Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٥) باب: الإسناد من الدين
(٥) باب
الإسناد من الدين
- قال محمد بن سيرين: إن هذا العِلمِ دِينٌ؛ فانظرُوا عَمَّنْ تأخذون
دينكُمْ.
وبه سمي كتاب الله: قرآناً لما جمع من المعاني الشريفة، ثم قد يقال: أصل كلمة
القرآن.
مصدراً، بمعنى: القراءة، كما قال الشاعر في عثمان:
يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبِيحاً وقُرآناً(١)
أي: قراءة، ومعنى هذا الحديث: الإخبار بأن الشياطين المسجونة ستخرج،
فتموه على الجهلة بشيء، تقرؤه علیهم، وتلبس به، حتى يحسبوا أنه قرآن، كما
فعله مسيلمة. أو تسرد عليهم أحاديث تسندها للنبي # كاذبة، وسميت: قرآناً،
لما جمعوا فيها من الباطل. وعلى هذا الوجه يُستفاد من الحديث: التحذير من
قبول حدیث من لا يُعرف.
(٥) ومن باب: الإسناد مِن الدِّينِ
أي: من أصوله، لأنّه لما كان مرجعُ الدِّينِ إلى الكتاب والسنة، والسُّنة الإسناد من
لا تُؤخذ عن كلّ أحد، تعيَّنَ النظر في حال النَّقْلَة واتصال روايتهم، ولولا ذلك
لاختلط الصادق بالكاذب، والحقّ بالباطل، ولمّا وَجَب الفرق بينهما وجب النظرُ
في الأسانيد، وهذا الذي قاله ابن المبارك قد قاله أنس بن مالك وأبو هريرة ونافع
مولى ابن عمر وغيرهم، وهو أمرٌ واضحُ الوجوب لا يُختلف فيه. وقال عُقبة بن نافع
أصول الدين.
(١) هذا عجز بيت لحسّان، وصدره:
ضَحّوا بأشمطَ عنوانُ السُّجودِ له.

١٢٢
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٥) باب: الإسناد من الدين
- وقال: لم يكونوا يَسْأَلُون عَنِ الإسناد، فلما وقعتِ الفتنةُ قالوا:
سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إلى أهل السُّنَّةُ فَيُؤْخَذُ حديثُهم، وَيُنْظَرُ إلى أهل
البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حديثُهم.
لبنيه: يا بَنِيَّ! لا تقبلوا الحديثَ إلا من ثقة. وقال ابنُ معين: كان فيما أوصى به
صُهيب بنيه أن قال: يا بَنِيَّ! لا تقبلوا الحديث عن رسول الله وَل﴿ إِلَّا من ثقة. وقال
ابنُ عون: لا تأخذوا العلمَ إلا ممن يُشهد له بالطلب. وقال سليمانُ بن موسى:
لا يُؤخذ العلم من صَحَفي(١). وقال أيضاً: قلت لطاووس: إن فلاناً حدثني بكذا
وكذا، فقال: إن كان مُثْبِتاً(٢) فخُذْ عنه.
و (قوله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد) يعني بذلك: من أدرك من الصحابة
الصحابة كلهم
عدول.
وكبراء التابعين. أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكلّ عُدول على
مذهب أهل الحق، كما أوضحناه في ((الأصول))، وكذلك: كلّ من خالف في قبول
مراسيل غير الصحابة وافق على قبول مراسيل الصّحابة، وأما كبراء التابعين
قبول مراسيل ومتقدّموهم فالظّاهرُ مِن حالهم أنهم يُحدّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقْبَل
كبراء التابعين. مراسيلُهم، ولا ينبغي أن يختلفَ فيها؛ لأنّ المسكوت عنه صحابي، وهم عدول،
وهؤلاء التابعون هم: كعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر،
ومحمد بن سيرين، وغيرهم ممّن هو في طبقتهم. وأما مَن تأخّر عنهم ممن حدّث
عن متأخري الصّحابة وعن التّابعين؛ فذلك محلّ الخلاف. والصّواب قبول المراسيل
إذا كان المرسلُ مشهورَ المذهب في الجرح والتعديل، وكان لا يُحدِّثُ إلا عن
العدول، كما أوضحناه في ((الأصول)».
ردّ أخبار قتلة
عثمان
والخوارج.
و (قوله: فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم) هذه الفتنة يعني بها
(١) ((الصَّحَفي): من يُخطىء في قراءة الصحيفة، ومن يعتمد في رواياته على الصُّحف دون
الرجال.
(٢) في (م) وإكمال إكمال المعلم (٢٤/١): مليئاً.

١٢٣
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٥) باب: الإسناد من الدين
- وقال عبدُ الله بن المبارك: الإسْنَادُ من الدينِ، ولولا الإسنادُ لقال
مَنْ شاءَ مَا شاءَ.
- وقال: بيننا وبين القومِ القَوَائِمُ - يعني الإسنادَ -.
- وعن مجاهدٍ قالَ: جاء بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إلى ابنِ عَبَّاسِ، فجعلَ
يُحَدِّثُ ويقول: قال رسولُ الله مَ ◌ّهِ. قال رسول الله ◌َّه. قال: فَجَعَلَ ابنُ
عباس لا يَأْذَنُ لحديثِهِ ولا ينظرُ إليه. فقال: يا بنَ عباس: ما لي لا أَرَاك
- والله أعلم -: فتنة قتل عثمان، وفتنة خروج الخوارج على عليّ ومعاوية، فإنهم
كفّروهما حتى استحلّوا الدِّماءَ والأموال، وقد اختلف في تكفير هؤلاء، ولا يُشَكّ
في أنَّ مَن كفَّرهم لم يَقْبَلْ حَدِيثَهم، ومن لم يكفرهم اختلفوا في قبول حديثهم،
كما بيناه فيما تقدّم، فيعني بذلك - والله أعلم -: أنَّ قتلةَ عثمان والخوارج لما
كانوا فُسّاقاً قَطْعاً؛ واختلطت أخبارُهم بأخبار مَن لم يكنْ منهم؛ وَجَب أن يبحث
عن أخبارهم فتردّ، وعن أخبار غيرهم ممن ليس منهم فتقبل، ثم يجري الحكم من
غیرهم من أهل البدع كذلك.
ولا يظنّ أحدٌ له فهم أنه يعني بالفتنة: فتنة علي وعائشة ومعاوية: إذ لا يصحّ ما حدث بين
أن يُقالَ في أحدٍ منهم: مبتدع ولا فاسق، بل كلّ منهم مجتهدٌ عَمِلَ على حَسَب علي وعائشة
ظنّه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة لانتنة.
ومعاوية اجتهاد
المعلومة: وهي أنّ كُلَّ مجتهد مأجورٌ غير مأثوم، على ما مهّدناه في ((الأصول)).
و (قوله: جاء بُشَير العدوي إلى ابن عباس) بُشَير، بضم الباء وفتح الشين وياء
التّصغير بعدها، وهو عدوي بصري، يكنى: أبا أيوب، حدّث عن أبي ذر،
وأبي هريرة وأبي الدرداء، وحدث عنه عبد الله بن بديل، وطلق بن حبيب،
والعلاء بن زياد.
و (قوله: فجَعَلَ لا يأذن لحديثه) أي: لا يصغي إليه بأُذُنِه، ولا يستمعه،
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢].

١٢٤
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٥) باب: الإسناد من الدين
تسمعُ لحديثي، أَحَدِّثُكَ عَنْ رسول اللهِ ولا تَسْمَعُ. فقال ابن عباس: إنَّا
كنا مرةً إذا سمعنَا رجلاً يقول: قال رسول الله وَله: ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنا
إليه بآذَانِنا، فلمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ، لم نأخذْ من النَّاس إِلَّا
ما نَعْرِفُ.
- وفي رواية: فقال ابنُ عباس: إنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عن رسول اللهِ وَِّ إذْ
لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عليه، فلما رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ والذَّلولَ، تركنا الحديثَ
عنه .
الآثار الواردة في هذا الباب انظرها في صحيح مسلم (١٣/١ - ١٥
*
المقدمة).
ابن عباس
بحدّٹ
الصحابة.
و (قوله: كنا إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله وليفي ابتدرته أبصارنا،
عن وأصغينا إليه بآذاننا) أي: قبلنا منه وأخذنا عنه. هذا الذي قاله ابن عباس يشهد
بصحة ما تأوَّلنا عليه قول ابن سيرين، فإنَّ ابنَ عباس كان في أوّل مرة يُحدِّث عن
الصَّحابة، ويأخذ عنهم؛ لأن سماعَه من رسول الله ﴿ كان قليلاً لصغر سِنِّه، فكان
حالُه مع الصحابة كما قال، فلما تلاحَقَ التابعون وحدّثوا، وظهر له ما يوجب الريبة
لم يأخذْ عنهم، كما فعل مع بُشَيْر العدوي.
تسامح الناس
و (قوله: فلما ركب الناس الصّعب والذلول لم نأخذْ من الناس إلا ما نعرف)
في الحديث عن هذا مثل، وأصله في الإبل، ومعناه: أن الناس تسامحوا في الحديث عن
رسول الله.
رسول الله ﴿ واجترؤوا عليه، فتحدثوا بالمرضيّ عنه، الذي مثله بالذلول من
الإبل، وبالمنكر منه الممثَّل بالصعب من الإبل.

١٢٥
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٦) باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم
(٦) باب
الأمر بتنزيل الناس منازلهم
ووجوب الکشف عمن له عیب من رواة الحديث
[٦] عن عائشة؛ أنها قالت: أمرنا رسولُ اللهِ وَ﴿ أن نُنَزِّلَ الناسَ
منازلَهُم.
و (قوله: لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) أي: إلا ما نعرف ثقة نقلته
وصحة مخرّجه.
و (قوله: إنا كنّا نحدّث عن رسول الله ﴿) الصحيح في: نحدَّث، بضمّ
النون وفتح الدال مشدّدة، مبنيّاً للمفعول. ويؤيِّده قوله في الرواية الأخرى: كُنَّا إذا
سمعنا رجلاً يقول: قال رسولُ اللهِ وَ له: ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا.
وكذلك وجدته مقيّداً بخطّ مَن يُعتمد على علمه وتقييده. وقد وجدتُه في بعض
النسخ بکسر الدال، وفيه بُعْد، ولعلّه لا يصُ.
(٦) ومن باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم،
ووجوب الکشف عمّن له عیبٌ مِن رواة الحديث
(قول عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسولُ اللهِ لَ﴿ أن ننزلَ الناس منازلهم)
استدلال مسلم بهذا الحديث يدل ظاهراً على أنه لا بأس به، وأنه مما يحتج به
عنده، وإنما لم يسنده في كتابه؛ لأنه ليس على شَرْط كتابه، وقد أسنده أبو بكر
البزار في ((مسنده) عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة، عن النبي ◌َّ، وقال:
لا يعلم عن النبي ولو إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه
موقوفاً. وقد ذكره أبو داود في مصنفه فقال: حدثنا إسماعيل بن أبي خلفٍ: أن
يحيى بن يمان أخبرهم عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن

١٢٦
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٦) باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم
استدل به مسلم هکذا، ولم يسنده، وقد ذكره أبو داود في مصنفه.
وأبو بكر البزار في مسنده، وقال: لا يُعْلَمُ إلا من حديث ميمون بن أبي
شَبِيبٍ، عن عائشة، عن النبي ◌َّر.
- وعن أبي عَقِيلٍ يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة، قال: كنتُ
جالساً عند القاسم بن عُبَيْدِ الله، ويحيى بن سعيد، وقال يحيى للقاسم:
يا أبا محمد إنه قبيحٌ - على مثلك - عظيمٌ أن تُسْأَلَ عن شيءٍ من أمر هذا
الدِّين فلا يُوجد عندكَ منه علمٌ ولا فَرَجٌ، أو علمٌ ولا مخرجٌ. فقال له
القاسم: وعمَّ ذاكَ؟ قال: لأنَّك ابنُ إمامَيْ هُدىّ؛ ابنُ أبي بكرٍ وعُمَر، قال:
يقول له القاسم: أقبحُ من ذلك عندَ من عَقَلَ عن اللَّهِ أن أقولَ بغير عِلْمٍ أو
آخُذَ عن غير ثقة. قال: فسكتَ فما أجابَه.
- وفي رواية: فقال له يحيى بن سعيد: إني لأَعْظِمُ أن يكونَ
مثلُك، وأنت ابنُ إمامَيْ الهدى - يعني عُمَرَ وابن عمر - تُسْألُ عن أمرٍ ليس
أبي شبيب، أن عائشة مرَّ بها سائلٌ فأعطته كسرة، ومرَّ بها رجلٌ عليه ثياب زاهية
فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله وَله: ((أنزلوا الناس
منازلهم)). قال ابنُ الأعرابي: قال أبو داود: ميمون لم يَرَ عائشة(١).
قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: وعلى هذا؛ فالحديث منقطع، فقد ظهر
لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهر لمسلم، ولو ظهر له ذلك لما جاز له أن
يستدلَّ به إلا أن يكون يعمل بالمراسيل، والله أعلم أن (٢) مسلماً إنما قال: وذكر
عن عائشة، وهو مُشْعِر بضعفه، وأنه لم یکن عنده مما یعتمده.
(١) انظر سنن أبي داود (١٧٣/٥) رقم الحديث (٤٨٤٢).
(٢) في (ع) و(م): على أن. وهي أهم بل المثبت لا معنى له!

١٢٧
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٦) باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم
عندكَ فيه علمٌ. فقال: أعظمُ من ذلكَ عند الله، وعند من عقل عن الله، أن
أقولَ بغير علم أو آخذ عن غير ثقة.
- وقال يحيى بن سعيد القطّان: لم نَرَ أهل الخير في شيء أكذبَ
منهم في الحديثِ.
ومعنى هذا الحديث: الحضّ على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، مراعاة مقادير
فيعامل كلّ أحد منهم بما يليق بحاله، وبما يلائم منصبه في الدِّين والعلم، الناس.
والشرف، والمرتبة. فإن الله تعالى قد رتب عبيده وخَلْقه، وأعطى كلَّ ذي حقٌّ
حقَّه، وقد قال ◌َله: ((خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا))(١).
(وأبو عقيل) هو: بفتح العين وکسر القاف، واسمه یحیی بن المتوكل، كما
ذكره في الأصل. (وبُهَية) بضم الباء وفتح الهاء وما بعدها، تصغير بَهْيَة، وهي
امرأة كانت تروي عن عائشة أم المؤمنين، وهي التي سمّتها بهذا الاسم، وكان هذا
أبو عقيل قد روى عنها، وعرف بها، فنسب إلى صحبتها، وقد خرّج عنها
أبو داود.
و (قول يحيى بن سعيد الأنصاري للقاسم: إنك ابن أبي بكر وعمر) إنما
صحّت النسبتان على القاسم؛ لأنَّ أباه هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وأمه هي
ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وباسم جده هذا كان يكنى، فـ (عمر) جده لأبيه
الأعلى، و (أبو بكر) جده لأمه، فصدقت عليه النسبتان.
و (قول يحيى القطان: لم يُرَ أهلُ الخير في شيء أكذبَ منهم في الحديث) أهل الخير عُبّاد
يعني به: الغلط والخطأ، كما فسّره مسلمٌ. وسببُ هذا: أنَّ أهلَ الخير هؤلاء لا محدّثون.
المعنيين غلبت عليهم العبادةُ، فاشتغلوا بها عن الرواية فنسوا الحديث، ثم إنهم
(١) رواه البخاري (٣٣٨٣)، ومسلم (٢٦٣٨) (١٦٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

١٢٨
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٦) باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم
قال مسلم: يقول: يجري الكذبُ على لسانهم ولا يَتعمَّدُون الكذبَ.
- وقال أبو الزِّناد: أَدْرَكْتُ بالمدينة مئةً، كلهم مَأْمُونٌ، ما يؤخذ
عنهم الحديث، يُقال: ليس من أهله.
- وقال يحيى بن سعيد: سألتُ سفيانَ الثوريَّ وشعبةَ ومالكاً وابنَ
عُيينةَ، عن الرجلِ لا يكونُ ثَبْتاً في الحديث، فيأتيني الرجلُ فيسألُني عنه.
فقالوا: أَخْبِرْ عنه أنه ليس بِئَبْتٍ.
- وذكر مسلم عن جماعة كثيرة من السلف، كابن المبارك،
والشَّعبيِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وأيوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وغيرِهم، التنصيص على
عيوبٍ أقوامٍ بأعيانِهم، وذِكْرِ كذبٍ بعضِهم، والتحذيرِ عن الرواية عنهم،
باباً طويلاً، قال في آخره: وإنما ألزموا أنفسَهم الكَشْفَ عن مَعايبٍ رواةٍ
الحديث وناقلي الأخبار، وأَفْتَوْا بذلك حين سُئِلُوا، لما فيه من عظيم
الخَطَرِ؛ إذِ الأخبارُ في أمرِ الدِّين إنما تأتي بتحليلٍ، أو تحريمِ، أو أمرٍ، أَوَ
نهي، أو ترغيبٍ، أو ترهيبٍ. فإذا كان الراوي لها ليس بِمَعْدِنِ الصِّدق
والأمانة، ثم أقدمَ على الرواية عنه مَنْ قد عَرَفَهُ ولم يُبيِّنْ ما فيه لغيره ممن
جهلَ مَعْرِفَتَه، كان ائماً بفعلِه ذلك، غاشّاً لعَوَامِّ المسلمين. إذ لا يُؤْمَنُ
تعرّضوا للحديث فغلطوا، أو كثر عليهم الوهم فَتُرِك حديثهم، كما اتفق للعمري،
وفرقد السّبخي، وغيرهما.
و (قول أبي الزناد: أدركت بالمدينة مئة كلهم مأمون) يعني: أنهم كانوا
موثوقاً بهم في دينهم وأمانتهم، غير أنهم لم يكونوا حُفَّاظاً للحديث، ولا مُتقنين
لروايته ولا متحرزين فيه، فلم تكن لهم أهلية الأخذ عنهم، وإن كانوا قد تعاطوا
الحدیث والرواية .

١٢٩
مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٦) باب: الأمر بتنزيل الناس منازلهم
على بعضٍ من سمعَ تلك الأخبارَ أن يستعملها أو يستعملَ بعضَها، ولعلَّها
أو أكثرَها أحاديثُ أکاذیبُ، لا أصل لها.
فهذا الباب ما ذكره في صدر کتابه.
رواه مسلم (٦/١ - المقدمة)، وأبو داود (٤٨٤٢) مرفوعاً من
قوله :﴿ بلفظ: ((أنزلوا النَّاسَ مَنَازلَهُم)) وفيه انقطاع.
وفُتْيَا سفيان ومن بعده هي التي يجب العمل بها، ولا يختلفُ المسلمون في مساوىء الراوي
ذلك كما ذكره مسلم بعد هذا وأوضحه، وحاصله: أنّ ذكر مساوىء الراوي والشاهد.
والشاهد القادحة في عدالتهما وفي روايتهما أمر ضروري فيجب ذلك، فإنه إنْ لم
يُفْعَلْ ذلك قُبِل خبر الكذاب، وشهادة الفاسق، وغشّ المسلمون، وفسدت الدنيا
والدّين، ولا يُلتفت لقول غبيّ جاهل يقول: ذلك غيبة؛ لأنها وإن كانت من جنس
الغيبة فهي واجبة بالأدلة القاطعة، والبراهين الصّادعة، فهي مستثناةٌ من تلك
القواعد (١) للضرورة الداعية.
(١) في (م): القاعدة.

İ
i
1

١٣١
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
(١)
كتاب الإيمان
(١) باب
معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
[٧] عن يحيى بن يَعْمُر؛ قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة
(
كتاب الإيمان
(١) ومن باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
مقصودُ هذا الباب إيضاحُ معاني هذه الأسماء في الشرع دون اللغة، فإن
الشرعَ قد تصرّف فيها على ما يأتي بيانه.
و (قول يحيى بن يعمر: كان أول من قال في القَدَر بالبصرة معبد الجهني) معبد الجهني
معبدٌ هذا هو معبد بن عبد الله بن محمد، وقيل: معبد(١) بن خالد، والصّحيح: أن والقدر.
.لا ینسب، وهو بصري، روى عن عمر مرسلاً، وعن عمران، وروى عنه قتادة،
ومالك بن دينار، وعوف الأعرابي. قال أبو حاتم: وكان صدوقاً في الحديث،
ورأساً في القَدَر، قدم المدينة فأفسد فيها ما شاء الله. وقال يحيى بن معين: هو
ثقة .
(١) من (م).

١٣٢
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
السلف وعلم
الله .
القَدَر: مصدر قدرت الشيء؛ خفيفة الدال، أقَدِرُه. وأقدُرُه قَدْراً وقُدراً؛ إذا
أحطت بمقداره، ويقال فيه: قدّرتُ أقدّر تقديراً - مشدّد الدال للتضعيف - فإذا
قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى عَلِم مقاديرها، وأحوالها،
وأزمانها، [(١) قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو
ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثٌ في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادرٌ عن علمه
تعالی وقدرته وإرادته.
القدرية وعلم
الله .
هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلّت عليه البراهين. وقد
حكى أربابُ المقالات عن طوائف من القدرية: إنكار كون البارىء تعالى عالماً
بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها. قالوا: لأنه
لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله محال.
تبرُّؤ ابن عمر
من القدرية.
قال الشيخُ - رحمه الله تعالى -: وقد رُوي عن مالك: أنَّه فسَّر مذهب القدرية بنحو
ذلك. وهذا المذهبُ هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابنُ عمر.
ولا شكّ في تكغير مَن يذهبُ إلى ذلك، فإنه جَحْدُ معلومٍ من الشرع ضرورةً،
ولذلك تبرَّأ منهم ابنُ عمر، وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم أعمالُهَم ولا نفقاتُهم، وأنهم
كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تسمى: السُّكبية(٢).
وقد ترك اليوم فلا يعرف من ينسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين.
والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها.
القدرية مذهب
مبتدع باطل.
(١) من هنا وحتى ص (٧٨) انقطاع في النسخة العثمانية، واستدرك من النسخة المغربية.
(٢) كذا في (ع)، وفي (ط): السكيتية، ولم نجد في كتاب ((الملل والنُّحل)) فرقةً لهم
بهذا الاسم.

١٣٣
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ. فانطلقت أنا وحُمَيْدُ بن عبد الرحمن الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنٍ أو
مُعْتَمِرَيْنِ، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله وعليه فسألناه عَمَّا يقول
هؤلاء في القدر، فَوُفِّقَ لنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطّاب داخلاً المسجدَ،
ومعنى القدر عند القائلين به اليوم: أنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم، وواقعة منهم
بقدرتهم ومشيئتهم على جهة الاستقلال، وأنها ليست مقدورة لله تعالى ولا مخلوقة
له، وهو مذهبٌ مبتدعٌ باطلٌ بالأدلة العقلية والسمعية المذكورة في كُتُب أئمتنا
المتكلمين.
و (قوله: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري(١) حاجين أو
معتمرين) كذا الرواية الصحيحة بـ (أو) التي للشَّكِّ، فكأنه عرض له شك في
حالهما، هل كانا حاجين أو كانا معتمرين؟ وأجيب: بأنه وقع في بعض النسخ:
حاجين ومعتمرين. بالواو الجامعة على أنهما كانا قارنين، وفيه بُعْدٌ، والصحِيحِ
الأول، والله أعلم.
و (قوله: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله (ص#1) ((لو)) هنا بمعنى: ليت
وهي نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]،
ونحو قول امرىء القيس :
لو يشرون مَقْتَلي(٢)
٠٠٠٠.
.
(١) ساقطة من (ع) و (ط)، وأثبتناها من تلخيص مسلم.
(٢) هذا القول جزء من بيت لامرىء القيس، وتمامه:
تجاوزتُ أَخْراساً إليها ومَعْشَراً عليّ حِراصاً لو يشرون مقتلي
ويروى: لو يسرُّون مقتلي، كما في (م). انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني
ص (٤٧)، طبعة دار ابن كثير.

١٣٤
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدُنا عن يمينه والآخرُ عن شِماله، فظننتُ أنَّ
صاحبي سیکِلُ الکلامَ إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن !.
ويأتي لامتناع الامتناع، وهو أصلها. وبمعنى: إن، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وللتقليل، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((التمسن ولو
خاتماً من حديد))(١).
و (قوله: فاكتنفته أنا وصاحبي) أي: صرنا بكنفيه، والكنف والكنيف(٢):
الساتر، ومنه قول العرب: أنا في كنفك، أي: في سترك. وإنما جاءاه كذلك تأدباً
واحتراماً، إذ لو قاما أمامه لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلّفاه الميل
إليهما، وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما.
و (قوله: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ) هذا منه اعتذار عن توهم
اعتراض ينسب إليه فيه قلة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام،
فبيَّن وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه علم من صاحبه أنه يكلُ الكلام إليه، فإما
لكونه أحسن منه سؤالاً، وأبلغ بياناً، وإما لحياءٍ يلحق صاحبه يمنعه من السؤال،
وإما إيثاراً له، والله أعلم.
ترك الإطراء
والمدح.
و (قوله: يا أبا عبد الرحمن) فيه دليلٌ على ما كانوا عليه من الاقتصاد في
كلماتهم، وترك الإطراء والمدح وإن كان حقاً، فقد كان ابنُ عمر من أعلم الناس،
وأفضلهم، وابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء من
ذلك مع جلالته، ولا أطروه، محاسبةً منهم لأنفسهم على ألفاظهم، واكتفاءً بما
(١) رواه البخاري (٥١٣٥)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي
(١٢٣/٦)، وأحمد (٣٣٦/٥).
(٢) من (ط).

١٣٥
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
إنه قد ظهرَ قِبَلَنا ناسٌ يَقْرَؤُونَ القرآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وذكرَ مِن شأنهم:
وأنهم يزعمونَ أنْ لا قدَر، وأنَّ الأمرَ أُنْفٌ.
يُعلم من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يخاف منه الفتنة على المادح
والممدوح.
و (قوله: إنه قد ظهر قبلنا ناسٌ) أي: فشا مذهبهم وانتشر، وهو من الظهور
الذي يضادّ الخفاء.
و (قوله: يقرؤون القرآن، ويتقفَّرون العلم) وهذه اللفظة بتقديم القاف
وتأخير الفاء، أي: يتبعون ويجمعون. يقال: اقتفر أثره؛ أي: تتبعه. ورواها
أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف، أي: إنهم يُخرجون غامضه،
ويبحثون عن أسراره. ومنه قول عمر بن الخطاب، وذكر امرأ القيس، فقال: افْتَقَرَ
عن مَعانٍ عُورٍ أَصَحَّ بَصَرٍ؛ أي: فتح عن معانٍ غامضةٍ مبصراً (١). ورُوي في غير
كتاب مسلم يتقفون بواوٍ مكان الراء؛ من قفوت أثره؛ أي: تتبعته، وهو من القفاء،
وكلّها واضح.
و (قوله: وذكر من شأنهم) أي: عظم أمرهم في الذكاء والجد في طلب فتوى ابن عمر
العلم، وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهاً له على الاعتناء بمقالتهم والبحث في
عنها؛ ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا یزیله إلا
إيضاحٌ بالغ وبرهانٌ واضح. ولما فهم ابنُ عمر ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده،
وحَكَم بكفرهم وتبرّأ منهم، واستدلَّ على ذلك بالدليل القاطع عنده.
مذهب
القدرية.
و (قوله: إنَّ الأمر أُنْف) أي: مستأنف. ومعناه عندهم: أنه لم تسبق به
سابقة علم الله ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان واختياره،
كما تقدم من مذهبهم. وأنف كلّ شيء: أوله. ومنه: أنف الوجه؛ لأنه أول
(١) انظر: لسان العرب مادة (فقر).

١٣٦
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
فقال: إذا لقيتَ أولئكَ فأخبرْهم أني بريءٌ منهم وأنهم بُرَآءُ مني، والذي
يحلفُ به عبدُ الله بنُ عمرَ! لو أنَّ لأحدِهم مثلَ أُحُدٍ ذهَباً فأنفقَه ما قَبِلَ اللهُ
منه حتى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. ثم قال: حدثني أبي عمرُ بنُ الخطّاب، قال: بينما
نحن عند رسول الله ﴿ ذاتَ يومٍ،
الأعضاء في الشخوص. وأنف السيل: أوله. كما قال امرؤ القيس:
قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ لاحقُ الأَيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرّ(١)
وروض أنف: لم يُرْعَ قبلُ، وكذلك: كأس أنف: لم يُشْرَبْ قَبْلُ. ومنه قوله
تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ [محمد: ١٦] أي: هذه الساعة المستأنفة.
و (قوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر) هذه كناية عن الحلف باسم الله،
فإنه هو الذي كان يحلف به غالباً، ولم يتلفظ به إجلالاً لأسماء الله تعالى عن أن
تُتَّخذ عرضةً لكثرة الأيمان بها، والله أعلم.
الكتابة عن
الحلف باسم
الله .
تكفير من أنكر
معلوماً ضرورياً
من الشرع.
و (قوله: لو أنَّ لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهباً فأنفقه ما قبل اللهُ منه حتّى يؤمن
بالقدر) هذا صريحٌ في أنه كفّرهم بذلك القول المحكي عنهم؛ لأنه حكم عليهم بما
حكم الله به على الكفار في الآية المتقدّمة، وقد قلنا: إنّ تكفير هذه الطائفة مقطوع
به؛ لأنهم أنكروا معلوماً ضرورياً من الشرع.
و (قوله: بينما نحن عند رسول الله وَ ﴾) ((بينا)) هذه: هي الظرفية، زيدت
عليها الألف لتكفّها عن عملها الذي هو الخفض، كما قد زيدت عليها أيضاً: ما،
لذلك. وما بعدها مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من خفض ما بعد
الألف على الأصل، فقال(٢):
(١) في (ط):
لاحق الأطلين واهٍ منهمر
(٢) القائل هو أبو ذؤيب.

١٣٧
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
إذا طلعَ علينا رجلٌ، شديدُ بياضٍ الثيابِ ، شديدُ سواد الشَّعَر ، لا يُرَى
عليه أَثَرُ السفر، ولا يعرفُه مِنَا أَحَدٌ،
بَيْنَا تَعَاتُقُه الكُمَاةُ وَرَوِْهِ يَوْماً أتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وروي بخفض: تَعانقِه، ورفعه. وعلى هذا فالألف والميم ليستا للكفّ،
لكن لتمكّن النطق، وقد ذهب بعضُ النحويين إلى: أنها للتأنيث في الوجهين.
وهي عنده فَعْلى كـ: شروى، و ((عند)) من ظروف الأمكنة غير المتمكنة، يقال لما
مَلَك أو اختصّ به حاضراً كان أو غائباً، ومثلها: لدى، إلا أنها تختصّ بالحاضر،
وفي ((لدى)) لغاتٌ ثمان مذكورة في كتب النحو.
و (قوله: إذا طلع علينا رجلٌ شديدٌ بياض الثياب، شديد سواد الشعر) ((إذ))
و ((إذا)) أصلهما ظرفان غير متمكّنين؛ يضافان إلى الجمل، إلا أن: إذ، لما مضى،
وتضاف للجملتين الفعلية والاسمية، و: إذا، لما يستقبل، ولا تضاف إلَّا إلى
الفعلية؛ وفيها معنى الشرط، وليس ذلك في: إذ، إلا إذا دخلت عليها (ما))
كقولهم :
إذْ ما أتيتَ على الرَّسُولِ فَقُلْ له
وقد يقعان للمفاجأة، كما وقعت ((إذ)) ها هنا، وأما ((إذا)) المفاجئة ففي قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] فـ ((إذا)) الأولى
ظرفية والثانية مفاجئة. ونحوه في القرآن كثير.
وفيه دليلٌ على استحباب تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على آداب الدخول
العلماء والفضلاء والملوك، فإنَّ جبريلَ عليه السلام أتى مُعلِّماً للناس بحاله على العلماء.
ومقاله.
و (قوله: لا يُرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّ أحَدٌ) هكذا مشهورُ رواية هذا

١٣٨
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
حتى جلسَ إلى النبيِّ ◌َّه، فأسندَ ركبتيْه إلى ركبتيه، ووضعَ كَفَّيْهِ على
فَخِذَيْهِ، وقال : يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ميّ:
اللفظ ((يُرى)) مبنياً لما لم يُسمَّ فاعله؛ بالياء باثنتين من تحتها. (( ولا يعرفه)» بالياء
أيضاً، وقد رواه أبو حازم العذريّ: ((لا نرى عليه أثر السفر ولا نعرفه)) بالنون فيهما
مبنياً لفعل الجماعة، وكلاهما واضح المعنى.
و (قوله: حتى جلس إلى النبيِّ ◌َّ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه
على فخذيه، وقال: يا محمد!) هكذا مشهور هذا الحديث في الصحيحين(١) من
حديث ابن عمر، وقد روى النسائي هذا الحديث من حديث أبي هريرة وأبي ذر،
وزاد فيه زيادةً حسنة؛ فقالا: ((كان رسول الله وَل# يجلس بين ظهراني أصحابه
فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله وَلفر أن نجعل له
مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه؛ فبنينا له دكاناً (٢) من طين يجلس عليه، إنّا لجلوس
عنده ورسول الله وَ﴿ في مجلسه إذ أقبل رجلٌ أحسن الناس وجهاً، وأطيب النّاس
ريحاً، كأنَّ ثيابه لم يمسّها دنسٌ، حتى سلّم في طرف السِّماط(٣) فقال: السلام
عليكم يا محمد! فردّ عليه السلام. قال: أدنو یا محمد؟! قال: ((ادنه))، فما زال
يقول: أدنو؟ (مراراً) ويقول له: ((ادن))، حتى وضع يديه على ركبتي
النبي *(٤) ... وذكر نحو حديث مسلم.
ففيه: من الفقه: ابتداء الداخل بالسلام على جميع مَن دخل عليه، وإقباله
ابتداء الداخل
بالسلام.
(١) لم يروه البخاري من حديث ابن عمر، بل اتّفقا على روايته من حديث أبي هريرة.
(٢) ((الدّكان)): الدّكة المبنية للجلوس عليها.
(٣) ((السَّماط)): الصفّ من الناس.
(٤) رواه النسائي (٨/ ١٠١).

١٣٩
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
((الإسلام أنْ تشهدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ الله،
على رأس القوم، فإنه قال: السلام عليكم، فعمَّ، ثم قال: يا محمد! فخصَّ.
وفيه: الاستئذان في القرب من الإمام مراراً، وإن كان الإمام في موضع الاستئذان في
مأذون في دخوله. وفيه: ترك الاكتفاء بالاستئذان مرة أو مرتين على جهة التعظيم القرب من
الإمام.
والاحترام.
وفيه: جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت إلى ذلك اختصاص
ضرورة تعليم أو غيره. وقد بيَّن فيه: أن جبريل وضع يديه على رُكبتي
رسول الله وَ لقر، فارتفع الاحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم، فإنه قال فيه: فوضع
كفيه على فخذيه. وهو محتمل، وإنما فعل جبريل ذلك - والله أعلم - تنبيهاً على
ما ينبغي للسائل من قوة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره
وإن كان المسؤول ممن يحترم ويهاب، وعلى ما ينبغي للمسؤول من التواضع
والصّفح عن السائل، وإن تعدَّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب. ونداء جبريل
للنبيّ ﴾ كما يناديه الأعراب: يا محمد! تعمية على حاله.
العالم بموضع
· من المسجد.
الإسلام في اللغة: هو الاستسلام والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ الإسلام لغةً
وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أي: انقدنا. وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال وشرعاً.
الظاهرة الشرعية؛ ولذلك قال لهم فيما رواه أنس عنه: ((الإسلام علانيةٌ والإيمان في
القلب))(١) ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه(٢).
والإيمان لغة: هو التصديق مطلقاً. وفي الشرع: التصديق بالقواعد الشرعية الإيمان لغةً
وشرعاً.
كما نبّه عليه النبي والقر في حديث أنس هذا.
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/١١).
(٢) في (ط) مسنده.

١٤٠
(١) كتاب الإيمان - (١) باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعاً
وقد تنافس علماءُ الأصول في هذه الأسماء الشرعية تنافساً لا طائل له إذا
المعنى الشرعي
زيادة على أصل حُقّقَ الأمر فيه، وذلك أنّهم متفقون على: أنها لا يُستفاد منها في الشرع زيادة على
الوضع.
أصل الوضع. وهل ذلك المعنى يُصيِّر تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي من
قبل الشرع، أو هي مبقاةٌ على الوضع اللغوي؛ والشرع إنما تصرّف في شروطها
وأحكامها. هنا تنافسهم في الأمر قريب.
الأسماء
الشرعية
كالأسماء
العرفية.
والحاصل: أنّ الشرع تصرّف في حال هذه الأسماء التي في أصل وضعها،
فخصّص عاماً كالحال في الإسلام والإيمان، فإنهما بحكم الوضع يعمَّان كلّ انقياد
وكلّ تصديق، لكن قصرها الشّرع على تَصْديقِ مخصوصٍ وانقيادٍ مخصوص.
وكذلك فعلت العربُ في لغتها في الأسماء العرفية؛ كالدابة؛ فإنها في الأصل لكلّ
ما يدبُّ، ثم عُرفهم خصّصها ببعض ما يدبُّ. فالأسماء الشرعية كالأسماء العرفية
في هذا التصرف، والله أعلم.
الإيمان
والإسلام
حقیقتان
متباينتان لغةً
وشرعاً.
وقد استفدنا من هذا البحث: أن الإيمان والإسلام حقيقتان متباينتان لغةً
وشرعاً، كما دلّ عليه حديثُ جبريل هذا وغيره. وهذا هو الأصلُ في الأسماء
المختلفة. أعني: أن يدلّ كلُّ واحدٍ منها على خلاف ما يدلُّ عليه الآخر، غير أنه
قد توسّع الشرع فيهما، فأطلق اسم الإيمان على حقيقة الإسلام كما في حديث وفد
عبدالقيس الآتي بعد هذا (١)، وكقوله: ((الإيمان بضعٌ وسبعون باباً، أدناها إماطةُ
الأذى عن الطريق، وأرفعُها قول: لا إله إلَّ الله))(٢). وقد أطلق الإسلام مريداً
مسمى الإسلام والإيمان، بمعنى التداخل كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ
اُلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
(١) سيأتي في التلخيص برقم (١٤).
(٢) روى البخاري (٧) الجملة الأولى منه. ورواه مسلم كلّه (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)،
والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (١١٠/٨)، وابن ماجه (٥٧)، كلهم من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه.