Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ : (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ والسلام: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه))(١)، لا يقال هذه المؤاخذة هنا إنما كانت لأنه قد عملَ بما استقرّ في قلبه من حَمْله السِّلاح عليه لا بمجرد حرص القلب، لأنّا نقولُ: هذا فاسد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد نصّ على ما وقعت المؤاخذةُ به وأعرض عن غيره، فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، فلو كان حمل السلاح هو العلّة للمؤاخذة أو جزأها لما سكت عنه، وعلق المؤاخذة على غيره، لأن ذلك خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه، وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدّثين والمتكلِّمين، ولا يُلتفت إلى مَن خالفهم في ذلك، فزعم: أن ما يهمّ به الإنسانُ وإن وطّن نفسه عليه لا يُؤاخذ به. مُتمسِّكاً في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهُ، وَهَمَّ يِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما لم يعمل أو يتكلّم به))، ومن لم يعمل بما عزم عليه، ولا نطق به، فلا يُؤاخذ به، وهو مُتجاوز عنه، والجواب عن الآية: أن من الهمّ ما يُؤاخذ به، من الهم ما وهو ما استقرّ واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر، فلا يُؤاخذ بها، كما يؤاخذ به. شهد به الحديث وما في الآية من القسم الثاني لا الأول. وفي الآية تأويلات: هذا أحدها، وبه يحصل الانفصال وعن قوله: (ما لم يعمل) أن توطينَ النفس عليه عملٌ يُؤاخذ به، والذي يرفع الإشكال؛ ويبين المرادَ بهذا الحديث حديثُ أبي كبشة الأنماري - واسمه: عمر بن سعد على ما قاله خليفة بن خياط - أنه سمع رسولَ الله ◌َ ﴿ يقول: ((إنما الدّنيا لأربعة نفر ... )) (٢) الحديث إلى آخره، وقد ذكرناه. (١) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، والنسائي (١٢٥/٧)، وابن ماجه (٣٩٦٤) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (٢) رواه أحمد (٢٣١/٤)، والترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨). --- ٣٤٢ (١) كتاب الإيمان - (٤٢) باب: ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة (٤٢) باب ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة [١٠١] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((قالَ الله تعالى: إذا تحدَّثَ عبدِي بأنْ يعملَ حسنةً فأنا أكتبُها له حسنةً ما لم يعملْ، فإذا عَمِلَها فأنَا أكتبُها له بعشرِ أَمْثَالِها. وإذَا تحدَّثَ بأن يعملَ سيئةً فأنا أغفرُها له ما لم يعملْها، فإذا عَمِلَها فأنا أكتبُها له بمثلِهَا». وقالَ رسولُ الله وَّهِ: ((قالتِ الملائكةُ: ربِّ ذاكَ عبدُكَ يُريدُ أنْ يعملَ سيئةً - وهو أبصر به - فقالَ: ارقبُوه. فإنْ عَمِلَها فاكتبوها له بمثلِها، وإن تركَها فاكتبوها له حسنةً، إنما ترَكَها مِنْ جَرَّايَ)». [(٤٢) ومن باب: ما يهمّ به العبد من الحسنة والسيئة](١) (قوله: ((قالت الملائكةُ: ربّ ذاك عبدك يريد أن يعملَ سيئة (وهو أبصر)))) الحفظة تكتب به قال الطبري (٢): فيه دليلٌ على أن الحَفَظَة تكتبُ أعمالَ القلوب، خلافاً لمن قال: أعمال القلوب. إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة. و (قوله: ((إنما تركها من جرَّايَ))) أي: من أجلي. وفيه لغتان: المد والقصر. ومنه الحديث: ((إنّ امرأةً دخلتِ النارَ من جرّاء هرة)) (٣) أي: من أجل، وهي مشدّدة الراء في اللغتين وقد خففت معهما. ومقصودُ هذا اللفظ: أن التركَ للسيئة لا يُكتب حسنة إلا إذا كان خوفاً من الله تعالى، أو حياءً من الله، وأيّهما كان الترك السيئة خوفاً من الله یکتب حسنة. (١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، وأثبتناه من تلخيص مسلم. (٢) في (ع): الدّار قطني. (٣) رواه مسلم (٢٦١٩). 1 ٣٤٣ (١) كتاب الإيمان - (٤٢) باب: ما يهم به العبد من الحسنة والسيئة وقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا أحسنَ أحدُكم إسلامَه فكلُّ حسنةٍ يعملُها تكتبُ بعشرٍ أمثالها إلى سبعمئةِ ضعفٍ. وكلُّ سيئةٍ يعملُها تُكتبُ بمثلِها حتَّى يَلقَى اللهَ عزَّ وجلَّ)). وفي رواية: ((إذا هَمَّ)) مكانَ ((إذا تحدَّثَ)). رواه أحمد (٣١٥/٢)، ومسلم (١٢٩). فذلك الترك هو التوبةُ من ذلك الذنب، وإذا كان كذلك؛ فالتوبةُ عبادةٌ من العبادات إذا حصلت بشروطها أذهبت السيئات، وأعقبت الحسنات. وقوله تعالى: ((إنما تركها من جرَّايَ)) إخبار منه تعالى للملائكة بما لم يعلموا الملائكة من إخلاص العبد في الترك، ومن هنا قيل: إنَّ الملائكةَ لا تطلع على إخلاص لا تطلع على العبد، وقد دلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة عن النبي ◌َّآ، إخلاص العبد. وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: ((قال اللّهُ عزَّ وجل هو سرّ من سرّي استودعته قلبَ مَن أحببتُ من عبادي))(١)، والحديث الآخر الذي يقول الله فيه للملائكة التي تكتب الأعمال حين تعرضها عليه: ((ضَعُوا هذا! واقبلوا هذا! فتقول الملائكةُ: وعزّتك ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله: إنَّ هذا كان لغيري، ولا أقبلُ من العمل إلا ما ابْتُغِي به وجهي))(٢). (١) قال العراقي: رويناه في جزء من مسلسلات القزويني. وفيه أحمد بن عطاء وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك. ورواه أبو القاسم القشيري في الرسالة من حديث علي ابن أبي طالب بسند ضعيف. (إتحاف السادة المتقين ٤٣/١٠). (٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٥٠/١٠): رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار، والبيهقي في الشعب (٦٨٣٦). ٣٤٤ (١) كتاب الإيمان - (٤٣) باب: استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان (٤٣) باب استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان والأمر بالاستعاذة عند وقوعها [١٠٢] عن أبي هريرة، قالَ: جاءَ نَاسٌ مِن أصحابِ النبيِّ وَّلـ فسألُوه: إنَّا نجدُ في أَنْفُسِنا ما يَتعاظَمُ أحدُنا أنْ يتكلَّمَ به. قال: ((وقدْ وَجَدْتُمُوهُ؟)) قالُوا: نعم. قال: ((ذاكَ صَرِيْحُ الإِيمانِ)). رواه أحمد (٤٤١/٢)، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٤). [١٠٣] وعن عبد الله، قالَ: سُئِلَ النبيُّ وَّهِ عِن الوَسْوَسَةِ، فقالَ: ((تلكَ مَخْضُ الإنْمانِ)). رواه مسلم (١٣٣). (٤٣) ومن باب: استعظام الوسوسة والنّفرة منها خالص الإيمان (قوله: ((وقد وجدتموه))؟) كذا صحّت الرواية: وقد بالواو. ومعنى الكلام: الاستفهام على جهة الإنكار والتعجّب، فيحتملُ أن تكونَ همزةُ الاستفهام محذوفةً والواو العطف، فيكون التقديرُ: أو قد وجدتموه؟ ويحتملُ أن تكونَ الواو عوضَ الهمزة كما قرأ قُنْبُل عن ابن كثير: (قال فرعون وآمنتم به). قال أبو عمرو الدّاني: هي عِوَض من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها، والضمير في (وجدتموه) عائدٌ على التّعاظم الذي دلّ عليه يتعاظم. و (الصّريح والمحض): الخالص الصافي، وأصله في اللَّبَن. ومعنى هذا الحديث: أن هذه الإلقاءات والوساوس التي تلقيها الشياطينُ في صُدور المؤمنين الوساوس الشيطانية. ٣٤٥ (١) كتاب الإيمان - (٤٣) باب: استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان [١٠٤] وعن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسول الله وَله: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أحدَكُم فيقولُ: مَنْ خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتى يقولَ له: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بلغَ ذلكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ ولْيَنْتَهِ». ! تنفرُ منها قلوبهم، ويعظم عليهم وقوعُها عندهم، وذلك دليلُ صحّةِ إيمانهم ويقينهم ومعرفتهم بأنها باطلة، ومن إلقاءات الشّيطان(١)، ولولا ذلك لركنوا إليها، ولقبلوها ولم تعْظَمْ عندهم، ولا سمّوها وسوسة، ولمَّا كان ذلك التعاظمُ وتلك النَّفْرةُ عن ذلك الإيمانَ؛ عبّر عن ذلك بأنه خالصُ الإيمان، ومحض الإيمان، وذلك من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان منه بسبب. و (قوله: ((فليستعذ بالله ولينته))) لمّا كانت هذه الوساوسُ من إلقاء الشيطان الاستعاذة بالله ولا قوّة لأحدٍ بدفعه إلا بمعونة الله وكفايته أمر بالالتجاء إليه، والتّعويل في دفع من وساوس ضرره عليه، وذلك معنى الاستعاذة على ما يأتي، ثم عقب ذلك بالأمر بالانتهاء عن الشيطان. تلك الوساوس والخواطر، أي: عن الالتفات إليها والإصغاء نحوها، بل يعرضُ عنها، ولا يبالي بها، وليس ذلك نَهْياً عن إيقاع ما وقعَ منها، ولا عن أَلَّاُ يقعَ منه؛ لأن ذلك ليس داخلاً تحت الاختيار ولا الكَسْب، فلا يكلّف بها، والله أعلم (٢). و (قوله في الحديث الآخر: ((قل آمنت بالله))) أمرٌ بتذكّر(٣) الإيمان الشّرعي، أدويةٌ للقلوب. واشتغال القلب به لتمحى تلك الشّبهات، وتضمحل تلك التُّرَّهات. وهذه كلّها أدويةٌ للقلوب السَّليمة الصَّحيحة المستقيمة التي تَعْرِضُ التُّرَّهات لها، ولا تمكثُ فيها، فإذا استُعْمِلَت هذه الأدويةُ على نحو ما أمر به بقيت القلوبُ على صحّتها، وانحفظت سلامتُها، فأما القلوبُ التي تمكّنت أمراضُ الشُّبَه فيها، ولم تقدر على (١) في (ع): الشياطين. (٢) في (م): والله أعلم بغيبه وأحكم. (٣) في (ط): تذكير. - ٣٤٦ (١) كتاب الإيمان - (٤٣) باب: استعظام الوسوسة والنفرة منها خالص الإيمان وفي روايةٍ: ((فليقلْ آمنتُ باللهِ». رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داود (٤٧٢١) و (٤٧٢٢). دَفْع ما حلّ بها بتلك الأدوية المذكورة فلا بُدَّ من مشافهتها بالدَّليل العقلي، والبرهان القطعي، كما فعل النّبي ور مع الذي خالطته شبهة الإبل الجُرب حين قال النبيُّ ◌َ: ((لا عَذوى)) فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فإذا دخل فيها البعيرُ الأجرب أجربها؟ فقال النبي ◌َّ: ((فمنْ أعدى الأول))(١) فاستأصل الشبهة من أصلها. وتحريرُ ذلك على طريق البرهان العقلي أن يقال: إن كان الداخلُ أجربها فمن أجربه، فإن كان أجْرَبَهُ بعيرٌ آخر كان الكلامُ فيه کالكلام التسلسل والدور في الأول، فإما أن يتسلسلَ أو يدور، وكلاهما مُحال، فلا بُدَّ أن نقفَ عند بعيرٍ كلاهما محال. أجربه اللهُ من غير عدوى، وإذا كان كذلك فاللهُ تعالى هو الذي أجربها كلّها، أي: خَلَق الجربَ فيها، وهذا على منهاج دليل المتكلّمين على إبطال عِلَل وحوادث لا أوّل لها على ما يُعرف في كتبهم. و (الوسوسة) وزنها: فَعْلَلة، وهي صيغة مُشْعِرة بالتحرّك والاضطراب، كالزّلزلة، والقلقلة، والحقحقة؛ وأصل الوسوسة: الصّوت الخفي، ومنه سُمِّي صوتُ الحلي: الوسواس. (١) رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠)، وأبو داود (٣٩١١ و٣٩١٢ و ٣٩١٣ و ٣٩١٤ و٣٩١٥). ٣٤٧ (١) كتاب الإيمان - (٤٤) باب: إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه (٤٤) باب إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه [١٠٥] عن أبي أُمامةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَلِ قالَ: مَنِ اقتطعَ حقَّ امرىءٍ مسلم بيمينهِ، فقد أوجبَ اللهُ له النَّارَ، وحَرَّمَ عليه الجنَّةَ)) فقالَ له رجلٌ: وإنْ كَانَ شيئاً يَسِيْراً؟ يا رسولَ الله! قال: ((وإنْ كانَ قَضِيْباً مِنْ أَرَاكِ». رواه أحمد (٢٦٠/٥)، ومسلم (١٣٧)، والنسائي (٢٤٦/٨). [١٠٦] وعن عَلْقَمَةَ بن وَائلٍ، عن أبيهِ، قالَ: جاءَ رجلٌ من حَضْرَمَوْتَ، ورجلٌ مِن كِنْدَةَ، إلى النبيِّ ◌َِ﴿؛ فقالَ الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا قد غَلبني على أرضٍ لي كَانتْ لأبي. قال الكِنْدِيُّ: (٤٤) ومن باب: إثم من اقتطع حقّ امرىء بيمينه (اقتطع) من القطع، وهو الأخذُ هنا، لأنّ مَن أخذ شيئاً لنفسه فقد قطعه عن مالكه. و (قوله: ((فقد أوجب اللهُ له النار))) أي: إن كان مستحِلاً لذلك، فإن كان غيرَ مُسْتَحِلّ؛ وكان ممن لم يغفر اللهُ له فيعذّبه اللهُ في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرم عليه الجنة. ثم يكونُ حاله كحال أهل الكبائر من الموحّدين، على ما تقدّم. ويُستفاد من هذا الحديث أن اليمينَ الغموسَ لا يَرْفَعُ إِثْمَها الكفّارة، بل هي اليمين أعظمُ مِن أن يكفّرها شيء كما هو مذهبُ مالك على ما يأتي في الأيمان إن شاء الغموس. الله تعالى. و (قوله: ((إن هذا قد غلبني على أرضٍ لي كانت لأبي))) وفي الرواية الأخرى: ((انتزى)) بمعنى غلب. وهو من النزو، وهو الارتفاع، وهو دليلٌ: على ٣٤٨ (١) كتاب الإيمان - (٤٤) باب: إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه هي أرضٌ في يدي أزرعُها، ليس له فيها حَقٌّ. فقال النبيُّ ◌َّ للحضرميِّ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟)) قالَ: لا. قال: ((فلكَ يمينُهُ)) قال: يا رسولَ الله! لا يلزم المدعي أن المدعي لا يلزمه تحديدُ المدعى به إن كان ممّا يحدّ، ولا أن يصفَه بجميع تحديد المدعى أوصافه، كما يوصف [المسلّم فيه، بل يكفي من ذلك أن يتميّز المدّعى به تمييزاً به. تنضبط به الدّعوى، وهو مذهبُ مالك، خلافاً لما ذهبت الشافعية إليه، حيث ألزموا المدعي أن يصف المدعى به] (١) بحدوده وأوصافه المعينة التّامة، كما يُوصف المُسلّم فيه، وهذا الحديثُ حُبَّة عليهم، ألا ترى أنه وَلير لم يكلّفه تحديد الأرض ولا تعيينها، بل لما كانت الدعوى متميزةً في نفسها اكتفى بذلك. وظَاهِرُ هذا الحديث أن والدَ المدّعي قد كان توفي، وأن الأرضَ صارت للمدعي بالميراث، ومع ذلك فلم يطالبه النبيُّ ◌َّه بإثبات الموت ولا بحصر الورثة، فيحتمل: أن يقال: إن ذلك كان معلوماً عندهم، ويحتمل: أن يقال: لا يلزمه إثبات شيء من ذلك ما لم يناكره خصمه، والله أعلم. وفيه دليل على أن من نسب خصمه إلى الغَصْب حالةَ المحاكمة، لم ينكر الحاکمُ علیه إلا أن یکونَ المقولُ له ذلك لا يليقُ به. و (قوله: ((هي أرضي في يدي أزرعُها ليس له فيها حقّ))) دليلٌ على أنَّ المدّعى فيه لا يُتزع من بد المدّعى فيه لا يُنتزع من يد صاحب اليد لمجرّد الدعوى، وأنه لا يُسأل عن سبب یده، ولا عن سبب ملكه. صاحب اليد لمجرّد الدعوى. و (قوله للحضرمي: ((ألك بينة)) وفي الطريق الأخرى: ((شاهداك أو يمينه)) يلزم المدعي دليلٌ على أن المدعي يلزمه إقامة البينة، فإن لم يقمها حَلَف المدّعي عليه، وهو إقامة البيئة وإلا أَمْرٌ متفق عليه، وهو مستفادٌ من هذا الحديث، فأمَّا ما يُروى عن النَّبِي وَلِّ من حَلَفَ المَدَّعى عليه. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). أ ٠ ٣٤٩ (١) كتاب الإيمان - (٤٤) باب: إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه إنَّ الرجلَ فاجرٌ، لا يُبالي على ما حلفَ عليه، وليس يَتَوَرَُّ مِن شيءٍ. فقال: ((ليسَ لكَ منه إلا ذلكَ)) فانطلقَ ليحلفَ. فقال رسولُ الله وَّتِه. ..... قوله: ((البينة على المدعي، واليمينُ على من أنكر))(١) فليس بصحيح الرواية لأنه يدور على مسلم بن خالد الزنجي ولا يحتج به(٢)، لكنّ معنى متنه صحيحٌ بشهادة الحديث المتقدّم له، وبحديث ابن عباس الذي قال النبيُّ ◌َّ فيه: ((ولكن اليمينَ على من أنكر))(٣)؛ وفيه حُجَّة لمن لا يشترط الخلطة في توجّه اليمين على المدعى هل تشترط عليه، وقد اشترط ذلك مالك، واعتذر له عن هذا الحديث بأنها قضية في عين، الخلطة في توجه الیمین ولعلّه ◌َلقر علم بينهما خلطة فلم يطالبه بإثباتها، والله تعالى أعلم. على المذَّعى و (قوله: ((إن الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه وليس يتورّع من شيء))) عليه. الفاجر: هو الكاذب، الجريء على الكذب. والورع: الكفّ، ومنه قولهم: روّعوا اللص ولا تورعوه، أي: لا تنكفّوا عنه. وظاهر هذا الحديث أنَّ ما يجري بين ما يجري بين المتخاصمين في مجلس الحكم من مثل هذا السَّبِّ والتقبيح جائز، ولا شيء فيه، المتخاصمين إذا لم ينكر ذلك النبي ◌َّ، وإلى هذا ذهب بعضُ أهل العلم، والجمهورُ لا يجيزون من السب في شيئاً من ذلك، ويرون إنكارَ ذلك، ويؤدبون عليه تمسّكاً بقاعدة تحريم السّباب مجلس الحكم. والأعراض، واعتذروا عن هذا الحديث بأنه مُحتملٌ لأن يكونَ النبيُّ وَّهِ عَلِم أن المقولَ له ذلك القول كان كما قيل له، فكان القائلُ صادقاً، ولم يقصد أذاه بذلك، وإنما قَصَدَ منفعةً يستخرجها، فلعلّه إذا شنع عليه فقد ينزجر بذلك فيرجع به للحق، ويحتمل أن يكونَ النبيُّ ◌َ ﴿ تركه ولم يزجره؛ لأنَّ المقولَ له لم يطلب حقّه في ذلك، والله أعلم. (١) رواه الترمذي (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٢) في هامش (م): في تقريب التهذيب: صدوق كثير الأوهام، من الثامنة، مات (١٧٩ هـ) أو بعدها. (٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢٥٢/١٠). - ٣٥٠ (١) كتاب الإيمان - (٤٤) باب: إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه لمَّا أدَبَر: ((أَمَا لَئِنْ حلفَ على مَالِهِ ليأكلَه ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عنه مُعْرِضٌ)). رواه مسلم (١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥)، والترمذي (١٣٤٠). [١٠٧] ومن حديثٍ عبد الله بن مسعودٍ، قالَ رسولُ اللهِوَ له: ((مَنْ و (قوله: ((شاهداك أو يمينه)) دليلٌ على اشتراط العدد في الشّهادة، وعلى اشتراط العدد في الشهادة. انحصار طرق الحجاج في الشّاهد واليمين ما لم ينكلِ المدعى عليه عن اليمين، فإن نكل حَلَف المدعي، واستحقّ المدّعى فيه، فإن نكلَ فلا حُكْم، ويُترك المدعى فيه في يد مَن كان بيده، وسيأتي القولُ في الشَّاهد واليمين. و (قوله: ((لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عنه مُعْرِض)) أي: إعراض الغضبان، كما قال في الحديث الآخر: ((وهو عليه غَضْبان))، وقد تقدَّم القولُ في غضب الله تعالى وفي رضاه، وأنَّ ذلك محمولٌ إما (١) على إرادة عقاب المغضُوب عليه، وإبعاده وإرادة إكرام المرضي عنه، أو على ثواب تلك الإرادة، وهو الإكرام أو الانتقام، وفيه دليلٌ على نَذْبيّة وَعْظ المُقْدِم على اليمين. ندبية وَعْظ المُقدم على الیمین. مواضع حلف و (قوله: «فانطلق لیحلف» دلیلٌ علی أن الیمینَ لا تُبذل أمام الحاکم، بل لها موضعٌ مخصوص، وهو أعظمُ مواضع ذلك البلد كالبيت بمكة، ومنبر النّبِي وَّ بالمدينة، ومسجد بيت المقدس، وفي المساجد الجامعة من سائر الأمصار، لكنّ الیمین. لا تُحلف اليمين ذلك فیما لیس بتافه، وهو ممّا لا تُقطع فیه یدُ السّارق، وهو أقلُّ من ربع دینار عند على ما هو مالك، فيحلف فيه حيث كان مستقبل القبلة، وفي ربع الدينار فصاعداً لا يحلف إلا تافه. في تلك المواضع، وخالفه أبو حنيفة في ذلك فقال: لا تكون اليمينُ إلا حيثُ كان إذا حلف الحاكم. وظاهِرُ هذا الحديث: أن المدّعى عليه إذا حَلَفَ انقطعت حجَّةُ خصمه، المدَّعى عليه وبقي المدعى فيه بيده وعلى مُلْكه في ظاهر الأمر، غير أنه لا يحكمُ له الحاكمُ بملك ذلك، فإن غايته أنه جائز ولم يجدّ ما يزيله عن حوزه، فلو سأل المطلوب تعجيز الطالب؛ بحيث لا تبقى له حجّة؛ فهل للحاكم تعجيزه وقطع حجّته أم لا؟ قولان: بالنفي والإثبات. وفي هذا الحديث أبواب من عِلْم القضاء لا تخفى. انقطعت حجّة المدّعي. (١) ساقط من (ع). ٣٥١ (١) كتاب الإيمان - (٤٤) باب: إثم من اقتطع حق امرىء بيمينه حَلَفَ على يَمِينِ صَبْرٍ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مُسْلم، هُو فيها فَاجِرٌ، لقيَ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ)) فنزلتْ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِلًا ... ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧]. وفي أخرى؛ فقال: ((شَاهِداكَ أو يمينُه)). وفي أخرى: أن الكِنديَّ هو امرؤ القيس بنُ عَابِس، وخصمه ربيعةُ بن عِبْدَان. ويُقال ابن عِبْدَان. رواه أحمد (٤٢٦/١)، والبخاري (٦٦٧٦)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذي (٢٩٩٩)، وابن ماجه (٢٣٢٣). و (قوله: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]) عهد الله: هو ميثاقُه، وهو إيجابُه على المكلّفين أن يقوموا بالحقّ ويعملوا بالعدل، والأيمان: جمع يمين، وهو الحلفُ بالله تعالى. ويشترون: يعتاضون، فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعاية العُهود والأيمان في شيء قليلٍ حقيرٍ من عَرَض الدُّنيا. والخلاق: الحظ والنّصيب، ولا يكلّمهم: أي: بما يسرّهُم، إذ لا يكلمهم إعراضاً عنهم، واحتقاراً لهم، ولا ينظر إليهم نظرَ رَحْمة، ولا يُزُكُيهم؛ أي: لا يثني عليهم كما يُثني على مَن تزكّى، وقيل: لا يطهّرهم من الذّنوب. والأليم: الموجع الشّديد الألم، وقد تقدّم القولُ على يمين صبر. و (قوله: ((إن الكنديَّ هو امرؤ القيس بن عابس، وخصمه: ربيعة بن عِبْدان))) عابس: بالباء، بواحدة من تحتها، بالسّين المهملة، وعبدان: بكسر العين المهملة، وباء بواحدة هي رواية زهير، وقال أحمدُ بنُ حنبل: عَيدان بفتح العين المهملة وياء باثنتين من تحتها، وهو الصواب عند النقّاد(١) كالدّار قطني، وابن ماكولا، وأبي علي الغساني. (١) ساقط من (م). ٣٥٢ (١) كتاب الإيمان - (٤٥) باب: من قتل دون ماله فهو شهيد (٤٥) باب مَنْ قُتِل دون ماله فهو شهيد [١٠٨] عن أبي هريرة، قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله وَِّ، فقالَ: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يُريدُ أخذَ مَالي؟ قال: ((فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قالَ: أرأيتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قال: ((قَاتِلْهُ)) قالَ: أرأيتَ إنْ قَتَلِي؟ قالَ: ((فَأَنتَ شَهِيْدٌ)) قال: أرأيتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)). رواه مسلم (١٤٠)، والنسائي (١١٤/٧). (٤٥) ومن باب: مَن قُتِل دون ماله فهو شَهِيد (دون)) في أصلها ظرف مكان، بمعنى: أسفل، وتحت، وهو نقيضُ فوق. وقد استُعْمِلَتْ في هذا الحديث بمعنى لأجل السّببية، وهو مجاز وتوسّع، ووجهه: أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعلُه خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه. لِمَ سُمِّي الشهيد والشهيد سُمِّ بذلك: لأنه حيّ، فكأنه يشاهدُ الأشياء، قاله النّضر بن شميل، وقال بذلك؟ ابنُ الأنباري: سُمِّي بذلك: لأنَّ اللهَ تعالى وملائكته شهدوا له الجنة. وقيل: لأنه يشهدُ يوم القيامة مع النبي﴿. وقيل: لأنه يشاهدُ ما أعدَّ الله له من الكرامة، كما قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. و (قوله: ((لا تعطه مالك وقاتِلْه))) دليلٌ على أنّ المحارِبَ لا يجوزُ أن يُعطي شيئاً له بالٌ من المال إذا طلبه على وجه الحرابة ما أمكن، لا قليلاً ولا كثيراً، وأنَّ قتال المحارب المحارِبَ يجبُ قتاله، ولذلك قال مالك: قتالُ المحاربين جهاد. وقال من الجهاد. ابنُ المنذر: عوام(١) العلماء على قتال المحارب على كلّ وجه، ومدافعته عن المال والأهل والنفس. (١) ((عوام)): جمهور وجماعة. ٣٥٣ (١) كتاب الإيمان - (٤٦) باب: من استُرْعِيَّ رعيةً فلم يجتهد ولم ينصح لهم لم يدخل الجنة [١٠٩] وعن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: «مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهِيْدٌ». رواه أحمد (١٦٣/٢ و٢٠٦ و٢١٧)، ومسلم (١٤١). (٤٦) باب من استُرْعِيَ رعية فلم يجتهد ولم ینصح لهم لم يدخل الجنة ومن نَمَّ الحديث لم يدخل الجنة [١١٠] عن مَعْفِلٍ بن يَسَار، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((مَا مِن عَبْدٍ يَسترعيه اللهُ رَعِيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ». قال المؤلف - رحمه الله -: واختلف مَذْهَبُنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام فهل يعطونه أو لا؟ على قولين. وذكر أصحابُنا أنَّ سَبَب الخلافَ في ذلك هو هل الأمرُ بقتالهم من باب تغيير المنكر فلا يعطون ويقاتلون؟ أو هو من باب دَفْع الضّرر؟ وخرجوا من هذا الخلافِ في دُعائهم قبل القتال. هل يُدْعَوْن قبله(١) أم لا؟. (٤٦) ومن باب: من استُرعي رعيةً فلم يَنْصَح لهم (قوله: ((ما من عبدٍ يسترعيه اللهُ رعية))) الحديثُ هو لفظ عام في كلّ من كُلِّف حِفْظ غيره، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((كلُّكم راع وكلُّكم مسؤولٌ عن (١) في (ع): له. ٣٥٤ (١) كتاب الإيمان - (٤٦) باب: من استُرْعِيَّ رعيةً فلم يجتهد ولم ينصح لهم لم يدخل الجنة وفي رواية: ((مَا مِن أميرٍ يَلي أمرَ المسلمينَ، ثمَّ لا يَجْهَدُ لهم ولا ينصحُ إِلَّ لم يدخلْ معَهم الجنََّ». رواه أحمد (٢٥/٥ و ٢٧)، والبخاري (٧١٥٠)، ومسلم (١٤٢). [١١١] وعن هَمَّام بنِ الحَارثِ، قالَ: كانَ رجلٌ ينقلُ الحديثَ إلى الأمير. قالَ: فجاءَ حتَّىَ جلسَ إلينَا، فقالَ حُذَيْفَة: سمعتُ رسولَ الله وَله يقولُ: ((لا يَدْخُلُ الجنَّةَ قَتَّاتٌ)). وفي رواية: ((نَمَّامٌ)). رواه أحمد (٣٨٢/٥ و٣٨٩ و٣٩٧ و٤٠٣ و٤٠٤)، والبخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥)، وأبو داود (٤٨٧١)، والترمذي (٢٠٢٧). رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤولٌ عن رعيته)) (١) وهكذا الرجل في أهل بيته والولد والعبد. والرعاية: الحفظ والصِّيانة، والغشّ: ضدّ النَّصيحة، وحاصله راجعٌ إلى مَنْ ضيّع ما أُمِر الزَّجر عن أن يُضَيِّعَ ما أُمِر بحفظه، وأن يُقَصِّر في ذلك مع التمكُّن مِن فِعل ما يتعيّن بحفظه حرَّم الله عليه، وقد تقدَّم القولُ على قوله: ((حرم الله عليه الجنة))، وأن ذلك محمولٌ على عليه الجنة. ظاهره؛ إن كان مستحلاً، وإن لم يكن مستحلاً؛ فأحدُ تأويلاته: أنه إن أنفذَ الله عليه الوعيدَ أدخله النار آماداً، ومَنَعَهُ الجنة، وحرّمها عليه في تلك الآماد، ثم تكون حاله حال أهل الكبائر من أهل التَّوحيد على ما تقدَّم. و (قوله: ((لم يدخل معهم الجنة))) يُشير إلى صحّة(٢) ما ذكرناه: من أنه (١) رواه البخاري (٨٩٣)، ومسلم (١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٢) في (ع): مشيراً لصحّة، والمثبت من (م) و (ل). ٣٥٥ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب (٤٧) باب في رفع الأمانة والإيمان من القلوب وعرض الفتن عليها [١١٢] عَنْ حُذَيفةَ، قالَ: حدَّثنا رسولُ الله ◌ِوَهِ حَديثِينِ، قَدْ رأيتُ أحدَهُما، وأنا أنتظرُ الآخرَ. حدَّثنا: ((أنَّ الأمانةَ نزلتْ فِي جَذْرِ قلوبٍ الرِّجالِ، ثُمَّ نَزَلَ القرآنُ، فعَلِمُوا من القرآنِ وعَلِمُوا من السُّنَّةِ)). ثُمَّ حَدَّثَنَا لا يدخلُ الجنة في وقتٍ دون وقت، وهو تقييدٌ للّواية الأخرى المطلقة التي لم يُذكر فيها منعهم. و (قوله: ((لا يدخل الجنة قتات))) أي: نمّام، كما فسَّره في الرواية الأخرى. وفي الصّحاح: القتُّ: نَمُّ الحديث. والقَتِيتي(١) مثل الهجِّيري؛ النميمة. والنَّمَّام: هو الذي يرفعُ الأحاديث يقتتها(٢) على وجه المفسدة وإلقاء الشرور. قال ابنُ الأعرابي: القتات: هو الذي ينقل عنك ما تحدّثه وتستكتمه. والقساس: هو الذي یتسمّع علیکم ما تُحدِّث به غيره، ثم ينقله عنك. وفيه دليل: على أن الثَّميمةَ من الكبائر، وإنما كانت كذلك لما يترتَّبُ عليها النميمة من من المفاسد والشرور. الكبائر. (٤٧) ومن باب: رَفْعَ الأمانة والإيمان من القلوب (قوله: ((إنَّ الأمانةَ نزلت في جَذْر قلوب الرّجال))) جَذْر الشيء - بالجيم المفتوحة -: أصله، على قول الأصمعي، وحكى أبو عمرو كسرها. قال أبو عبيد: (١) ساقط من (ع). (٢) في (ل) و(م) و (ط): يغشيها، والمثبت من (ع). ومعنى يقتتها: يبلّغها مكذوبةً مع سُوء القول. ٣٥٦ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب عنْ رِفع الأمانةِ قالَ: ((يَنامُ الرَّجلُ النَّومةَ فتُقُبضُ الأمانةُ مِنْ قلبه، فيظَلُّ أثرُها مثل الوَكْتِ. ثمَّ ينامُ النَّوْمَةَ فتقبضُ الأمانةُ مِن قلبهِ، فيظلُّ أثرُها مِثْل المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رِجْلِكَ، فَتَفِطَ، فتراهُ مُنْتَبِراً وَليسَ فيهِ شيءٌ (ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله) فيُصْبحُ النَّاسُ يتبايعونَ، لا يكادُ أحدٌ يُؤدِّي الأمانةَ حتَّى يُقالَ: إنَّ في بني فُلانٍ رَجلاً أميناً. حتَّى يُقالَ للرَّجلِ: مَا القلوب الكاملة الجذر: الأصلُ من كلِّ شيء، ومعنى إنزالها في القلوب: أن اللهَ تعالى جَبَل مجبولة على القلوبَ الكاملة على القيام بحقّ الأمانة من حفظها، واحترامها، وأدائها القيام بحقّ الأمانة. لمستحقّها، وعلى النّفرة من الخيانة فيها، لتنتظمَ المصالحُ بذلك. لا لأنها حسنةٌ في ذاتها كما يقوله المعتزلة، على ما يُعرف في موضعه. والأمانة: كلُّ ما يُوكل إلى الإنسان حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، ومن هنا سُمِّي التكليفُ أمانةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى الََّوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] في قول كثير من المفسرين. تعريف الأمانة. والوَكْت: الأثر اليسير. يقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من الأرطاب: قد وكت، قاله الهروي، وقال صاحبُ العين: الوَكت بفتح الواو: نكتة في العين، وعين موکوتة، والوکت: سواد العين. والمجل: هو أن يكونَ بين الجلد واللحم(٢) ماء، يقال: مجلت يده، تمجل، مجلاً، بكسر الجيم في الماضي، وفتحها في المضارع. ومَجلت بالفتح في الماضي والكسر في المضارع، أي: تنفّطت من العمل. و (منتبراً)): منتفخاً، وأصله: الارتفاع، ومنه: انتبر الأمير؛ إذا صَعِد المنبر، (١) في (ل): العين. (٢) في (ع): العظم. ٣٥٧ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب أَجْلَدَهُ! ما أظْرَفَه! ما أعْقَلَهُ! وَمَا في قلبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ إيمانٍ». ولقدْ أتى عَلَيَّ زمانٌ وما أُبالي أَيَّكُم بايعتُ. لَئِنْ كان مُسلماً لَيَرَدنَّهُ عَلَيَّ دينُهُ، ولئنْ كانَ نصرانياً أو يهودِيّاً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ. وأمَّا اليومَ فما كنْتُ لأُبايعَ مِنْكُم إلا فُلاناً وفُلاناً. رواه أحمد (٣٨٣/٥)، والبخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣). وبه سُمِّي المنبر. ونبر الجرح: أي: ورم، والنّبر: نوع من الذباب يلسع، ومنه سُمّي الهمز: نبراً. وكلّ شيء ارتفع فقد نبر، وقال أبو عبيد: منتبراً: منتفطاً. ((ولا يكاد)»: أي: لا يقارب. ((وما أجلده)): أي ما أقواه. ((وما أظرفه)): أي: ما أحسنه، والظرف عند العرب في اللسان والجسم، وهو حسنهما. وقال ابن الأعرابي: الظرف في اللسان، والحلاوة في العين، والملاحة في الفم. وقال المبرّد: الظريفُ: مأخوذٌ من الظرف، وهو الوعاء. كأنه جُعِلٍ وعاء للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظرف، يظرف، ظرفاً، فهو ظريف وهم ظُرفاء، وإنما يقال في الفتيان والفتيات أهل الخفة. و (قوله: ((لا أبالي أيكم بايعت))) يعني: من البيع، لا من المبايعة، لأنَّ اليهودي والنصراني لا يبايع بيعة الإسلام ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانةَ اليهودي والنصراني قد رُفعت من النَّاس. فقلَّ من يُؤْمَن على البيع والشراء، وقد قدَّمنا: أن أصل لا يُبايع بيعة الفتنة: الامتحان والاختبار، ثم صارتْ في العُرْف عبارةً عن كلِّ أمرٍ كشفه الاختبارُ الإسلام. عن سوء. قال أبو زيد: فُتِن الرجل فتوناً؛ إذا (١) وقع في الفتنة، وتحوّل عن حال فتنة الأهل حسنةٍ إلى حال سيئة، والأهل والمال والولد أمورٌ يُمتحنُ الإنسانُ بها، ويُختبر والمال والولد. (١) في (ع): أي. --- ٣٥٨ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب [١١٣] وعنه، قال: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ. فقالَ: أيُّكم سمعَ رسولَ اللهِ وَه يذكرُ الفتنَ؟ فقالَ قومٌ: نحنُ سَمِعْناهُ. فقالَ: لعلَّكُم تَعْنُون فِتْنَةَ الرَّجلِ في أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالوا: أَجَلْ. قالَ: تِلْك تُكفِّرها الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقَةُ، وَلكنْ أَيُّكُمْ سمعَ النبيَّ : ﴿ يَذْكُرُ الفتنَ التي تموجُ موجَ البَحْرِ؟ قال حذيفة: فَأَسْكَتَ القَوْمُ. فقلْتُ: أنا. قالَ: أنت؟ لله أبُوكَ! قالَ حذيفةُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ل﴿ يقولُ: ((تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصِيْرِ عُوداً عُوداً. - عندها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] أي: محنةٌ تمتحنون بها حتى يظهرَ منكم ما هو خفيٌّ عمن يشكل عليه أمركم. و ((أجَلْ)) بمعنى نعم. و ((تموجُ موج البحر)) أي: تضطرب ويدفع بعضُها بعضاً، وكلّ شيء اضطرب فقد ماج، ومنه: ﴿ وَقَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوُ فِ بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]. ((وأسكتَ القومُ)) أي: أطرقوا. قال الأصمعي: سكت القوم: صمتوا، وأسكتوا: أطرقوا. وقال أبو علي البغدادي وغيره: سكت، وأسكت بمعنی: صمت. قال الهروي: ويكون سكت بمعنى سكن، ومنه: ﴿ وَلَمَّاسَكَتَعَن تُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وبمعنى انقطع؛ تقول العرب: جرى الوادي ثلاثاً ثم سكت، أي: انقطع، ويقال: هو السكوت والسكات، وسكت يسكت سكتاً وسكوتاً وسكاتاً. و (قوله: ((كالحصير عوداً عوداً)) قُد (١) ثلاث تقييدات: قيده القاضي الشهيد بفتح العين المهملة والذال المعجمة. وقيده أبو بحر سفيان بن العاصي بضم العين ودال مهملة، واختار أبو الحسين بن سراج فتح العين والدال المهملة، فمعنى التقييد الأول: سؤال الإعاذة، كما يقال: غفراً غفراً، أي: اللهم اغفر، اللهم اغفر. وأما التقييد الثاني فمعناه: أن الفتن تتوالى واحدة بعد أخرى كنسج (١) في (ع) و (ل): فيه، والمثبت من (م). ٣٥٩ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيهِ نكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أَنْكَرها نُكِتَ فِيهِ نُكْنَةٌ بيضاءُ. حتَّى تصيرَ على قلبين، على أبيضَ مثلِ الصَّفَا، فلا تَضُرُّهُ فِتنةٌ ما دامتِ السَّمواتُ والأرضُ. والآخَرُ أسْوَدُ مُرْباداً، كَالْكُوزِ مُجَخِّياً لا يَعْرِف معروفاً ولا يُنْكِرُ مُنكراً. إلا ما أُشْرِبَ مِنْ هواهُ». الحصير عوداً بإزاء عودٍ وشطبة (١) بإزاء شطبة، أو كما يناول مهيىء القضبان للناسج عوداً بعد عود. وأما التّقييد الثّالث؛ فمعناه قريب من هذا، يعني: أن الفتنة كلما مضت عادت، كما يفعل ناسجُ الحصير كلّما فرغَ من موضع شطبةٍ أو عود؛ عاد إلى مثله. والمعنى الثّاني أمكنُ وأليقُ بالتّشبيه، والله أعلم. و((أشربها)) أي: حلّت فيه محلّ الشّرب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أي: حبّه . و (قوله: ((على قلبين أبيض مثل الصّفا))) أي: قلب أبيض. فحذف الموصوفَ للعلم به، وأقام الصِّفَة مقامه، وليس تشبيهه بالصّفا من جهة بياضه، ولكن من جهة صَلابته على عقد الإيمان وسلامته من الخَلَل والفِتن، إذ لم يلصقْ به ولم يؤثّر فيه، كالصّفا وهو الحجرُ الأملسُ الذي(٢) لا يعلقُ به شيء، بخلاف القلب الآخر، الذي شبّهه بالكوز الخاوي، لأنّه فارغٌ من الإيمان، والأمانة. و (قوله: ((والآخر أسود مرباداً)) قيّد ثلاث تقييدات: مرباد: مفعال، من اربادّ، مثل: مصفار، من اصفارّ، وهو رواية الخشني عن الطّبري، ومربدّ: مثل مسود، ومحمر، من اربد واسودّ واحمرّ. وهو تقييدُ أبي مروان بن سراج، ومُرْبَئِدٌ بالهمز: قيّده العذري، وكأنه من اربأة - لغة -. وقال بعضُ اللغويين: احمرّ الشيء فإذا قوي قيل: احمارّ، فإذا زاد قيل: احمأرَّ بالهمز، فعلى هذا تكونُ تلك (١) ((الشطبة)): السَّعَفة الخضراء. والسعفة: وَرَقة النَّخل. (٢) ساقط من (ل). ٣٦٠ (١) كتاب الإيمان - (٤٧) باب: في رفع الأمانة والإيمان من القلوب قال حذيفة: وحَدَّثْتُهُ؛ أنَّ بينَك وبينَها باباً مُغلَقاً يُوشِكُ أن يُكْسَرَ. قالَ عمرُ: أَكَسْراً، لا أبَالَكَ! فلوْ أنَّه فُتِحَ لعلَّه كان يُعاد. قُلْتُ: لا، بلْ يُكْسَر. وحَدَّثْتُهُ؛ أنَّ ذلكَ البابَ رجلٌ يُقْتَلُ أوْ يموتُ. حَدِيثاً لیس بالأغاليط . قالَ أبو خالد: فقلتُ لسَعْدِ: يا أَبا مالكِ! ما أسودُ مُرْبَادًاً؟ قالَ: شِدَّةُ البياضٍ في سَوادٍ. قالَ: قُلْتُ: فما الكوزُ مُجَجِّياً؟ قالَ: منكوساً. رواه أحمد (٤٠٥/٥)، ومسلم (١٤٤). الروايات صواباً كلُّها. قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة: لون بين السواد والغَبرة. وقال ابن دريد: الرّبدة: الكذرة. وقال الحربي: هي لون النعام؛ بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه: اربد لونه؛ إذا (١) تغير ودخله سواد، وإنما سُمِّي النعام ربداً؛ لأن أعالي ريشها إلى السواد، وقال نفطويه: المربد: الملمّع بسواد وبياض، ومنه: تربّد لونه، أي: تلون فصار كلون الرماد. وقولُ سعد بن طارق لخالد الأحمر في تفسير مرباد: شدّة البياض في سواد، قال فيه القاضي أبو الوليد الكناني: هذا تصحیفٌ، وأری(٢) صوابه، شبه البياض في سواد، وذلك أنَّ شدَّةَ البياض في سواد لا تسمّى ربدة، وإنما يُقال لها بلق؛ إذا كان في الجسم، وحَوَر؛ إذا كان في العين، والربدة: إنما هي شيء من بياض يسير يخالطه السَّوادُ كلون أكثر النعام. و (قوله: ((كالكوز مُجَخِّياً))) قال الهروي: المجخّي: المائل. وجخى؛ إذا فتح عضديه في السجود وكذلك جخ، وقال شمر: جخى في صلاته؛ إذا رفع بطنه عن الأرض في السجود، وكذلك خوَّى، وقال أبو عبيد: المجخّى: المائل، ولا (١) في (ل): أي. (٢) في (م): وإن.