Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
(١) كتاب الإيمان - (١٨) باب: الإيمان يمان والحكمة يمانية
[٤٣] وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ◌ِصَلِّ: ((غِلَظُ
القُلوبِ، والجَفاءُ في المشرقِ، والإيمانُ في أهلِ الحِجَازِ».
رواه أحمد (٣٤٥/٣)، ومسلم (٥٣).
-
ذلك من مراتب أهل الدنيا. والخيلاء: ممدودة، وزنه عند سيبويه فُعَلاء، وهي
التكبر والتعاظم، يُقال: خال الرجل، يخول، فهو خال، وذو خال ومخيلة، ومنه
قول طلحة لعمر: إنا لا نخولُ عليك، أي: لا نتکېّر. ويقال: اختال، يختال، فهو
مختال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ ◌ُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]. و((أهل من هم أهل
الوبر)) يعني به: أهل ذات الوبر، وهي الإبل. والوبر للإبل كالصوف للغنم، الوبر؟
والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا
إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وهذا منه ، ﴿ إخبارٌ عن أكثر حال أهل الغنم وأهلِ الإبل
وأغلبه. ورأس الكفر: معظمه، ويريدُ أنَّ كثرةَ أهله ورياستهم هناك. والحجاز لِم سُمِّي
سُمِّي بذلك لحجزه بين نجد وتهامة، قاله القتبي. وقال ابن دريد: لحجزه بين نجد الحجاز بهذا
والسراة. قال الأصمعي: إذا انحدرتَ من ثنايا ذات عرق فقد أتهمتَ إلى البحر،
الاسم؟
فإذا استقبلك الحرار فذلك الحجاز. وسُمِّت بذلك لأنها حُجِزت بالحرار
الخمس(١). وقيل: حدّ الحجاز من جهة الشام شعب، ومما يلي تهامة بدر
وعكاظ. قال بعضُ علمائنا: يجوزُ أن يكونَ المرادُ بالحجاز في هذا الحديث
المدينة فقط؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنَّ الإيمانَ ليأرزُ إلى المدينة))(٢).
(١) الحرار الخمس هي: حرّة شَوْران، وحرّة ليلى، وحرّة واقم، وحرّة النار، وحرّة منازل
بني سليم إلى المدينة. (معجم البلدان واللسان مادة: حجاز).
(٢) رواه البخاري (١٨٧)، ومسلم (١٤٧).
((يأرز)): يرجع.
٢٤٢
(١) كتاب الإيمان - (١٩) باب: المحبة في الله تعالى
(١٩) باب
المحبة في الله تعالى والنصح من الإيمان
[٤٤] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((لا تدخلونَ الجنَّةَ
حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدْلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتُمُوه
تَحابيتُم؟ أفشُوا السَّلامَ بينكم».
رواه أحمد (٣٩١/٢)، ومسلم (٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)،
والترمذي (٢٦٨٩).
(١٩) ومن باب: المحبة في الله تعالى والنّصح من الإيمان
و (قوله: ((لا تدخلون الجنة حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابّوا))) كذا
صحّت الرواية هنا: ولا تؤمنوا، بإسقاط النون. والصواب إثباتها. كما قد وقعَ في
الإيمان تصديق بعض النسخ؛ لأنّ ((لا)) نفي، لا نهي؛ فلزم إثباتُها، والإيمانُ المذكور أولاً هو
شرعي وعملي. التصديق الشرعي المذكور في حديث جبريل، والإيمان المذكور ثانياً هو الإيمان
العملي المذكور في قوله: ((الإيمان بضع وسبعون باباً))(١) ولو كان الثاني هو الأول
للزم منه أن لا يدخل الجنة من أبغض أحداً من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعاً،
إفشاء السلام.
فتعيّن(٢) التأويل الذي ذكرناه. وإفشاء السلام: إظهاره وإشاعته، وإقراؤه على
المعروف وغير المعروف. ومعنى قوله: ((لا تؤمنوا حتى تحابوا)) أي: لا يكمل
إيمانُكم، ولا يكون حالُكم حالَ من كمل إيمانه حتى تُفشوا السلامَ الجالبَ للمحبة
الدينية والألفة الشّرعية.
(١) سبق تخريجه برقم (٢٩).
(٢) قوله: (من المؤمنين .. فتعين) ساقط من (ع).
٢٤٣
(١) كتاب الإيمان - (١٩) باب: المحبة في الله تعالى
[٤٥] وعن تميم الداريٍّ، أن النبيَّ وَّه قال: ((الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ)) قلنا:
لمنْ؟ قالَ: (اللهِ ولكتابه ولرسولهِ ولأئمةِ المسلمينَ وعامَّتِهِم)).
رواه أحمد (١٠٢/٤)، ومسلم (٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)،
والنسائي (١٥٦/٧).
[٤٦] وعن جرير، قال: بايعتُ رسولَ اللهِ وَّه على إقامِ الصَّلاةِ،
وإيتاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلٍ.
و (قوله: ((الدّين النّصيحة)) هي مصدرُ نصح ينصح نصيحة ونُصْحاً بضم الدين النصيحة.
النون، فأما نصحت الثوب فمصدره نَصْحاً بفتح النون. قاله الجوهري. وقال
الخطابي: النصيحة: كلمة يعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له. وهي
في اللغة الإخلاص؛ من قولهم: نصحت العسل؛ إذا صفّيته. قال نفطويه: يقال:
نصح له الشّيء؛ إذا خلص، ونصح له القول: أخلصه له. وقيل: هي مأخوذةٌ من
النَّصح بالفتح، وهي الخياطة، والإبرة: المِنْصَحة، والنّصاح: الخيط، والنّاصح:
الخياط. فكأن الناصحَ لأخيه يلمّ شعثه ويضمّه، كما تضمُّ الإبرةُ خرقَ الثوب.
فالنصحُ الله تعالى هو صحة الاعتقاد بالوحدانية الله تعالى، وَوَصْفه بصفات الإلهية، النصح لله
وتنزيهه عن النقائص، والرّغبة في محابُّه، والبعد عن مساخطه. والنصح لكتاب تعالى.
النصح لكتاب
الله تعالى: هو الإيمانُ به، وتحسين تلاوته، وتفسير معانيه، وتدبّر آياته، وتوقيره، الله تعالى.
وتعظيمه، والدّعاء إليه، والذبُّ عنه. والنصح لرسول الله وَله: هو التصديقُ النصح لرسول
بنبوته، والتزامُ طاعته فيما أمر به ونهى عنه، وموالاة مَن والاه، ومعاداة مَن عاداه، الله ﴾.
وتوقيره، وتعزيره(١)، ومحبته، ومحبة آل بيته، وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته
بروايتها، وتصحيحها، والبحث عنها، والتفقه فيها. والذبّ عنها، ونشرها، والدعاء
إليها، والتخلّق بأخلاقه الكريمة.
(١) «تعزيره)): تأییده ونصرته.
أ
أ
٢٤٤
(١) كتاب الإيمان - (١٩) باب: المحبة في الله تعالى
وفي رواية: على السَّمعِ والطَّاعةِ، فَلَقَّنَنِي: ((فيمَا استطعتَ، والنُّصْح
لكلِّ مُسْلمٍ)).
رواه أحمد (٣٥٨/٤ و٣٦١ و٣٦٤ و٣٦٥)، والبخاري (٥٧)،
ومسلم (٥٦)، وأبو داود (٤٩٤٥)، والنسائي (١٥٣/٧).
ونصيحة أئمة المسلمين: هي طاعتُهم في الحقّ، ومعونتهم عليه، وتذكيرهم
نصيحة أئمة
المسلمین.
به، وإعلامهم بما غفلوا عنه، أو جهلوه في أُمْر دينهم ومصالح دنياهم، وبالجملة:
بأن يكونَ معهم كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أن تؤتيهم ما تحبّ أن يؤتى إليك،
وتكره لهم ما تكره لنفسك))(١). وقد تقدّم القول على قوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى
يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه))(٢) وإذا كان هذا في حقّ المسلمين فالأمراء والأئمة
بذلك أولی.
مبايعته {1
لأصحابه.
و (قول جرير: بايعت رسول الله وَ ه على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح
لكل مسلم))) كانت مبايعةُ رسول الله وَليه لأصحابه مرات متعددة في أوقات مختلفة
بحسب ما كان يحتاجُ إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظها،
كما دلّت عليه الأحاديث الآتية.
لا يكلف الله
نفساً إلا
وسعها.
و (قوله: ((فلقنني: فيما استطعت))) رويناه بفتح التاء على مخاطبته إياه،
وعلى هذا فيكون قوله: ((فيما استطعت))، من قول النبي وَلقر مخاطباً له به، فلا
يحتاجُ جرير إلى التلفّظ بهذا القول. ورويناه بضم التاء للمتكلم. وعلى هذا:
(١) لم نجده في الكتب الستة بهذا اللفظ، ولعله شرح للحديث من كلام المؤلف - رحمه
الله -.
(٢) سبق تخريجه برقم (٣٦).
٢٤٥
(١) كتاب الإيمان - (٢٠) باب: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
(٢٠) باب
لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
[٤٧] عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهِ﴿ٍ قالَ: ((لا يَزْني الزَّاني حينَ
يَزني وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرِقُ السَّارِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ
الخمرَ حينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، ولا ينتهبُ نُهْبَةً ذاتَ شرفٍ، يرفعُ الناسُ
فيكون النبي وَه أمره أن ينطقَ بهذا اللفظ، فكأنه قال له: قل: فيما استطعت،
وعليه فيحتاج جرير إلى النّطق بذلك امتثالاً للأمر، وعلى الوجهين: فمقصودُ هذا
القول: التنبيه على أنَّ اللازمَ من الأمور المبايع عليها هو ما يُطاق ويُستطاع، كما
هو المشترطُ في أصل التكليف؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[البقرة: ٢٨٦]. ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ في حال المبايعة بالعفو عن الهفوة،
والسّقطة، وما وقع عن خطأ، أو تفريط.
(٢٠) ومن باب: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
هذه الترجمةُ مُشْعِرَةٌ بأنّ هذه الأحاديث المذكورة تحتها ليست على ظواهرها الزنى شرعاً.
بل مُتْأوَّلة، وهي تحتملُ وجوهاً من التأويلات، أحدها: ما ذكر في الترجمة
وسيأتي. والزنى في العرف الشرعي: هو إيلاجُ فرجِ محرّم في فَرْجِ مُحَرّم شرعاً،
مُشتهى طَبْعاً، من حيث هو كذلك، فتحرّزوا بمشتهى طبعاً من اللواط وإتيان
البهيمة. وبقوله: من حيث هو كذلك، عن وطء المُخرِمة، والصائمة، والحائض،
فإنه تحريم من جهة الموانع الخارجية.
و (قوله: ((ولا ينتهب أحدكم نهبة ذات شرف))) النّهبة والنّهبى: اسم لما معنى النهبة.
ينتهب من المال، أي: يؤخذ من غير قسْمة ولا تقدير، ومنه سُمِّيت الغنيمة:
٢٤٦
(١) كتاب الإيمان - (٢٠) باب: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
نُهْبى، كما قال: ((وأصبنا نَهْب إبل))(١) أي: غنيمة إبل؛ لأنها تؤخذ من غير
تقدير، يقول العرب: أنهب الرجل ماله فانتهبوه ونهبوه وناهبوه. قاله الجوهري.
وذات شرف: أي ذات قدرٍ ومالٍ ورفعةٍ. والرّوايةُ الصّحيحةُ بالشين المعجمة، وقد
رواه الحربيّ: سرف، بالسين المهملة وقال: معناه: ذات مقدار كثير ينكره الناس،
كنهب الفسّاق في الفتن المال العظيم القدر ممّا يستعظمه الناس، بخلاف التمرة
والفلس وما لا خَطَر له.
ما يشمله
الزنى.
ما تشمله
السرقة.
ومقصودُ هذا الحديث: التنبيهُ على جميع أنواع المعاصي، والتحذير منها،
فنبه بالزنى على جميع الشهوات المحرّمة؛ كشهوة النظر، والكلام، والسمع،
ولمس اليد، ونقل الخُطا إلى مثل تلك الشهوة. كما قال عليه الصلاة والسلام:
((زنى العينين النّظر، وزنى اللسان الكلام، وزنى اليد البطش، وزنى الرَّجل الخُطا،
والفرج يصدِّق ذلك أو يكذّبه))(٢). ونبّه بالسرقة: على اكتساب المال بالحيل
الخفيّة، وبالنهب؛ على اكتسابه على جهة الهجم والمغالبة، وبالغلول: على أخذه
على جهة الخيانة، هذا ما أشار إليه بعضُ علمائنا.
قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: وهذا تنبيهٌ لا يتمشّى إلا بالمسامحة، وأولى
من أعظم أصول
المفاسد.
منه أن يقال: إن الحديثَ يتضمَّن التحذيرَ عن ثلاثة أمور، وهي من أعظم أصول
المفاسد، وأضدادها من أصول المصالح، وهي: استباحة الفُروج المحرّمة،
والأموال المحرّمة، وما يُؤدِّي إلى الإخلال بالعقول، وخصّ بالذكر أغلب الأوجه
حرمةً التي يؤخذ بها مال الغير بغير الحق. وظاهِرُ هذا الحديث حجّة للخوارج
تُخرج مرتكبها والمعتزلة وغيرهم ممن يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبائر، غير أن أهل السُّنَّةِ
هل الكبائر
عن الإيمان؟
(١) رواه البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨).
(٢) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٢).
٢٤٧
(١) كتاب الإيمان - (٢٠) باب: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
إليه فيها أبصارَهم حينَ ينتهبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَغُلُّ حين يَغُلُّ وهو مؤمنٌ،
يُعارضونهم(١) بظواهر أُخرى أولى منها. كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث
أبي ذرّ: ((من مات لا يشركُ بالله شيئاً دخلَ الجنة؛ وإن زنى وإن سرق))(٢). وكقوله
في حديث عبادة بن الصّامت: ((ومن أصاب شيئاً من ذلك - يعني من القتل والسرق
والزنى - فعوقب به فهو كفارة له، ومن لم يُعاقب فأمره إلى الله، إن شاء عفا وإن
شاء عذّبه))(٣). ويعضدُ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] ونحو هذا في الأحاديث كثير.
ولما صحّت هذه المعارضة تعيّن تأويل تلك الأحاديث الأُوَل وما في
معناها، وقد اختلف العلماءُ في ذلك، فقال حَبْرُ القرآنِ عبد الله بن عباس: إنَّ ذلك
محمولٌ على المستحلّ لتلك الكبائر، وقيل معنى ذلك: إنَّ مرتكبَ تلك الكبائر
يُسْلَبُ عنه اسمُ الإيمان الكامل، أو النّافع الذي يفيدُ صاحبه الانزجارَ عن هذه
الكبائر. وقال الحسنُ: يُسْلَبُ عنه اسمُ المدح الذي سُمِّي به أولياء الله المؤمنون،
ويستحقّ اسمَ الذّم الذي سُمِّي به المنافقون والفاسقون. وفي البخاري عن
ابن عباس: يُنْزَعُ منه نورُ الإيمان (٤). وروى في ذلك حديثاً مرفوعاً، فقال: ((مَن
زنى نَزَعَ اللهُ نورَ الإيمان من قلبه، فإن شاء أن يردّه إليه ردّه))(٥).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكلّ هذه التأويلات حَسَنة، والحديثُ قابلٌ
لها. وتأويلُ ابن عباس هذا أحْسَنُها.
(١) في (ع): تعارضهم.
(٢) رواه أحمد (١٥٩/٥)، والبخاري (١٢٣٧)، ومسلم (٩٤)، والترمذي (٢٦٤٦).
(٣) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٦١).
(٤) رواه البخاري (٥٨/١٢) تعليقاً.
(٥) رواه أبو جعفر الطبري من حديث ابن عباس مرفوعاً. (فتح الباري ٥٩/١٢).
٢٤٨
(١) كتاب الإيمان - (٢٠) باب: لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان
فإِيَّاكم إِيَّاكُم. والتَّوْبَةُ معروضةٌ بَعْدُ».
ذكره بأسانید إلى أبي هريرة.
رواه أحمد (٣١٧/٢ و٣٨٦ و٤٧٩)، والبخاري (٥٥٧٨)، ومسلم
(٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٦٤/٨)،
وابن ماجه (٣٩٣٦).
قبول التوبة.
و (قوله: ((والتّوبة مَعْرُوضة بعد))) هذا منهِ ﴿ إرشادٌ لمن وَقَعَ في كبيرةٍ أو
كبائر إلى الطريق التي بها يتخلّص، وهي التوبة، ومعنى كونها معروضة، أي:
عَرَضَها اللهُ تعالى على العباد؛ حيث أَمَرَهم بها، وأَوْجَبَها عليهم، وأخبر عن نفسه
أنه تعالى يقبلها، كلّ ذلك فَضْلٌ من الله تعالى، ولُطْفٌ بالعبد، لما علم الله تعالى
ما يحمل على من ضعفه عن مقاومة الحوامل على المخالفات؛ التي هي: النفس، والهوى،
المخالفات.
والشيطان الإنسي والجني، فلمّا عَلِم اللهُ تعالى أنه يقع في المخالفات؛ رحمه؛ بأن
أرشده إلى التوبة، فعرضها عليه، وأوجبها، وأخبر بقبولها. وأيضاً فإنه يجب على
التُّصحاء أن يعرضوها على أهل المعاصي، ويُعرِّفونهم بها، ويُوجبونها عليهم،
وبعقوبة الله تعالى لمن تركها. وذلك كلّه لطفٌ متّصل إلى طلوع الشمس من
مغربها، أو إلى أن يغرغرَ العبد. كما سيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
و ((بعد)) ظرفٌ مبني على الضّم؛ لقطعه عن الإضافة لفظاً، وإرادة المضاف
ضمناً، ويقابلها: قبل. كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ اَلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
[الروم: ٤].
٢٤٩
(١) كتاب الإيمان - (٢١) باب: علامات النفاق
(٢١) باب
علامات النفاق
[٤٨] عن عبد الله بن عمرو، قالَ: قالَ رسولُ اللهِصَّهِ: ((أربعٌ مَنْ
كُنَّ فيه كانَ منافقاً خَالِصاً، ومَنْ كانتْ فيه خَلَّةٌ منهنَّ كانتْ فيه خَلَّةٌ من
(٢١) ومن باب: علامات النفاق
(قوله: ((أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً))) قال ابنُ الأنباري: في تسمية لِمَ سُعِّي
المنافق منافقاً ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه سُمِّي بذلك لأنه يستر كُفْره، فأشبه الداخل في النّفق، وهو
السّرب.
المنافقُ منافقاً؟
وثانيها: أنه شُبِّه باليربوع الذي له جحر يقال له: القاصعاء، وآخر يقال له:
النافقاء، فإذا أُخِذَ عليه من أحدهما خَرَجَ من الآخر، وكذلك المنافق يخرجُ من
الإيمان مِن غير الوجه الذي يَدْخُلُ فيه.
وثالثهما: أنه شُبِّه باليربوع من جهة أن اليربوعَ يخرقُ في الأرض؛ حتى إذا
قارب ظاهرها أَرَقَّ التراب، فإذا رابه ريبٌ دفع الترابَ برأسه فخرج، فظاهرُ جحره
تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق، ظاهره الإيمان وباطنه الكُفْر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهِرُ هذا الحديث أنَّ مَن كانت هذه حقيقة النفاق.
الخصالُ الثلاث فيه خَرَجَ عن الإيمان، وصار في النِّفاق الذي هو الكُفْر، الذي قال
فيه مالك: النفاق الذي كان(١) على عهد رسول الله والقر هو الزندقةُ عندنا اليوم.
(١) قوله: (الذي كان) ساقط من (ع).
٢٥٠
(١) كتاب الإيمان - (٢١) باب: علامات النفاق
نِفَاقٍ، حتَّى يَدَعَها: إذا حدَّث كذبَ، وإذا عاهدَ غدَر، وإذا وَعَدَ أخلفَ،
وإذا خَاصَمَ فجرَ)).
وليس الأمرُ على مقتضى هذا الظاهر؛ لما قررناه في أول الكتاب، وأعدناه في
الباب الذي قبل هذا.
ولما استحال حَمْلُ هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل السُّنَّة، اختلفَ
العلماءُ فيه على أقوال:
أحدها: أن هذا النفاقَ هو نفاقُ العمل الذي سأل عنه عمرُ حذيفةَ لما قال
له: هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ أي: من صفات المنافقين الفعلية. ووجه هذا:
أن مَن كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها، فصدق
عليه اسمُ منافق.
وثانيها: أنه محمولٌ على مَن غلبتْ عليه هذه الخصال، واتّخذها عادة، ولم
يُبالِ بها تهاوناً واستخفافاً بأمرها؛ فأيُّ مَن كان هكذا كان فاسدَ الاعتقاد غالباً،
فيكون منافقاً خالصاً.
وثالثها: أنَّ تلك الخصالَ كانت علامةَ المنافقين في زمانه، فإن أصحابَ
النَّبِيِّ ◌َ﴿ كانوا مُتجنِّبين لتلك الخصال بحيث لا تقع منهم، ولا تُعرف فيما بينهم،
وبهذا قال ابنُ عباس، وابن عمر، ورُوي عنهما في ذلك حديث، وهو أنهما أتيا
النبي فسألاه عن هذا الحديث فضحك النبي و ﴿ وقال: ((ما لكم ولهنّ، إنما
خصَصْت بهنّ المنافقين، أنتم من ذلك برآء))(١) وذكر الحديثَ بطوله القاضي
عياض، قال: وإلى هذا صار كثيرٌ مِن التَّابعين والأئمة.
و (قوله: ((وإذا خاصَمَ فَجَر))) أي: مالَ عن الحقّ، واحتال في ردّه وإبطاله،
(١) رواه القاضي عياض في ((إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم))، ولم يصلنا.
٢٥١
(١) كتاب الإيمان - (٢١) باب: علامات النفاق
رواه أحمد (١٨٩/٢ و١٩٨)، والبخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)،
وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٤)، والنسائي (١١٦/٨).
[٤٩] وفي روايةٍ، من حديث أبي هريرة: ((آيةُ المنافق ثلاثٌ - وإن
صامَ وصَلَّى وزعمَ أنَّه مسلمٌ -: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا
ائتمنَ خانَ)). ولم يذكر: ((وإذا خاصمَ فجرَ)).
رواه أحمد (٣٥٧/٢)، والبخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، والترمذي
(٢٦٣٣)، والنسائي (١١٧/٨).
قال الهروي: أصلُ الفجور: الميلُ عن القصد، وقد يكون الكذب. والخَلَّة: بفتح
الخاء: الخصلة، وجمعها خلال، وبالضم الصّداقة، والزّعم بضم الزاي قول غير معنى الخلّة.
محقّق، كما تقدّم.
وكونه عليه الصلاة والسلام ذكر في حديث أبي هريرة: أنَّ علامةَ المنافق
ثلاث، وفي حديث ابن عمر: أنها أربع، يحتمل أن يكونَ ذلك لأنه عليه الصلاة
والسلام استجد من العلم بخصال المنافقين ما لم يكن عنده، فإما بالوحي، وإما
بالمشاهدة لتلك منهم، وعلى مجموع الرّوايتين تكون خصالُهم خمساً: الكذب، خصال
والغدر، والإخلاف، والخيانة، والفجور في الخصومة، ولا شكّ في أنَّ للمنافقين
المنافقين
خمس.
خصالاً أُخَر مذمومة، كما قد وصفهم اللهُ تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ
قَامُواْ كُسَالَى يَُّآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. فيحتمل أن يقال:
إنما خُصّت تلك الخصال الخمس بالذكر لأنها أظهرُ عليهم من غيرها، عند
مخالطتهم للمسلمين، أو لأنها هي التي يضرّون بها المسلمين ويقصدون بها
مفسدتهم، دون غيرها من صفاتهم، والله تعالى أعلم.
٢٥٢
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
(٢٢) باب
إثم من كَفَّرَ مسلماً أو كَفَر حقه
[٥٠] عن ابن عمر، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((أيُّما امرىءٍ قَالَ
(٢٢) ومن باب: إثم من كفّر مسلماً أو كَفَر حقّه
(كفَّر)) الأول - مشدّداً - ومعناه: نسبه إلى الكفر، وحكم عليه به، و ((كَفَر))
الثاني - مخفف - بمعنی: جحد حقه ولم يقم به.
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما امرىء قال لأخيه: كافر))) صواب
تقييده: كافرٌ بالتنوين على أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف، أي: أنت كافر، أو هو
کافر، وربما قيّده بعضھم: کافرُ، بغير تنوين، فجعله منادی مفرداً محذوف حرف
النداء، وهذا خطأ إذ لا يُخْذَفُ حرفُ النداء مع النكرات، ولا مع المبهمات، إلا
فيما جرى مجرى المثل في نحو قولهم: ((أَطْرِقْ كرا))(١). و((افْتَدِ مخنوقُ))(٢)،
وفي حديث موسى: ((ثوبي حجر، ثوبي حجر))(٣) وهو قليل. وأصل الكفر:
التغطية والستر، ومنه سُمِّي الزارع: كافراً، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ﴾
[الحديد: ٢٠] أي: الزراع، ومنه قول الشاعر:
الكفر لغة.
(١) (كرا): هو الكروان نفسه، أو مرخّم الكروان. وهذا المثلُ يُضرب للذي ليس عنده
غناء ويتكلم، فيُقال له: اسكت وتوقَّ انتشار ما تلفظ به، كراهة ما يتعقبه. (مجمع
الأمثال ٤٣٢/١).
(٢) يُضرب هذا المثل لكل مشفوق عليه مضطر. ويروى: أفتَدى مخنوقٌ. (مجمع الأمثال
٧٨/٢).
(٣) رواه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩)، والترمذي (٣٢١٩).
٢٥٣
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
لأخيهِ: كافرٌ، فقد باءَ بها أحدهما، إنْ كانَ كما قالَ؛ وإلَّ رجعتْ عليه)).
رواه أحمد (٦٠/٢)، ومسلم (٦٠).
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ الثُّجومَ غَمَامُها(١)
أي: ستر وغطى، والغمام: السّحاب. وأما الكفر الواقع في الشّرع: فهو الكفر شرعاً.
جَحْدُ المعلوم منه ضرورة شرعية، وهذا هو الذي جرى به العرفُ الشّرعي، وقد
جاء فيه الكفر بمعنى جَحْد المنعم، وترك الشرك على النعم، وترك القيام
بالحقوق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للنساء: ((يكفرن الإحسان، ويكفرن
العشير))(٢) أي: يجحدن حقوقَ الأزواج وإحسانهم، ومن ها هنا صح أن يقال:
كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وسيأتي لهذا مزیدُ بیان.
و (قوله: ((فقد باء بها أحدهما)) أي: رجع بإثمها ولازم ذلك، قال الهروي: من يقول
وأصل البوء: اللزوم، ومنه: ((أبوء بنعمتك عليّ)) (٣)، أي: أقرّ بها وألزمها نفسي، كافر.
وقال غيرُه من أهل اللغة: إنَّ باءَ في اللغة رجع بشرٌّ، والهاء في ((بها)) راجع إلى
التكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلُّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعودَ إلى
الكلمة، ونعني بهذا أن المقولَ له كافر إن كان كافراً كفراً شرعياً فقد صدق القائلُ
له ذلك، وذهب بها المقولُ له، وإن لم يكن كذلك رجعتْ للقائل معرّة(٤) ذلك
لأخيه: یا
(١) عجز بيت من معلقة لبيد، وصدره:
يعلو طريقة مَتْنِها متواتر.
(٢) رواه البخاري (٢٩)، ومسلم (٩٠٧ و٩٠٨ و٩٠٩)، وأبو داود (١١٨١ و ١١٨٣)،
ومالك في الموطأ (١٨٦/١ و١٨٧).
(٣) رواه أحمد (١٢٢/٤، ١٢٥ و٣٥٦/٥)، والبخاري (٦٣٠٦)، والترمذي (٣٣٩٠)،
والنسائي (٢٧٩/٨)، وابن ماجه (٣٨٧٢).
(٤) ((المعرّة): الإثم والمَساءة والمكروه.
٢٥٤
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
[٥١] وعن أبي ذر، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ: ((ليسَ مِن رجلٍ
اذَّعَى لغيرِ أبيهِ وهو يَعلمُه إلا كفرَ. ومن اذَّعَى ما ليسَ له فليسَ مِنَّا،
القول وإثمه، وأحدهما هنا يعني به المقول له على كلّ وجه، لقوله: ((إن كان كما
قال))، وأما القائل فهو المعنيُّ بقوله: ((وإلا رجعت عليه)). وبيانُه بما في حديث
أبي ذرّ الذي قال فيه: ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا
حار عليه))(١) أي: على القائل. وحار: رجع، ويعني بذلك وزر ذلك وإثمه.
لغير الأب.
الاذعاء و (قوله: ((ليس من رجل ادّعى لغير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر)) أي: انتسب
لغير أبيه رغبةً عنه مع علمه به، وهذا إنما يفعلُه أهلُ الجفاء والجهل والكبر؛ لخسّة
منصب الأب، ودناءته، فيرى الانتسابَ إليه عاراً، ونَقْصاً في حقّه، ولا شكَّ في
أنَّ هذا مُحَرّم، معلوم التحريم، فمن فعل ذلك مستحلاً فهو كافرٌ حقيقة، فيبقى
الحديثُ على ظاهره، وأما إن كان غيرَ مستحلّ، فيكون الكفرُ الذي في الحديث
محمولاً على كفران النِّعم والحقوق، فإنه قابل الإحسان بالإساءة، ومن كان كذلك
صدق عليه اسم: الكافر، وعلى فعله: أنه كفر، لُغةً وشَرْعاً، على ما قرّرناه،
ويحتملُ أن يقال: أطلق عليه ذلك، لأنه تشبّه بالكفار أهل الجاهلية، أهل الكبر
والأَنَفَة، فإنهم كانوا يفعلون ذلك، والله تعالى أعلم.
من ادقی
و (قوله: ((من ادّعى ما ليس له فليس منا)) ظاهِرُه التبرِّي المطلق، فيبقى
ما ليس له. على ظاهره في حقّ المستحلّ لذلك على ما تقدّم، ويتأول في حقّ غير المستحلّ
بأنه ليس على طريقة النبي ﴿ ولا على طريقة أهل دينه، فإن ذلك ظُلْم، وطريقةُ
أهل الدِّين العدلُ وتَرْكُ الظّلم، ويكون هذا كما قال: ((ليس منا مَن ضَرَب الخدودَ،
وشقّ الجيوب))(٢) ويقرب منه: ((من لم يأخذْ مِن شاربه فليس منا))(٣).
(١) سبق تخريجه برقم (٥١) في التلخيص.
(٢) رواه البخاري (٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائي (٢٠/٤).
(٣) رواه الترمذي (٢٧٦٢)، والنسائي (١٥/١).
۔
٢٥٥
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
وَلْيَتَبَوَّأُ مقعدَه مِن النَّارِ. ومَنْ دعَا رَجُلاً بالكفرِ، أو قالَ: عَدُوَّ اللهِ، وليسَ
كذلكَ، إلا حَارَ علیهِ)).
رواه أحمد (١٦٦/٥)، والبخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (٦١).
[٥٢] وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ وأبي بَكْرَةَ؛ كِلاهُما قال: سَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ، ووعَاهُ قلبي، محمداً وَّه يقول: ((مَنِ اذَّعَى إلى غيرِ أبيهِ، وهو
يعلمُ أنَّه غيرُ أبيهِ، فالجنَّةُ عليه حَرَامٌ».
رواه أحمد (١٧٤/١) و (٤٦/٥)، والبخاري (٦٧٦٦)، ومسلم
(٦٣)، وأبو داود (٥١١٣)، وابن ماجه (٢٦١٠).
[٥٣] وعن عبد الله بن مسعودٍ، قالَ: قالَ رسول الله وَله: ((سِبَابُ
المسلم فُسُوقٌ، وقتالُه ◌ُفْرٌ)).
رواه أحمد (٣٨٥/١ و ٤٣٣ و ٤٣٩ و ٤٤٦ و٤٥٤ و ٤٥٥)،
والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، والترمذي (٢٦٣٦)، والنسائي
(١٢٢/٧)، وابن ماجه (٦٩) و (٣٩٣٩).
و (قوله: ((سمعته أُذُناي، ووعاه قلبي، محمداً وَّر))) الضمير في سمعته
ضمير المصدر الذي دل عليه سمعته، أي: سمعته سمعاً أذناي، كما تقول العرب:
ظننته زيداً قائماً، أي: ظننت ظناً زيداً قائماً، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقال فيه إن
شاء الله تعالى. ويجوز أن يكونَ الضميرُ عائداً على معهود مُتصوَّر في نفوسهم،
ومحمد بدل منه، والله أعلم.
و (قوله: ((سباب المسلم فسوق))) أي: خروجٌ عن الذي يجبُ مِن احترام سباب المسلم
المسلم، وحرمةُ عرضه وسبّه، وقد تقدَّم القولُ في الفِسْق.
فسوق.
و (قوله: ((وقتاله كفر)) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفاً.
1
٢٥٦
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
[٥٤] وعن جرير، قالَ: قالَ ليَّ النبيُّ وَّ فِي حَجَّةِ الوَداع:
(اسْتَنْصِت لي النَّاسَ)) ثم قال: ((لا تَرْجِعُوا بعدي كُفَّاراً، يضربُ بعضُكُم
رقاب بعضٍ)).
رواه أحمد (٣٥٨/٤ و٣٦٣ و٣٦٦)، والبخاري (١٢١)، ومسلم
(٦٥)، والنسائي (١٢٧/٧ -١٢٨)، وابن ماجه (٣٩٤٢).
[٥٥] وعنه، عن النبي وَ﴿﴿ قال: ((أيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِم».
وفي آخر: ((أَيُّما عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).
ما يكون
بعده ۴﴾ے من
الفتن.
و (قوله: ((لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقابَ بعض))) أي:
لا تتشبّهوا بالكفّار في المقاتلة، والمقاطعة. وفيه ما يدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َلَ﴿ كان يعلمُ
ما يكون بعده في أمته من الفتن، والتقاتل، ويدلّ أيضاً على قُرْب وقوع ذلك من
زمانه؛ فإنه خاطب بذلك أصحابه، وظاهِرُه أنّه أرادهم لأنّه بهم أعنى، وعليهم
احنى، ویحتملُ غير ذلك.
و (قوله: ((أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر))) محمولٌ على ما ذكرنا.
إباق العبد من
مواليه.
و (قوله: ((فقد برئت منه الذمة))) أي: ذمّة الإيمان وعهده، وخفارته(١) إن
كان مستحلاً للإباق، فيجبُ قَتْلُه بعد الاستتابة؛ لأنه مرتدّ، وإن لم یکن كذلك فقد
خَرَجَ عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوزُ عقوبتُه على إباقه. وليس لأحد أن
يحول بين سيده وبين عقوبته الجائزة إذا شاءَها السَّيِّد. ويقال: برئت من الرجل
والدين براءة، وبرئت أبرأ إليه برءاً، وبرواً. ويقال أيضاً: برئت - بضم الراء -
أَبْرُؤ.
(١) ((خفره)): أجاره وحَماه.
أ
٢٥٧
(١) كتاب الإيمان - (٢٢) باب: إثم من كفَّر مسلماً
وفي آخر: ((إذا أَبَقَ العَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ» .
رواه أحمد (٣٥٧/٤ و٣٦٥)، ومسلم (٦٨ و٦٩ و٧٠)،
وأبو داود (٤٣٦٠)، والنسائي (١٠٢/٧).
[٥٦] وعن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اثنتانِ فِي النَّاس
هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ)).
رواه أحمد (٤٩٦/٢)، ومسلم (٦٧).
و (قوله: ((لم تُقبل له صلاة)) إن كان مستحلاً حُمِل الحديثُ على ظاهره؛ هل تُقبل صلاة
لأنه يكون كافراً، ولا يُقْبَل لكافر عمل. وإن لم يكن كذلك لم تصحّ صلاته، على
الآبق من سيده؟
مذهب المتكلمين في الصلاة في الدّار المغصوبة؛ لأنه منهيّ عن الكون في المكان
الذي يصلّي فيه، ومأمورٌ بالرجوع إلى سيِّده، وأما على مذهب الفقهاء المصحِّحين
لتلك الصلاة، فيمكن أن يُحمل الحديثُ على مذهبهم على أنَّ الإثمَ الذي يلحقه
في إباقه أكثر من الثواب الذي يدخلُ عليه من جهة الصَّلاة، فكأنه صلاته لم تقبلْ إذ
لم يتخلّص بسببها من الإثم. ولا حصل له منها ثوابٌ يتخلّص به من عقاب الله
على إباقة، فكان هذا كما قلناه في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ شارب الخمر
لا تُقبل منه صلاةٌ أربعين يوماً)(١)، وقد كُنَّ كتبنا في ذلك الحديث جزءاً حَسَناً.
و (قوله: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر)) أي: من خِصال أهل الكفر كما
قال عليه الصلاة والسلام: ((أربع في أمّتي مِن أمْر الجاهلية لا يتركونهن؛ الطعن في أربعٌ من أمر
الأحساب، والفخر بالأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة))(٢).
الجاهلية.
(١) رواه الترمذي (١٨٦٣)، والنسائي (٣١٦/٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما.
(٢) رواه مسلم (٦٧)، والترمذي (١٠٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢٥٨
(١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر
(٢٣) باب
نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر
[٥٧] عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِوَهِ صلاةَ
الصُّبْح بالحُدَيْنِيَةِ في إِثْرِ سَمَاءٍ كانتْ من اللَّيلِ، فلما انصرفَ أقبلَ على
النَّاسَ، فقالَ: ((هل تَدَرونَ ماذا قالَ ربُّكم؟)) قالُوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ.
(٢٣) ومن باب: نسبة الاختراع إلى غير الله حقيقةً كفر
(قوله: صلى بنا رسول الله ٹ# صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من
الليل) أكثرُ الرواة يشدِّدون ياء الحديبية، وهي لغةُ أهل اليمن، وأهلُ العراق
يخفّفونها. والجِعِرَّانة: يقولها أهل المدينة بكسر العين وتشديد الراء، وأهل العراق
يسكنون العين ويخففون الراء. وابن المسيب وأهل المدينة يكسرون الياء مشددة،
وأهل العراق يفتحونها. وكذلك قرأته وقيّدته على مَن لقيته وقيّدت عليه.
والحديبية: موضعٌ فيه ماء، بينه وبين مكة أميال، وَصَل النبيُّ ◌َلِّ إليه وهو محرم
بعمرة قبل فتح مكة، فصدّه المشركون عن البيت، فصالحهم وشرط لهم وعليهم،
ولم يدخل مكة في تلك السَّنَّة، ورجع إلى المدينة، فلما كان العامُ المقبلُ دَخَلها،
وسیأتي تفصيلُ ذلك كلّه إن شاء الله تعالی.
وإثْر الشيء، بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة: بعده وعقبه، ويقال فيه: أَثَر
بفتح الهمزة والثاء. والسماء هنا: المطر، سُمِّي بذلك لأنه من السماء ينزل،
وحقيقة السماء: كلّ ما علاك فأظلّك.
و (قوله: فلما انصرف أقبل على الناس) أي: انصرف مِن صلاته وفرغ منها،
انتقاله # عن
مكانه بعد
الصلاة.
فظاهِرُه أنّه لم یکن یثبتُ في مكان صلاته بعد سلامه، بل كان ينتقل عنه، ويتغير
عن حالته. وهذا الذي يستحبّه مالك للإمام في المسجد، كما سيأتي.
الحديبية.
٢٥٩
(١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر
قال: ((قالَ: أصبحَ مِن عِبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ. فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ
اللهِ ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بي كافرٌ بالكَوْكَبِ. وأَمَّا مَنْ قالَ: مُطرْنَا بِنَوْءِ كَذَا
وكذَا، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ».
رواه أحمد (١١٧/٤)، والبخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، وأبو داود
(٣٩٠٦)، والنسائي (١٦٥/٣).
و (قوله: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر))) ظاهره أنه الكفرُ الحقيقي؛ المطر من فِعْل
لأنه قابَلَ به المؤمنَ الحقيقي، فيحمل على من اعتقد أن المطرَ من فِعْل الكواكب الله تعالى.
وخلقها، لا من فِعْل اللهِ تعالى، كما يعتقده بعضُ جهّال المنجّمين والطّبائعيين والعرب.
فأما مَن اعتقدَ أنَّ اللهَ تعالى هو الذي خَلَق المطر واخترعه، ثم تكلّم بذلك
القول فليس بكافر، ولکنه مخطىء من وجھین:
أحدهما: أنه خَالفَ الشرع؛ فإنه قد حذّر من ذلك الإطلاق.
وثانيهما: أنه قد تشبّه بأهل الكُفْر في قولهم، وذلك لا يجوز؛ لأنَّا قد أُمِرنا تميّز المسلمين
بمخالفتهم، فقال: ((خالفوا المشركين)) (١)، و((خالفوا اليهود))(٢)، ونُهينا عن عن غيرهم.
التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال على ما يأتي إن
شاء الله تعالى. ولأن اللهَ تعالى قد مَنَّعَنا من التشبه بهم في النُّطق، بقوله تعالى:
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَقُولُواْرَعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] لما كان اليهود يقولون تلك
الكلمة للنبي* يقصدون ترعينه(٣)، مَنَعَنا اللهُ من إطلاقها وقولها للنبي وَّ وإن
قصدنا بها الخير، سَدّاً للذريعة، ومَنْعاً مِنَ التشبُّه بهم، فلو قال غير هذا اللفظ
(١) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(٢) رواه أبو داود (٦٥٢) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
(٣) في هامش (م): يقصدون به عيبه.
٢٦٠
(١) كتاب الإيمان - (٢٣) باب: نسبة الاختراع لغير الله حقيقة كفر
[٥٨] وعن ابن عباس، قال: مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ النبيِّ ◌َهِ. فقالَ
النبيُّ ◌َلِ: ((أصبحَ مِن النَّاسِ شَاكِرٌ ومِنهم كافرٌ. قالوا: هذه رحمةُ اللهِ.
الممنوع يريدُ به الإخبارَ عما أجرى الله به سُنّته جاز كما قال عليه الصلاة والسلام:
(إذا نشأت بَحْريَّةً ثم تشاءمت فتلك عينٌ غُدَيقةٌ))(١).
و (قوله: ((فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر
بالكوكب)) أي: مصدِّق بأن المطر خَلْقي لا خَلْق الكوكب، أرحمُ به عبادي
وأتفضّل عليهم به، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
وَهُوَ اَلْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. والنوء لغة: النهوض بثقل، يقال: ناء بكذا؛
إذا نهض به متثاقلاً، ومنه: ﴿لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أي: لتثقلهم عند
من معتقدات النهوض بها(٢). وكانت العرب إذا طلع نجمٌّ من المشرق، وسقط آخرُ من
المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح؛ فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من
ينسبه إلى الغارب (٣) السّاقط؛ نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القولَ المذكور
في الحديث؛ فنهى الشرعُ عن إطلاق ذلك؛ لئلا يعتقد أحدٌ اعتقادهم، ولا يتشبه
بهم في نطقهم، والله أعلم.
العرب في
المطر.
الشكر.
و (قوله: ((أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر)) أصل الشكر: الظّهور، ومنه
قولهم: دابة شَكُور، إذا ظهر عليها من السّمن فوق ما تأكله من العلف، والشاكر:
كفران النُّعم. هو الذي يُثني بالنعمة ويُظْهِرها، ويعترفُ بها للمنعم. وجَحْدها: كفرانها، فمن
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٧/٢): رواه الطبراني في الأوسط، وقال: تفرّد به
الواقدي، قلت: وفي الواقدي كلام، وقد وثّقه غير واحد، وبقية رجالہ لا بأس بهم،
وقد وثقوا.
((غُدّيقة)): أي: كثيرة الماء.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) في (ط): الغايب، والمثبت من (م) و (ل). وهذا اللفظ ساقط من (ع).