Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن (لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّ بِالحَقِّ، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى سُلْطَانٍ فَيَقْتُلَهُ، وَلَا تَأْكُلُوا المذكورة هاهنا بعد ما ذكر المعجزات التسع، أو يقال: إن الآيات التسع في القرآن، وإن كانت أريد بها هي المعجزات التسع من: الطوفان والجراد والقمل وغير ذلك، لكنها في التوراة كانت هي الأحكام المذكورة في الجواب، فأجابهم على حسب ما كان في كتابهم، ولعلهم لما سمعوا أن الآيات التسع في القرآن هي المعجزات، وكان في كتابهم غير ذلك، سألوه مَّ عنها ليجيب على حسب ما ورد في كتابه فيكذبوه، فأجابهم بما في كتابهم، فلذلك سكتوا وسلموا، وفي الحديث دلالة على جواز تقبيل الأيدي والأرجل. = جملة دالة على حكم من أحكام الله آية، ولكل كلام منفصل بفصل لفظي آية، والمراد بالآيات هاهنا إما المعجزات التسع، وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات، وعلى هذا فقوله: لا تشركوا كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب، ولم يذكر الراوي الجواب استغناء بما في القرآن أو بغيره، ويؤيده ما في خبر الترمذي أنهما سألاه عن هذه الآية، يعني ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَيَتٍ بَيْنَتِ ﴾ [الإسراء: ١٠١]، وإما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع، وبيانها ما بعدها، وقوله: ((عليكم خاصة)) حکم مستأنف زائد على الجواب، انتھی. قلت: وهكذا هو نص البيضاوي، لكنه ذكر في الاحتمال الأول قولين: أحدهما المذكور، والثاني ذكر فيه انفجار الماء من الحجر، وانقلاب البحر، ونتق الطور على بني إسرائيل، مكان الطوفان، والسنين، ونقص الثمرات، وذكر الخازن(١) في تفصيل المعجزات أقوالًا أخر بتغير يسير مما سبق. (١) انظر: ((تفسير الخازن)) (١٤٨/٣). ٢٦٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ - شَكَّ شُعْبَةُ - وَعَلَيْكُمْ اليَهُودَ خَاصَّةً أَلَّا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ))، فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ قَالا(١): نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ، قَالَ: ((فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا؟)) قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا الله، أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيُّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا اليَهُودُ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَهُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ(٢): نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ قوله: (إن داود دعا الله) وقد كذبوا فيما قالوا[١]، وأما ذكرهم خوف اليهود أن تقتلهم فلعلهم كذبوا فيه أيضاً، فإن من أسلم من أهل الكتاب لم يقتل، فكيف خافوا على أنفسهم القتل. [١] وتقدم في ((باب قبلة اليد والرجل)) ما قال القاري (٣): أن ذلك افتراء محض على داود عليه السلام، فإنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد بَثية، وأنه خاتم النبيين، وأنه ينسخ به الأدیان، فکیف یدعو بخلاف ذلك، ولئن سلم فعیسی من ذريته وهو نبي باق إلى يوم الدین، انتھی. [٣١٤٥]خ: ٤٧٢٢، م: ٤٤٦، ن: ١٠١١، حم: ٢٣/١، تحفة: ٥٤٥١. (١) في نسخة: ((وقالا)). (٢) في نسخة: ((قالا)». (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٢١٧). ٢٦٣ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن سَبَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ فَيُسَبَّ الْقُرْآنُ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ بِأَنْ تُسْمِعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣١٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، نَا هُشَيْمُ، نَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللهِوَلَّهِ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوهُ شَتَمُوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله تَعَالَى لِنَبِّهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنُ، ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣١٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَيِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّبْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ: أَصَلَّى رَسُولُ الله وشـ [٣١٤٦] انظر ما قبله. [٣١٤٧] حم: ٣٨٧/٥، تحفة: ٣٣٢٤. ٢٦٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَصْلَعُ، بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بِالقُرْآنِ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ القُرْآنُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَنِ احْتَجَّ بِالقُرْآنِ فَقَدْ أَفْلَحَ، قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ: قَدِ احْتَجَّ، وَرُبَّمَا قَالَ: قَدْ فَلَجَ(١)، فَقَالَ (٢): ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١] قوله: (قال سفيان: يقول: قد احتج) أي: غلب(١) في حجته، وإنما افتقر إلى التفسير؛ لأن الظاهر من الفلاح هو الخلاص، ولا يناسب هاهنا. [١] ظاهر كلام الشيخ أن قوله: «قد احتج)) تفسير من سفيان لقوله: ((أفلح)»، وهذا هو الأوجه، بل هو المتعين، والمعنى أن الراوي قد ذكر بلفظ ((أفلح))، والمقصود منه احتج وفاز بالحجة، وقد رواه بلفظ: ((فلج))، قال المجد(٣): الفلج: الظفر والفوز كالإفلاج، وفي ((المجمع)) (٤). الفالج: الغالب في قمار، فلجه وفلج عليه: إذا غلب، انتهى. ولما كان معنى الغلبة في لفظ فلج لم يحتج إلى تفسيره، وفسر الأول لخفاء معنى الغلبة فيه، وهذا إذا كان الأول بالحاء المهملة، والثاني بالجيم، وأما إذا كانا كلاهما بالمهملة أو كلاهما بالجيم، فإن نسخ الترمذي هاهنا مختلفة مشتبهة، فاكتفى على تفسير الأول استغناء به عن الثاني، وأيًّا ما كان فالظاهر من سياق العبارة أنه تفسير عن سفيان، فما يظهر من كلام المحشي أنه رواية أخرى مكان أفلح يأباه السياق، ولا يذهب عليك أيضاً أن النسخة المصرية وقع فيها هاهنا تخليط، وسياقها هكذا: فقال حذيفة: من احتج بالقرآن فقد قال سفيان: يقول فقد احتج، وربما قال: أفلح، انتهى. وقال الدمنتي(٥): من احتج بالقرآن فقد أفلج، بفاء فلام فجیم: غلب، وبحاء بدل جيمه = (١) في نسخة: ((أَفْلَج)). (٢) في نسخة: ((قال)). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٧). (٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ١٧٥). (٥) ((نفع قوت المغتذي)) (ص: ١١٨). ٢٦٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن قَالَ: أَفَتُرَاهُ صَلَّى فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَتْ(١) عَلَيْكُم فِيهِ ءِ الصَّلَاةُ كَمَا كُتِبَتِ الصَّلَاةُ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: قَدْ أَتِىَ رَسُولُ اللهِ ﴿ بِدَابَّةٍ طَوِيلَةِ الظُّهْرِ، مَمْدُودَةٍ، هَكَذَا خَطْوُهُ مَدُّ بَصَرِهِ، فَمَا زَايَلًا قوله: (أفتراه صلى فيه) ولعله ذكر الآية لما أن دخول المسجد ليس إلا للصلاة إلا أنه سكت عن ذكرها لما لم تكن الآية نصًّا فيها، ثم هذا مقال[١] من حذيفة على حسب علمه، وإلا فصلاته ◌ِّ فيه ثابتة بالصحاح من الأخبار، وكذلك ما قال فيما بعد ((ويتحدثون أنه ربطه)) وقد ثبت أيضاً، وكان حذيفة يسمعها أفواهاً، = وبفوقية فجيم، انتهى. والحديث أخرجه الحاكم برواية أبي بكر بن أبي عياش عن عاصم مختصراً ليس فيه هذا اللفظ، وأخرجه أحمد بطرق منها طريق شيبان عن عاصم ولفظه: قال: من تكلم بالقرآن فلج، الحدیث. [١] ولذا أنكر عليه عامة أهل التحقيق من شراح الحديث وغيرهم، فقد قال الحافظ في ((الفتح))(٢): فهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ◌ِّ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد، وقال في موضع آخر: ولعل حذيفة أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج على ما تقدم من تقرير وقوع الإسراء مرتين، وقال في موضع آخر: وقوله في حديث ثابت: فربطته بالحلقة، أنكره حذيفة فيما روى أحمد والترمذي من حديثه، وقال البيهقي: المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربطه البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول، وأنكر حذيفة الصلاة في بيت المقدس، واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم، والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: كتب عليكم، الفرض، وإن أراد التشريع فنلتزمه، وقد شرع النبي مَثّ الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شد الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث، ثم بسط الحافظ في ذكر الروايات الدالة على ربط البراق والصلاة فيه .= (١) في نسخة: ((لكتب)). (٢) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٧). ٢٦٦ الكَوْكَبُ الدُّرِي ظَهْرَ البُرَاقِ حَتَّى رَأَيَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ وَوَعْدَ الآخِرَةِ أَجْمَعَ، ثُمَّ رَجَعَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا. قَالَ: وَيَتَحَدَّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ لِمَا (١)؟ لِيَفِرَّ مِنْهُ؟ وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أما لو أسمعه صحابي أو تابعي عن صحابي لما أنكره. قوله: (لما) استفهام، ثم أجاب عنه بنفسه (ليفر) أي: أفتراه ربطه خوفاً عليه من الفرار، أفتظنه يفر، وقد سخّر الله تبارك وتعالى إياه له. = وقال القسطلاني في ((المواهب))(١): قد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة وصلاته مح له في بيت المقدس، وتعقبه البيهقي وابن كثير بأن المثبت مقدم على النافي، وقد وقع ذلك في رواية بريدة عند البزار: ((لما كان ليلة أسري به، فأتى جبرئيل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق))، ونحوه للترمذي، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: ((فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبرئيل بيت المقدس، فصلی کل واحد منا رکعتین)). وفي رواية ابن مسعود نحوه، زاد: ((ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم ورائع وساجد، ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبرئيل فقدمني، فصليت بهم))، وفي حديث ابن مسعود أيضاً عند مسلم: ((وحانت الصلاة فأمتهم))، وفي حديث أبي سعيد: ((ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة))، وذكر غير ما تقدم من الروايات، ثم قال: قال القاضي عياض: يحتمل أنه يَ ◌ّ صلى بالأنبياء جميعاً في بيت المقدس، ثم صعد إلى السماء، ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضاً، والأظهر أن صلاته بهم كان قبل العروج. وقال ابن كثير: صلى بهم قبل العروج وبعده، فإن في الحدیث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه. وقد اختلف في هذه الصلاة هل هي فرض أو نفل؟ وإذا قلنا: إنه فرض فأيّ صلاة هي؟ قال = (١) ((المواهب اللدنية بالمنح المحمدية)) (٤٥٦/٢). ٢٦٧ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٣١٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﴾:(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيِّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِيٍ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَؤُّ (٢) عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ))، قَالَ: ((فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِظْتُ مِنْهُ إِلَى الأَرْضِ، وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحًا، قوله: (فيفزع الناس ثلاث فزعات) فيفزعون [١] مرة ويسكتون، ثم يفزعون مرة أخرى ولا يرجعون إلى أحد، ثم يطلبون الشفاعة في الثالثة. = بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم قبل العروج، وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج، فتكون الصبح، انتهى مختصراً. [١] قال القرطبي: كأن ذلك يقع إذا جيء بجهنم، فإذا زفرت فزع الناس حينئذ، وجئوا على ركبهم، كذا في (الفتح))(٣). قلت: ولا يبعد أن يراد بالفزعات الثلاثة النفخات الثلاثة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ﴾ الآية في آخر سورة النمل [٨٧]، لكنه موقوف على كون النفخات ثلاثة كما مال إليه ابن العربي وغيره، ورجح الحافظ أنها ثنتان فقط. [٣١٤٨] جه: ٤٣٠٨، حم: ٣/ ٢، تحفة: ٤٣٦٧. (١) في نسخة: ((لِمَ)). (٢) في نسخة: ((تنشق)). (٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٤٣٣). ٢٦٨ الكَوْكَبُ الدُِّّي فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا، وَلَكِنِ اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ: ((مَا مِنْهَا كَذِبَةُ إِلَّا مَاحَلَ (١) بِهَا عَنْ دِينِ اللهِ، وَلَكِنِ اثْتُوا مُوسَى، فَيَّأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: قَدْ قَتَلْتُ (٢) نَفْسًا، وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَلَكِنِ اثْتُوا مُحَمَّدًا قَالَ: فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ مَعَهُمْ))، قَالَ ابْنُ جُدْعَانَ: قَالَ أَنَسَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قوله: (إني دعوت على أهل الأرض) المراد[١] بذلك أني دمرت بدعوتي خلقاً كثيراً، فأخشى أن يعاتبني الله على ذلك، أو المعنى أني أنفذت دعوتي التي وعد لي إجابتها، فلست على ثقة إن شفعت لكم أن تقبل مني. قوله: (فأنطلق معهم) أي: في حاجتهم لا معهم حقيقة، ثم ورد(٢) بعد ذلك [١] تقدم الكلام على جوابه وعلى جواب إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام في حديث الشفاعة، فارجع إليه. [٢] كما تقدم بيان ذلك في هامش حديث الشفاعة، ثم اختلف في المراد بالمقام المحمود، قال البيضاوي(٣): قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: مقاماً يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق في كل مقام يتضمن كرامة، والمشهور أنه مقام الشفاعة لما روى أبو هريرة أنه مج اله. قال: ((هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي))، ولإشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه، انتهى .= (١) في ((قوت المغتذي)) (٢/ ٧٨٢): أي: دافع وجادل، من المِحال بالكسر، وهو الكيد، وقيل: المكر، وقيل: القوة، والشِدَّة، وميمه أصليّة. ((فَأُقَعْقِعُهَا)) أي: أحركها لتصوت، والقعقعة: حكاية حر کة لشيء یسمع له صوت، انتھی. (٢) (تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٨٠). (٣) في نسخة: ((إني قد قتلت)). ٢٦٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن رَسُولِ اللهِ فَ ل﴾، قَالَ: ((فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الجَنَّةِ فَأَقَعْقِعُهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي، وَيُرَخِّبُونَ بِي، فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا، فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَيُلْهِمُنِي الله مِنَ الثَّنَاءِ وَالحَمْدِ، فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَقُلْ يُسْمَعْ لِقَوْلِكَ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾)) [الإسراء: ٧٩]، قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ عَنْ أَنَسِ إِلَّ هَذِهِ الكَلِمَةُ: ((فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا)». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، الحَدِيثَ بِطُولِهِ. اختصار في الروايات، ولم یذکروا ما يقع بعد ذلك، بل ذكروا بعدها قصة دخول الجنة وشفاعة أهل النار. = وفي ((الجلالين))(١): هو مقام الشفاعة في فصل القضاء، وفي ((الجمل))(٢) عن الخطيب: قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة، إلخ. وقال الحافظ(٣) في ((التفسير)): قيل: المراد بالمقام المحمود أخذه بحلقة باب الجنة، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد، وقيل: جلوسه على العرش، انتهى. وقال أيضاً في أبواب الأذان: قال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد بالمقام الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي، وحكى كلا من القولين عن جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها الوسيلة أو الفضيلة، وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث كعب بن مالك مرفوعاً: ((يبعث الله، فیکسوني ربي حلة خضراء، = (١) ((تفسير الجلالين)) (ص: ٣٧٥٠). (٢) ((الفتوحات الإلهية)) (٢/ ٦٤٣). (٣) (فتح الباري)) (٨/ ٤٠٠، ٩٥/٢). ٢٧٠ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ١٩ - وَمِنْ سُورَةِ الكَهْفِ ◌ِهِالرَّجَمِ الرَّحْمِ ٣١٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بني إسرائيل لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الخَضِرِ، ١٩ - ومن سورة الكهف قوله: (يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل) ولعل الباعث في زعمه ذلك استبعاد أن يتعلم من اتفق على نبوته ورسالته ممن اختلف(١) في نبوته فضلاً عن أن یکون صاحب شريعة. = فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود))، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، انتهى. [١] والمسألة خلافية شهيرة بسطها شراح البخاري لا يسعها هذا المختصر. وفي ((الجلالين)) (١). ﴿َانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] نبوة في قول، وولاية في آخر، وعليه أكثر العلماء، وقال صاحب ((الجمل)) (٢): قال شيخ الإسلام في شرحه على البخاري: اختلف فيه: أهو نبي أو رسول أو ملك أو ولي؟ والصحيح أنه نبي، واختلف في حياته والجمهور على أنه حي إلى القيامة لشربه ماء الحياة، انتهى. وقال النووي(٣): جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند = [٣١٤٩] خ: ١٢٢، م: ٢٣٨٠، د: ٤٧٠٧، حم: ١١٦/٥، تحفة: ٣٩. (١) ((تفسير الجلالين)) (ص: ٣٩). (٢) ((الفتوحات الإلهية)) (٣٥/٣). (٣) ((شرح النووي)) (١٣٥/١٥). ٢٧١ أبَوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ الله، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله قوله: (كذب عدو الله) إنما أطلق [١] ذلك لكونه ارتكب معصية حين حدث على خلاف الصحاح من الروايات وما يتبادر من الآيات، والعاصي عدو الله في أي مرتبة كانت المعصية. = الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تستر، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء، وإنما شذّ بإنكاره بعض المحدثين، قال الحيري المفسر: إنه نبي، وقال القشيري وكثيرون: هو ولي، انتهى. قلت: وعلى القول بولايته فقالوا: لعله أخبره نبي في هذا الزمان بقتله، قلت: والأوجه عندي أنه إذا هو معمر من زمان الأنبياء السابقين، فلا مانع من أنه على القول بولايته أخبره نبي بحكم الله عز اسمه أن يعمل بإلهامه، فحينئذ يكون العمل بالإلهام في حقه أمراً شرعيًّا لا مخالفاً للشرع. [١] قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراد. قال الحافظ (١): ويجوز أن يكون ابن عباس اتهم نوفاً في صحة إسلامه، فلذا لم يقل في حق الحربن قيس هذه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره یذکر فیه شیئاً بغير علم أن یکذبه، انتھی. وقال العيني(٢): هذا تغليظ من ابن عباس، ولا سيما كان في حالة الغضب، وإلا فهو مؤمن مسلم حسن الإيمان والإسلام، انتهى. ولعلك قد ظفرت بأن توجيه الشيخ ألطف من هذه الأقاويل كلها، ثم نوف هذا كان رجلاً قاصًّا بالكوفة، كما في رواية البخاري، قال الحافظ(٣) : - (١) ((فتح الباري)) (٢١٩/١). (٢) ((عمدة القاري)) (١٣ /١٣٤). (٣) ((فتح الباري)) (٤١٣/٨). ٢٧٢ الكَوْكَبُ الُّرِّي يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهِ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَجَعَلَ مُوسَى حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى إِذَا أَتَيَا(١) الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، قوله: (فسئل أي الناس أعلم؟) لما أنه خطب خطبة أعجب بها الناس لما سمعوا منه دقائق و حقائق. قوله: (أي رب، فكيف لي به) فالزيادة في العلم مطلوبة كائناً من كان. قوله: (فرقد موسى) إلخ، أي: اضطجعا[١] على قصد الرقود، فنام موسى ولم ینم فتاه. = البكالي بكسر الموحدة مخففاً، ووقع عند بعض رواة مسلم بفتح أوله والتشديد، والصواب الأول، ابن فضالة بفتح الفاء وتخفيف المعجمة منسوب إلى بني بكال بن دعمي بطن من حمير، يقال: إنه ابن امرأة كعب الأحبار، ويقال: ابن أخيه، تابعي صدوق، انتهى. وذكر في الحاشية أنه كان إماماً لأهل دمشق. [١] ظاهر الحديث أن موسى وفتاه كليهما ناما، وهو صريح الروايات الكثيرة في الصحيحين وغيرهما الواردة بلفظ: ((فناما))، ويشكل عليها أن الفتى كيف علم باتخاذ الحوت السبيل في البحر إذ كانا راقدين معاً، وكذلك يشكل عليها نسبة نسيان الإخبار إلى الفتى، ويشكل عليها ما ورد في الروايات الأخر من الصحيحين وغيرهما: فبينما هو في ظل صخرة في = (١) في نسخة: ((حَتَّى أَتَيَا)). ٢٧٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ فَسَقَطَ فِي البَحْرِ، فَقَالَ: فَأَمْسَكَ (١) الله عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًّا، وَكَانَ لِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ﴿ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ، وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَاكُتَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَىَءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٣ -٦٤] قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، قَالَ سُفْيَانُ: يَزْعُمُ نَاسَ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَا عَيْنُ الحَيَاةِ، لَا يُصِيبُ مَاؤُهَا مَيًِّا إِلَّ عَاشَ، قَالَ: وَكَانَ الحُوتُ قَدْ أَكِلَ مِنْهُ، فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ، قَالَ: فَقَصَّا آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلاً = مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ فنسي أن يخبره، الحديث عند البخاري(٢) في ((التفسير))، فأراد الشيخ دفع هذه الإيرادات والجمع بين الروايات، بأن نسبة النوم إليهما مجاز لأنهما اضطجعا لقصد النوم، لكن الفتى لم ينم، فلله در الشيخ ما أدق نظره، وعامة الشراح سكتوا عن الجمع بينها، وأشار صاحب ((الجمل))(٣) إلى توجيه آخر، فقال: واضطرب الحوت أي: بعد أن استيقظ يوشع، وصار ینظر إلیه، انتهى. (١) في نسخة: ((وأمسك)). (٢) ((صحيح البخاري)) (٤٧٢٦). (٣) انظر: ((الفتوحات الإلهية)) (٣٥/٣). ٢٧٤ الكوْكَبُ الدُّرِّي مُسَجِّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ(١): مُوسَى بني إسرائيل؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمِ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ(٢) الله لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًاً * قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ قَالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّىّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٦-٧٠]، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةُ فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْجَ مِنْ أَلْوَاجِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، قوله: (يا موسى إنك على علم) وقد تركت القصة هاهنا، وذكر جواب سؤال موسى، ولم يذكر هاهنا سؤاله[١]. [١] وفي ((الدر))(٣) برواية الصحيحين وغيرهما بعد قوله: ((نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] يا موسى إني على علم من علم الله))، الحديث. وفي أخرى بروايتهما: «قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشداً، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك، يا موسى إن لي علماً»، الحدیث. (١) في نسخة: ((قال)). (٢) فى نسخة: ((علمك)). (٣) ((الدر المنثور)) (٤١٠/٥، ٤١١). ٢٧٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمُ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَعَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيِتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧١-٧٣]، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ وَإِذَا غُلَامُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرٍ نَفْسِ لَّقَدْ جِثْتَ شَيْئًا تُكْرًا *﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٤-٧٥]، قوله: (فقال له موسى: قوم حملونا) إلخ، إما أن(١) يكون موسى نسي عهده به أصلاً، أو نسي ما كان قال له: أن لا يسأله عن شيء على سبيل العموم، فظن أن كسره لوح السفينة ليس على مقتضى علمه الذي أوتيه خضر، وإنما صدر منه معصية، ومن هاهنا يستنبط فائدة مهمة، وهي أن كثيراً من الأفعال التي ظاهرها معصية لا تكون معصية نسبة إلى من ارتكبها، فلا يورد بكثير من أفعال الأنبياء عليهم نقص على عصمتھم، فإن ما يبدو لنا معصیة لیس لهم كذلك. [١] قال صاحب ((البحر المحيط)) (١): والظاهر حمل النسيان على وضعه. وقد قال عليه السلام: ((كانت الأولى من موسى نسياناً))، والمعنى أنه نسي العهد الذي كان بينهما من عدم سؤاله حتى يكون هو المخبر له أولاً، وهذا قول الجمهور، وعن أبي بن كعب أنه ما نسي، ولكن قوله هذا من معاريض الكلام. قال الزمخشري: أراد أنه نسي وصيته، أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان، وهو من معاريض الكلام التي ينفى بها الكذب مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي، أو أراد بالنسيان الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة، وقد بين ابن عطية كلام أبي بكلام طويل، ولا يعتمد إلا قول الرسول وَله: (( كانت الأولى من موسی نسیاناً»، انتھی. = (١) ((البحر المحيط)) (٢٠٧/٧). ٢٧٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأَولَى ﴿ قَالَ إِنِ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِىّ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِى عُذْرًا * فَانْطَلَهَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٦-٧٧] يَقُولُ: مَائِلُ، فَقَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمُ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ﴿لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٧- ٧٨]، قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهَ: «يَرْحَمُ الله مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا». قوله: (وهذه أشد من الأولى) لما في الخطاب بلفظة لك من مزيد التخصيص والاهتمام. قوله: (يرحم الله موسى) توصيف له بتركه الاشتغال بما[١] لا يعنيه، فإن الزيادة من هذا القبيل لم يكن مفيدة له، ولا ينبغي للأنبياء علم المكاشفة، فإنهم = وقال الحافظ(١): ما روي عن أبي إسناده ضعيف، والمعتمد الأول، ولو كان هذا ثابتاً لاعتذر موسى عن الثانية وعن الثالثة بنحو ذلك، وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم: أن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضباً وشدّ ثيابه، وقال: أردت إهلاكهم، ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد، فأقبل عليه الخضر، فقال: ألم أقل لك، فأدرك موسى الحلم، فقال: لا تؤاخذني، وأن الخضر لما خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير، فحمدوا رأیه وأصلحها الله علی یده، انتھی. [١] ويشكل عليه ما يظهر من ظاهر اللفظ وداده وق لل صبر موسى، ويؤيد كلام الشيخ أنه لو كان كذلك لأحضر الخضر بین یدیه، ورأى منه العجائب، فإنه حي علی قول الجمهور. (١) ((فتح الباري)) (٤١٩/٨). ٢٧٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَّ: ((الأُولَى كَانَتْ مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا))، قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَقَرَ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: مَا باطلاع السرائر يستضرون، فيختل نظام التبليغ، ثم لا يذهب عليك أن موسى عليه السلام لما كان[١] مأموراً من الله تعالى باتباعه، وكان حقية علم الخضر قد ثبتت بالوحي[٢] ساغ لموسى عليه السلام أن يسكت، ومع ذلك لم يجد صبراً على ما رأى، فكيف بمتصوفة زماننا الذين هم ليسوا على منزلة من اليقين، ثم يعتصمون [٣] في ارتكابهم المناهي بالقصة الواقعة بين الخضر وموسى، وأن الحق في ذلك إنما كان مع الخضر، ويريدون بذلك أن يردوا إيراد العلماء عليهم وهو غير مندفع، فإن قیاسهم أنفسهم علیه قیاس مع فارق. [١] كما ثبت بعدة روايات، منها ما في ((الدر)) (١) برواية مسلم وغيره، قال: ((كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟ قال: قد أمرت أن أفعله)»، وبرواية الرؤياني وابن عساكر، قال: ((فما كان لك في قومك شغل عني؟ قال: إني أمرت بك)). [٢] فقد ورد في غير ما رواية: ((أن عبدنا خضر أعلم منك))، وأيضاً تقدم قريباً أن موسى كان مأموراً باتباعه. [٣] قال الحافظ(٢): ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة، فقالوا: يستفاد من هذه القصة أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم لصفاء قلوبهم عن الأكدار، فتنجلي لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون الأحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام = (١) ((الدر المنثور)) (٤١٣/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٢٢١/١). ٢٧٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي نَقَّصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إِلَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ)). قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - يَقْرَأَ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ يَقْرَأَ: وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّلَهِ. وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله ابْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّلَه. = الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور: ((استفت قلبك))، قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر؛ لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله تعالى أجرى سنته، وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله، قال: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا، وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقاً أخرى يعرف بها أمره ونهيه يستغني بها عن الرسول، فهو كافر يقتل ولا يستتاب، وهي دعوى تستلزم إثبات النبوة لنفسه خاصة، وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي من ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق، انتهى مختصراً. ٢٧٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن قَالَ أَبُو مُزَاحِمِ السَّمَرْ قَنْدِيُّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةُ إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ فِي هَذَا الحَدِيثِ الخَبَرَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سُفْيَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ(١). قوله: (وليس لي همة) يعني أني كنت قد حججت [١] قبل ذلك، وسمعت الحديث أيضاً قبل ذلك، إلا أنه لم يكن صرح بالتحديث، بل أورد الرواية بالعنعنة، فلما ذهبت إليه وحضرت لدیه سمعته يقول: حدثنا عمرو بن دينار، إلخ. [١] كما يدل عليه قوله: وليس لي همة إلا ذاك، فإنه لو لم يكن حج قبل ذلك لكانت همته الحج أولاً، والهمة كما في ((القاموس))(٢) بالكسر ويفتح: ما هم به من أمر ليفعل، والهوى، انتهى. ولا يذهب عليك أن لفظ ((حدثنا عمرو بن دينار)) كتب في بعض النسخ على طريق بداية السند كالحمرة، وهو من غلط النساخ، بل ينبغي كتابته على طريق السرد، فإنه مقولة لقوله : حتى سمعته يقول. (١) كتب في هامش (م): وفي نسخة قديمة هنا عقيب حديث ابن أبي عمر حديث طويل، أوله: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْصَنْعَانِيُّ، قَالَ: نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَقَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ ... إلخ، الحديث الطويل، وفي آخره: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث رقبة عن أبي إسحاق، وقد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق، انتهى. وقال في ((الأطراف)) (٣٩): ت في ((التفسير)) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر به، وقال: حسن صحيح، وعن محمد بن عبد الأعلى به، ثم قال: حديث الترمذي عن محمد بن عبد الأعلى ليس في السماع ولم يذكره أبو القاسم، انتهى. والحديث المذكور بطوله سندًا ومتنًا في مسلم (٢٣٨٠) فراجعه. (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٩ -١٠٨٠). ٢٨٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي ٣١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو حَقْصٍ عَمْرُو بْنُ عَليٍّ، نَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنْ أَبَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: «الغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ گَافِرًا)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ. قوله: (طبع يوم طبع كافراً) واعلم أن ما جبل الله عليه خلقه ظاهر عليه لا محالة، ولذلك قال عليه السلام[١]: ((إذا سمعتم الجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم المرء زال عما جبل هو عليه فلا تصدقوه))، أو كما قال، وإذا كان كذلك والتكليف إنما دار أمره على كمال العقل، وهو أوان البلوغ فيتوجه الخطاب إذاً، وبعد توجه الخطاب إذا أظهر معاصيه، وبرز ما كان كامناً فيه، يؤخذ عليه لأنه [١] كما في ((المشكاة)) (١) براوية أحمد عن أبي الدرداء، قال: بينما عند رسول الله ﴾﴾، نتذاكر ما يكون إذ قال رسول الله ◌َّيّة: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه))، قال القاري(٢): قوله: ((فصدقوه)) أي: لإمكانه، بل حكي وقوعه كما قيل: إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة، وقوله: ((عن خلقه)) بضم اللام وتسكن، أي: خلقه الأصلي بالكلي، فلا تصدقوا بهذا الخبر، فإنه غير ممكن عادة، ولذا قال تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ولم يقل: والعادمين، ثم أشكل بأن مدار الصوفية على تبديل الأخلاق، فكيف هذا الحديث؟ وبسط في الجواب ليس هذا محله، فارجع إلیه لو شئت. [٣١٥٠]م: ٢٣٨٠، د: ٤٧٠٥، تحفة: ٤٠. (١) ((مشكاة المصابيح)) (١٢٣). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٨/١).