Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام
وفي رواية: ((أفلحَ وأبيهِ إِنْ صَدَق)) أو ((دخلَ الجنَّةَ وأبيه إنْ صدقَ)).
رواه البخاري (٢٦٧٨)، ومسلم (١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي
(٢٢٧/١) و(١١٨/٨).
[١٠] وعن أنس بن مالك؛ قال: نُهِينَا أن نسألَ رسولَ الله ◌ِ له عن
شيءٍ، فكانَ يُعجبنا أن يجيءَ الرجلُ من أهل البادية العاقلُ، فيسألَه ونحنُ
نسمعُ،
للحلف به، كما جرى منه: تربت يمينك، وعَقْرى حَلْقى(١)، وهذه عادةٌ عربيةٌ
بشريةٌ لا مؤاخذة عليها، ولا ذمّ يتعلّق بها.
[وقد جاء في هذا الحديث: الصدق في الخبر المستقبل، وهو رد على الصدق في
ابن قتيبة إذ قال: الصدق إنما يدخل على الماضي، والخلف في المستقبل. ويرد الخبر
المستقبل.
عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]](٢) .
و (قوله: أفلح وأبيه إن صدق)) أو ((دخل الجنة وأبيه إن صدق))) هذا شكّ
من بعض الرواة في هذا الطريق، وقد جاء طريقٌ آخر بالجزم على أحدهما كما
تقدّم. ثم معنى اللفظين واحدٌ، فلا يضرُ(٣) الشك، وإنما ذكره الراوي متحرِّياً.
و (قوله: نُهينا أن نسأل رسولَ الله وَلهـ ــ في القرآن - عن شيء) يعني بذلك:
قوله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] وقد تقدّم سببُ
ذلك، وسيأتي تكميلُه.
(١) (((عقرى)): أي: عَقَرَها الله وأصابها بعَقْر في جَسَدها. و((حلقى)): أي: أصابها وَجَع في
حَلْقها.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و (ط) و (ل)، وأثبتناه من (ع).
(٣) في (ع): يضير.

١٦٢
(١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام
فجاءَ رجلٌ من أهل البادية فقال: يا محمد! أتانا رسولُك فزعَم لنا أنك
تزعم أن الله أرسلكَ، قال: ((صدقَ)) قال: فمن خلقَ السَّماءَ؟ قال:
(اللهُ» قالَ: فمن خلقَ الأرضَ؟ قال: ((الله)) قال: فمن نصبَ هذه الجبالَ،
وجعلَ فيها ما جعلَ؟ قال: ((الله)) قال: فبالذي خلقَ السَّماءَ وخلقَ الأرضَ
ونصبَ هذه الجبالَ، اللهُ أرسلكَ؟ قال: ((نعم) قال: وزعمَ رسولُك أنَّ علینا
خمسَ صَلواتٍ في يومِنا وليلتنا. قال: ((صدقَ)) قال: فبالذي أرسلكَ، اللهُ
أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعمَ رسولُكَ أنَّ علينا زكاةً في أموالنا.
قدوم ضمام بن
ثعلبة
رسول الله .
و (قوله: فجاء رجلٌ) هذا الرجل هو ضِمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن
على بكر، قَدِم على رسول اللهِ وَّه سنة تسع. قاله أبو عُبَيْد، وقيل: سنة سبع. وقال أُيرى
محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها؛ لأنَّ فَرْضَ الحجِّ لم يكن نزل إذ ذاك، ما
(ص٥
والله أعلم، وسيأتي ذلك في الحج إن شاء الله تعالى.
والإصاء
وقد خرّج البخاريُّ هذا الحديثَ، وقال فيه: عن أنس رضي الله عنه: بينما
نحنُ جلوسٌ في المسجد دخل رجلٌ على جَمَل، فأناخه في المسجد، ثم عَقَلَهُ، ثم
قال: أيُّكم محمد بن عبد الله؟ والنبيُّ وَّه بين ظهرانيهم. فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ
المتَّكىء. فقال الرجلُ: أبنَ عبد المطلب؟ فقال له النبي قوله: ((قد أجبتُك))، فقال
الرجلُ: إِنِّي سائلُك، فَمُشَدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك. فقال:
(سَلْ عمّا بدا لك)). فقال: أسألُكَ بربَّكَ وربٌّ مَن قبلك: آللهُ أرسلكَ إلى النَّاسِ
كلِّهم؟ فقال: ((اللهم نعم)). وذكر نحو حديث مسلم.
وقد فهم البخاريُّ من هذا الحديث: أنَّ هذا الرجلَ قد كان أسلم على يدي
(رسول) رسول الله وَ ل﴿ حين جاءهم، وصحَّ إيمانُه وحَفِظ شرائعه، ثم جاء يعرضُها
على النَّبِي ◌َّ؛ ألا ترى البخاريَّ كيف بوّب على هذا (باب: القراءة والعرض على
المحدّث)؟ وكأن البخاريَّ أخذَ هذا المعنى من قول الرجل في آخرِ الحديث: آمنتُ

١٦٣
(١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام
قال: ((صدقَ)) قال: فبالذي أرسلكَ، اللهُ أمرَكَ بهذا؟ قال: ((نعم)) قال:
وزعمَ رسولُك أنَّ علينا صومَ شهرِ رمضانَ في سَنتنا. قال: ((صدقَ)) قال:
بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَن ورائي من قومي. وفيه نظر، وأما مساقُ حديث مسلم
فظاهِرُهُ أنَّ الرجلَ لم يُشْرَحْ صَدْرُه للإِسلامِ بَعْدُ، وأنه بقيتْ في قلبه منازعاتٌ
وشُكُوك، فجاء مجيءَ الباحثِ المستثبت ألا تراه(١) يقول: يا محمد! أتانا رسولُكَ
فزعم لنا أنك تزعمُ أنَّ الله أرسلك، فإن الزعمَ قولٌ لا يُوثَقُ به. قاله ابنُ السِّكِّیت
وغيره. غير أن هذا الرجل كان كاملَ العقل، وقد كان نَظَر بعقله في المخلوقات،
فدلَّه ذلك على أنَّ لها خالقاً خلقها(٢)، أَلَا ترى أنّه استفهمَ النبيَّ وَّرِ عن خالقٍ
المخلوقات استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يصحُّ العلمُ بالرسول إلا بعد حصولها،
وهي التي تفيد العلمَ بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهدَ به العقلُ، وأنَّ
الله تعالى هو المنفردُ بِخَلْق هذه المخلوقاتِ أقسمَ عليه، وسأله به هل أرسله؟.
ثم إنَّ الرجل استمر على أسئلته إلى أن حَصَلَ على طِلْبته، فانشرح صَدْرُه
للإِسلام، وزاحتْ عنه الشُّكوكُ والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ
رسول اللهِوَ*، فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصلُ لهم العلمُ بصحة رسالته بنفس
رؤيته ومشاهدته قبل النَّظَرِ في معجزته. كما قال أبو ذرّ: فلما رأيتُه علمتُ أنَّ
وَجْهَہ لیس بوجه كذّاب، حتى قال بعضهم :
لو لم تكنْ فيه آياتٌ مبينةٌ لكان منظرُهُ يُنبيك بالخبرِ
والحاصل: من حال هذا السّائل أنه حَصَل له العلم بصدق رسولِ اللهِ وَ اتِ،
وبصحة رسالته، لمجموع قرائن لا تتعيّن إحداها ولا تنحصر أعدادها.
(١) قوله: (ألا تراه) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (ع).

١٦٤
(١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام
فبالذي أرسلكَ، اللهُ أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعمَ رسولُك أنَّ علينا
حَجَّ البيتِ من استطاعَ إليه سَبِيلاً. قال: ((صدقَ)) قال: ثم وَلَّى، قال:
التصديق الجزم
بالحق.
ويُستفاد من هذا الحديث: أنَّ الشرعَ إنما طَلَب من المكلَّفين التصديقَ الجزمَ
بالحقِّ كيفا حصل وبأي وجهٍ ثَبَت، ولم يقصرهم في ذلك على النّظر في دلالةٍ
معينة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلُّ مَن حصل له اليقينُ بصدقه؛ بمشاهدة
وجهه، أو بالنظر في(١) معجزته؛ أو بتحليفه؛ أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين،
وكان من جُمْلة عبادِ اللهِ المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصَّةُ
بالأنبياء، والطّرق العامّة للعقلاء.
وقد روى ابنُ عباس رضي الله عنهما حديثَ ضِمَام هذا بأكمل من هذا، وقال
فيه ما يدلُّ على أن ضِمَاماً إنما أسلم بعد أن أجابه رسولُ الله ◌ِوَلِّ عن أسئلته
المتقدِّمة، فلما أن فرغَ قال ضِمام: أشهدُ أن لا إلَه إِلَّ الله، وأشهد أن محمداً
رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائضَ، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، ثم لا أزيدُ ولا
أَنْقُص. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إن يصدق ذو العقيصتين(٢) يدخل الجنة))(٣). ثم قدم
على أهله فعرض عليهم الإسلام، فما أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجلٍ ولا
امرأة إلا مسلماً. قال ابنُ عباس: فما سمعنا بوافدٍ قطّ كان أفضلَ من ضِمام. ونادى
هذا الرجلُ النبيَّ ◌َله: يا محمد ويا بن عبد المطلب، ولم يناده بالنبوة، ولا
بالرسالة، إما لأنه لم يؤمنْ بَعْدُ - كما قلناه - وإما لأنه باقٍ على صفة أهلِ البادية
والأعراب، إذ لم يتأذَّبْ بعد بشيءٍ من آداب الشَّرع، ولا عَلِمَ ما يجبُ عليه من
وجوب توقير تعزير النبي و ﴿ وتوقيره؛ فإن الله تعالى قد نهى أن يُنادَى النبيُّ ◌َّر: يا محمد. حين
النبي 9.
(١) في (ل): على.
(٢) أي: الضفيرتين.
(٣) رواه أبو داود (٤٨٧).

١٦٥
(١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام
والذي بعثكَ بالحقِّ لا أزيدُ عليهنَّ ولا أَنْقُص منهنَّ. فقال رسول الله وَلّى:
((إن صدقَ ليدخلنَّ الجنَّةَ)).
وفي رواية: ((كُنَّا نُهينا في القرآنِ أن نسألَ ... )) وذكره.
رواه أحمد (١٩٣/٣)، والبخاري (٦٣)، ومسلم (١٢)، وأبو داود
(٤٨٦)، والترمذي (٦١٤)، والنسائي (١٢١/٤ - ١٢٤).
قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وأولى ما يقال: إنَّ ضِماماً قَدِم على النَّبِي وَّ سنة تسع، كما قاله أبو عبيدة
وغيرُه من أهل التواريخ، ولأنها كانت سَنَّةَ الوفود؛ وذلك أنَّ الله تعالى لما فتَح
على رسولِ الله وَّرُ مكّة، وهزم جَمْع هوازن، وأسلمت قريش كلّها، دوّخ الله
العرب، ونَصَر نبيَّه ◌َ ﴿، وذلك سنة ثمان من الهجرة - فدخل الناس في دين الله
أفواجاً، وقدم رؤساءُ العرب وفوداً (١) على النبي ◌َّفي سنة تسع - فسميت سنة الوفود
لذلك. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى، يطول تتبعها.
(١) ساقط من (ع).

١٦٦
(١) كتاب الإيمان - (٣) باب: من اقتصر على فعل ما وجب عليه
(٣) باب
من اقتصر على فعل ما وجَبَ عليه
وانتھی عما حُرِّمَ علیه دخل الجنة
[١١] عن أبي أيوب؛ قال: جاء رجل إلى النبيِّنَّه فقالَ: دُلَّني
على عملٍ أعملُهُ يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدني من النَّارِ. قال: ((تعبدُ اللهَ
(٣) ومن باب: من اقتصر على فعل ما وجب عليه،
وانتھی عمّا حُِّم عليه، دخل الجنة
هذه الترجمةُ يشهدُ بصحتها الحديثان المذكوران تحتها؛ فأما حديث
أبي أيوب فمن حيث إنَّ النبيَّلَّهِ دلَّ السَّائلَ على فِعْل ما وَجَب عليه وقال: ((إن
تمسَّك بما أُمِر به دخل الجنة)). وأما حديثُ جابر فمن حيث إنَّ السائلَ إنما سأله
عن دخول - مَن فَعَل ما يجبُ عليه، وانتهى عما حُرِّم عليه - الجنة، فأجابه
بـ: (نعم))، ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئاً من فِعْل التطوّعات، فدلَّ على
صِحَّة ما ذكرناه، وعلى جوازٍ تَرْك التَّطوّعات على الجُمْلة، لكن مَن تركها ولم
يعملْ شيئاً منها؛ فقد فوَّتَ على نفسه ربحاً عظيماً، وثواباً جسيماً، ومَن داوم على
تَرْك شيء من السُّنَن؛ كان ذلك نقصاً في دينه، وقَدْحاً في عدالته، فإن كان تركه
تهاوناً به ورغبةً عنها؛ كان ذلك فِسْقاً، يستحقُّ به ذمّاً. وقال علماؤنا: لو أنَّ أهلَ
بلدة تواصلوا على ترك سُنَّة؛ لقوتلوا عليها؛ حتى يرجعوا. ولقد كان صدرُ
الصَّحابة ومَن بعدهم يثابرون على فِعْل السُّنَن والفضائل مثابرتهم على الفرائض،
ولم يكونوا يُفَرِّقُون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاجَ أئمةُ الفقهاء إلى ذِكْر
الفرقِ بينهما لما يترتَّبُ عليه من وُجُوبِ الإعادة وتَرْكها، وخوف العِقاب على
التَّرْك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجهٍ ما، وإنما سكت النبيُّ وَّر لهؤلاء السائلين عن
فِعْل
التطوعات.

١٦٧
(١) كتاب الإيمان - (٣) باب: من اقتصر على فعل ما وجب عليه
لا تشركُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصِلُ ذا رَحِمِكَ)). فلما
أدبرَ قال رسول الله وَله: ((إنْ تَمَسَّكَ بما أُمِرَ به دخلَ الجنَّةَ)».
رواه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣)، والنسائي (٣٤/١).
[١٢] وعن جابر بن عبد الله؛ أن رجلاً سألَ رسولَ الله وَلِّ فقال:
أرأيتَ إذا صَلَّيْتُ الصَّلواتِ المكتوباتِ، وصُمْتُ رمضانَ، وأَحْلَلْتُ
الحلالَ، وحَرَّمْتُ الحرامَ،
ذكر التطوعات؛ ولم يذكرها لهم كما ذَكَرها في حديث طلحة بن عبيد الله؛ لأن
هؤلاء - والله أعلم - كانوا حديثي عَهْدٍ بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَب عليهم
في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم فيملّوا، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السُّنَن
والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرحَ صدورُهم بالفهم عنه، والحرص على
تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم. ومن المعلوم أنَّ هؤلاء ما سُوِّغ
لهم تركُ الوتر ولا صلاة العيدين، ولا غير ذلك ممّا فَعَله النبيُّ ◌َله في جماعة
المسلمين، ولا يجترئون على ترك ذلك للذي يُعْلم من حِرْصهم على الاقتداء
بالنبي ◌َّله، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((وتصل ذا رحمك))) يعني: قرابتك، وعلى هذا: فتكون القرابةُ صلة الرحم.
جنساً مضافاً إلى ذي؛ فإن حكمها أن تضاف إلى الأجناس، وهذا أولى مِن قول مَن
قال: إنّ الرحمَ هنا اسمُ عين، وإنها هنا بمنزلة قولهم: ذو نواس، وذو یزن،
وذو عين؛ لأنّ هذه أسماء أعلام لا أسماء أجناس، وذو بمعنى صاحب، وهي من
الأسماء الستة التي اعتلت بحذف لاماتها في الإفراد، ورفعها بالواو، ونصبها
بالألف، وخفضها بالياء، وقد ذكر النحويون أوزانَها وأحكامها.
و (قوله: أرأيتَ إذا أحللتُ الحلالَ وحرَّمْتُ الحرام) يعني: اكتسبتُ الحلال
الحلال، وامتنعتُ من كَسْب الحرام، هذا عُرْف الحلال والحرام في الشرع، وأما والحرام.

١٦٨
(١) كتاب الإيمان - (٤) باب: مباني الإسلام
ولم أزدْ على ذلكَ شيئاً، أأدخلُ الجنَّةَ؟ قال: ((نعم)) قال: والله لا أزيدُ على
ذلك شيئاً.
رواه أحمد (٣٤٨/٣)، ومسلم (١٥).
#
(٤) باب
مباني الإسلام
[١٣] عن ابن عمر؛ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: (بُني الإسلامُ على
خمس: شهادة أن لا إله إِلَّ الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وإقام الصَّلاةِ،
وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رمضانَ».
في أصل الوضع فيصلح أن يُطْلَقَ الحلال: على كلِّ ما للإنسان أن يفعلَه شرعاً، ولا
يمتنع منه، والحرام: على ما مُنع الإنسانُ من فِعْله مُطلقاً.
و (قوله: ولم أزد على ذلك شيئاً) يصلح أن يُحمل على ما ذكرناه آنفاً،
ويحتمل أن يكون قال ذلك لأنه لم يتفرَّغْ لفعل شيء من النوافل في تلك الحال،
إما لشغله بالجهاد، أو لغيره من أعمال الدِّين، والله تعالى أعلم.
(٤) ومن باب: مباني الإسلام
قواعد الإسلام.
(قوله عليه الصلاة والسلام: ((بُني الإسلامُ على خمس))) يعني: أن هذه
الخمس أساسُ دِيْنِ الإسلام، وقواعده عليها تنبني، وبها تقوم، وإنما خصّ هذه
بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد مع أنه به ظَهَر الدِّين، وانقمع به عُتاةُ الكافرين؛ لأن
هذه الخمس فرضٌ دائمٌ على الأعيان، ولا تسقط عمَّن انَّصَفَ بشروط ذلك،
والجهادُ من فروض الكفايات، وقد يسقطُ في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعةٌ

١٦٩
(١) كتاب الإيمان - (٤) باب: مباني الإسلام
وفي رواية: ((وصِيَامِ رمضانَ، والحَجِّ)). فقال رجلٌ: الحَجّ، وصِيَام
رَمَضانَ؟ قال: ((لا، صِيَام رَمضَانَ والحَجِّ)) هكذا سمعته من
رسول الله ێے .
كثيرة إلى: أنّ فَرْض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر،
والثَّوري، وابن سيرين، ونحوه لسحنون من أصحابنا، إلا أن ينزل العدو بقوم؛ أو
يأمر الإمام بالجهاد؛ فيلزم عند ذلك. وقد ظهر مِن عدول ابن عمر عن جواب
الذي قال له: ألا تغزو؟ إلى جوابه بقول النبي وَّهِ: ((بُني الإسلام على خمس)) أنه
كان لا يرى فرضية الجهاد في ذلك الوقت خاصة، أو على أنه يرى سُقُوطَه مطلقاً،
كما نُقل عنه. وحديث ابن عمر هذا قد رُوي من طُرُق، ففي بعضها: ((شهادة أن
لا إلهَ إِلَّا الله)) وفي بعضها: ((على أن تعبد الله، وتكفر بما دونه)) فالأُولى نَقْلٌ للفظ،
والأخرى نَقْلٌ بالمعنى والأصل نقل اللفظ، وهو المتفق عليه.
وقد اخْتُلِف في جواز نَقْل الحديث بالمعنى من العالم بمواقع الكَلِم وتركيبها
على قولين: الجواز، والمنع. وأما من لا يعرف؛ فلا خلافَ في تحريم ذلك
عليه، وقد أوضحنا المسألةَ في ((الأصول)).
وقد وقع في بعض الروايات في الأصل تقديمُ الحجّ على الصّوم، وهي وهم
والله أعلم؛ لأن ابنَ عمر لما سمع المستعیدَ يُقدِّمُ الحجّ على الصوم زجره ونهاه عن
ذلك، وقدّم الصومَ على الحج، وقال: هكذا سمعتُه من رسول الله وَّهِ. ولا شك
في أنَّ نَقْلَ اللفظ كما سمع هو الأولى، والأسلم، والأعظم للأجر؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((نضَّر اللهُ امرأً سمعَ مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها كما سمعها؛
فربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه))(١). ويحتمل أن
(١) رواه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٨) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
((نضّر الله امرأً)): دُعاء له بالنّضارة، وهي النُّعمة والبهجة.

١٧٠
(١) كتاب الإيمان - (٤) باب: مباني الإسلام
وفي أخرى: ((بُني الإسلام على خَمْس؛ على أن يُعْبَدَ اللهُ ويُكْفَرَ بما
دُوْنَهُ، وإقام الصلاة ... )) الحديث.
رواه أحمد (٢٦/٢ و٩٣)، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦)،
والترمذي (٢٧٣٦)، والنسائي (١٠٧/٨).
يكون محافظة النبي ◌َّله على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة
أولاً، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج. ويحتمل ذلك أن يكونَ لإفادة الأوكد
فالأوكد؛ فقد يستنبط الناظر في ذلك الترتيب تقديمَ الأوكد على ما هو دونه إذا
تعذر الجمعُ بينهما، كمن ضاق عليه وقتُ الصَّلاة؛ وتعيَّن عليه في ذلك الوقت
أداءُ الزكاة لضرورة المستحق؛ فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على
الحاج؛ فيتذكر العشاء الآخرة؛ وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو
فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعضُ العلماء: إنه يبدأُ بالصَّلاة وإن فاته
الوقوفُ، نَظَراً إلى ما ذكرناه. وقيل: يبدأ بالوقوف للمشقّة في استئناف الحجّ.
ومن ذلك: لو أوصى رجل بزكاة فرَّط في أدائها، وبكفّارة فِطْر من رمضان؛ وضاق
الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أولاً لأوكديتها على الصوم. وكذلك لو أوصى بكفّارة
الفِطْر وبهدي واجب في الحج، قدَّم كفارةَ الفِطْر، وهذا كله على أصل مالك، فإن
ذلك كلّه يخرج من الثلث، وأمَّا من ذهب إلى أن ذلك يخرج من رأس المال، فلا
تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
٤

١٧١
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
(٥) باب
إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
[١٤] عن أبي جَمْرَةَ، قال: كنتُ أُترجمُ بين يدي ابن عبّاسِ وبينَ
النَّاس، فأتته امرأة فسألته عن نَبِيذِ الجَرِّ، فقال: إنَّ وفدَ عَبْدِ القيس أَتَوْا
(٥) ومن باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل
إسلاماً
معنى جعل في هذه الترجمة: سمَّى، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ
هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ويصلح أن يكون بمعنى: صيّر، كما تقول
العرب: جعلت حُسْن فلان قبحاً، أي: صيّرته. وقد تقدَّم القولُ في الإيمان
والإسلام من حديث جبريل.
(قوله: أبو جمرة) هذا الذي يروي عن ابن عباس حديث وفد عبد القيس،
هو بالجیم والراء، واسمه: نصر بن عمران الضُّبعي، وقد روى عن ابن عباس رجل
آخر يقال له: أبو حمزة، بالحاء المهملة والزاي، واسمه: عمران بن أبي عطاء
القصاب(١).
و (قوله: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس) أي: أبلّغ كلامه
وأفسّره لمن لا يفهمه، وعُرْفُ الترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، وقيل:
كان أبو جمرة يتكلم بالفارسية. وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عباس كان يكتفي في
الترجمة بواحد لأنه مخبر، وقد اختلف فيه فقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بُدَّ من
اثنين لأنها شهادة.
و (قوله: فأتته امرأةٌ فسألته عن نبيذ الجرّ) وهي جمع جرّة، وهي قلال من نبيذ الجر.
(١) في (ع): والراء بدل والزاي، وعطاء بدل من أبي عطاء، والتصحيح من تقريب
التهذيب وبقية النسخ.

١٧٢
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
رسولَ اللهِ وَّهِ، فقالَ رسول الله ◌َّهِ: ((مَنِ الوَفْدُ؟ - أو: مَنِ القَوْمُ؟)) قالوا:
ربيعةُ. قال: ((مَرْحَباً بالقوم - أو بالوفدِ - غيرَ خَزَايَا ولا النَّدامَىُ)) قال:
فقالوا: يا رسول الله! إنَّا نأتَيَكَ من شُقَّةٍ بَعيدةٍ، وإنَّ بيننا وبينَك هذا الحيَّ
فخار، غير أنها مطلية بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجر هو ما ينبذ فيها من التمر
وغيره. وإنما سألته عن حُكْم النبيذ في الجرار هل يحل أم لا؟ فذكر لها ما يدلُ
على مَنْع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصته، ففيه ما يدلُّ على أنَّ المفتي
يجوز (١) له أن يذكرَ الدليلَ مُسْتغنياً به عن النَّصِّ على الفتيا إذا كان السائل بصيراً
بموضع الحجة .
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((من القوم، أو من الوفد))؟) هذا شَكّ من
بعض الرّواة. والوفد: الوافدون، وهم: القادمون، والزائرون. يقال: وَفَدَ يَقِد فهو
وافد، والجمع: وافدون، ووفود، والقوم وفد. وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما
في قوله تعالى: ﴿يَوَّمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ركباناً.
و (قوله: ((مرحباً)) هو من الرُّحب، بضم الراء، وهو السَّعة. والرَّحب: بفتح
الراء، هو الشيء الواسع، وهو منصوب بفعل مُضْمَر، لا يُسْتَعْمَلُ إظهاره؛ أي:
صادفت رحباً؛ أو أتيت رحباً؛ فاستأنسْ ولا تستوحش. والخزايا: جمع خَزْيان
مثل: نَدْمان وندامى، وسَكْران وسكارى، كما قال تأَبَّط شرًّاً:
...... والموتُ خزيانُ ينظرُ(٢)
خزي الرجل يخزى خزياً؛ إذا ذل، وخزاية: إذا خجل واستحيى. والنّدامى.
هنا جمع نادم، لكنه علی غیر قیاس؛ لأن قیاس ندامی أن یکون جمع ندمان، كما
(١) ساقط من (ع).
(٢) البيت بتمامه:
حة والموت خزيانُ ينظرُ
فخالط سهلٌ الأرض لم يكدحِ الصّفا به

١٧٣
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
من كُفَّارٍ مُضَرَ، وإنا لا نستطيعُ أن نأتيَكَ إلا في شَهْرِ الحَرَامِ،
قلناه. والنّدمان: هم المجاليس على الخمر وساقيها كما قال الشاعر:
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسْقني ولا تسقني بالأصغر المتثلُّم
وليس مراداً ها هنا، وإنما جمع نادماً هذا على ندامى إتباعاً لخزايا، على
عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ - وإن لم يكن بمعناه؛ كما قالوا: إني لاتيه بالغدايا
والعشايا، فجمعوا الغدوة غدايا لمّا ضمّوه إلى العشایا، كما قال شاعرهم:
هنَّاكُ أخبية ولَّج أبوية(١)
فجمع الباب على أبوية لما أتبعه أخبية، ولو أفرده لما جاز ذلك، ومن هذا
النوع قوله عليه الصلاة والسلام للنساء المتبعات للجنازة: ((ارجعن مأزورات غير
مأجورات))(٢) ولولا مراعاة الإتباع قال: موزورات بالواو؛ لأنه من الوزر. وقال
القزّاز(٣) في («جامعه»: يقال في النادم: ندمان، فيكون ندامى على القياس، ومعنى
هذا القول: التأنيس، والإكرام، والثناء عليهم بأنهم بادروا بإسلامهم طائعين من
غير خزي لحقهم من قهر ولا سباء. ثم إنهم لما أسلموا كذلك احترموا، وأکرموا،
وأحبوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم
بالإيمان. وغير خزايا: منصوب على الحال، أي: أتيتم في هذه الحال. وروي:
ولا الّدامى، ولا ندامى، معرفاً وغير مُعرَّف، وهما بمعنى واحد. والشُّقَّة البعيدة:
المسافة البعيدة الصّعبة. والحي: القبيل. وربيعة: هو خبر مبتدأ محذوف، أي:
نحن بنو ربيعة .
و (قوله: وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام) كذا الرواية الصّحيحة الأشهر الحُرم.
(١) هذا صَدْرُ بيت للقُلاخِ بن حُبَابَةِ، وقيل: لابن مُقبِل، وعجزه:
يَخْلِطُ بِالِرِّ مِنَ الجِدَّ واللِّينا.
(٢) رواه ابن ماجه (١٥٧٨) وفي إسناده: دينار بن عمر، ضعيف.
(٣) هو محمد بن جعفر القيرواني النحوي، عالم باللغة. له كتاب ((الجامع)) توفي سنة =

١٧٤
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
فمرْنَا بأمرٍ فَصْلٍ نخبرُ به مَنْ وراءَنَا ندخلُ به الجنَّةَ، قال: فأمرَهم بأربع
ونهاهم عن أربعٍ.
بتعريف الحرام، وإضافة الشهر إليه، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، كما
قالوا: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وقال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ ﴾
[يوسف: ١٠٩] وهو على تقدير محذوف؛ فكأنه قال: شهر الوقت الحرام،
ومسجد المكان الجامع، ولدار الحالة الآخرة، ونحوه، ويعنون بشهر الحرام:
رجباً، لأنَّه متفرِّد بالتحريم من شهور الحلّ، بخلاف سائر الأشهر الحرم فإنها
متوالية، ولذلك قال فيها: ثلاثة سرد، وواحد فرد، يعنون به: رجباً، وهو الذي
قال النبي ◌َّه: ((إنه شهر مضر)) (١)، وإنما نسبه إليهم إما لأنها انفردت بابتداء
احترامه، أو لتخصيص الاحترام به، أو بزيادة التعظيم له على غيرهم، والله تعالى
أعلم. وقد وقع في بعض النسخ: في شهر حرام، وهو يصلح لرجب وحده،
ولجميع الأشهر الحرم. وحاصل قولهم هذا: إنه اعتذارٌ عن امتناع تكرر
قدومهم عليه .
و (قوله: فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا ندخل به الجنة) قيّدناه على من
يوثق بعلمه: نخبر به، مرفوعاً، وندخل مرفوعاً ومجزوماً، فرفعهما على الصفة
الأمر، وجزم ندخل على جواب الأمر المتضمن للجزاء فكأنه قال: إن أمرتنا بأمر
واضحٍ فعلنا به، ورجونا دخولَ الجنة بذلك الفعل. والقولُ الفصل: هو الواضحُ
البليغُ الذي يفصلُ بين الحقِّ والباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَضْلٌ﴾
[الطارق: ١٣].
أركان الإسلام
والإيمان.
و (قوله: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع) ثم إنه ذكر خمساً، فقيل في ذلك:
= (٤١٢ هـ). انظر: (سير أعلام النبلاء ٣٢٦/١٧).
(١) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٧).

١٧٥
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً .
قال: أمرَهم بالإيمانِ بالله وَحْدَهُ، وقال: ((هل تدرونَ ما الإيمانُ بالله؟))
قالوا: ((اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((شهادةُ أنْ لا إِلّه ◌ِإِلَّا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله،
وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصومُ رَمَضَانَ، وأن تُؤَذُوا خُمُساً من
المغنم. ونهاهم عن الذُّبَّاءِ والحَنْتَم والمُزَفَّتِ - وربما قال: المُقَيَّرِ،
وربما قال: النَّقِير -)) وقال: ((احْفَظُوهُ وأَخبرُوا به مِنْ ورائكم)) وفي رواية :
((مَنْ وراءكم)).
رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢) و (٣٦٩٤)
و (٣٦٩٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٣٢٣/٨).
[١٥] وعن أبي سعيد الخدري؛ أن ناساً من عبد القيس قدموا على
رسول الله وَ له، وذكر نحو ما تقدم. وفيه: فقال رسول الله وَالله: ((آمركم
بأربعٍ وأنهاكُم عن أربعٍ: اعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وأقيموا الصَّلاةَ،
إن أولى الأربع الموعود بها: هو إقامُ الصَّلاة في ذكر كلمة التوحيد تبرّكاً بها
وتشريفاً لها، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾
[الأنفال: ٤١]. في قول كثير من أهل العلم. وقيل: إنما قصد إلى ذكر الأركان
الأربع التي هي التوحيدُ والصَّلاةُ والزَّكاة، ثم ظهر له أنهم أهلُ غزو وجهاد، فبيّن
لهم وجوب أداء الخمس، والله أعلم. وإنما لم يذكر لهم الحجّ لأنهم لم يكنْ لهم
إليه سبيلٌ، من أجل كفار مُضَر، أو لأن وجوبَ الحجِّ على التّراخي، والله تعالى
أعلم، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام، وأنهما حقيقتان متباينتان في الأصل،
وقد يتوسّع فيطلق أحدها على الآخر، كما جاء هنا، فإنه أطلق الإيمانَ على
الإسلام؛ لأنه عنه يكون غالباً، وهو مظهره.
و (قوله: وأنهاكم عن أربع) أي: عن الانتباذ في هذه الأواني الأربع، الانتباذ
فالمنهي عنه واحد بالنوع، وهو الانتباذ، ثم إنه تعدد بحسب هذه الأوعية الأربع بالأوعية.

١٧٦
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
وآتوا الزَّكَاةَ، وصُومُوا رمضانَ، وأعطوا الخُمُسَ من الغَنَائم. وأنهاكم عن
أربع: عن الدُّبَّاء والحَنْتَم والمُزَفَّتِ والنَّغِير)). قالوا: يا نبيَّ اللهِ! ما علمُكَ
بالنَّقِير؟ قال: ((بلى. جِذْعَ تَتْقُرُونَه، فَتَقْذِفُونَ فيه من القُطَيْعَاء - أو قالَ: من
التَّمْرِ - ثم تَصُبُّونَ فيه مِن الماءِ، حتى إذا سكنَ غَلَيَانُهُ شَربتمُوه. حتَّى إِنَّ
أحدَكم - أوْ إنَّ أحدَهم - لَيَضْرِبُ ابنَ عَمِّهِ بالسَّيْقِ)) قال: وفي القوم رجلٌ
التي هي: الدباء، والحنتم، والمزفّت، والنقير. وخصّ هذه بالنهي؛ لأنها أوانيهم
التي كانوا ينتبذون فيها، فالدباء ممدوداً: هي القرعة كانت يُنبذ فيها فيَضرى(١)،
قاله الهروي. والحنتم: أصحّ ما قيل فيها: إنها كانت جِراراً مطلية بالحنتم
المعمول من الزجاج كانت الخمرُ تُحمل فيها، ونهوا عن الانتباذ فيها؛ لأنها تعجّل
إسكار النبيذ كالدباء. وقال عطاء: كانت تُعمل من طينٍ يُعجن بالدّم والشعر،
وعلى هذا يكون النَّهي عنها لأجل أصل النَّجاسة، والأول أعرف وأصحّ.
والمزفت: المطلي بالقار، وهو نوع من الزّفت، والنَّقير: مفسَّرٌ في الحديث،
والجذع: أصل النَّخلة. ويُجمع على جذوع. وتقذفون: تجعلون وترمون، وأصل
القذف: الرمي، والقطيعاء: نوعٌ من التمر يقال له الشهريز، وفي رواية أخرى:
((وتديفون من القطيعاء)). والرواية مضموم التاء رباعياً وبالدال المهملة. وقد حكى
ابنُ دريد: دفت الدواء وغيره بالماء أدوفه، بإهمال الدال، وحكى غيره أنه يقال:
ذُفته أذوفه، وسم مذوف ومذيف ومذووف ومذاف بالذال المعجمة. وحكى
غيره(٢) أنه يُقال: أداف الدواء بالدواء. فالرواية على هذا صحيحةٌ، ومعناه: خلط
ومزج، والأسقية: جمع سقاء، وهو الإناء من الجلد، والأدم: جمع أديم، وهو
الجلد أيضاً.
(١) ((فيضری)): أي: يشتدّ.
(٢) من (ل).

١٧٧
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
أصابته جراحةٌ كذلكَ. وكنتُ أَخْبَأُها حياءً من رسول الله وَهِ. فقلتُ: فَفيمَ
نشربُ يا رسولَ الله؟ قال: ((في أَسْقِيَة الأُدَم؛ التي تُلاثُ على أفْوَاهِها))
فقَالُوا: يا نبيَّ الله! إنَّ أَرْضَنا كثيرةُ الجِرْذَانِ، ولا تَبْقَى فيها أسقيةُ الأُدَم.
و (ثلاث على(١) أفواهها) أي: تُشد وتربط، قال القتبي(٢): أصل اللوث:
الطي، ولثت العمامة: لففتها، وهذا نحو ممّا يقال: عليكم بالموكى، بالقصر،
أي: السقاء الذي يربط فوه بالوكاء، وهو الخيط.
و (الجرذان) جمع جرذ، وهو الفأر، وإنما حضّهم على الانتباذ في الأسقية؛
لأنها إذا غلا فيها النبيذ انشقّت لرقة(٣) الجلود، خلاف الأواني المذكورة، قيل:
فإنها تعجل الشدة وتخفیها.
و (قولهم: إن أرضنا كثيرةُ الجِرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم) أي: لأن
الجرذانَ تأكلها، ولذلك قال لهم: ((وإن أكلتها الجرذان))، ولم يعذرهم بذلك؛
لأنهم يمكنهم التحرُّزُ بتعليق الأسقية، أو باتِّخاذ ما يهلك الفئران من حيوان أو
غيره، والله تعالى أعلم.
وقد تمسَّك بعضُ أهل العلم بظاهر هذا النَّهي عن الانتباذ في تلك الظروف،
فحمله على التَّحريم، وممن قال هذا: ابنُ عمر، وابنُ عباس، على ما يأتي في
الأشربة، فسنُبيِّنُ هنالك إن شاء الله تعالى: أن ذلك منسوخٌ بقوله عليه الصلاة
والسلام: ((كنتُ نهيتكم عن الانتباذ إِلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ غير أن
لا تشربوا مُسْكِراً»(٤).
(١) في (ع) و (م): و.
(٢) كذا في (ع) و (م) و (ل)، وفي اللسان (ابن قتيبة)، انظر: مادة (لوث).
(٣) في (ع): لقوة، والتصحيح من (ل) و (م) وشرح النووي لصحيح مسلم.
(٤) رواه مسلم (٩٧٧) من حديث بريدة رضي الله عنه.

١٧٨
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وإنْ أكلتَها الجرْذَانُ، وإنْ أكلتْها الجرْذَانُ، وإنْ
أكلتْهَا الجرْذَانُ)) قال: وقال نبيُّ الله وَّهِوَ لأشجِّ عبد القيس: ((إنَّ فيكَ
لَخَصْلَتين يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ والأَنَاةُ» .
رواه أحمد (٢٣/٣)، ومسلم (١٨)، والنسائي (٣٠٦/٨).
أشج
عبد القيس.
وأشجّ عبد القيس اسمه: المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، وقيل:
المنذر بن الحارث، وقيل: هو عبدُ الله بن عوف، وقيل: قيس. والأول أصح.
وقد روى أبو داود من حديث أم أبان بنت الوازع بن زارع عن جدّها زارع، وكان
في وفد عبد القيس، قال: فلما قدمنا المدينة تبادرنا من رواحلنا؛ نُقَبِّل يَدَ النبي وَله
ورِجْلَه، وانتظر المنذر حتى أتى عَيْيَتَهُ(١) فلبس ثوبه، ثم أتى النبيَّ ◌َّ فقال له:
((إن فيك لخصلتين يحبّهما الله ورسوله: الحِلْم والأناة)). فقال: يا رسول الله! أنا
أتخلَّقُ بهما، أم اللهُ جَبَلني عليهما؟ فقال: ((بل الله جَبَلَكَ عليهما))، قال: الحمد لله
الذي جبلني على خُلُقَيْن يُحِبُّهما الله ورسوله (٢).
معنی الحِلْم.
والحِلْم هنا: هو العقل، وهو بكسر الحاء، يقال منه: حَلُم الرجل؛ يحلُم،
بضم اللام؛ إذا صار حليماً. وتحلّم: إذا تكلّف ذلك، والأناة: الرِّفق، والتَّبُّت في
الأمور، يُقال منه: تأنّى الرجل، يتأنى، تأنّياً، ومنه قول الشاعر:
أناةَ وحِلْماً وانتظاراً بِهِمْ غداً
وقد يُقال الحِلْم على الأناة. وقد ظهر من حديث أبي داود: أنَّ نبيَّ الله وَلّ
إنما قال ذلك للأشج، لما ظَهَر له منه من رِفْقه وتَرْك عجلته، وقد رُوي في غير
(١) ((العَيْبَة)): وعاء يُوضع فيه الثياب، ثم يُوضع على الرحل، وقيل: هو الخُرج.
(٢) رواه أبو داود (٥٢٢٥).

١٧٩
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
كتاب أبي داود: أنه لما بادر قومُه إلى نبي الله وََّ تأنَّى هو، حتى جَمَع رحالهم،
وعقل ناقته، ولبس ثياباً جدداً، ثم أقبل إلى النبي وَ لّ على حال هدوء وسكينة،
فأجلسه النبيُّ وَّه إلى جانبه. ثم إن النبيَّ وَّه قال لوفد عبد القيس: ((تبايعون على
أنفسكم وعلى قومكم؟)) فقال القوم: نعم. فقال الأشجُّ: يا رسولَ الله! إنك لم
تزاول الرجل على أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا من
يدعوهم، فمن اتبعنا كان مِنَّا، ومن أبَى قاتلناه. قال: ((صدقتَ، إن فيك
الخصلتين ... )) الحديث(١).
فالأولى: هي الأناة، والثانية: هي العقل. وفيه من الفقه: جوازُ مَدْح الرجل متى يُمدح
مشافهةً بما فيه إذا أمنت عليه الفتنة. والأصلُ مَنْعُ ذلك لقوله عليه الصلاة الرجل مشافهةً؟
والسلام: ((إياكم والمدحَ فإنه الذَّبح))(٢)، ولقوله للمادح: «ويلك، قطعتَ عُنُقَ
أخيك))(٣)، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
و (قوله: وفي القوم رجلٌ أصابته جراحة كذلك) قيل: اسمُ هذا الرجل
جهم بن قثم، قاله ابنُ أبي خيثمة. وقيل: كانت الجراحةُ في ساقه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الرجلُ ليس هو أشجُّ عبد القيس؛ لأن
اسمَهما مختلفٌ كما ذُكِرِ هنا وفيما تقدّم، ولأنَّ الأصلَ في الشّجاج لا يكون إلا في
الرأس والوجه. وفي الصحاح: رجل أشج بيّن الشجج: إذا كان في جبينه أثرُ
الشَّجَّة، وعلى هذا يدلُّ كون هذا الرجل غلب عليه الأشج، لأنه إنما يغلب على
(١) انظر روايات الحديث في مجمع الزوائد (٣٨٧/٩ - ٣٩٠).
(٢) رواه أحمد (٩٩/٤)، وابن ماجه (٣٧٤٣) كلاهما من حديث معاوية رضي الله عنه،
وانظر فتح الباري (٤٧٨/١٠).
(٣) رواه البخاري (٢٦٦٢) في الشهادات، ومسلم (٣٠٠٠) في الزهد.

١٨٠
(١) كتاب الإيمان - (٥) باب: إطلاق اسم الإيمان على ما جعله في حديث جبريل إسلاماً
الإنسان ما كان ظاهراً من أمره، ولما كانت ظاهرة في وجهه نسبه إليها كل من كان
رآه منه، فغلب عليه ذلك، ولو كانت في ساقه لما غلب عليه ذلك، والله أعلم.
وأصل الشجّ: القطع والشق، ومنه قولهم: شجَّتِ السفينةُ البحرَ؛ أي: شقته،
وشجَجْتُ المفازة: قطعتها. قال الشاعر:
تَشُجُّ بِي العَوْجاءُ كُلَّ تَنُوفَةٍ كأنَّ لها بَوَّاً بِنِهِيٍ تُغَاوِلُهُ(١)
وتعريف النبي ◌ّله بحال ذلك الرجل يدل: على أنه عرفه بعينه غير أنه لم
يواجهه بذلك، حُسْن عِشْرَة منه وَ﴿ على مقتضى كَرَم خُلُقه، فإنه كان لا يُواجِهُ
أحداً بما يكرهه.
وإنما خصَّ النبيُّ ◌َ﴿ هذه الأربعَ الأواني بالذِّكْر؛ لأنها أغلبُ أوانيهم،
ويلحق بها في النهي ما كان في معناها، كأواني الزُّجاج، والحديد، والُّحاس،
وغير ذلك مما تُعجِّل الإسكار، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في جواب:
قولهم: فبم نشربُ يا رسول الله؟ فقال: ((في أسقية الأدم)»، وبدليل قوله في حديث
بريدة: ((وكنت نهيتكم عن النبيذ إلا في سِقاء))، ولأن ما عدا تلك الأربع في
معناها، فيلحق بها على طريقة نَفْي الفارق، والله أعلم.
(١) (تنوفة): القَفْر من الأرض.(البوّ)): وَلَد الناقة. ((النهي)): الغدير. ((تغاوله)): تأخذه
من حيث لم يَذْرِ .