّ على غُلاة المرجئة والكرامية؛ حيث والإسلام. حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشّهادتين وإن لم يعتقدْ بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قَطْعاً؛ لأنه تسويغٌ للنفاق، وفيه حُجَّة لمن يقول: (أنا مؤمن) بغير (١) استثناء، وهي مسألةٌ اختلفَ فيها السَّلف، فمنهم المجيزُ والمانع، وسببُ الخلاف النظرُ إلى الحال أو إلى المآل، فمن مَنَعَ خاف مِن حُصول شكِّ في الحال أو تزكية، ومَن أجاز صرف الاستثناءَ إلى الاستقبال، وهو غيبٌ في الحال، إذ(٢) لا يدري بما يُختم له، والصّواب: الجواز إذا أمن الشَّكَّ والتّزكية، فإنه تفويضٌ إلى الله تعالى. و (قوله: ((أوْ مسلماً)) الرواية بسكون الواو، وقد غلط مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛ لأنَّ النبيَّ وََّ لم يُرِدْ استفهامه، وإنما أشار له(٣) إلى(٤) القسم الآخر المختصّ بالظّاهر، الذي يمكن أن يُدرك، فجاء بأو التي للتقسيم والتّنويع. (١) في (ع): من غير. (٢) من (ع). (٣) ساقط من (ع). (٤) في (ل): أن. ٣٦٧ (١) كتاب الإيمان - (٤٩) باب: إعطاء من يَخاف على إيمانه وغيرُهُ أَحَبُّ إليَّ مِنْهُ، مَخافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ في النَّارِ)). وفي رواية، قال: مَالَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فواللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مؤمناً. وفي أخرى، قال: فضربَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ بِيدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وكَتِفِي. ثم قالَ: ((أَقِتَالاَ؟ أَيْ سَعْدُ! إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ ... )) وذكرَ نحوَه. رواه أحمد (١٨٢/١)، والبخاري (١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأبو داود (٤٦٨٣) و (٤٦٨٤) و (٤٦٨٥)، والنسائي (١٠٣/٨ - ١٠٤). و (قوله: ((مخافة أن يكُبّه الله في النار))) الرواية: يكُبه بفتح الياء وضم الكاف، من: كبّ، ثلاثياً، ولا يجوز هنا غيره، لأن رباعيَّه لازم، ولم يأتِ في لسان(١) العرب فعل ثلاثيّه متعدٍ ورباعيه غير متعد، إلا كلمات قليلة. يقال: أكبّ الرجل وكبيته، وأقشع الغيم، وقشعَتْه الرِّيح، وأنسل ريش الطائر، ووبر البعير، ونسلته أنا، وأنزفتِ البئرُ: قلّ ماؤها، ونزفتها أنا، وأمرت الناقة: قلّ درّها، ومَرَيْتُها أنا، وأشنق البعير، أي: رفع رأسه، وشنقته أنا . و (قوله: والله إنِّي لأُراه مؤمناً) الرواية بضم الهمزة، بمعنى: أظنه. وهو من سعدٍ حَلْفٌ على ما ظنه، فكانت هذه اليمينُ لاغية، ولذلك لم ينكرها النبيّ ◌ٍَّ ولا أمره بكفّارةٍ عنها، فكان فيه دليلٌ على جواز الحلف على الظن، وأنها هي اللاغية، جواز الحلف وهو قول مالك والجمهور. على الظن. و (قوله: ((أقتالاً؟ أي سعد))) هو مصدر، أي: أتقاتلني قتالاً؟ فحذف الفعلَ لدلالة المصدر عليه، ومعنى القتال هنا: الدّفع والمكابرة، وهذا كقوله في المارِ بين يدي المصلّي: ((فإن أبى فليقاتله)) (٢) أي: فليدافعه ويمنعه من المرور. (١) في (ل) و (ط): لغة. (٢) رواه مسلم (٥٠٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ٣٦٨ (١) كتاب الإيمان - (٥٠) باب: مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن (٥٠) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي ◌َّطار وشدة عذابه إذا لم يؤمن [١٢٠] عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله وَّهِ قالَ: ((والذي نفسُ محمّدٍ بيدهِ! لا يسمعُ بي أَحَدٌ مِن هذهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ أو نَصْرَانِيٌّ، ثمَّ يموتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلا كانَ مِن أَصْحَابِ النَّار)). رواه أحمد (٣١٧/٢)، ومسلم (١٥٣). (٥٠) ومن باب: مُضاعفة أَجْر الكتابيّ إذا آمن الأمة في أصل اللغة. (قوله: ((لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة))) الحديث ... الأمة في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِيِ اَلْأَرْضِ وَلَيْرٍ يَطِيُرُ مِنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمُّمَ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. ثم قد اسْتُعمِل في محامل شتّى، والمرادُ به في هذا الحديث: كلّ من أُرسل إليه محمد وَّر، ولزمته حجّته سواء صدّقه أو لم يصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهودي والنّصراني، لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: ((لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني)) بغير واو العطف فإنه يكون بدلاً من الأمة، وقد روى هذا الحديثَ عبدُ بن حُميد وقال: ((لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني)) (١) فحينئذ لا يدخل اليهودي ولا النصراني في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم. من لم تبلغه وفيه دليلٌ على أنَّ من لم تبلغه دعوةُ رسول اللهِوَّةٍ ولا أَمْرُه لا عقابَ عليه، :هوته ولا ولا مُؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّ نَعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ومن لم تبلغه دعوةُ الرسول ولا معجزتُه فكأنه لم يُبعث إليه رسول. مره. (١) رواه أبو عوانة (١٠٤/١). ٣٦٩ (١) كتاب الإيمان - (٥٠) باب: مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن [١٢١] وعن أبي موسى الأشعريّ، أَنَّ رسولَ اللهلَّه قالَ: ((ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتينٍ: رَجُلٌ مِن أهلِ الكِتابِ آَمنَ بنبيِّهِ وأدركَ النبيَّ نَّهِ فَآَمنَ بِهِ واتَّبَعَهُ وصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وعَبَّدٌ مَمْلُوَكٌ أَدَّى حَقَّ الله - عَزَّ وجَلَّ - وحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرانِ. وَرَجُلٌ كَانتْ له أَمَةٌ فَغَذَاها، فَأَحْسَنَ غِذَاءَها، ثمَّ أَذَّبَها فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثمَّ أَعْتَقَها وَتَزْوَّجَها، فَلَهُ أَجْرَانِ)). ثم قال الشَّعْبِيُّ للخُرَاسَانيِّ: خذْ هَذا الحديثَ بغيرِ شيءٍ، فقدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فيما دُون هذا إلى المدينةِ . رواه أحمد (٤٠٥/٤)، والبخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (١١٥/٦). وهذا الكتابيّ الذي يُضاعف أَجْرُه هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقداً الكتابي الذي وفعلاً، ثم لم يزلْ مُتمسّكاً بذلك إلى أن جاء نبيّنا وَ ﴿ فآمن به، واتّبع شريعته، فهذا يُضاعف أجره. هو الذي يُؤجر على اتباع الحقِّ الأول والحق الثّاني، وأما مَن اعتقد الإلهية لغير الله تعالى كما تعتقده النَّصارى اليوم، أو مَن لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جبَّ الإسلامُ ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يُؤجر عليه إلا الإسلام خاصة، والله أعلم، وسيأتي في هذا الحديث زيادةٌ بحث. ٣٧٠ (١) كتاب الإيمان - (٥١) باب: ما جاء في نزول عيسى ابن مريم (٥١) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به [١٢٢] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّه: ((واللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيْبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، ولَتْرَكَنَّ القِلاَصُ، فَلا يُسْعَى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ والتََّاغُضُ (٥١) ومن باب: ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (قوله: ((لينزلن فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً))) وفي رواية: ((عادلاً)) - مفسراً - يقال: أقسط الرجلُ يقسط، أي: عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوَأَ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقَسَط، يقسِط، قُسُوطاً وقسطاً؛ أي: جار، قتل عيسى ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وقتل عيسى للخنزير وكسره للخنزير وكسره الصليب يدلُّ على أنَّ شيئاً مِن ذلك لم يسوغه لهم، وأن ذلك الصليب. لا يقرّ إذا تمكن من تغييره وإزالته، وقيل: معنى قوله: ((ويكسر الصليب)) أي: یبطل أمره ویکسر حکمه، کما يقال: کسر حجّته. وَضْع عيسى الجزية. و (قوله: ((وليضعنّ الجزية))) قيل: يسقطها فلا يقبلها مِن أحد، وذلك لكثرة الأموال، إذ تقيُ الأرضُ أفلاذَ كبدها، فلا يكون في أَخْذها منفعة للمسلمين، فلا يُقبل من أحد إلا الإيمان، وقيل: يضربها على كلّ صنف من الكفار، إذ قد أذعن الكلُّ له فإمّا بالإسلام، وإمّا بأن ألقوا بأيديهم، والتأويل الأول أولى؛ لقوله بعد هذا: ((ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها))) أي: لا تُطلب زكاتُها، كما جاء في الحديث الآخر. والقلاص: جمع قلوص. وهي من الإبل كالفتاة من النساء، والحدث من الرجال، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطْلَتْ﴾ [التكوير: ٤] أي: زُهِد فيها، وتُرِكت، وإن كانت أحبَّ الأموال إليهم الآن. والشحناء والتباغض والعداوة بمعنى واحد، والتحاسد: الحسد. وهو أن الحسد والغبطة. ٣٧١ (١) كتاب الإيمان - (٥١) باب: ما جاء في نزول عيسى ابن مريم والتَّحَاسُدُ، ولَيُدْعَوُنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ)). رواه أحمد (٤٩٤/٢)، والبخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥)، وأبو داود (٤٣٢٤)، والترمذي (٢٢٣٤). [١٢٢ / م] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كيفَ أَنْتم إذا نَزَلَ ابنُ مریمَ فیکم وإِمامُگُم مِنكُم؟)). وفي روايةٍ: ((فأَمَّكُمْ مِنْكُمْ)). قال ابنُ أبي ذِئب: تدري ما أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قال: فَأَمَّكُم بكتابٍ رَبِّكُم - عزَّ وجلَّ - وسُنَِّ نَبِّكم ◌َِّ. رواه أحمد (٣٣٦/٢) والبخاري (٣٤٤٩) ومسلم (١٥٥) (٢٤٥). يتمنّى زوال نعمة الله عن المسلم. والغبطة: أن تتمنّى أن يكونَ لك مثلها، من غير أن تزولَ عنه، وهو التّنافس أيضاً. و (قوله: ((حتى تكون السجدةُ الواحدةُ خيراً من الدنيا وما فيها») معناه: أن الصلاة النافلة الصلاةَ تكونُ أفضل من الصّدقة لفيض المال إذ ذاك، لعدم الانتفاع به، وأهل أفضل من الصدقة في آخر الحجاز يسمّون الركعة: سجدة. الزمان. و (قوله: ((وإمامكم منكم)) ((وأمكم)) أيضاً) قد فسّره ابن أبي ذئب في الأصل ينزل عيسى آخر وتكميله: أنَّ عيسى عليه السلام لا يأتي لأهل الأرض بشريعة أُخرى، وإنّما يأتي الزمان مقراً مُقرِّراً لهذه الشريعة ومُجَدِّداً لها؛ لأن هذه الشريعة آخر الشّرائع، ومحمد ◌َّله آخر الشريعة الإسلام. الرسل. ويدلُّ على هذا دلالةً واضحةً قولُ الأمّة لعيسى: ((تعالَ صَلّ لنا فيقول: لا، إنَّ بعضَكم على بعض أمراء، تكرمةَ الله هذه الأمة)) وتكرمة: منصوب على أنه مفعولٌ من أجله. وظاهرين: غالبين، عالين، ومنه قوله تعالى: ﴿ِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩]، وفجّ الرّوحاء: موضع معروف. ٣٧٢ (١) كتاب الإيمان - (٥١) باب: ما جاء في نزول عيسى ابن مريم [١٢٣] وعن جابرٍ بن عبدِ الله، قالَ: سمعتُ النبيَّ وََّ يقولُ: (لا تَزَالُ طَائِفةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ، ظَاهِرِينَ إلى يوم القيامةِ) قالَ: (فينزلُ عيسى ابنُ مَرْيَمَ وَلِّ فيقولُ أميرُهم: تعالَ صَلِّ لَنا. فَيقولُ: لا. إنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هذِهِ الأُمَّةَ). رواه مسلم (١٥٦). [١٢٤] وعن أبي هُريرةَ، عن النبيِّنَّه قال: ((والَّذِي نفسُ محمّدٍ بيدِه! لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَم بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجَّاً أَوْ مُعْتَمِراً أو لَيْنِنَّهُما)». رواه أحمد (٥١٣/٢)، ومسلم (١٢٥٢). و (قوله: ((أو ليثنيهما))) يعني: ليقرنن بينهما، أو يحتمل أن تكون إبهاماً على السامع، إذ ليس هذا من باب الأحكام، ولا تدعو الحاجةُ إلى التّعيين، ويجوز بقاؤها على أصلها من الشَّك. (١) كتاب الإيمان - (٥٢) باب: في قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها﴾ ٣٧٣ (٥٢) باب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] [١٢٥] عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ له: ((ثَلاثُ إذا خَرَجْنَ؛ لا ينفعُ نَفْساً إيمانُها لم تكن آمنتْ مِن قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْراً: طُلُوعُ الشَّمْس مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودَابَّةُ الأَرْضِ)). رواه أحمد (٤٤٥/٢)، ومسلم (١٥٨)، والترمذي (٣٠٧٤). # (٥٢) ومن باب: قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] (قوله: ((ثلاثٌ إذا خَرَجن))) اخْتُلف في أول الآيات خروجاً، فقيل: أولها: أول آيات طلوع الشّمس من مغربها، وقيل: خروج الدّابة، ومن رواية ابن أبي شيبة عن خروجاً. الساعة ابن عمر مرفوعاً قال: ((وأيّتها كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها))(١)، وفي حديث أنس: ((أول أشراط الساعة نار تخرجُ من اليمن))(٢)، وفي حديث حذيفة بن أسيد: ((آخر ذلك النار))(٣) وسيأتي كلُّ ذلك إن شاء الله تعالى. ومذهبُ أهل السُّنة حَمْل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها، إذ لا إحالةَ فيها، وهي أمورٌ ممكنةٌ في أنفسها، وقد تظاهرتِ الأخبارُ الصَّحيحة بها، مع كثرتها، وشهرتها، فيجب التَّصديقُ بها، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها. (١) رواه ابن أبي شيبة (١٩١٣٥) من حديث عبد الله بن عمرو. (٢) رواه مسلم (٢٩٠١)، وأبو داود (٤٣١١)، والترمذي (٢١٨٤)، وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه. (٣) رواه مسلم (٢٩٠١)، وأبو داود (٤٣١١)، والترمذي (٢١٨٤). ٣٧٤ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي (٥٣) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله وَلته وانتهاؤه [١٢٦] عن عائشةَ زَوْجِ النبيِّوَِّ، أنَّها قالتْ: ((أَوَّلُ ما بُدِىءَ به رسولُ اللهِ وَّهِ مِن الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة فِي النَّوْمِ، فكانَ لا يَرِى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثمَّ حُبِّبَ إليه الخَلاَءُ، فكانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ (٥٣) ومن باب: كيف كان ابتداء الوحي وانتهاؤه الوحي لغةً وشرعاً. الوحي: إلقاء الشيء في سرعة (١)، ومنه: الوحا الوحا، ويقال على الإلهام، [ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] أي: ألهمناها، وعلى التسخير](٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: سخّرها، وهو في عُرْف الشّريعة: إعلامُ الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره. (وفلق الصّبح) وفرقه: ضياؤه، ومعناه: أنها جاءت واضحةً بينة، وهذا له مبدأ من مبادىء الوحي، ومقدّمة من مقدّماته. وقد أوحى اللهُ تعالى إلى إبراهيم في النّوم حيث قال: ﴿ يَبُنَّ إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنّ ◌َأَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. والأنبياء كما قال النبي ◌َّهِ: ((تنام أعينُهم ولا تنامُ أول ما بدىء قلوبهم))(٣)، وقد كان نبيُّنَا وَّر في أول أمره يرى ضوءاً، ويسمع صوتاً، ويسلّم عليه به ۶ من الوحي. الحجرُ والشَّجر، وتناديه بالنّبوة، وهذه أمورٌ ابتدىء بها تدريجياً لِما أرادَ اللهُ به من الكرامة والنبوة، واستلطافاً له لئلا يفجأهُ صريحُ الوحي، ويبغَته الملكُ، فلا تحتمل ذلك قوّته البشرية . (١) في (ل): بسرعة. (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه البخاري (٢٠١٣) ومسلم (٧٣٨). ٣٧٥ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي يَتَحَنَّثُ فيه - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلاتِ العَدَدِ. قبلَ أنْ يرجعَ إلى أهلِه. ويَتَزوَّدُ لذلكَ، ثمَّ يرجعُ إلى خديجةَ فيتزوَّدُ لمثلها - حتى فَجِئَهُ الحَقُّ وهُو فِي غَارِ حِرَاءٍ، فجاءَه المَلَكُ فقالَ: اقرأْ. قالَ: ((ما أنَا بقارىءٍ)) قال: (وحراء) بالمدّ، جبلٌ بينه وبين مكّة قدرُ ثلاثة أميال عن يسارك إذا ذهبت إلى مِنى، ويجوز فيه التّذكير، فيصرف على إرادة الموضع، والتأنيث(١)، على إرادة البقعة، وضبطه الأصيلي: حَرا بفتح الحاء والقصر، وقال الخطابي: أصحابُ الحديث يخطئون فيه في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة. واختلف في عبادة النَّبِيِّ وَّرَ قبل مَبْعثه، هل كانت لأنه كان متعبداً بشريعة مَنْ عِبادئهِله قبل قبله؟ أم كانت لما جعل الله في نفسه، وشَرَح به صَدْره مِن نُور المعرفة؟ ومن مبعثه. بغضه لما كان عليه قومُه من عبادة الأوثان، وسوء السّيرة، وقبح الأفعال، فكان يفرّ منهم بُغضاً ويخلو بمعروفه أنْساً؟ ثم الذين قالوا: إنه كان متعبّداً بشريعةٍ، فمنهم من نَسَبه إلى إبراهيم، ومنهم من نَسَبه إلى موسى، ومنهم من نَسَبه إلى عيسى، وكلُّ هذه أقوال متعارضةٌ لا دليل قاطع على صحة شيء منها، والأصحّ القول الأول؛ لأنه كان لو كان مُتعبّداً بشيءٍ من تلك الشّرائع لَعُلِم انتماؤه لتلك الشريعة، ومحافظته على أحكامها، وأصولها وفروعها، ولو عُلِم شيءٌ من ذلك لَنُقِل؛ إذ العادةُ تقتضي ذلك، لأنه ◌َّ ممن تتوفّر الدّواعي على نَقْل أحواله وتتبّع أموره. ولمّا لم يكن شيءٌ من ذلك عُلم صحّة القول الأول. و (قوله: ((حتى فجِئُهُ الحق))) أي: أتاه الوحيُّ بغتة. يقال: فجِىء بكسر الجيم، يفجأ، وفجَأ، يفجأ بفتحها أيضاً. و (قوله: ((ما أنا بقارىء))) ((ما)): نافية، واسمها: ((أنا))، وخبرها: (١) في (ع) و(م): والتأنيث فلا يصرف. 1 ٣٧٦ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي ((فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي حَتَّى بلغَ مِنِ الجَهْدِ، ثمَّ أَرْسَلَني))، فقال: اقرأْ. فقلتُ: (ما أَنَا بقارىءٍ)) قال: ((فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِ الثَّانيةَ حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثمَّ أَرْسَلْنِي))، فقالَ: اقرأُ - فقلتُ: (ما أَنَا بقارئٍ» قال: ((فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَة حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثمَّ أَرْسَلَنِي))، فقال: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ * (بقارىء))، والباء زائدة لمجرّد النّفي والتّأكيد، وقال بعضُهم: إنها هنا للاستفهام، وهو خطأ؛ لأنّ هذه الباء لا تُزاد على الاستفهام، وإنما تصلحُ للاستفهام رواية من رواها «ما أقرأ»، وتصلحُ أيضاً للنّفي. و (قوله: ((فغطَّني))) أي: غمَّني، وعصرني، ورواه بعضُهم: فغتني. وهما بمعنى واحد، وفي العين: غطّه في الماء: غرّقه وغمسه، ويقال: غَتّهُ وغطّه وخنقه، بمعنى واحد. و (قوله: ((حتى بلغ مني الجهد))) أي: غاية المشقّة، بفتح الجيم. والجُهد - بالضم : الطاقة. قاله القتبي (١)، وقال(٢) الشعبي: الجُهْد في القوت (٣)، والجَهْد في العمل، وقيل: هما بمعنى واحد، قاله البصريون. وهذا الغَطّ من جبريل للنَّي وَل﴿ تفزيعٌ له وإيقاظ حتى يَقْبَل بكلّيته ما يُلقى إليه، وتكراره ثلاثاً مبالغة في هذا المعنى، وقال الخطابي: كان ذلك ليبلوَ صبره، ويحسنَ أدبه، فيرتاضَ لتحمّل ما كلّفه من أعباء الرسالة، وهذا الحديثُ نصٌّ في أول ما نَزَل من القرآن، وهو أولى من حديث جابر إذ قال: إن أول ما نزل من القرآن: ﴿يَأَيُّهَا اَلْمُدَّقُِّ﴾ [المدثر: ١]. وسياق حديث جابر لا ينصُّ على ذلك، بل سكت عمّا ذكرته عائشة من نزول: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] في حراء، وذكر أنه رجع إلى خديجة (١) في (ط): ابن قتيبة. (٢) لفظة (قال) من (ط). (٣) في اللسان مادة (جهد): الغنية. ٣٧٧ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِاَلْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا أَزْ يَمْ﴾ [العلق: ١ -٥]. فرجعَ بها رسولُ اللهِصَلَه ترجفُ بَوادِرُه حتَّى دخلَ على خديجةَ فقال: ((زَمِّلوني، زَمُّلُونِ)) فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذهبَ عنه الرَّوُْ، ثم قالَ لخديجةَ: ((أَيْ خَدِيجَة! مَا لِي)) وأخبرَها الخبرَ. فقالَ: ((لقدْ خشيتُ على نَفْسِي» فدثّروه، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾، وعائشة أخبرت بأول ما نزل عليه في حراء(١)، فكان قولُ عائشة أولى. والله تعالى أعلم. و (قوله: «ترجف بوادره))): ترعد وتضطرب، والبوادر من الإنسان: اللحمةُ اضطرابه ا﴾ التي بين المنكب والعُنق، قاله أبو عبيد في ((الغريب))، وقد رُوي في ((الأم))(٢): وخوفه عند ((يرجف فؤاده)) أي: قلبه، وهذا هو سببُ طلبه أن يُدَثَّر ويُزَمَّل، أي: يُغْطَى ويُلفّ، أول مرّة. لشدّة ما لحقه من هول الأمر وشدّة الضّغط، والتزمّل والتدثّر واحد، ويُقال لكلّ ما يُلقى على الثوب الذي يلي الجسد: دثار، وأصل المزمل والمدثر: المتزمّل والمتدثّر، أُدغمت التاء فيما بعدها، وقد جاء في أثرٍ أنهما من أسمائه(٣) عليه الصلاة والسلام. لقائه جبريل و (قوله: ((لقد خشيت على نفسي)) اختلف في سَبَب هذه الخشية وفي زمانها، فقيل: كانت عند رؤية التّباشير وسَمْع الصّوت قبل لقاء الملك. وعند هذا يجوز أن يكون شكّ في حاله ولم يتحقق مآله، وأما بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه، فلا يتصوّر في حقّه شكّ في رسالته بوجهٍ من (١) رواه البخاري (٤)، ومسلم (١٦١). (٢) أي: أصل صحيح مسلم. (٣) ذكرهما الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد (١/ ٦٣٠ و ٦٣٣). وقال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٨٦/١): أسماؤه * كلها نعوت، ليست أعلاماً محضة لمجرّد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به تُوجِبُ له المدحَ والكمال. ٣٧٨ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي فقالتْ له خديجةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فواللهِ! لا يُخْزِيكَ اللهُ أبداً. واللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، الوجوه، وإن كانت الخشيةُ حصلتْ منه في هذا الحال، فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوّة والرسالة، وأنه لا يقدر عليها، ويحتملُ أن يكونَ خوفُه من مباعدة قومه له، ونفارهم عنه، فيكذّبونه ويُؤذونه ويقتلونه، وهذا في أول أمره قبل أن يعلمَ بمآل حاله، وأن الله يَعْصِمه من الناس، وقول خديجة يُشْعِر بهذا، والله تعالى أعلم. و (قولها: لا يحزنك الله أبداً) قاله معمر بالحاء المهملة والنون، وقال يونس وعقيل: بالخاء المعجمة وبالياء المنقوطة باثنتين من أسفل، ومعناه: لا يفضحك ولا يهينك. و (قولها: وتحمل الكلّ) قال ابن النّحاس: الكل: الثقل من كلّ شيء في المؤنة والجسم، والكلّ أيضاً: اليتيم والمسافر، وهو الذي أصابه الكّلال، وهو الإعياء. و (قولها: وتكسب المعدوم) رويته بفتح التاء وضمّها، قال ابنُ النحاس: يقال كَسَبْت الرجل مَالاً وأكْسَبْته مالاً، وأنشد: فَأَكْسَبَنِيْ مَالاً وَأَكْسَبْتُه حَمْدا(١) وحكى أبو عبد الله بن القزاز أن كسب حرف نادر؛ يقال: كسبت المال وكسبته غيري، ولا يقال: أكسبت، وحكى الهروي: كسبت مالاً وكسبته زيداً، كان # يكسب وحكي عن ثعلب وابن الأعرابي: أكسبت زيداً مالاً. ومعناه: أنه عليه الصلاة والسلام كان يكسب الناس(٢) ما لا يجدونه من معدومات الفوائد والفضائل، وهذا المعدوم. (١) أنشده ابن الأعرابي، كما في تاج العروس (كسب). (٢) ساقط من (ع). ٣٧٩ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِيْنُ على نوائبِ الحَقِّ. فانطلقتْ به خديجةُ حتَّی أتتْ به وَرَقَّةً بِنَ نَوْفِلٍ بن أَسدِ بن عَبْدِ العُزَّى. وهو ابنُ عمِّ خديجةَ، أخي أبيها، وكانَ امرأَ تَنَصَّرَ في الجاهليةِ، وكانَ يكتبُ الكِتَابَ العربيَّ، ويكتبُ من الإنجيلِ بالعربيَّةِ ما شاءَ الله أنْ يكتبَ، وكانَ شيخاً كبيراً قد عَمِيَ. فقالتْ له خديجةُ: أَيْ عَمّ! اسمعْ من ابن أخيكَ. قالَ ورقةُ بنُ نَوفَلٍ: يا بنَ أخي! مَاذَا تَرى؟ فأخبرَه رسولُ اللهِوَ خَبَرَ مَا رَآهُ. فقالَ له ورقةُ: هذا النَّاموسُ الذي أُنزلَ على مُوسى، يَا ليتني فيها جَذَعاً، يا ليتني أكونُ حَيّاً حين أولى في وَصْفه مِن قول مَن قال: إنَّ خديجةَ مدحته باكتسابٍ المال الكثير الذي لا یجده غیرہ، ولا یقدرُ علیه. و (قول ورقة: هذا الناموس) قال أبو عبيد في مُصنّفه: هو جبريلُ ماجاء على عليه السلام، قال الهروي: وسُمِّي جبريل: ناموساً؛ لأن اللهَ خصَّه بالوحي، وعلم وزن فاعول الغيب، وقال المطرز: قال ابن الأعرابي: لم يأتِ في الكلام فاعول لام الفعل سين ولامه سین. إلا الناموس: وهو صاحبُ سِرّ الخير، والجاسوس: وهو صاحبُ سِرّ الشر، والجاروس: الكثير الأكل، والفاعوس: الحية، والبابوس: الصبي الرضيع، والراموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والفاطوس: دابة يُتشاءم بها، والفانوس: النَّمَّام، والجاموس: ضَرْب من البقر. قال ابن دُريد في ((الجمهرة)): جاموس أعجمي، وقد تكلّمت به العرب، وقال غيره: الحاسوس بالحاء غير معجمة: من تحسسه بمعنى الجاسوس. وقال ابنُ دريد: الكابوس: هو الذي يقعُ على الإنسان في نومه، والنّاموس: موضعُ الصّائد، وناموس الرّجل: صاحبُ سِرّه، وفي الحديث: (ناعوس البحر))(١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: يا ليتني فيها جذعاً) فـ: (فيها) عائدٌ على النبوة، يريد مدّتها، تمنّى (١) سيأتي في التلخيص في كتاب الجمعة برقم (٧٤٠). ٣٨٠ (١) كتاب الإيمان - (٥٣) باب: كيف كان ابتداء الوحي يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فقالَ رسولُ اللهِ: ((أَو مُخْرِجِيَّ هُم؟!)) قالَ وَرَقَةُ: نعم. لم يأتِ رجلٌ قَطَّ بما جِئْتَ به إِلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يومُّكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً). وفي روايةٍ: ((فواللهِ لا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَداً). نصرته في مدّة نبوته، و (جذعاً) كذا صحّت الرواية فيه، وعند ابن ماهان: ((جذع)) مرفوعاً على خبر ليت، وكذا هو في البخاري. ونصبه من أحد ثلاثة أوجه: أولها: أنه خبر كان مقدّرة، أي: يا ليتني أكون فيها جذعاً. وهذا على رأي الكوفيين، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] أي: يكن خيراً لكم. ومذهبُ البصريين أن (خيراً) إنما انتصبَ بإضمار فعلٍ دلّ عليه (انتهوا)) والتقدير: انتهوا وافعلوا خيراً، وقال الفراء: هو نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: انتهوا انتهاءً خيراً لكم. وثانيها: أنه حال، وخبر ليت في المجرور، فيكون التقدير: ليتني كائن فيها، أي: مدة النبوة في هذه الحال. وثالثها: أن يكون (ليت) أعملت عمل (تمنيت) فنصبت اسمين، كما قاله الکوفیون، وأنشدوا علیه: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعا(١) وهذا فيه نظر. و (قوله: أنصرك نصراً مؤزراً) كذا رويناه بالزاي المفتوحة والراء المهملة (١) رجز للعجاج، وهو في الكتاب لسيبويه (٢٨٤/١)، والمغني (٥٢٢)، واللسان مادة (ليت).