Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وتقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وقد أطلق الإيمان كذلك أيضاً، كما رُوي من حديث عليٍّ مرفوعاً: ((الإيمان الإيمان له "اعتقادٌ بالقلب، وإقرار باللسان، وعملٌ بالأركان))(١). إطلاقات ثلاث. وهذه الإطلاقات الثلاث من باب التجوُّز، والتوسُّع على عادة العرب في ذلك. وهذا إذا حُقُّق يُريح من كثيرٍ من الإشكال الناشىء من ذلك الاستعمال. والصّلاة: لغةً: الدعاء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيَّهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الصلاة لغةً وشرعاً. أي: اُدع. قال الأعشى: عَلَيْكِ مِثْلِ الَّذِيْ صَلَّيْتِ فَأَغْتَمِضِيْ نَوْماً فإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا وقيل: إنّها مأخوذةٌ من الصَّلاَ، والصَّلاَ: عِرْقٌ عند أصل الذنب، ومنه قيل للفرس الثاني في الحلبة: مُصَلِّ؛ لأن رأسَه عند صلا السابق. قال الشاعر: فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابقٌ بِأَنْ قيل: فات العِذارُ(٢) العِذَارا والأول أولى وأشهر. وهي في الشرع: أفعال مخصوصة بشروط مخصوصةٍ، الدعاءُ جزءٌ منها. والزكاة، لغة: هي النَّماء والزِّيادة. يُقال: زكا الزرع والمال، وسُمِّيَ أَخْذ الزكاة لغةً جزءٍ من مال المسلم الحرِّ زكاةً؛ لأنها إنما تُؤخذ من الأموال النّامية، أو لأنّها قد وشرعاً. نمت وبلغت النّصاب، أو لأنها تنمي الأموالَ بالبركة وحسناتِ مؤديها بالتكثير. (١) رواه ابن ماجه (٦٥)، والخطيب في تاريخه (٣٨٦/٩)، وذكره السيوطي في اللآلىء (٣٣/١ -٣٦)، وفيه: أبو الصلت، عبد السلام بن صالح؛ ضعيف. (٢) ((العذار)): ما سال على خدِّ الفرس من اللِّجام. ١٤٢ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً)). قال: صدقتَ. والصّوم: هو (١) الإمساك مُطلَقاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢] أي: إمساكاً عن الكلام. قال الشاعر (٢): الصوم لغةً وشرعاً. خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُما أي: ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساكُ جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصةٍ بشرطٍ مخصوصٍ على ما يأتي. والحج: هو القصد المتكرّر في اللغة. قال الشاعر (٣): الحج لغةً وشرعاً. وأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً (٤) كثيرةً يَحُجُونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا وهو في الشّرع: القصدُ إلى بيت الله المعظّم لفعل عبادة مخصوصة. والحجّ بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم. وقرىء بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ حِبُ اَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. والاستطاعة: هي القوة على الشيء، والتمكن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أَسَتَطَهُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]، وسيأتي اختلافُ العلماء فيها . معنى الاستطاعة في الحج. والإحسان: هو مصدرُ أحسن يحسن إحساناً. ويقال على معنيين: معنى الإحسان. (١) من (ط). (٢) هو النابغة الذبياني. (٣) هو المخبّل السعدي. (٤) ((الحلول)): الأحياء المجتمعة. ((السِّبُّ)): الثوب الرقيق أو العمامة. وفي (مر): بدل (سب): ((هو الخمار)). ١٤٣ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: فعجبنَا له، يسألهُ ويُصَدَّقُهُ أحدهما: متعدٍّ بنفسه، كقولك: أحسنتُ كذا، وفي كذا، إذا حسنته وكمّلته، وهو منقولٌ بالهمزة من حسّن الشيء. وثانيهما: متعدٍّ بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به. وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول لا بالمعنى الثاني. إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حُقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشّروع، وحالة الاستمرار فيها. وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: أرباب القلوب ومراقبة الله. أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه. ولعل النبيَّ ◌َّ ر أشار إلى هذه الحالة بقوله: ((وجُعِلَتْ قُرَّة عَيْني في عبادة ربِي))(١). وثانيهما: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقَّ سبحانه مطّلع عليه ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُبَكَ فِى السَّجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ -٢١٩]، وبقوله: ﴿وَمَا نَّثْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُنْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. وهاتان الحالتان ثمرةُ معرفة الله تعالى وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة بقوله: ((أن تخشى الله كأنك تراه)»(٢) فعبر عن المسبب باسم السبب توسّعاً. والألف واللام اللذان في الإحسان المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْفَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] و﴿ هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ اُلْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] و﴿وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. (١) رواه أحمد (١٢٨/٣ و١٩٩ و٢٨٥)، والنسائي (٦٢/٧)، ولفظه: ((وجُعلت قُرَّة عيني في الصَّلاة) وكذا في هامش (ل). (٢) حديث أبي هريرة سيأتي في التلخيص برقم (٨). ١٤٤ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: فأخبرني عن الإيمانِ. قال: ((أن تؤمنَ بالله وملائكته ولما تكرَّر الإحسانُ في القرآن؛ وترتَّب عليه هذا الثوابُ العظيم، سأل عنه جبريلُ النبيَّ وَّرَ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظیم. سؤال جبريل عن حقيقة الإيمان والإسلام. وسؤالُ جبريل عليه السلام عن الإيمان والإسلام بلفظ: ((ما))؛ كما في حديث أبي هريرة(١)، يدلُّ على أنّه إنَّما سألَ عن حقيقتهما عنده، لا عن شرح لفظهما في اللغة، ولا عن حكمهما، لأن: ((ما)» في أصلها إنما يُسأل بها عن الحقائق والماهيَّات، ولذلك أجابه النبيُّ ◌َ ﴿ بقوله: ((أن تُؤْمنَ بالله وبكذا وكذا . .)) فلو كان سائلاً عن شرح لفظهما في اللغة لما كان هذا جواباً له؛ لأنَّ المذكورَ في الجواب هو المذكورُ في السؤال، ولما كان الإيمانُ في اللغة معلوماً عندهما أعاد في الجواب لفظه، وبيَّن له متعلّقاته، وأنه قَصَره على تصديقٍ بأمورٍ مخصوصة . الإيمان بالله . والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنه تعالى مُتَزَّهُ عن صِفات النَّقص التي هي أضدادُ تلك الصِّفات، وعن صفات الأجسام والمتحيّزات، وأنه واحدٌ صمدٌ(٢) فردٌ خالقُ جميع المخلوقات، مُتَصرِّف فيها بما يشاء من التّصرفات، يفعلُ في ملكه ما يُريد، ویحکمُ في خَلْقه ما يشاء. والإيمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، ﴿لَا يَعْضُونَ اللَّهَ مَآ أَمَّرَهُمْ الإيمان بالملائكة. (١) سيأتي حديث أبي هريرة قريباً في تلخيص مسلم برقم (٨). (٢) في (ط): حق. ١٤٥ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وكتبه ورُسلِه واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّه)). قال: صدقتَ. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، و﴿يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وأنهم سفراءُ الله بينه وبين رُسُله، والمتصرِّفون كما أذنَ لهم في خَلْقه. والإيمان برسل الله: هو أنَّهم صادِقُون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأنَّ الإيمان الله تعالى أيَّدهم بالمعجزاتِ الدَّالَّة على صِدْقهم، وأنّهم بلَّغوا عن الله رسالاته، بالرسل. وبيَّنوا للمكلَّفين ما أمرهم اللهُ بَيانه، وأنه يجبُ احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحدٍ منهم. والإيمانُ باليوم الآخر: هو التصديقُ بيوم القيامة، وما اشتملَ عليه من الإيمان باليوم الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصِّراط، والجنَّة، الآخر. والنَّار، وأنهما دارا ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين إلى غير ذلك، ممَّا صح نصّه، وثبت نَقْله. والإيمانُ بالقَدَر: هو التصديقُ بما تقدّم ذِكْره، وحاصله: هو ما دلّ عليه الإيمان بالقدر. قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السَّلف والخلف على صِدْق قولِ القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ شيءٍ بقَدَر حتى العجز والكيس))(١). تنبيه : مذهبُ السَّلفِ وأئمة الفتوى من الخَلَف: أنَّ مَن صدّق بهذه الأمور تصديقاً مَن هو المؤمن جَزْماً لا ريبَ فيه، ولا تردُّدَ، ولا توقّف، كان مؤمناً حقيقةً، وسواء كان ذلك عن حقيقة؟ براهين ناصعةٍ، أو عن اعتقاداتٍ جازمةٍ. (١) رواه مسلم (٢٦٥٥)، ومالك في الموطأ (٨٩٩/٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . ١٤٦ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: فأخبرني عن الإِحسانِ . قال: ((أنْ تعبدَ اللهَ كأَنَّك تراهُ ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ)). المعتزلة والإيمان الشرعي. على هذا انقرضت الأعصارُ الكريمة، وبهذا صرَّحتْ فتاوى أئمة الهُدى المستقيمة، حتى حدثت مذاهبُ المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحُ الإيمانُ الشرعي إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية، وحصول العلم بنتائجها ومطالبها، ومَن لم يحصل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزىء إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعةٌ من متكلّمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي المعالي في أول قوليه. والأول هو الصحيح، إذ المطلوبُ من المكلَّفين ما يُقال عليه: إيمان، كقوله تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ [الفتح: ١٣]. والإيمان: هو التّصديقُ لغةً وشرعاً، فمن صدَّق بذلك كلِّه، ولم يجوِّز نقيض شيء من ذلك، فقد عَمل بمقتضى ما أمره اللهُ به على نحو ما أمره الله تعالى، ومَن كان كذلك فقد تقصَّى عن عهدة الخطاب، إذ قد عمل بمقتضى السُّنَّة والكتاب، ولأنّ رسولَ اللهِ﴿ وأصحابَه بعده حكمُوا بصحّة إيمان كلّ مَنْ آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يُقرّقوا بين مَنْ آمن عن برهانٍ أو عن غيره، ولأنهم لم يأمروا أجلافَ العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانَهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاقِ الكُفْر على أحدٍ منهم، بل سَمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكامَ الإيمان والإسلام. ولأنَّ البراهينَ التي حرّرها المتكلِّمون، ورتَبها الجدليُّون، إنّما أحدثها المتأخِّرون ولم يَخُضْ في شيءٍ من تلك الأساليب السَّلَفُ الماضون، فمن المحال والهذيان أن يُشْتَرَطَ في صِحَّة الإيمان ما لم يكن معروفاً، ولا معمولاً به، لأهل ذلك الزّمان، وهم مَن هُمْ فَهْماً عن الله، وأَخذاً عن رسولِ اللهِ وَ﴾، وتبليغاً لشريعته، وبياناً لِسُنَّته، وطريقته، وسيأتي قولٌ شافٍ في ذلك إن شاء الله . ١٤٧ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: فأخبرني عن السَّاعةِ. قال: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ من السَّائلِ)). قال: فأخبرني عن أماراتها. والملائكة: جمع مَلَك، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه، فقال ابن شميل: لا اشتقاق له. وقال ابنُ کیسان: وزنه: فعل من الملك. وقال أبو عبيدة: هو مفعل من: لأك، أي: أرسل. وقال غيره: إنه مأخوذ من الألوكة؛ وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم. قال لبید: وغلامٍ أَرْسَلَتْهُ أُهُ بِأَلُوكِ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ فأصله على هذا: مَألكٌ، فالهمزةُ فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: ملأك، ثم سهّلوه فقالوا: ملاك. وقد جاء على أصله في الشعر. قال(١): فَلَسْتَ لإنْسِيِّ وَلَكِنْ لِمَلَكِ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّماءِ يَصُوْبُ وقيل: هو مَلْك من مَلَك. نحو: شَمْل من شَمَل. والساعة في أصل الوضع: مقدارٌ ما من الزمان غير معين ولا محدود، لقوله الساعة لغةً تعالى: ﴿مَا لَبِثُوْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وفي عُرْف أهل الشرع: عبارة عن يوم وشرعاً. القيامة. وفي عُرف المعدلين(٢): جزء من أربعة وعشرين جزءاً من أوقات الليل والنهار. والأشراط: هي الأمارات والعلامات](٣) ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ معنى الأشراط. أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمِّي الشُّرَط لأنهم يُعَلِّمون أنفسهم بعلاماتٍ يُعرَفون بها . (١) القائل هو رجل من عبد القيس، جاهلي يمدح بعض الملوك، وقال ابن السيرافي: هو لأبي وَجْزَة يمدح به عبد الله بن الزبير، كما في اللسان. (٢) ((المعدِّلون)): المشتغلون بالحساب وتقدير الزَّمَن. (٣) هنا ينتهي الانقطاع في النسخة العثمانية. ١٤٨ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: ((أن تلدَ الَمَةُ رَبَّتَها، معنى الأمة. والأمةُ - هنا - هي: الجارية المستولَدة، وربّها سيدها. وقد سُمِّي بعلاً في الرواية الأخرى، كما سَمَّاه الله تعالى بعلاً في قوله: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] في قول ابن عباس؛ وحكي عنه أنه قال: لم أدرِ ما البعل حتى قلتُ لأعرابي: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها. وقد سُمِّي الزوج بعلا، ويُجمع: بُعولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِوَّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢]. وربتها تأنيث ربّ. واختلف في معنى (قوله: أن تلد الأمة ربتها) على ثلاثة أقوال: التحقيق في : أن تلد الأمة ربتها. أحدها: أن المراد به أن يستوليَ المسلمون على بلاد الكفر، فيكثر التسرّي، فیکون ولد الأمة من سيّدها بمنزلة سيّدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين، وكثرة الفتوح والتسرّي. وثانيها: أن يبيع السادةُ أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فتتداول الأمهات المستولدة، فربما يشتريها ولدها، أو ابنتها، ولا يشعر بذلك، فيصير ولدُها ربّها، وعلى هذا فالذي يكونُ من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريمَ بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصحّ أن يُحْمَلَ ذلك على بيعهن في حال حَمْلهن، وهو مُحرَّم بالإجماع. وثالثها: أن يكثرَ العقوقُ في الأولاد، فيعامل الولدُ أمَّه معاملةَ السيد أَمَّتَهُ مِن الإهانة والسَّبِّ، ويشهد لهذا قولُه في حديث أبي هريرة: ((المرأة))، مكان ((الأمة)). وقوله وَلير: ((لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظاً))(١). (١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢٥/٧): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم. ١٤٩ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وأنْ تَرى الحُفَاةَ العُراةَ العَالةَ رِعَاءَ الشَّاءِ، يتطاولونَ في البُنيانِ)». و (قوله: ((وأن ترى الحفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاء الشّاء يتطاولون في البنيان))) مَن هم الحفاة الحفاة: جمع حاف، وهو: الذي لا يلبس في رجله شيئاً. والعراة: جمع عار، العراق وهو: الذي لا يلبس على جسده ثوباً. والعالة - مخففة اللام -: جمع عائل، وهو: العالة .. ؟ الفقير، والعيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يعيل عيلةً؛ إذا افتقر، وأعال يعيل، إذا كثر عياله، وهذه الأوصافُ هي غالبةٌ على أهل البادية، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صمّ بُكْم عُمي. ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أنهم جهلةٌ رعاع، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في علم، ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿صُ بُكْمُ عُنْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أطلق ذلك عليهم مع أنهم كانت لهم أسماع وأبصار، ولكنهم لما لم تحصلْ لهم ثمراتُ تلك الإدراكات، صاروا كأنهم عدموا أصلها، وقد أوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَّمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنْ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنَِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ومقصودُ هذا الحديث الإخبارُ عن تبدّل الحال، وتغيّره؛ بأن يستوليَ أهلُ البادية الذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرة ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالُهم، وتتّسع في حطام الدنيا آمالُهم، فتنصرف هِممُهم إلى تشييد المباني وهَدْم الدِّين وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وُجِد كان من أشراط السّاعة، ويُؤْيِّد هذا ما ذُكر عن رسول الله وَ لفيه أنه قال: (لا تقوم الساعةُ حتى يكونَ أسعدَ الناس بالدنيا لكع بن لكع))(١) وقد شوهد هذا(٢) كله (٣) عياناً، فكان ذلك على صدق رسول الله ﴿ وعلى قرب الساعة حُجَّة (١) رواه أحمد (٣٨٩/٥)، والترمذي (٢٢١٠). ((اللكع)): اللئيم. (٢) في (ط) و (ل): ذلك. (٣) من (ل). ١٥٠ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: ثم انطلق. وبرهاناً، وفيه دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه من تطويل البناء وتشييده، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يُؤْجر ابنُ آدم في كلِّ شيء إلا ما يضعه في هذا التراب))(١). ومات رسول الله عليه ولم يضع حجراً على حجر، ولا لَبِنة على لَبِنة، أي: لم يشيّد بناءً، ولا طوّله، ولا تأنّق فيه. والرعاء: جمع راع، وأصلُ الرعي: الحفظ. والشاء: جمع شاةٍ، وهو من الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء، وهو كثير، فيما كان خِلْقَة لله تعالى؛ كشجرة وشجر، وثمرة وثمر. وإنما خصَّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية. والبَهْم - بفتح الباء -: جمع بهيمة؛ وأصلها: صِغار الضأن والمعز، وقد يختصّ بالمعز، وأصله من استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. ووقع في البخاري: ((رعاء الإبل البُهم))، بضم الباء، جمع بهم، وهو الأسود الذي لا يخالطه لون آخر. وقيّدت ميمُ البهم بالكسر والضم، فمن كسرها جعلها صفةً للإبل ومن رفعها جعلها صفة للرعاء. وقيل: معناه: لا شيء لهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((يُحشر الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرِلاً))(٢).؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا التأويلُ فيه نظرٌ(٣)؛ لأنّه قد نسب لهم إيلاً وظاهرها الملك. وقال الخطابيّ: هو جمع بهيم، وهو المجهولُ الذي لا يُعْرَف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأولى أن يُحمل على أنهم سود الألوان؛ لأن الأدمةَ غالبةٌ على ألوانهم، ورواية مسلم في رعاء البَهم من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنها الأنسبُ لمساق الحديث ولمقصوده، فإنّ مقصوده: أنَّ أضعفَ (١) رواه البخاري (٥٦٧٢) بلفظ: ((إنّ المسلم ليؤجر في كلِّ شيء ينفقه؛ إلا في شيء يجعله في هذا التراب)). (٢) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) في (ط) و (ل): بعد. ١٥١ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً فلبثتُ مَلِيّاً، ثم قال: ((يا عمرُ! أتدري من السَّائِلُ؟)) قلت: الله ورسولُه أعلمُ. أهل البادية، وهم رعاء الشاء، سينقلب بهم الحالُ إلى أن يصيروا ملوكاً، مع ضَعْفهم وبُعدهم عن أسباب ذلك. وأما أصحاب الإبل فهم أهلُ الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ أهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالة ولا فقراء غالباً. و (قوله: وتؤمن بالبعث الآخر) وصفُ البعث بالآخر يحتمل أن يكون(١) الإيمان بالبعث على جهة التأكيد، كما قالوا: أمس الدّابر، وأمس الذاهب. ويحتمل: أن يقال: إن الآخر. البعثَ إحياءً بعد إماتة، وقد فعل اللهُ ذلك مرتين؛ فأحيانا بعد أن كُنَّا نطفاً، وعلقاً، ومضغاً، وهي أموات، ثم يحيينا ليوم القيامة، وهو البعثُ الآخر كما قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَعْيَكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ تُچِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. قال أهل التفسير: أمواتاً في حال كوننا نُطَفاً، وعلقاً في الأرحام، ثم نفخ الروح وأحيا. و (قوله: فعجبنا له يسأله ويصدقه) إنما تعجّبوا مِن ذلك لأنَّ ما جاء به النبيُّ ◌َ ﴿ لا يُعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي وَِّ، ولا بالسماع منه، ثم هو قد سأل سؤالَ عارف محقّق مصدّق، فتعجّبوا من ذلك تعجّب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسؤول عنها من غير جهة النبي ◌َّار. و (قوله: فلبث ملياً) أي: أقام بعد انصرافه حيناً، يعني: النبيَّ ◌َّ، ويروى: ((فلبثتُ)) بتاء مضمومة للمتكلم، فيكون عمر هو الذي أخبر بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيحُ المعنى. (١) قوله: (أن يكون) من (مر) و (ل). ١٥٢ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: «فإنہ جبريلُ أتاکم یُعَلِّمُگُم دینگُم)). رواه أحمد (٥١/١)، ومسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٣)، والنسائي (٩٧/٨)، وابن ماجه (٦٣). [٨] وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله وَّهُ: (سَلُوني))، فَهَابُوه أن يسألوه. الملائكة قادرون على التشكّل. و (قوله: ((إنه جبريل))) دليلٌ على أن الله تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا مِن صُوَر بني آدم، كما قد نص الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِّقًا﴾ [مريم: ١٧]. وقد كان جبريلُ يتمثّل للنبي ◌ِ له في صورة دحية بن خليفة، وقد كان لجبريل صورةٌ خاصّةٌ خُلِقٍ عليها، لم يره النبي ◌َّ عليها غير مرتين. كما صحّ الحديثُ بذلك. وهذا يدلُّ على أن النبيِ وَّ عرف جبريلَ لكن في آخر الأمر، فأما قبل ذلك فقد جاء في كتاب البخاري: التصريحُ بأنه لم يعرف أنه جبريل إلَّا في آخر الأمر. و (قوله: ((أتاكم يعلمكم دينكم))) أي: قواعد دينكم أو كلّيات دينكم. قال القاضي(١): وهذا الحديثُ قد اشتملَ على جميع وظائفِ العبادات الظّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفّظ من آفات الأعمال، حتى إن علومَ الشريعة كلّها راجعةٌ إليه ومتشعبة منه. حديث جبريل أمّ السُّنَّة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أمّ السُّنة؛ لما تضمنه من جمل علم السُّنة، كما سميت الفاتحة: أمَّ الكتاب، لما تضمنته من جمل معاني القرآن، كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. (قوله عليه الصلاة والسلام: ((سلوني) فهابوه أن يسألوه) كان هذا منه لما السؤال مفتاح العلم (١) أي: القاضي عياض - رحمه الله -. ١٥٣ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً قال: فجاءَ رجلٌ فجلسَ عند ركبتيه فقال: يا رسول الله! ما الإسلامُ؟ قال: ((أَلَّ تُشرك بالله شيئاً - في رواية: تعبد الله لا تشركُ به شيئاً - وتُقِيم الصَّلاةَ - في رواية: المكتوبة -، وتُؤْتِي الزكاة - في روايةٍ: المفروضة -، .. أكثروا عليه من الأسئلة، واستشعروا أنه كان هناك من سأل تعنّاً وتجهيلاً، فغضب لذلك حتى احمرّ وَجْهُه، وجعل يقول: ((سلوني سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا»، فدخل الناسَ من ذلك خوفٌ، فلم يزل كذلك حتى برك عمر بين يديه، وجعل يقول: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، حتى سكنَ غَضَبُهِوَله، وسيأتي الحديثُ بكماله(١). وفي ذلك الوقت أنزل الله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبَّدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. فانكفّ الناسُ عن سؤال النبي له، ولذلك قال: نُهينا أن نسألَ رسولَ اللهِ وَل﴿ عن شيء، فلمّا انكفّوا عن ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى، وتعظيماً لحرمة رسولِ اللهِ وَ﴿ه، علم اللهُ ذلك منهم، فأرسل السائلَ البصيرَ فأجابه العالمُ الخبيرُ، فجعل العلم للسامعين الممثلين من غير سؤال، كما قد كفى اللهُ المؤمنينَ القتال، وقد نبّه على ذلك النبيُّ ◌َ﴿ بقوله: ((هذا جبريلُ أراد أن تعلّموا إذْ لم تسألوا)). وقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في جوابه عن الإسلام: ((تعبد الله التوافل لا تدخل لا تشرك به شيئاً)) بدل قوله في حديث عمر: ((أن تشهد أن لا إله إلَّا الله)) .. إلى في مسمّى العلم آخره، فهو نَقْلٌ بالمعنى، وحديثُ عمر نقل باللفظ، والله أعلم. وتقييده في هذا الشرعي. الحديث الصلاة بالمكتوبة والزكاة بالمفروضة دليلٌ على أنَّ النوافلَ لا تدخلُ في مُسمَّى الإسلام الشرعي، فيخرج منه الصلواتُ المسنوناتُ وغيرها، وزكاة الفطر، على قول من يرى أنّها سُنّة وصدقات التطوع، وهذا كلّه يدور على القول بدليل الخطاب على ما أوضحناه في ((الأصول)). (١) انظر الحديث في تلخيص مسلم برقم (٢٩٧٦). ١٥٤ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وتصومَ رمضان))، قال: صدقتَ. قال: يا رسولَ الله! ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتابِه ولقائِه ورسلِهِ، وتؤمنَ بالبعثِ الآخِرِ، وتؤمنَ بالقَدَرِ كلِّه))، قال: صدقتَ. قال: يا رسول الله! ما الإحسانُ؟ قال: ((أن تخشى اللهَ كأنَّك تراهُ، فإنَّك إنْ لا تَكُنْ تراهُ فإنَّه يراكَ)). قال: صدقتَ. قال: يا رسول الله! متى تقومُ السَّاعةُ؟ قال: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ مِنَ السَّائِلِ، و (قوله: ((وتصوم رمضان))) دليل على جواز قول القائل: رمضان، من غير ((رمضان)) ليس من أسماء الله إضافة الشهر إليه، خلافاً لمن يقول: لا يقال إلا: شهر رمضان، متمسّكاً في ذلك تعالی. بحديث لا يصحّ، وهو أنه يُروى عن النبي ◌َ له أنه قال: ((لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى))(١). خرجه ابن عَدي من حديث أبي معشر نجيح، ولا يُحتج به. ولو سلّمنا صحّته لكانت الأحاديثُ التي فيها ذِكْرُ رمضانَ من غير شهر الأولى؛ لأنها أصحُّ وأشهرُ، ولأن مثبته منكر إذ لم يوجد في شيء من أسماء الله تعالى رمضان، ولأن المعنى الذي اشتق منه رمضان مُحالٌ على الله تعالى، وحُكِي عن القاضي أبي بكر بن الطيّب(٢) أنه قال: إنما يُكره ذلك فيما يدخل في الكلام لَیْساً، مثل: جاء رمضان، ودخل رمضان. وأما: صُمْنا رمضان، فلا بأس به. قيام الساعة و (قوله: متى تقوم الساعة) مقصودُ هذا السؤال امتناُ السَّامعين من السؤال لا يعلمه إلا الله. عنها، إذ قد كانوا أكثروا السؤالَ عن تعيين وقتها، كما قال تعالى: ﴿يَتْثَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرُسَهَا﴾ [النازعات: ٤٢]، و﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] وهو کثیرٌ في الكتاب والسُّنّة، فلما أجابه النبيُّ ټله: بأنه لا يعلمها إلا الله، يئس السائلون من معرفتها، فانكفّوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف الأسئلة الأُخَر، فإنَّ (١) رواه ابن عدي في الكامل (٢٥١٧/٧). (٢) الإمام الباقلاني. ١٥٥ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً وسأحدٌّتُكَ عن أشراطِها: إذا رأيتَ المرأةَ تَلِدُ رَبَّها فذاكَ من أشراطِها، وإذا رأيتَ الحفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلوكَ الأرضِ فذاك من أشراطِها، وإذا رأيتَ رِعَاءَ البَهْمِ يتطاولون في البُنيانِ فذاكَ من أشراطِها، في خمس من الغيبٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يَُزِّدُ أَلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. مقصودَها استخراجُ الأجوبة عنها ليستعملها السامعون، ويعمل بها العاملون. و (قوله: سأحدثك عن أشراطها)، وفي حديث عمر قال: (فأخبرني عن أشراط الساعة. أمارتها) ووجه التلفيق: أنه لم يقلْ له النبي له سأحدثك عن أشراطها حتى قال له جبريل: فأخبرني عن أمارتها، فذكر في إحدى الروايتين السؤال والجواب، وفي الأخرى الجواب فقط، والله أعلم. وقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريباً من زمانه، وإلا فالشروطُ كثيرة، وهي أكثرُ ممّا ذكر هنا، كما دلّ عليه الكتابُ والسُّنَّة، ثم إنها منقسمةٌ إلى ما يكون من نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحدیث، وکرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزِّنى، وشُرْب الخمر، إلى غير ذلك؛ وأما التي ليست من النوع المعتاد: فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوقُ الناسَ وتحشرهم على ما يأتي. و (قوله: في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله) فيه حذفٌ وتوسّع. أي: خمس من هي من الخمس التي قد (١) انفرد اللهُ بعلمها، أو في عددهن، فلا مطمعَ لأحد في إلا اله. علم شيء من هذه الأمور الخمس؛ ولقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اٌلْغَيْبِ الغيب لا يعلمها (١) ساقطة من (ع). ١٥٦ (١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً ثم قامَ الرَّجلُ، فقالَ رسول الله وَّهِ: ((رُدُّوهُ عَلَيَّ)) فَالْتُمِسَ فلم يجدوه. فقال رسولُ الله ◌َ ﴿: ((هذا جبريلُ أرادَ أن تَعَلَّمُوا إذْ لم تَسْأَلُوا)). وفي رواية: ((إذا وَلَدَتِ الأمةُ بَعْلَها)) يعني السَّراريَّ. رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) و (١٠)، وأبو داود (٤٦٩٨)، والنسائي (١٠١/٨). لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فلا طريقَ لعلم شيء من ذلك إلاّ أن يُعْلِمَ الله تعالى بذلك، أو بشيءٍ منه أحداً ممن شاءه. كما قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا * إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ -٢٧]. فمن ادّعى عِلْم شيءٍ من هذه الأمور كان في دعواه كاذباً إِلَّا أن يُسنِد ذلك إلى رسولٍ بطريق تفيد العلم القطعي، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنع، وأما ظنّ الغيب فلم يتعرَّض شيء من الشرع لنفيه ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظن المنجم أو صاحب خط الرمل أو نحو هذا شيئاً مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظَنَّه، فيكون ذلك ظناً صادقاً إذا كان عن موجب عادي يقتضي ذلك الظن، وليس بعلم، فيفهم هذا منه، فإنه موضعٌ غلط بسببه رجال، وأُكِلَتْ به أموال. ثم اعلم أن أخذ الأجرة والجُعْل على ادعاء علم الغيب أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البر. وفي الحديث أبوابٌ من الفقه وأبحاثٌ يطولُ تَتَبُّعها، والله أعلم. ١٥٧ (١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام (٢) باب وجوب التزام شرائع الإسلام [٩] عن طلحة بن عبيد الله؛ قال: جاء رجل إلى رسول الله وَلقه من أهل نجد، ثائرُ الرَّأُسِ، (٢) ومن باب: وجوب التزام شرائع الإسلام الشَّرائعُ: جمع شريعة، وهي في أصل اللغة: مَشْرعة الماء، وهي موردُ معنى شرائع الشَّارعة، فسميت شرائعُ الإسلام بذلك؛ لأنَّها الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الإسلام. الورود علیها، والعمل بها. و (قوله: جاء رجلٌ من أهل نجد ثائرُ الرأس) قيل: إن هذا الرجل هو ضِمَام بن ثعلبة؛ الذي سمّاه البخاري في حديث أنس المذكور بعد هذا. وإنّ الحديثين حديث واحد، وهذا فيه بُعْدٌ، لاختلاف مساقهما، وتباين الأسئلة فيهما، ولزيادة الحجّ في حديث أنس، ويبعد الجمعُ بينهما، فالأولى أن يقال: هما حديثان مختلفان، وكذلك القول في كل ما يرد من الأحاديث التي فيها الأسئلة المختلفة؛ كحديث أبي أيوب وجابر وغيرهما مما يذكر بعد هذا. وقد رام بعضُ العلماء الجمع بينها، وزعم أنها كلها حديث واحد، فادّعى فَرَطاً، وتكلّف شططاً، من غير ضَرورةٍ نقلية ولا عقلية. والنجدُ: المرتفعُ من الأرض، والغور: المنخفضُ منها، وهما بِحُكْم العُرْف جهتان مخصوصتان. وثائر الرأس: منتفش الشَّعر، مرتفعه. من قولهم: ثار الشيء؛ إذا ارتفع، ومنه: ثارت الفتنة. وهذه صفةُ أهل البادية غالباً . أ أ ١٥٨ (١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام يُسْمَعُ دَوِيُّ صوتِه، ولا يُفْقَهُ ما يَقُولُ، حتى دَنا من رسول الله وَّرِ فإذا هو يَسْأَلُ عن الإسلام، فقال رسول الله صله: ((خمسُ صَلَواتٍ في اليوم واللَّيلةِ» فقال: هل عَلَيَّ غَيرُمنَّ؟ و (قوله: نَسْمَع دويَّ صوته ولا نَفْقه ما يقول) رويناه: يُسمع، ويُفقه - بالياء اثنتين من تحتها - مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وبالنون فيهما للفاعل، وكلاهما واضحُ الصِّحَّة، وإنما لم يفهموا ما يقول؛ لأنه نادى من بُعدٍ، فلما دنا فهموه، كما قال: حتی دنا من رسول الله (ڑ. و (قوله: فإذا هو يسأل عن الإسلام) ((إذا)) هذه هي المفاجئة التي تقدّم ذكرها. شرائع الإسلام غیر حقيقته. وهذا السَّائِل إنما سأل عن شرائع الإسلام، لا عن حَقيقةِ الإسلام، إذ لو كان ذلك لأجابه بما أجاب به جبريلَ عليه السلام في حديثه. ولما رواه البخاريُّ(١) في هذا الحديث؛ فإنه قال: فأخبره رسولُ الله ◌ِ ﴿ بشرائع الإسلام، وكأن النَّبِيَّ ◌َّ فهمَ عنه أنه إنما (٢) سأل عمّا تعيَّن فِعْلُه من شرائع الإسلام الفعلية لا القلبيّة، ولذلك لم يذكرْ له: أن تشهدَ أن لا إلَهَ إِلَّا الله، وأن محمداً رسولُ الله، وكذلك لم يذكرْ له الحجَّ؛ لأنه لم يكنْ واجباً عليه؛ لأنه غيرُ مستطيع، أو لأنَّ الحَّ على التّراخي، أو لأنه كان قبل فَرْض الحج. والله أعلم، وسيأتي ذكر (٣) الاختلاف في وقت فَرْض الحجّ. الوتر عند و (قوله: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرهن؟ فقال: الجمهور وأبي لا) يدلُّ هذا على أن الوترَ ليس بلازم ولا واجب، وهو مذهبُ الجمهور. وخالفَهم حنيفة. (١) رواه البخاري (٢٦٧٨). (٢) ساقطة من (ع). (٣) من (ع). ١٥٩ (١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام فقال: ((لا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ. وصيامُ شهرِ رمضانَ)) فقال: هل عَلَيَّ غيرُه؟ قال: ((لا، إلَّا أن تَطَّوَّعَ))، وذكر له رسول الله بَّه الزكاة، فقال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلا أن تَطْوَّعَ)) قال: فأدبرَ الرجل وهو يقول: والله لا أزيدُ على هذا ولا أَنْقُصُ منه. أبو حنيفة، فقال: إنه واجبٌ، ولا يُسمِّيه فرضاً؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعاً بلزومه، كالصَّلوات الخمس. و (قوله: هَل عليّ غيرهن؟ فقال: لا؛ إلا أن تَطَّوَّع) ظاهرٌ في أن معنى هذا الشروع في الكلام: هل يجب عليّ من تطوع الصّلوات شيءٌ غير هذه الخمس؟ فأجابه: بأنه التطوع. لا يجبُ عليه شيء؛ إلا أن تطوع فيجب عليك، وهذا ظاهرٌ لأنّ أصلَ الاستثناء من الجنس، والاستثناء من غير الجنس مختلف فيه، ثم هو مَجَازٌ عند القائل به، فإذا حَمَلْناهُ على الاستثناء المتّصل لزم منه أن يكونَ التطوعُ واجباً، ولا قائلَ بِهِ لاستحالته وتناقضه، فلم يبق إلا ما ذهب إليه مالك، وهو أن التطوعَ يصيرُ واجباً بنفس الشروع فيه، كما يصير واجباً بالنَّذر، فالشروعُ فيه التزامٌ له، وحينَئذٍ يكونُ معنى قوله: ((أن تطوع)): أن تشرعَ فيه وتبتدئه، ومَن ادَّعى أنه استثناءٌ من غير الجنس طُولب بتصحيح ما ادعاه، وتمسّك مانعه بالأصل الذي قرّرناه. و (قوله: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: واللهِ لا أزيدُ على هذا ولا أنقص) قيل: معنى: لا أزيد معناه: لا أُغيِّرُ الفروضَ المذكورةَ بزيادةٍ فيها ولا نقصانٍ منها، ولا يصحّ أن يقال: على هذا ولا إن معناه: لا أفعل شيئاً زائداً على هذه الفرائض المذكورة من السنن ولا من أنقص. فروض أُخَر إن فرضت، فإن ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده لأنه منكر، والنبي ◌َل# لا يقرّ على مثله. 1 أ ١٦٠ (١) كتاب الإيمان - (٢) باب: وجوب التزام شرائع الإسلام فقال رسول الله وَله: ((أفلحَ إِنْ صَدَقَ)). معنى الفلاح. و (قوله: ((أفلح وأبيه إن صدق))) أي: فازَ بمَطْلُوبِه، قال الهرويّ: العربُ تقول لكلِّ مَن أصاب خيراً: مفلحٌ. قال ابنُ دُرَيد: أفلح الرجلُ وأنجح؛ إذا أدرك مطلوبه. وأصل الفلاح الشَّق والقَطْع. قال الشاعر: إِنَّ الحَدِيدَ بالحَدِيدٍ يُفْلَحُ(١) أي: يشق، فكأنَّ المفلح قد قطع المصاعب حتى نالَ مطلوبه. وقد استُعمِلَ الفلاحُ في البقاء. كما قال: أدركها مُلاعِبُ الرِّماحِ لَوْ كان حيٍّ مُذْرِكَ الفَلاَحِ وقال آخر : نحلُّ بلاداً كلَّها حُلَّ قبلنا ونرجو الفَلاَحَ بعد عادٍ وحِمْيَرٍ الحلف بالآباء. و (قوله: ((وأبيه))) الروايةُ الصَّحيحةُ التي لا يعرف غيرها هكذا بصيغة القسم بالأب. وقال بعضُهم: إنما هي: (والله) وصُحِّفت بأن قصرت اللامان فالتبست بأبيه، وهذا لا يُلْتَفَتُ إليه، لأنه تَقْدِير يخرمُ الثقة برواية الثقات الأثبات، وإنما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال لما عارضه عنده مِن نهيهَ # عن الحلف بالآباء، حيث قال: ((لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))(٢). وينفصل عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يُقالَ: إن هذا كان قبل النَّهي عن ذلك. والثاني: أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بحكم السَّبق، من غير قصد (١) هذا عجز بيت، وصدره: قد عَلِمَتْ خيلُكَ أَنِّي الصَّخْصَحُ. (٢) رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.