Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (١) كتاب الإيمان - (٩) باب: من لقي الله تعالى عالماً به دخل الجنة حَقٌّ، أدخلَه اللهُ من أيِّ أبوابِ الجَنَِّ الثَّمانيةِ شَاءَ». وفي رواية: ((عَلى ما كانَ مِنْ عَمَلٍ)). رواه مسلم (٢٨). الروح، قاله المكيّون، وقيل: سُمِّي بذلك عيسى لأنه روحٌ لمن اتبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروحَ من غير واسطةِ أب، كما قال في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِ﴾ [الحجر: ٢٩]، قاله الحربي. و (قوله: ((أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء))) ظاهِرُ هذا يقتضي أنَّ أبواب الجنة قولَ هذه الكلمات يقتضي دخول الجنة والتخيير في أبوابها، وذلك بخلاف ما ظهر الثمانية. من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب: الزكاة، فإنَّ فيه ما يقتضي أنَّ كُلَّ مَن كان مِن أهل الجنة إنما يدخلُ من الباب المعيّن للعمل؛ الذي كان يعمله غالباً الداخل، فإنه قال فيه: ((فمن كان من أهل الصلاة دُعي مِن باب الصلاة، ومن كان من أهل الصِّيام دُعِي من باب الصيام، وهكذا الجهاد))(١) والتوفيق بين الظَّاهرين: أنَّ كلَّ مَن يدخلُ الجنة مُخَيَّر في الدخول من أي بابٍ شاء، غير أنّه إذا عُرِض عليه الأفضلُ في حقِّه؛ دَخَل منه مُختاراً للدخول منه من غير جَبْر عليه ولا مَنْع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: ما على مَن يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، والله أعلم. و (قوله: على ما كان من عمل))) أي: يُدْخِلُه الجنة ولا بُدَّ سواء كان عمله صالحاً، أو سيئاً، وذلك بأن يُغْفَر له السيّىء بسبب هذه الأقوال، أو يُربي ثوابها على ذلك العمل السّيىء، وكل ذلك يحصلُ إن شاء الله لمن مات على تلك الأقوال؛ إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفاً. (١) رواه البخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٢٠٢ (١) كتاب الإيمان - (١٠) باب: حق الله تعالى على العباد (١٠) باب حق الله تعالی على العباد [٢٤] عن معاذ بن جبلٍ، قال: كنت رِدْفَ النبيِّ ◌َّر، ليس بيني وبينَهَ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ - وفي رواية: على حمارٍ، يُقال له: عُفَيْر، ولم يذكر: ليس بيني وبينَه إِلَّ مُؤْخِرَةُ الرحل - فقال: ((يا معاذُ بنَ جَبَلِ!)) قلتُ: (١٠) ومن باب: حقّ اللهِ على العبادِ (قوله: كنت ردف رسول الله وَل#) يُروى: رِذف بسكون الدال من غير ياء وبكسر الراء. ويُروى: رَدِيف بفتح الراء وكسر الدال وياء بعدها، وكلاهما صحيح روايةً ولُغةً، وهما اسمان للراكب خلف الراكب، يقال منه: ردفته أردفه بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المستقبل، وأردفته أنا بألفٍ، وذلك الموضع يسمى: الردف. ورواه الطبري: رَدِف بفتح الراء وكسر الدال من غير ياء، كـ: عَجِل، وحَذِر، وزَمِن، وليس بمعروف في الأسماء. و (قوله: ليس بيني وبينه إلا مُؤْخِرة الرحل) كذا وقع ها هنا: مُؤْخِرة. وقرأناه على مَن يُوثق بعلمه : - بضم الميم وفتح الراء والخاء مشدّدة - على أنه اسم مفعول؛ لأنها تؤخر. وأنكر هذا اللفظَ يعقوبُ وابنُ قتيبة وقالا: المعروف عند العرب: أخِرة الرَّحْل، وهي العود الذي خلف الراكب، وتقابله قادمته، وقيل فيها: مؤخرة: بهمز الواو خفيفة وكسر الخاء، حكاها صاحبُ الصِّحاح وأبو عبيد، والرَّحْلُ للبعير كالسّرج للفرس، والإكاف للحمار، وعُفير تصغير أعفر تصغير التّرخيم؛ كسويد تصغير أسود، وتصغيره غير مرخم: أُعَيْفِر. والعُفْرة: بياض يُخالطه صُفْرة، كعُفْرَة الأرض والظباء. والمشهور في اسم حمار النبي وَلّر: يعفور. ٢٠٣ (١) كتاب الإيمان - (١٠) باب: حق الله تعالى على العباد لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ! ثم سارَ ساعةً، ثم قالَ: ((يا معاذُ بنَ جَبَلٍ!)) قلتُ: لَيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ! ثم سارَ ساعةً، ثم قالَ: ((يا معاذُ بنَ جَبَلِ!)) قلتُ: لَبَّيْكَ رسولَ اللهِ وسَعْدَيكَ! قال: ((هَلْ تَدري ما حَقُّ اللهِ على العِبَادِ؟)) قالَ: قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال: ((فإنَّ حَقَّ اللهِ على العِبَادِ أنْ يَعبدُوه ولا يُشركوا به شيئاً)) ثمَّ سارَ ساعةً، ثم قال: ((يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ!)) قلتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ. قال: ((هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ العِبَادِ على الله إِذَا فَعَلُوا ذلكَ؟)) قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ)). رواه أحمد (٢٣٨/٥)، والبخاري (٧٣٧٣)، ومسلم (٣٠)، والترمذي (٢٦٤٥)، وابن ماجه (٤٢٩٦). تنبيهَ: إن كانت هاتان الروايتان قضية واحدة فقد تجوّز بغضُ الرواة في تسميته الإكاف رحلاً، ويُحتمل أن تكونَ تلك قضيةً واحدةً تكرّرت مرتين، والله أعلم. وفيه ما يدلّ على جواز ركوب اثنين على حمار، وعلى تواضع النبي ◌ِّر، تواضعه ﴾. وإنما كرّر النبي ◌َ ◌ّر نداء معاذ ثلاثاً (١) ليستحضر ذهنه وفهمه، وليشعره بعظم ما يلقيه عليه، وحقُّ الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه، وألزمهم إياه بخطابه. وحقّ العباد على الله: هو ما وَعَدَهُم به من الثواب والجزاء، فحقَّ ذلك وَوَجَب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق؛ الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بحكم الأمرِ؛ إذ لا أَمْر فوقه، ولا بحكم العقل؛ إذ العقل كاشف لا موجب، كما بيّناه في ((الأصول)). (١) من (م). ٢٠٤ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين (١١) باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب [٢٥] عن أبي هريرةَ، قال: كنّا قُعُوداً حولَ رسولِ الله ◌َِّهِ، معنا أبو بكرٍ وعمرُ - رضي الله عنهما - في نَفَرِ فقامَ رسولُ الله ◌ِّر من بين أظهرنا، فأبطأً علينَا، وخشينا أن يُقْتطِعَ دونَنَا، ففَزِعْنَا وقُمنَا، فكنتُ أوَّلَ من فَزِعَ. فخرجتُ أبتغي رسولَ الله ◌ِّهِ حتى أتيتُ خَائِطاً للأنصار لبني (١١) ومن باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بُدَّ من استيقان القلب هذه الترجمةُ تنبيهٌ على فساد مذهبٍ غُلاة المرجئة القائلين: إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدلُّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلومُ الفساد من الشَّريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم . للمنافق بالإيمان الصَّحيح، وهو باطلٌ قطعاً. التلفظ بالشهادتين هل هو كافٍ في الإيمان. و (قوله: وخشينا أن يُقتطع دوننا) أي: يُحال بيننا وبينه بأخذٍ أو هلاك. و (قوله: ففزعنا وقمنا) أي: تركنا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه. من قولهم: فزعت إلى كذا؛ إذا أقبلت عليه وتفرّغت له. ومنه قول الشاعر: فَزِعْتُ إليكُم مِن بلايا تنوبُني فأَلْفَيْتُكُم مِنْها كريماً مُمجَّدا وقد دلَّ على ذلك قولُه: فكنتُ أول من فزع. أي: أول مَن أخَذَ في طلبه، وليس هو من الفزع الذي هو (١) الذّعر والخوف؛ لأنه قد قال قبل هذا: فخشينا أن حرص الصحابة على رسول (١) في (ع): هو ضد، وهو خطأ. ٢٠٥ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين النَّجَارِ. فدرتُ به، هل أجدُ له باباً؟ فلم أجدْ فإذا رَبِيعٌ يدخلُ فِي جَوْفٍ خَائِطٍ من بئر خارجة - والرَّبيعُ: الجدولُ - فَاحْتَفَزْتُ، فدخلتُ على رسولِ اللهِ وَ﴿، فقالَ: ((أبو هريرة؟!)) فقلتُ: نعم يا رسولَ الله! قالَ: ((ما شَأْتُكَ؟)) قلتُ: كنتَ بين أظهرِنَا فقمتَ فأبطأتَ علينا فخشينا أن تُقتطع دونَنَا، ففزعنَا، فكنتُ أوَّلَ من فزعَ، فأتيتُ هذا الحائطَ، فاحتفزتُ كما يحتفزُ الثعلبُ، وهؤلاءِ النَّاسُ وَرَائِي. فقالَ: ((يا أبَا هُرَيرةً!)) - وأعطَاني يقتطع دوننا، ثم رتب فزعنا عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبّب. والفزع لفظ مشترك ينطلق على ذينك المعنيين وعلى الإغاثة. و (قوله: فاحتفزت كما يحتفز الثعلب) رواه عامةُ الشّيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحفر، وروي عن الجلودي: بالزاي، وكأنه الصَّواب، ويعني به: أنه تضامم وتصاغر، ليسعه الجدول. ومنه حديث علي: ((إذا صلّت المرأة فلتحتفز))(١) أي: لتضام، وتنزو(٢) إذا سجدت. و (قوله: كنت بين أظهرنا) أي: بيننا. ورواه الفارسي: ظهرينا، وقال الأصمعي: العرب تقول: بين ظهريكم وظهرانيكم. قال الخليل: أي: بينكم. و (قوله: وهؤلاء الناس من ورائي) يعني به: النفر الذين كانوا مع النبي وَلّ فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيون للنبي وَلفر تسليماً كثيراً بقوله: ((فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط))، يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقناً بها قلبه، فبشّره بالجنة)) فإنه قيّده بقوله: ((من لقيت من وراء هذا الحائط))، ولا شك في أن أولئك هم(٣) من (١) ذكره أبو عبيد في غريبه (٣٠٥/٢) والزمخشري في الفائق (٤٠٢/١) وابن الأثير في النهاية (١/ ٤٠٧). (٢) (تنزو)): تجتمع وتتضام بعضها إلى بعض. (٣) من (م) و (ط). ٢٠٦ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين نعليْه - فقالَ: ((اذهبْ بنعليَّ هاتينٍ، فمنْ لقيتَ من وراءِ هذا الحائطِ يشهدُ أنْ لا إِلّهَ إِلَّ الله مُستيقناً بها قلبُه، فَبَشِّرْهُ بالجنَّةِ» وكان أوَّلَ من لقيتُ عمرُ، فقالَ: ما هاتانِ النَّعْلانِ، يا أبَا هُريرة؟ قلتُ: هاتانِ نَعْلا رسول الله وَهـ بعَثني بهما، مَنْ لقيتُ يشهدُ أنْ لا إِلّهَ إِلَّ اللهُ مُستيقناً بها قلبُه، بَشَّرْتُهُ بالجنَّة - قال: فضرب عمرُ بيديه بين ثَدْيَيَّ فخررتُ لاستِي، فقال: ارجعْ يا أبا هُريرة! فرجعتُ إلى رسولِ الله وَلِّ فأجهشتُ بكاءً، ورَكبني عمرُ، فإذا هو على أثري، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما لكَ يا أبَا هُريرة؟)) قلت: لقيتُ عمرَ، أهل الجنة، وهذا ظاهِرُ اللفظ، ويُحتمل أن يُقالَ: إنَّ ذلك القيدَ مُلْغَى، والمراد: هم وكُلُّ من شاركهم في التلفظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما، وحينئذ يرجعُ إلى التأصيل والتفصيل الذي ذكرناه في الباب قبل هذا. وفي دَفْع النبي ◌َّر لأبي هريرة بنعليه دليلٌ على جواز عضد خبر المخبر الواحد بالقرائن، تقوية لخبره وإن اعتبار القرائن كان لا يُتَّهم، وفيه اعتبارُ القرائن والعلامات والعمل على ما يقتضيه من الأعمال والعلامات. والأحكام. واليقين: هو العلمُ الرَّاسِخُ في القلب الثَّابتُ فيه، يقال منه: يقنت الأمر - بالكسر - معناه: أيقنت واستيقنت وتيقّنت، كلّه بمعنى واحد، وربما عبّروا عن الظَّنِّ باليقين، وباليقين عن الظَّنِّ. قال الشاعر(١): تحسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقنَ أنَّني بها مُفْتَدٍ مِنْ وَاحدٍ لا أُغَامِرُه يقول: تشمَّمَ الأسد ناقتي، يظن أنني أفتدي بها منه، وأتركها له، ولا أقاتله. قاله الجوهري، وقال غيره: اليقين هو: السكونُ مع الوضوح، يقال: يقن الماء، أي: سکن وظهر ما تحته. و (قوله: وركبني عمر) أي: اتبعني في الحال من غير تربّص، وضرب عمر من مواقف عمر. (١) هو أبو مسعدة الأسدي، ويُقال: الهجيمي. ٢٠٧ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين فأخبرتُه بالذي بَعثتني به، فضربَ بين ثَدْيَيَّ ضربةً خررتُ لاسْتِي، فقالَ: ارجعْ. فقال رسول الله وَ طاهر: (يا عمرُ! ما حملكَ على ما فعلتَ؟)) فقال: يا رسولَ الله - بأبي أنتَ وأُمِّ - أبعثتَ أبا هريرة بنعليْكَ مَن لقيَ يشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّ اللهُ مُستيقناً بها قلبُه بَشَّرَهُ بالجنَّةِ؟)) قال: ((نعم)) قال: فلا تفعلْ، فإني أخشى أن يتَكِلَ النَّاسُ عليها، فَخَلِّهِمْ يعملونَ. قال رسول الله وَلّ: ((فَخَلِّھمْ)) . رواه مسلم (٣١). أبي هريرة حتى سقط لم يكن ليؤذيه ويوقعه، لكن إنما كان ليوقفه ويمنعه من النهوض بالبشرى حتى يراجع النبيّ وَ لّر، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضاً على رسول الله*، ولا ردّاً لأمره، وإنما كان ذلك سعياً في استكشافٍ عن مصلحة ظهرت له لم يعارضْ بها حكماً ولا شرعاً، إذ ليس فيما أمره به إلا تطبيب قلوب أصحابه، أو أمته، بتلك البشرى، فرأى عمر: أنَّ السكوتَ عن تلك البشری أصلحُ لهم، لئلّ يتكلوا على ذلك، فتقلّ أعمالُهم وأجورُهم، ولعل عمر قد كان سمع ذلك من النبي و # كما سمعه معاذ، على ما يأتي في حديثه(١)، فيكون ذلك تذكيراً للنبي 9 بما قد سمع منه، ويكون سكوت النبي ولا ير عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر لِما خصَّه اللهُ تعالى به من الفِطنة وحضور الذِّهن تذكَّر ذلك، واستبلد أبا هريرة إذ لم يتفطن لذلك، ولا تذكّره، فضربه تلك الضربةَ تأديباً وتذكيراً، والله تعالى أعلم. و (قوله: فخررت لاستي) أي: على استي، كما قال تعالى: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] أي: عليها، وكأنه وَکَزه في صدره فوقع على استه، وليس قول من قال: ((خرّ على وجهه)) بشيء. (١) أي: حديث معاذ الآتي. ٢٠٨ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين [٢٦] وعن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ◌َِّـــ ومعاذُ بنُ جَبَلِ رديفُه على الرحل - قال: (يَا مُعَاذُ!)) قال: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ. قال: ((يا مُعَاذُ!)) قالَ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ. قال: (يا مُعاذُ!)) قال: لَبَيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ. قال: ((مَا مِن عبدٍ يشهدُ أنْ لا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه - في البخاري: صِدْقاً من قلبه - إلا حَرَّمَهُ الله على النّارِ)) و (قوله: أجهشتُ بُكاء) أي: تهيأت له، وأخذتُ فيه، قال أبو عبيد: الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الإنسان مُريداً للبكاء، كالصبي يفزع لأمه، فقال: جهشت وأجهشت لغتان، وقال أبو زيد: جهشت للبكاء والحزن والشوق جهوشاً. وفي هذا الحديث: دليلٌ على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها عرض المصالح بالاعتبار، وقد اختلف فيه الأصوليون، وفيه: عرض المصالح على الإمام وإن لم على الإمام. يستدع ذلك، وفيه أبواب لا تخفی. و (قوله في حديث معاذ: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله إِلَّا حرّمه الله على النار))) هكذا وقع هذا الحديثُ في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما علمتُه، وقد زاد البخاريُّ فيه: ((صدقاً من قلبه)) وهي زيادة حسنة تنصّ على صحة ما تضمّنته الترجمةُ المتقدِّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة كما قد صدْق القلب. قدَّمْناه، ومعنى صدق القلب: تصديقه الجازم بحيث لا يخطر له نقيضُ ما صدّق به، وذلك إما عن برهان فيكون علماً، أو عن غيره فيكون اعتقاداً جزماً، ويجوز أن يُحرِّم اللهُ مَن مات على الشَّهادتين على النار مطلقاً، ومَن دخل النار من أهل الشهادتين بكبائره حرّم على النار جميعه أو بعضه، كما قال في الحديث الآخر: ما حرّم على ((فيحرم صورهم على النار))(١)، وقال: ((حرّم الله على النار أن تأكل أثر النار. (١) رواه البخاري (٧٤٣٩). ٢٠٩ (١) كتاب الإيمان - (١١) باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين قال: يا رسولَ الله! أفلا أخبرُ بها النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قال: ((إذنْ يَتَكِلُوا)) فأخبرَ بها معاذٌ عندَ موتِه تأثُّماً. رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢). السجود))(١) . ويجوز أن يكون معناه: إن الله يحرِّمه على نار الكفار التي تنضج جلودهم، ثم تبدل بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿كَمَا تَضَِّتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْتَهُمْ جُلُودًّا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] الآية. وقد قال له: ((أمّا أهل النار الذين هم أهلُها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناساً أصابتهم النارُ بذنوبهم فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فحماً أُذِن لهم في الشفاعة .. ))(٢) الحديث. وسيأتي. و (قوله: فأخبر بها معاذّ عند موته تأثماً) أي: تحرُّجاً من الإثم، وخوفاً منه، قال الهروي وغيره: وتفعّل كثيراً ما يأتي لإلقاء الرجل الشيء عن نفسه وإزالته عنه. يُقال: تحنّت وتحرّج وتحوّب؛ إذا ألقى عن نفسه ذلك، ومنه فلان يتهجد، أي: يلقي الهجود عن نفسه. ومنه امرأة قَذَوَّر؛ إذا كانت تتجنّب الأقذار، حكاه الثعالبي. (١) رواه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢). .( (٢) سيأتي برقم ( ٢١٠ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته (١٢) باب من يذوق طعم الإيمان وحلاوته [٢٧] عن العبَّاس بن عبد المطلب، أنَّه سمعَ رسولَ الله وَلَه يقولُ: ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ، مَنْ رضيَ بالله ربّاً، وبالإسلامِ دِيناً، وبمحمّدٍ رسولاً)». رواه أحمد (٢٠٨/١)، ومسلم (٣٤)، والترمذي (٢٧٥٨). حلاوة الإيمان. (١٢) ومن باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته قوله: ((ذاق طعم الإيمان)) أي: وَجَد حلاوته، كما قال في حديث أنس: (ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَد بهنَّ حلاوة الإيمان))، وهي عبارةٌ عمّا يجده المؤمنُ المحقّقُ في إيمانه، المطمئن قلبه به؛ من انشراح صدره وتنويره بمعرفة الله تعالى ومعرفة رسوله، ومعرفة مِنّة الله تعالى عليه في أن أنعمَ عليه بالإسلام، ونَظَمه في سِلْك أُمّة محمد خير الأنام، وحبّب إليه الإيمانَ والمؤمنين، وبغَّض إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، وركاكة أحوالهم. وعند مطالعة هذه المنن والوقوف على تفاصيل تلك النِّعم تطيرُ القلوبُ فرحاً وسروراً، وتمتلى إشراقاً ونوراً، فيا لها من حلاوة ما ألذها! وحالة ما أشرفها! فنسأله اللهَ تعالى أن يمنَّ بدوامها وكمالها، كما مَنَّ بابتدائها وحصولها، فإنَّ المؤمنَ عند تذكُّر تلك النِّعم والمنن لا يخلو عن إدراكِ تلك الحلاوة، غير أنَّ المؤمنين في تمكّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسِم لهم من هذه المجاهدة الرِّياضية، والمِنَح الرَّبَّانية، وللكلام في تفاصيل ما أجملناه مقامٌ آخرُ. و (قوله: (مَن رضي بالله رباً ... ))) الحديث، الرضا بهذه الأمور الثلاثة علی قسمین: أقسام الرضا. رضا عام؛ وهو أَلَّا يَتَّخذ غير الله رباً، ولا غير دِيْن الإسلام ديناً، ولا غير محمد وَل﴿ رسولاً. وهذا الرِّضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يصحَ التَّديّنُ بدين الإسلام إلا بذلك الرضا. ٢١١ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته [٢٨] وعن أنس، عن النبيِّمَ له قالَ: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ حَلاَوَةَ الإِيمانِ، والرضا الخاص هو: الذي تكلّم فيه أربابُ القلوب، وهو ينقسمُ على قسمين: رضا بهذه الأمور، ورضا عن مُجريها تعالى، كما قال أبو عبد الله بن خفيف(١): الرضا قسمان: رضا به ورضا عنه، فالرضا به مدبراً، والرضا عنه فيما قضى. وقال أيضاً: هو سكونُ القلبٍ إلى أحكام الرب، وموافقته على ما رضي واختار. وقال الجنيد: الرضا دفع الاختيار، وقال المحاسبي: هو سكونُ القلب تحت مجاري الأحكام. وقال أبو علي الرّوذباري: ليس الرضا أَلَّ يحسّ بالبلاء، إنما الرضا أَلَّ يعترضَ على الحكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وما ذكره هؤلاء المشايخ هو مبدأ الرِّضا الغلوفي عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النوري(٢): هو سرورُ القلب بمرّ القضاء. الرضا. وسُئلت رابعة عن الرّضا فقالت: إذا سرتُه المصيبةُ كما سرّته النّعمة. وقد غلا بعضُهم وهو أبو سليمان الدّاراني فقال: أرجو أن أكونَ عرفت طرفاً من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت به راضياً. وقال رويم: الرضا هو لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل أن يُحول عن شماله. قال المؤلف رحمه الله تعالی: وهذا غلوّ، وفيه إشكال، والكلام فيه يخرج فيه عن مقصود كتابنا. وعلى الجملة: فالرضا: باب الله الأعظم، وفيه جماع الخير كلّه، كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه: أما بعد! فإنّ الخيرَ كلّه فيَ الرضا، فإن استطعتَ أن ترضی وإلا فاصبر. و (قوله: ((ثلاث من كُنَّ فيه وَجَد بهنّ حلاوة الإيمان))) إنما خصّ هذا (١) هو محمد بن خفيف الشيرازي: من مشايخ الصوفية. توفي سنة (٣٧١ هـ). (٢) هو أحمد بن محمد التُّوري: من مشايخ الصوفية. توفي سنة (٢٩٥ هـ). ٢١٢ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته مَنْ كانَ اللهُ ورسولُه أحبّ إليه مِمَّا سواهُمَا، الثلاث بهذا المعنى؛ لأنها لا توجد إلا ممّن تنوّر قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسنُ تلك الأمور؛ التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين. إضافة المحبة لله تعالی. و (قوله: ((من كان الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما))) دليلٌ على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه. ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه صحيح محبّاً ومحبوباً، كما قال تعالى: ﴿فَوْفَ بَأْتِ اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُرْ﴾ [المائدة: ٥٤] وهو في السُّنَّة كثير، ولا يختلف النظّار من أهل السُّنَّة وغيرهم أنها مؤوَّلة في حق الله تعالى؛ لأن المحبةَ المتعارفةَ في حقِّنا إنما هي ميلٌ لما فيه غرضٌ يَسْتَكْمِلُ به الإنسانُ ما نقصه، وسكونٌ لما تلتذُّ به النفسُ وتكمل بحصوله. والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك. المحبة المتعارفة في حقنا . تأويل المحبة في حق الله تعالی. وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حقِّ الله تعالى؛ فمنهم مَن صرفها إلى إرادته تعالى إنعاماً مخصوصاً على من أخبر أنّه يحبّه مِن عباده. وعلى هذا ترجع إلى صفة ذاته. ومنهم مَن صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات الفعل. وعلى هذا المنهاج يتمشّى القولُ في الرّحمة والنّعمة والرّضا والغضب والسّخط وما كان في معناها. ولبسط ذلك موضعٌ آخر. محبة العبد لله تعالی. فأما محبةُ العبد لله تعالى فقد تأوّلها بعضُ المتكلِّمين؛ لأنَّهم فسَّروا المحبةَ بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلّق بالحادث لا بالقديم. ومنهم من قال: لأن محبتنا إنما تتعلق بمستلذٍ محسوس، والله تعالى مُتَزّه(١) عن ذلك، وهؤلاء تأوّلوا محبةَ العبد لله تعالى بطاعته له، وتعظيمه إيّاه، وموافقته له على ما يريدُ منه. وأمّا أربابُ (١) في (ع): أعلى ومنزّه. ٢١٣ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته القلوب فمنهم من لم يتأول محبة العبد لله تعالى؛ حتى قال: المحبة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب الهائم، وقال أبو القاسم القشيري: أما محبة العبد لله تعالى فحالةٌ يجدُها العبدُ من قلبه، تلطف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالةُ على التّعظيم لله تعالى، وإيثار رضاه، وقلّةِ الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرَار عنه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فهؤلاء قد صرَّحوا بأنَّ محبةَ العبد(١) لله تعالى هي ميلٌ من العبد، وتوقان، وحال يجدها المحبُّ مِن نَفْسه من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له وهو صحيح. والذي يُوضِّحه: أن الله تعالى قد جَبَلَنا على الميل إلى الحُسْن والجمال والكَمَال؛ فبقدر ما ينكشفُ للعاقل من حُسْن الشيء وجماله مال إليه، وتعلّق قلبُه به، حتى يفضي الأمرُ إلى أن يستوليَ ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصّبر عنه، وربما لا يشتغلُ بشيء دونه. ثم الحسنُ والكمالُ نوعان: محسوس ومعنوي. فالمحسوسُ كالصّور الحسن الجميلة المشتهاة لنيل اللذة الجسمانية. وهذا في حقّ الله تعالى محالٌ قطعاً. وأما والكمال. المعنوي فكمن اتّصف بالعلوم الشَّريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة. فهذا النوعَ تميلُ إليه النفوسُ الفاضلة والقلوب الكاملة ميلاً عظيماً؛ فترتاح لذكره، وتتنعَّم بخُبْرِهِ وخَبَرِهِ، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوّف(٢) لمشاهدة أحواله، وتلتذُ بذلك لذةً روحانية لا جسمانية كما تجده عند ذكر الأنبياء والعلماء والفضلاء والكرماء من الميل واللذة والرقة والأنس، وإن كُنَّا لا نعرِفُ صورهم المحسوسة، وربما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصُّورة الظّاهرة أو أعمى أو أجذم، (١) ساقط من (ع). (٢) في (ط): تتشوق. ٢١٤ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّ للهِ - تعالى-، ومع ذلك فذلك الميلُ والأنس والتشوّق موجودٌ لنا(١). ومن شك في وجدان ذلك أو أنكره كان عن جيّة الإنسانية خارجاً، وفي غمار المعتوهين والجاً. وإذا تقرر ذلك فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال قد أحسن إلينا، وفاضتْ نِعَمه علينا؛ ووصلنا ببرّه وعَطْفه ولُطْفه؛ تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس حتى لا نصبرَ عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نذهلَ عن جميع الأشغال. بل ويطرأ على المشتهر بذلك نوعُ اختلال، وإذا كان ذلك في حقّ من كماله وجماله مقيداً مشوباً بالنقص، معرضاً للزوال كان مَنْ كماله وجماله واجباً مطلقاً (٢) لا يشوبه نقصٌ، ولا يعتريه زوالٌ، وكان إنعامُه وإحسانُه أكثر بحيث لا ينحصر ولا يعد، أولى بذلك الميل، وأحقّ بذلك الحب، وليس ذلك إِلَّا لله وحده، ثم لمن خصّه الله تعالى بما شاء من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد عليه أفضل الصّلاة والسّلام، فمن تحقَّق ما ذكرناه؛ واتَّصف بما وصفناه؛ كان اللهُ ورسولُه أحبّ إليه مما سواهما، ومَن كان كذلك تأمّل للقائهما بالاتّصاف بما يرضيهما، واجتناب ما يسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلية عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما وأمرهما، ولتفصيل ذلك موضعٌ آخر. و (قوله: ((وأن يحبّ المرءَ لا يحبّه إلا الله))) يعني بالمرء هنا: المسلمَ المؤمنَ؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلِصَ لله تعالى في محبته، وأن يتقرَّبَ لله تعالى باحترامه وحرمته، فإنه هو الموصوفُ بالأخوة الإيمانية، والمحبّة الدينية، كما قال تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. الإخلاص في المحبة. (١) في (ع): لدينا. (٢) ساقط من (م). ٢١٥ (١) كتاب الإيمان - (١٢) باب: من يذوق طعم الإيمان وحلاوته وأنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنقذَه اللهُ منه كما يكرهُ أن يُقْذَفَ في النَّارِ)). رواه أحمد (١٠٣/٣ و١٧٤ و٢٣٠)، والبخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٦)، والنسائي (٩٦/٨)، وابن ماجه (٤٠٣٣). وقد أفاد هذا الحديث: أنَّ محبةَ المؤمن الموصلة لحلاوة(١) الإيمان لا بُدَّ أن تكونَ خالصةً لله تعالى، غير مشوبة بالأغراض الدنيوية، ولا الحظوظ البشرية؛ فإنَّ مَن أحبّه لذلك انقطعتْ محبته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله. ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة(٢) على الدّوام وُجِدَت الأعراضُ أو عُدِمَتْ. ولما كانت المحبةُ للأعراض هي الغالبةَ قَلَّ وجدانُ تلك الحلاوة، بل قد انعدم - لا سيما في هذه الأزمان التي قد امّحى فيها أكثر رسوم الإيمان-، وعلى الجملة فمحبّةُ المؤمنين مِن العبادات التي لا بُدَّ فيها من الإخلاص في حُسْن النيات. و (قوله: ((وأن يكره أن يعودَ في الكُفْر كما يكرهُ أن يُقْذَفَ في النار))) معنى كراهية المؤمن يُقذف: يُرمى. والقَذْف: الرَّمْي. وهذه الكراهةُ موحيةٌ لما انكشفَ للمؤمن من الكفر. العودة في محاسن الإسلام، ولما دَخَل قلبه مِن نور الإيمان، ولما خلّصه اللهُ مِن رَذائل الجهالات، وقُبح الكفران. والحمد لله. (١) في (ع): الموصولة بحلاوة. (٢) في (م): فعلية. ٢١٦ (١) كتاب الإيمان - (١٣) باب: الإيمان شعب والحياء شعبة منها (١٣) باب الإيمان شعب، والحياء شعبة منها [٢٩] عن أبي هريرةَ، عن رسول الله وَل﴿ِ قالَ: ((الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ شُعْبَةً، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ». وفي رواية: ((بِضْعٌ وسبعونَ - أو بِضْعٌ وسِتُّونَ - شُعْبَةً، فأفضلُها قولُ لا إلَهَ إِلَّ اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطّريقِ، (١٣) ومن باب: الإيمان شُعَب، والحياء شعبة منها قد يُراد بالإيمان الأعمال الشرعية. قوله: ((والإيمانِ بضع وسبعون شعبة))) الإيمانُ في هذا الحديث يُراد به الأعمال؛ بدليل أنّ ذَكَر فيه أعلى الأعمال؛ وهو قولُ لا إلّه إِلَّا الله، وأدناها أي: أقربها، وهو إماطةُ الأذى، وهما عَمَلان، فما بينهما من قَبِيل الأعمال. وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شَرْعاً ولغة، وأنَّ الأعمالَ الشرعية تسمّى إيماناً مجازاً معنى البضع. وتوسُّعاً؛ لأنها عن الإيمان تكون غالباً. والبِضْع والبِضْعة واحد. وهو من العدد بكسر الباء. وقد تُفتح، وهو قليل. ذكره الجوهري. فأمَّا مِن بَضْع اللحم، فبفتح الباء لا غير، والبَضْعة من اللحم بالفتح: القطعة منه. واستعملت العربُ البِضْعَ في المشهور من كلامها فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى التسع. وقال الخليلُ: البضع: سبع. وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشر، وما بين عشر إلى عشرين، ولا يقال في أحد عشر ولا في اثني عشر، وقال الخليل أيضاً: هو ما بين نصف العقد، یرید من واحد إلی أربع. معنى الشعبة. والشُّعبة في أصلها: واحدة الشعب، وهي أغصانُ الشجرة، وهي بضم الشين، فأما شَعب القبائل: فواحدها شَعْب، بفتحها، وقال الخليل: الشعب: الاجتماع والافتراق. وفي الصّحاح: هو من الأضداد. فيراد بالشُّعبة في الحديث ٢١٧ (١) كتاب الإيمان - (١٣) باب: الإيمان شعب والحياء شعبة منها والحَيَاءِ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ)). رواه أحمد (٤١٤/٢ و٤٤٥)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (١١٠/٨)، وابن ماجه (٥٧). الخَصْلة، ويعني: أن الإيمانَ ذو خِصال معدودة. وقد ذكر الترمذيّ هذا الحديثَ وسمّى الشعبة باباً(١) فقال: ((بضع وستون، أو بضع وسبعون))، ولا يُلتفت لهذا الشك؛ فإنَّ غَيْرَهُ من الثُّقات قد جَزَمَ بأنه بضع وسبعون. ورواية مَن جَزمَ أولى. ومقصودُ هذا الحديث أنَّ الأعمالَ الشرعية تُسمَّ إيماناً على ما ذكرناه آنفاً، الإحاطة بحصر وأنها مُنْحَصِرةٌ في ذلك العدد، غير أن الشرعَ لم يعيّن ذلك العدد لنا(٢) ولا فَصَّله، عدد شعب الإيمان. وقد تكلّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك، فتصفّح خصال الشريعة وعَدَّدها، حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد. ولا يصحّ له ذلك؛ لأنه يمكن الزيادةُ على ما ذكر والنقصان مما ذكر ببيان التداخل. والصّحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره: أنها منحصرةٌ في عِلْم الله تعالى وعِلْم رسوله، وموجودة في الشريعة مفصلة فيها، غيرَ أنَّ الشرعَ لم يُوقِفْنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيّن لنا عددها، ولا كيفية انقسامها، وذلك لا يضرّنا في علمنا بتفاصيل ما كُلِّفنا به من شريعتنا ولا في عملنا، إذ كلُّ ذلك مُفصَّلٌ مبيّن في جُملة الشريعة، فما أُمِرْنا بالعمل به عملناه، وما نُهِينا عنه انتهينا، وإن لم نُحِطْ بحصر أعداد ذلك، والله تعالى أعلم .. والحياء: انقباضٌ وحشمةٌ يجدُها الإنسانُ مِن نفسه عندما يُطْلع منه على (الحياء) (١) قوله: وسمّى الشعبة باباً، ساقط من (ع). (٢) من (م) و(ط). ٢١٨ (١) كتاب الإيمان - (١٣) باب: الإيمان شعب والحياء شعبة منها ما يستقبح ويذمّ عليه، وأصلُه غريزي في الفطرة، ومنه مُكتسب للإنسان. كما قال بعض الحكماء في العقل: فمطبوع ومصنوع رأيت العقلَ عقلين إذا لم يكُ مطبوعُ ولا ينفعُ مصنوعٌ وضَوْءُ الشَّمْسِ ممنوعُ(١) كما لا تنفعُ العينُ وهذا المكتسبُ هو الذي جعله الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يُكلّف به، وأما الغريزي فلا يُكلّف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وُسْعنا، ولم يكلّف اللهُ نفساً إلا وسعها. غير أنّ هذا الغريزي يحملُ على المكتسب ويعين عليه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) و ((الحياءُ خيرٌ كلّه))(٢). وأول) الحياء من الله الحياء وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أَلَّ يراكَ حيث نهاك، وذلك لا يكون تعالی. إلا عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة، وهي المعبَّر عنها بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)»(٣). وقد روى الترمذي من حديث ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((استحيوا من الله حقَّ الحياء)) فقالوا: إنا نستحيي والحمد لله، فقال: ((ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء: أن تحفظ الرأسَ وما حوى، والبطنَ وما وَعَى، وتذكر الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك فقد استحيى من الله حقَّ الحياء))(٤). (١) الأبيات أوردها الماوردي في ((أدب الدنيا والدين)) ص (٢٩ - ٣٠) طبعة دار ابن كثير. (٢) رواه مسلم (٣٧) (٦١). (٣) سبق تخريجه برقم (٧) في تلخيص مسلم. (٤) رواه أحمد (٣٨٧/١)، والترمذي (٢٤٦٠). ٢١٩ (١) كتاب الإيمان - (١٣) باب: الإيمان شعب والحياء شعبة منها [٣٠] وعن ابن عمرَ، قال: مَرَّ النبيُّ ◌َ﴿ برجلٍ من الأَنْصَارِ، يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فقال: ((الحَيَاءُ مِنَ الإيمانِ». رواه أحمد (٥٦/٢ و١٤٧)، والبخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٨)، والنسائي (١٢١/٨)، وابن ماجه (٥٨). قال الشيخ: وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم تفاوت الناس متفاوتون كما تقدّم. وقد كان النبيُّ ◌َل ◌ْ جُمِع له كمالُ نوعي الحياء؛ فكان في في الحياء. الحياء الغريزي أشدّ حياء من العذراء في خِذْرِها، وفي حيائه الكسبي في ذروتها. و (قوله: ((مر برجل يعظ أخاه في الحياء))) أي: يعذله على كثرته، ويزجره عنه. و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((دعه))) زجر للواعظ، لأنه عليه الصلاة والسلام عَلِم أنَّ ذلك الشخص لا يضرّه الحياء في دِینه بل ینفعه. ولذلك قال له: (دعه؛ فإن الحياءَ لا يأتي إلا بخير)). وقد يفرط الحياء على الناس حتى يمنعه ذلك الحياء من القيام بحق الله تعالى من الأمر بالمعروف وتغيير المنكر، ويحمله على المذموم. المداهنة في الحقّ، وكلُّ ذلك حياءً مذمومٌ شرعاً وطبعاً(١) يَحرم استعماله، ويجب الانكفافُ عنه، فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجبن والخور؛ وأَوْلَى منه باسم الحياء والخفر. (١) قوله: شرعاً وطبعاً، من (م). ٢٢٠ (١) كتاب الإيمان - (١٣) باب: الإيمان شعب والحياء شعبة منها [٣١] وعن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((الحياءُ لا يَأتي إِلَّ بخيرِ)). فقال بُشَيْرُ بنُ كعب: إنه مكتوبٌ في الحكمةِ: أنَّ منه وَقاراً ومنه سكينةً. فقال عمران: أُحَدِّثُكَ عن رسول اللهِوَِّ، وتُحَدِّثُني عن صُحُفِكَ؟ !. رواه أحمد (٤٢٧/٤)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦). أقسام الحياء. و (قول بُشَيْر بن كعب: إنَّ منه وقاراً ومنه سَكِينة) يعني: إن منه ما يحمل صاحبه على أن يوقّرَ الناس ويتوقّرَ هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أن يسكنَ عن كثير مما يتحرَّكُ الناسُ إليه من الأمور؛ التي لا تليقُ بذوي المروءات. ولم ينكر عمران على بُشير هذا القولَ من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث أنه(١) أتى به في مَعْرض من يعارضُ كلامَ رسول الله ◌َل# بكلام الحكماء ويقاومه به، ولذلك قال له: أحدِّثك عن رسول الله وَ له وتُحدِّثني عن صُحُفك! وقيل: إنما (٢) أنكره عليه لأنه خاف أن يخلط بالسُّنة ما ليس منها، فسد ذريعة ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم. (١) ساقط من (ع). (٢) في (ط): إنه إنما.