Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كِتَابَ الْعِلَل وَإِنَّمَا (١) تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا فِي ابْنِ عَجْلاَنَ لِهَذَا. وَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ الْكَثِيرَ. وَهَكَذَا مَنْ تَكَلَّمَ فِي ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، قَالَ عَلِيُّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: رَوَى شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َّ فِي الْعُطَاسِ. قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ لَقِيتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَخِيهِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ﴾. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى نَحْوَ هَذَا غَيْرُ شَيْءٍ، كَانَ يَرْوِي شَيْئاً مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا، يُغَيِّرُ الْإِسْنَادَ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ، وَمَنْ كَتَبَ مِنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ يَكْتُبُ لَهُمْ بَعْدَ السَّمَاعِ. قوله: (في ابن أبي ليلى) هو محمد بن أبي ليلى[١] لا عبد الرحمن بن أبي ليلى. [١] يعني المشهور بابن أبي ليلى عدة رجال، ففي ((التقريب))(٢): ابن أبي ليلى هو عبد الرحمن، وابناه محمد وعيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، انتهى. فمراد الترمذي هاهنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو الذي تكلم أهل الرجال في حفظه كثيراً، كما بسطه الحافظ في ((تهذيبه))(٣)، وهو الذي يروي عن أخيه عيسى. (١) في نسخة: ((فإنما)). (٢) ((تقريب التهذيب)) (ص: ٦٩٩). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٣٠١/٩). ٣٠٢ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يُحْتَجُ بِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ الله ابْنِ لَهِيعَةَ وَغَيْرِهِمَا، إِنَّمَا تَكَلِّمُوا فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ وَكَثْرَةِ خَطْئِهِمْ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَإِذَا تَفَرَّدَ أَحَدُّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثٍ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يُحْتَجُّ بِهِ، إِنَّمَا عَنِى إِذَا تَفَرَّدَ بالشَّيْءِ، وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْفَظِ الْإِسْنَادَ، فَزَادَ فِي الإِسْنَادِ أَوْ نَقَصَ، أَوْ غَيَّرَ الْإِسْنَادَ، أَوْ جَاءَ بِمَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَعْنَى. فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ الْإِسْنَادَ وَحَفِظَهُ وَغَيَّرَ اللَّفْظَ، فَإِنَّ هَذَا وَاسِعُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَعْنَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَائِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ عَلَى الْمَعْنَى فَحَسْبُكُمْ. حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قوله: (فأما من أقام الإسناد) إلخ، فائدة خامسة، حاصلها جواز الرواية [١] بالمعنى إذا لم يتغير المراد، وكون الرواية حرفاً حرفاً أعلى مرتبةً وأولى درجةً. [١] وفيه خلاف وأقوال السلف، ذكرت في مقدمة ((الأوجز)) (١)، والذي عليه جمهور السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة جواز ذلك إذا قطع بأدائه، وذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، وتدل عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة. (١) انظر: ((أوجز المسالك)) (٢١٨/١). ٣٠٣ كِتَابُ العِلَل ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ، اللَّفْظُ مُخْتَلَفُ وَالْمَعْنَى وَاحِدُ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ يُعِيدُونَ الْحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرٍَ، نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَّبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ: إِنَّكَ تُحَدِّثُنَا بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ تُحَدِّثُنَا بِهِ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثْتَنَا، قَالَ: عَلَيْكَ بِالسَّمَاعِ الْأَوَّلِ. حَدَّثَنَا الْجَارُودُ، نَا وَكِيعُ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِذَا أَصَبْتَ الْمَعْنَى أَجْزَأَكَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَيْفٍ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: انْقُصْ مِنَ الحَدِيثِ إِنْ شِئْتَ وَلَا تَزِدْ فِیهِ. حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا زَيْدُ بُْ حُبَابٍ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَقَالَ: إِنْ قُلْتُ لَكُمْ أَنِي أُحَدِّثُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ، فَلَا تُصَدِّقُونِي. قوله: (عليك بالسماع الأول) لأنه كان يرويه أولا[١] بحسب ألفاظه. [١] ولأن كل ما يكون أقرب إلى الأخذ من الشيخ أقرب إلى الحفظ. ٣٠٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ. وَإِنَّمَا تَفَاضَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحِفْظِ وَالْإِثْقَانِ وَالتََّبُّتِ عِنْدَ السَّمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْخَطَأْ وَالْغَلَطِ كَثِيرُ (١) أَحَدٍ مِنَ الَأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، نَا جَرِيرُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِذَا حَدَّثْتَنِيٍ فَحَدِّثْنِي عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي مَرَّةً بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِسِنِينَ فَمَا أَخْرَمَ مِنْهُ حَرْفًا. حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا لِسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ أَتَمُّ حَدِيثًا مِنْكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ. قوله: (كثير أحد) هو مثل كبير أحد في المعنى. قوله: (أتم حديثاً منك) وهذا يفيد أولوية الرواية بالألفاظ، وإلا لم يكن لذلك مدح، وبهذه المناسبة[١] ذكره هاهنا. [١] ظاهر كلام الشيخ أنه داخل في الفائدة الخامسة في الرواية بالمعنى، وما يظهر للعبد المعترف بالتقصير أن المصنف شرع من قوله: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، فائدة مستقلة وهي سادسة، والمقصود التنبيه على مراتب أهل الحديث، وبيان الفرق في تفاضلهم، وكلام وكيع انقرض على قوله: هلك الناس، وإليه حكى السيوطي كلام وكيع في ((التدريب))(٢)، ويؤيده ما سيأتي من كلام المصنف: وإنما بيّنّا أشياء منه على الاختصار، = (١) في نسخة: ((كبير)). (٢) انظر: ((تدريب الراوي)) (١ / ٥٣٦). ٣٠٥ كِتَابُ الْعِلَل حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَمَا أَدَعُ مِنْهُ حَرْفاً. حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيّ الْبَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَامَعْمَرْ قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ شَيْئًا قَظُ إِلَّا وَعَاهُ قَلْبِي. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الزُّهْرِيّ مِنْ يَحْیَی بْنِ أَبِي گَثِيرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَوْنٍ يُحَدِّثُ، فَإِذَا حَدَّثْتُهُ عَنْ أَيُّوبَ بِخِلَافِهِ تَرَّكَهُ، فَأَقُولُ: قَدْ سَمِعْتُهُ فَيَقُولُ: إِنَّ أَيُّوبَ كَانَ أُعْلَمَنَا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِیرِینَ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَيُّهُمَا أَثْبَتُ: هِشَامُ الدَّسْتُوَائِىُّ أَوْ مِسْعَرٌ؟ قَالَ: مَا رَأيْتُ مِثْلَ مِسْعَرٍ، كَانَ مِسْعَرُ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ. حَدَّثَنَا أَبُوبَكْرٍ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، = بل سياق النسخة المصرية صريح في ذلك، وفيها بعد قول وكيع: فقد هلك الناس، قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم إلخ، فلله الحمد. ٣٠٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَحَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ(١) قَالَ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: مَا خَالَفَنِي شُعْبَةُ فِي شَيْءٍ إِلَا تَرَكْتُهُ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ لِي حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: إِنْ أَرَدْتَ الْحَدِيثَ فَعَلَيْكَ بِشُعْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: مَا رَوَيْتُ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثًا وَاحِدًا إِلَّا أَتَيْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أَتَيْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ خَمْسِينَ حَدِيثًا أَتَيْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَرَّةً، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ مِائَةً أَتَيْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ مَرَّةٍ إِلَّ حِبَّانَ(٢) الكُوفِيَّ الْبَارِقِيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ هَذِهِ الْأُحَادِيثَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، نَا ابْنُ مَهْدِيٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: شُعْبَةُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدُّ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ شُعْبَةً، قوله: (ما رويت عن رجل حديثاً) إلخ، يعني به تثبّتهم في الروايات وتحقيقهم وتردّدهم في التفتيش عن المعاني. (١) في نسخة: ((أبو الوليد، قال: حدثنا حماد بن زيد)) بدل ((وحدثني أبو الوليد قال: سمعت حماد بن زيد)). (٢) في ((حاشية سنن الترمذي)): كذا في المنقول عنه، وفي بعض النسخ: ((حيَّان)) بالتحتانية [وهو الصواب] انظر: ((تعجيل المنفعة)) (الترجمة: ٢٤٩). ٣٠٧ كِتَابُ الْعِلَل وَلَا يَعْدِلُهُ أَحَدُ عِنْدِي، وَإِذَا خَالَفَهُ سُفْيَانُ أُخَذْتُ بِقَوْلِ سُفْيَانَ(١). قَالَ عَلِيُّ: قُلْتُ لِيَحْيَى: أَيُّهُمَا كَانَ أَحْفَظَ لِلْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ: سُفْيَانُ أَو شُعْبَةُ؟ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ أَمَرَّ فِيهَا. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ شُعْبَةُ أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ: فُلَانُ عَنْ فُلَانٍ، وَكَانَ سُفْيَانُ صَاحِبَ الأَبْوَابِ(٢). حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: قَالَ شُعْبَةُ: سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنِّي، مَا حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ شَيْخِ بِشَيْءٍ فَسَأَلْتُهُ إِلَّا وَجَدْتُهُ كَمَا حَدَّثَنِي(٣)، سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الأَنْصَارِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ يُشَدِّدُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ الله ◌َِله فِي الْيَاءِ وَالتَّاء وَنَحْوِ هَذَا. حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، ثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قُرَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِى الْمَدِينَةِ قَالَ: مَرَّ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ عَلَى أَبِي حَازِيمٍ وَهُوَ جَالِسُ(٤) فَجَازَهُ فَقِيلَ لَهُ(٥)، (١) في ((حاشية سنن الترمذي)) (٢٣٦/٢): هذا مخصوص في باب الفقه؛ لأن سفيان أفقه منه، وفي باب الرواية شعبة أكثر منه، انتهى. (٢) في نسخة: ((أبواب))، أي: صاحب الأبواب الفقهية. (٣) زاد بعده في ((شرح العلل الصغير)) لابن رجب الحنبلي (١/ ٤٣٣): ((حدثنا عمرو بن علي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: الأئمة في الحديث أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وحماد بن زید». (٤) زاد في نسخة: ((يحدث)). (٥) زاد في نسخة: ((لم لم تجلس)). ٣٠٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَقَالَ: إِنّي لَمْ أَجِدْ مَوْضِعًا أَجْلِسُ فِيهِ، وَكَرِهْتُ أَنْ آخُذَ حَدِيثَ رَسُولِ الله ◌ِّه وَأَنَا قَائِمٌ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَالِكُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِيّ. قَالَ يَحْبَى: مَا فِي الْقَوْمِ أَحَدُ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، كَانَ مَالِكُ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ. سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقطَّانِ. قوله: (فكرهت أن آخذ الحديث وأنا قائم) وذلك(١) لأنه يوجب انتشاراً في الطبيعة، فلعلي لا أتحمل على وجهه ويتغير عليّ لفظه. [١] وبذلك جزم المحشي، وأيضاً فيه إساءة أدب، قال السيوطي في آداب المحدث(١): يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويسرح لحيته، ويجلس متمكناً بوقار وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك فقيل له، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله وَّة، ولا أحدث إلا على طهارة متمكناً، وكان يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم، أسنده البيهقي، وعن ابن المسيب أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدث به، فقيل له: وددت أنك لم تتعن، فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله وَله وأنا مضطجع، وعن بشر بن الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشي فقال: ليس هذا من توقير العلم، وعن مالك قال: مجالس العلم تحتضر بالخشوع والسكينة والوقار، انتهى. (١) انظر: ((تدريب الراوي)) (٢ / ٥٧١). ٣٠٩ كِتَابُ الْعِلَل قَالَ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍ فَقَالَ أَحْمَدُ: وَكِيعُ أَكْبَرُ فِي الْقَلْبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ إِمَامُ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِوبْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيَّ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيّ يَقُولُ: لَوْ حُلِفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَلَفْتُ أَنِي لَمْ أَرَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْكَلَامُ فِي هَذَا، وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَكْثُرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَا شَيْئًا مِنْهُ عَلَى الإِخْتِصَارِ؛ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنَازِلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَفَاضُلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحِفْظِ وَالْإِثْقَانِ، فَمَنْ تُكلّمَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَيِّ شَيْءٍ تُكلِّمَ فِیهِ. وَالْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ إِذَا كَانَ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ فِيمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ هُوَ صَحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِثْلَ السَّمَاعِ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيّ الْبَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا ابْنُ جُرَيْچٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاجٍ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ: قُلْ: حَدَّثَنَا(١). حَدَثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنٍ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي عِصْمَةَ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَفَرًّا قَدِمُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسِ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ، (١) في نسخة: ((حدثناه)). الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٣١٠ فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ فَيُقَدِّمُ وَيُؤَخِّرُ، فَقَالَ: إِنّي بَلِهْتُ (١) لِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ، فَأَقِرُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ إِفْرَارِي بِهِ كَقِرَاءَتِي عَلَيْكُمْ. قوله: (فيقدم ويؤخر) إلخ(١)، يعني أن أحداً كان جمعها عن ابن عباس، فوقعت بأيدي أهل الطائف، فأرادوا أن يقرأها عليهم ابن عباس ليرووا عنه، فأخذ يقرأ ابن عباس ولم يكن حفظ على ما كتب في الكتاب من الترتيب، فقرأ رواية، ثم إذا أراد الثانية لم يكن موافقاً للرواية التي هي مكتوبة بعدها، فلذلك اعتذر ابن عباس من قراءتها، وقال: إني حرت(٢) بتلك الداهية، أي: عدم الموافقة(٢]، فكان ذلك سبباً للتراخي والتمهل في أخذ الروايات، لما كانوا يتفحصون الروايات في الكتاب. [١] وغرض المصنف بذكر هذا الأثر مساواة القراءة على الشيخ والسماع منه، كما يدل عليه كلام ابن عباس الأخير: اقرؤوا علي، والمسألة خلافية، قال السيوطي في ((التدريب))(٣): اختلفوا في مساواتها أي: القراءة على الشيخ للسماع من لفظ الشيخ في المرتبة على ثلاثة مذاهب، فحكى المساواة عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم، وحكى ترجيح السماع على القراءة عن جمهور أهل الشرق، وهو الصحيح، وحكى ترجيح القراءة على السماع عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو رواية عن مالك، إلى آخر ما بسطه من اختيار جماعة من السلف لذلك. [٢] ولا يبعد أن تكون الإشارة بذلك إلى ذهاب البصر كما يومئ إليه سياق الطحاوي بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الطائف أتوه بصحف من صحفه ليقرأها عليهم، فلما أخذها لم ينطلق، فقال: إني لما ذهب بصري بلهت فاقرؤوها عليّ، ولا يكن في أنفسكم من ذلك حرج، فإن قراءتكم عليّ كقراءتي عليكم. (١) أي: عجزت عن القراءة. (٢) حار بصره: نظر إلى الشيء فلم يقو على النظر إليه وارتدّ عنه. انظر: ((المعجم الوسيط)) (٢١٨/١). (٣) ((تدريب الراوي)) (١/ ٤٢٦). ٣١١ كِتَابُ الْعِلَل حَدَّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَلِىُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: إِذَا نَاوَلَ الرَّجُلُ كِتَابَهُ آخَرَ، فَقَالَ: ارْوِ هَذَا عَنِّي، فَلَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا عَاصِمِ النَّبِيلَ عَنْ حَدِيثٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَقْرَأَ هُوَ، فَقَالَ: أَنْتَ لَا تُجِيزُ الْقِرَاءَةَ، وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسِ يُجِيزَانِ الْقِرَاءَةَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ الْمِصْرِيُّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ: مَا قُلْتُ: حَدَّثَنَا فَهُوَ مَا سَمِعْتُ مَعَ النَّاسِ، وَمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي فَهُوَ مَا سَمِعْتُ وَحْدِي، وَمَا قُلْتُ: أَخْبَرَنَا فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْعَالِمِ وَأَنَا شَاهِدُ، وَمَا قُلْتُ: أَخْبَرَنِي فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْعَالِمِ يَعْنِي وَأَنَا وَحْدِي. وَسَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَظَّانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا وَأُخْبَرَنَا وَاحِدُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُصْعَبِ الْمَدِينِيّ، فَقُرِئَ عَلَيْهِ بَعْضُ حَدِيثِهِ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ نَقُولُ؟ فَقَالَ: قُلْ: حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجَازَةَ إِذَا أَجَازَ الْعَالِمَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ لِأَحَدٍ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ. قوله: (وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة) إلخ، شروع في أن الإجازة من غير الرواية [١] معتبرة أيضاً، وقد بيّن قبل ذلك أن القراءة على العالم وكذا قراءة التلميذ على العالم كلاهما معتبر. [١] يعني أن ذلك فائدة مستقلة، وهي أن الإجازة بدون الرواية معتبرة، وبين قبل ذلك فائدة أخرى، وهي أن القراءة على الشيخ والسماع منه معتبرتان، وتقدم الكلام على ذلك قريباً = ٣١٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ قَالَ: كَتَبْتُ كِتَابًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: أَرْوِيِهِ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الوَاسِطِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعرَابِيّ قَالَ: قَالَ رَجُلُ لِلْحَسَنِ: عِنْدِي بَعْضُ حَدِيثِكَ أَرْوِيِهِ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قوله: (كتبت كتاباً عن أبي هريرة) الجار مع المجرور متعلق بقوله: ((كتاباً)) لا بقوله: ((کتبت))، وإلا لم یکن موافقاً لما أورد له[١]، = بالاختصار، والمسألتان خلافيتان مبسوطتان في الأصول، وترك الشيخ تمييز الفوائد لحصول المقصود، وهو التنبيه على أن كتاب العلل متضمن لفوائد شتى، وهي من فرائد مسائل أصول الحديث والجرح والتعديل، ثم الإجازة على تسعة أضرب بسطها السيوطي في ((التدريب))(١). [١] لأن المصنف ذكره في ذيل الإجازة بدون الرواية، والزيادة التي زادها الحافظ في ((تهذيبه))(٢) في رواية يحيى القطان عن عمران بن حدير يدل على غير ما حمل عليه المصنف ذكره، ولفظه: عن بشير قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبت عنه فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم، انتهى. فعلم أن المسألة ليست من باب الإجازة المجردة، بل من باب القراءة على المحدث، ولفظ السخاوي في ((المقاصد)(٣): روي عن بشير بن نهيك قال: كنت آتي أبا هريرة فأكتب عنه، فلما أردت فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك أحدث به عنك؟ قال: نعم، ولفظ الطحاوي: عن بشير بن نهيك قال: كنت آخذ الكتب عن أبي هريرة فأكتبها، فإذا فرغت قرأتها عليه، فأقول: الذي قرأته عليك أسمعته من رسول الله بَّ؟ فيقول: نعم. (١) (تدريب الراوي)) (١ / ٤٤٧). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (١ / ٤٧٠). (٣) انظر: ((فتح المغيث)) (٢١٧/٢). ٣١٣ كِتَابُ الْعِلَل قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِمَحْبُوبِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ غَيْرٌ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. حَدَّثَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بِكِتَابٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ أَرْوِيِهِ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِكِتَابٍ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثُكَ أَرْوِيِهِ عَنْكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ يَحْيَى: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَعْجَبُ أَمْرًا. فالمعنى أني كتبت عن [١] أحد مرويات أبي هريرة، ثم أتيت بها أبا هريرة، فأجازني أن أرويها عنه وإن لم أكن أقرؤها عليه [٢]. قوله: (لا أدري أيهما أعجب أمراً) أي: القراءة أو المناولة [٣] من غير إجازة، [١] أو عن كتاب أبي هريرة، وأيًّا ما كان فالظاهر أنه لم يكتب الكتاب بسماعه عن أبي هريرة، وإلا لم يكن لسؤاله معنى، ويمكن أن يوجه الكلام بأن المسألة من باب اشتراط الإجازة للقراءة أو الكتابة، كما في سياق ((التهذيب)) والسخاوي، قال الحافظ في (الفتح)) (١): وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم، ولذا بوّب البخاري في ((صحيحه)) على جوازه، انتهى. ثم قال: وسوّغ الجمهور الرواية بالمناولة، وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى. [٢] وهذا على ظاهر سياق المصنف، بخلاف ما تقدم من سياق ((التهذيب)) وغيره، ففيها تصريح بالقراءة على أبي هريرة. [٣] وجزم محشي المجتبائية: أي: من القراءة والإجازة، انتهى. والأوجه عندي أن المراد الاحتمال الثاني من الاحتمالين اللذين ذكرهما الشيخ، لأن المناولة مع الإجازة جعلها= (١) ((فتح الباري)) (١٤٩/١). ٣١٤ الْكَوْكَبُ الدُّرِّي ثم بيّن بعد ذلك ما هو الصحيح عنده من كون المناولة الصرفة غير معتبرة، أو الإشارة إلى القراءة والمناولة مع إجازة، فكأنهما لما كانتا جائزتين عنده تردد في الأولى منهما، ورد المناولة [١] الصرفة = بعضهم أرفع من السماع، كما سيأتي عن كلام السيوطي في ((التدريب))، وأما التردد في القراءة والمناولة أو في القراءة والإجازة فليس مما ينبغي لشأن المصنف. [١] أي: المجردة عن الإجازة، قال السيوطي في ((التدريب)) (١): القسم الرابع من أقسام التحمل: المناولة، وهي ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجردة عنها، فالمقرونة بالإجازة أعلى أنواع الإجازة مطلقاً، ونقل عياض الاتفاق على صحتها، ومن صورها وهو أعلاها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعاً مقابلاً به ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته، ومنها أن يدفع إلى الشيخ الطالب سماعه، فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إلى الطالب ويقول: هو حديثي فاروه عني أو أجزت لك روايته، وهذه المناولة كالسماع في القوة والرتبة عند الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد والشعبي، ومالك وابن وهب، وجماعة عدّها السيوطي. ثم قال: ونقل ابن الأثير في مقدمة ((جامع الأصول)) (٢) أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفع من السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه، والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة، وهو قول الثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، والمزني وأحمد وإسحاق، وأسنده الرامهرمزي عن مالك، ومن صورها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول له: هذه روايتك فناولنيه وأجز لي روايته، فيجيبه إليه اعتماداً عليه من غير نظر فيه ولا تحقق لروايته، فهذا باطل، فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده، وصحت الإجازة والمناولة، والضرب الثاني المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب مقتصراً على قوله: هذا سماعي أو من حديثي، ولا يقول له: اروه عني، ولا أجزت لك روايته فلا = (١) ((تدريب الراوي)) (١ / ٤٦٧). (٢) انظر: ((جامع الأصول)) (٨٦/١). ٣١٥ كِتَابَ الْعِلَل قَالَ عَلِيُّ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيّ، فَقَالَ: ضَعِيفٌ، فَقُلْتُ: إِنَّه يَقُولُ: أَخْبَرَنِي، قَالَ: لَا شَيْءَ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابُ دَفَعَهُ إِلَیْهِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْحَدِيثُ إِذَا كَانَ مُرْسَلاً فَإِنَّهُ لَا يَصِحُ عِنْدَ أَكْثَرٍ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. بتقريب ذكر المناولة [١] استطراداً بقوله: لا شيء إنما هو كتاب دفعه إليه، يعني به أن المناولة الصرفة غير كافية، وأما المناولة مع الإجازة فلا أدري أهي أحب أم القراءة. قوله: (والحديث إذا كان مرسلاً) شروع (٢) في بيان الاختلاف في المرسل بعد بيان المناولة، والمعنى بالمرسل ما هو أعمّ من المرسل الاصطلاحي. = تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وعابوا المحدثين المجوزين لها، إلى آخر ما بسط من الاختلاف في ذلك. [١] أي: المناولة مع الإجازة، فهي كانت مقصودة بالذكر، وذكر المناولة المجردة استطراداً. [٢] فائدة مستقلة، وأشار الشيخ بقوله: المراد بالمرسل ما هو أعم، إلى أن المرسل يطلق على معان، قال السيوطي في ((التدريب)) (١): اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله بم لل كذا أو فعله، يسمى مرسلاً، فإن انقطع قبل الصحابي واحد أو أكثر لا يسمى مرسلاً، بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي ◌ِّ، فإن سقط قبله واحد فهو منقطع، وإن كان أكثر فمعضل ومنقطع، والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وأما قول الزهري وغيره من صغار التابعين: قال رسول الله مَثّر، فالمشهور عند من خصه بالتابعي أنه مرسل كالكبير، وقيل: ليس بمرسل بل منقطع، لأن أكثر رواياتهم عن التابعي، وأما إذا قال: فلان عن رجل، أو شيخ عن فلان، فقال الحاكم: هو منقطع، وقال غيره: هو مرسل، وقال العراقي: كل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإنهم ذهبوا إلى أنه متصل في سند مجهول، انتھی. (١) ((تدريب الراوي)) (٢١٩/١). ٣١٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمِ قَالَ: سَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي فَرْوَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَاتَلَكَ الله يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةً تَجِيتُنَا بِأحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطُمُ وَلَا أَزِمَّةُ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مُرْسَلَاتُ مُجَاهِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُرْسَلَاتِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاجِ بِكَثِيرٍ، كَانَ عَطَاءُ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ ضَرْبٍ. قَالَ عَلِيُّ: قَالَ يَحْيَى: مُرْسَلَاتُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ مُرْسَلَاتِ عَطَاءٍ. قُلْتُ لِيَحْبَى: مُرْسَلَاتُ مُجَاهِدٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ مُرْسَلَاتُ طَاوُسٍ؟ قَالَ: مَا أَقْرَبَهُمَا، قَالَ عَلِيُّ: وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مُرْسَلَاتُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدِي شِبْهُ لَا شَيْءَ، قوله: (مرسلات مجاهد) إلخ، يعني به [١] أن الحكم الكلي من كل منهما (٢) غير سديد، بل الأولى في قبول المراسيل وعدم قبولها هو التفصيل بأن الراوي إذا علم من حاله أنه لا يرسل إلا من ثقة قبلت مراسیله. [١] يعني أن المصنف ذكر أولاً ترجيح بعضهم على بعض في المراسيل، ولما لم يكن هذا مختاره بيّن بعد ذلك بقوله: قال أبو عيسى، الضابطة في قبول المرسل وترجيحه بأن المدار على حال الراوي، ومن ضعف المرسل إنما ضعف لأنهم يأخذون عن كل ضرب، وعلم منه أن من لا يرسل إلا عن ثقة يعتبر مرسله، ولذا قال الشيخ: بل الأولى في قبولها التفصيل. [٢] الظاهر أن المرجع ((قابلو المرسل ورادوها)) المفهوم من الآثار المختلفة التي أوردها المصنف. ٣١٧ كِتَابَ الْعِلَل وَالْأَعْمَشُ وَالتَّيْمِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَمُرْسَلَاتُ ابْنِ عُيَيْنَةَ شِبْهُ الرِّيحِ، ثُمَّ قَالَ: إِيْ وَالله سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ. قُلْتُ لِيَحْيَى: مُرْسَلَاتُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَحَدُ أَصَحَّ حَدِيثًا مِنْ مَالِكٍ. حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ الله الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ يَقُولُ: مَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلاَلٍ إِلَّا وَجَدْنَا لَهُ أَضْلًا إِلَّا حَدِيثًا أَوْ حَدِيثَيْنِ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمَنْ ضَعَّفَ الْمُرْسَلَ فَإِنَّهُ ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ قَدْ حَدَّثُوا عَنِ الثِّقَاتِ وَغَيْرِ الثِّقَاتِ، فَإِذَا رَوَى أَحَدُهُمْ حَدِيثاً وَأَرْسَلَهُ لَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَدْ تَكَلَّمَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي مَعْبَدِ الْجُهَنِيّ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ. قوله: (والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير) أي: كذلك[١]. قوله: (إي والله وسفيان بن سعيد) أي: كذلك [٢]. قوله: (قد تكلم الحسن البصري) إلخ، شاهد لما قاله من رواية العلماء عن غير الثقات أيضاً. [١] إشارة إلى أن لفظ ((الأعمش)) معطوف على ((أبي إسحاق))، ولفظ السيوطي في ((التدريب))(١): عن يحيى بن سعيد أنه قال: مرسلات أبي إسحاق الهمداني والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء. [٢] أي: شبه الريح، والمراد بسفيان بن سعيد الثوري. (١) ((تدريب الراوي)) (٢٣٢/١). ٣١٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ، نَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَظَّارُ، حَدَّثَنِي أَبِي وَعَمِّي قَالَا: سَمِعْنَا الْحَسَنَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَمَعْبَداً الْجُهَنِيَّ، فَإِنَّهُ ضَالٌ مُضِلَّ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُرْوَى عَنِ الشَّعْبِيّ قَالَ: نَا الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَكَانَ كَذَّاباً، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: أَلَّا تَعْجَبُونَ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ! لَقَدْ تَرَكْتُ لِجَابِرِ الْجُعْفِيّ بِقَوْلِهِ لَمَّا حَكَى عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، ثُمَّ هُوَ يُحَدِّثُ عَنْهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: وَتَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدِيثَ جَابِرِ الْجُعْفِيّ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمُرْسَلِ أَيْضاً. حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ الْكُوفِيُّ، نَاسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةً، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ: أَسْنِدْ لِي عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ فَهُوَ الَّذِي سَمِعْتُ. وَإِذَا قُلْتُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ فَهُوَ عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الله. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَضْعِيفِ الرِّجَالِ، كَمَا اخْتَلَفُوا قوله: (فهو الذي سمعت) أي: من فيه [١] بغير وسط. [١] هذا هو الظاهر من جميع النسخ الهندية التي بأيدينا، والصواب أن فيها سقوطاً، والصحيح ما في المصرية، ولفظها: قال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله، انتهى. وهكذا حكى كلام الأعمش الحافظ في ((التهذيب))(١). (١) ((تهذيب التهذيب)) (١ / ١٧٧). ٣١٩ كِتَابُ الْعِلَل فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ. ذُكِرَ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ ضَعَّفَ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أبِي سُلَيْمَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَتَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ، ثُمَّ حَدَّثَ شُعْبَةُ عَمَّنْ هُوَ دُونَ هَؤُلَاءِ فِي الْحِفْظِ وَالْعَدَالَةِ، حَدَّثَ عَنْ جَابٍِ الْجُعْفِيّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمِ الْهَجَرِيّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ الله الْعَرْزَمِيّ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُضَعَّفُونَ فِي الْحَدِيثِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَيْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الْبَصْرِيُّ، نَا أُمِيَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: تَدَعُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَتُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ الله الْعَرْزَمِيّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا تَرَكَهُ لَمَّا تَفَرَّدَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاجٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيّ ◌َّ قَالَ: «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ، يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا)). وَقَدْ ثَبَّتَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَحَدَّثُوا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبِي سُلَیْمَانَ وَحَکِیمِ بْنِ حُبَیْرٍ. قوله: (وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف) إلخ، يعني قد يختلف العلماء(١) في الرجل فيقویه أحدهم فيروي عنه، ويضعفه آخر فيتركه. قوله: (وقد ثبّت غير واحد) إلخ، بتشديد الباء من التثبيت، ومفعوله أبو الزبير [٢] الذي انجر بدخول ((عن)) عليه. [١] وهذا لا خفاء فيه، وكتب الرجال مملوءة من ذلك، كم من رجال وثّقهم جماعة وضعفهم آخرون. [٢] والأوجه عندي أن مفعوله محذوف، وهو الضمير العائد إلى عبد الملك، والمعنى أن شعبة = ٣٢٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيمُ، نَا حَجَّاجُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِي رَبَاجِ قَالَ: كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله تَذَاكَرْنَا حَدِيثَهُ، وَكَانَ أَبُو الزُّبَيْرِ أَحْفَظَنَا لِلْحَدِيثِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: كَانَ عَطَاءُ يُقَدِّمُنِي إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَحْفَظُ لَهُمُ الْحَدِيثَ. قوله: (أحفظ لهم الحديث) متكلم[١] والحديث مفعوله. = تركه لأجل هذا الحديث، مع أنه وثقه غير واحد من الأئمة، ويؤيد ذلك ما تقدم في أبواب الشفعة من قوله: عبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، انتهى. ثم ذكر الكلام الآتي تأييداً وتوضيحاً لذلك، يعني هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم روى عنه غير واحد من أئمة الحديث، ولعله ذكر الثلاثة لأن شعبة تكلم في كل واحد منها، والعامة رووا عنهم، أما أبو الزبير فقد قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة، وقال الساجي: صدوق حجة في الأحكام، قد روى عنه أهل النقل وقبلوه واحتجوا به. قلت: وكذا وثقه غير واحد كما بسط في ((التهذيب))(١)، وأما عبد الملك فقد تقدم عن الترمذي في ((باب الشفعة للغائب)) أنه قال: لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث، وأما حكيم بن جبير فقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: كم روى؟ إنما روى شيئاً يسيراً، قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديث الصدقة، يعني حديث: ((من سأل وله ما يغنيه))، الحديث، قلت: وبسط الحافظ في ذكر من تكلم عليه، وسيأتي حديث الصدقة في كلام المصنف أيضاً قريباً. [١] يعني بصيغة المتكلم من المضارع، والمعنى أنه لما كان أحفظهم كما تقدم في الأثر الماضي كان عطاء يقدمه في المجلس ليكون أقرب إلى السماع لحفظه. (١) ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٤٤٣).