Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللّه لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. = بمال دفعه إلى زوجته سرًّا لا يعلمه غيره حين خرج من مكة، ثم في الحديث إشكال آخر أيضاً، وهو أنه ورد فيه استثناء سهيل بالتصغير، وهو هكذا في ((الدر المنثور)) (١) و((الخازن)) وغيرهما. وقال الحافظ في ((الإصابة))(٢): سهيل بن بيضاء ذكر ابن إسحاق أنه شهد بدراً، وذكره في البدريين أيضاً موسى بن عقبة، وزعم ابن الكلبي أنه الذي أسر يوم بدر، وشهد له ابن مسعود، وردّ ذلك الواقدي وقال: إنما هو أخوه سهل، ويؤيد ابن الكلبي ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ثم ذكر حديث الباب. وقال في سهل: قال أبو حاتم: كان سهل ممن يظهر الإسلام بمكة. وقال أبو عمر: أسلم سهل بمكة، فكتم إسلامه، فأخرجته قريش إلى بدر، فأسر يومئذ، فشهد له ابن مسعود أنه رآه یصلی بمكة، فأطلق، انتهى. وقال ابن الأثير في ((أسد الغابة))(٣) في سهل: كان ممن أظهر إسلامه بمكة، وقال في سهيل بالتصغير: قريشي قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة فجمع الهجرتين، ثم شهد بدراً وغيرها، انتهى. فتأمل. وما أشار إليه المصنف من القصة مذكورة في ((الدر)) و((الخازن)) وغيرهما في استشارته ◌َ﴾، وقوله لأبي بكر: ((مثلك كمثل إبراهيم وعيسى))، وقوله لعمر: ((مثلك كمثل نوح وموسی)»، وقال الخازن: أخرجه الترمذي مختصراً، وقال: في الحديث قصة، وهي هذه القصة التي ذكرها البغوي، ثم أخرج الخازن عن رواية عمر بعض هذه القصة مع زيادة فيها. (١) ((الدر المنثور)) (١٠٥/٤) و((تفسير الخازن)) (٣٢٦/٢). (٢) ((الإصابة)) (٣/ ١٧٤). (٣) («أسد الغابة)) (٥٦٩/٢، ٥٨٢). ١٨٢ الكوَكَبُ الدُّرِّي ١٠ - وَمِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ ٣٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قَالُوا: نَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، ثَنِي يَزِيدُ الفَارِسِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَظْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الظُوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ فَ لَّهِ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ((ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا)). وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: ((ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا))، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ القُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَ لَيهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا (١) فِي السَّبْعِ الطّوَلِ. ١٠ - ومن سورة التوبة قوله: (ووضعتها في السبع الطول) يعني أن ترك البسملة لعدم القطع بكونهما [٣٠٨٦] د: ٧٨٦، ن في «الکبری)» ٧٩٥٣، حم: ١/ ٥٧. (١) في نسخة: «فَوَضَعْتُهَا». ١٨٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَارِسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَيَزِيدُ الفَارِسِيُّ هُوَ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ، ويَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ هُوَ مِنَ التَّابِعِينَ مِنَ أَهْلَ البَصْرَةِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ يَزِيدَ الفَارِسِيِّ، وَيَزِيْدُ الرَّقَاشِيُّ إِنَّمَا يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَلُ، نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَبِيبٍ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأُخْوَصِ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَهُ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّ يَوْمٍ أَخْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟)) قَالَ: سورتين، وترك الفرجة لعدم القطع بكونهما سورة، ثم الوضع في الطول (١) فلأنهما إن كانتا سورتين فلا حرج في وضعهما هناك، فقد تخلل في المئين بعض المثاني كالحجر والرعد، وإن كانتا سورة واحدة فهي في محله، بخلاف ما لو وضعته في المثاني، فإن وضعها ثمة لم يكن موافقاً، فلذلك أخرته عن الطول وقدمته على المئين لأجل الشبهة في كون كل منهما يقيناً. قوله: (أي يوم أحرم) على زنة التفضيل، الله (٢) ورسوله أعلم، وكانوا قد فهموا أنه سيجيب مسألته بنفسه، ثم لما أعاده ثانياً حملوه على الاتفاق، وتيقنوا في الثالثة أن المقصود هو السؤال وأن يجيبوه بألسنتهم. [١] وقد تقدم في فضل الفاتحة ما هو المشهور عند أهل الفن أن أول القرآن السبع الطول، ثم المتون، ثم المثاني، ثم المفصل. [٢] هكذا في الأصل، فيحتمل أن يكون من كلام الشيخ قدمه تمهيداً لكلامه الآتي، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنهم أحالوا في المرتبتين الأوليين على الله ورسوله، كما هو مذكور في = [٣٠٨٧] تقدم تخريجه في ١١٦٣. ١٨٤ الكَوْكَبُ الدُّرِي فَقَالَ النَّاسُ: يَوْمُ الحَجِّ الأُكْبَرِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأُمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامُ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدُّ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا وَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءُ إِلَّ مَا أَحَلَّ مِنْ نَفْسِهِ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعُ، لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، غَيْرَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُظَلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعُ كُلُّهُ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعُ، وَأَوَّلُ دَمِ أَضَعُ قوله: (فإنه موضوع كله) أي: مع رأس ماله،[١] ولعل المرجع إلى المال المذکور في ضمن الربا. = الروايات في أكثر أسئلة هذه الخطبة، ففي ((المشكاة)) (١) برواية الشيخين عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي ◌َّه يوم النحر، وقال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس البلد الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، الحديث. [١] هذا هو الظاهر من سياق الحديث، فإنه يَلّ وضع أولاً ربا الجاهلية، وأبقى لهم رؤوس أموالهم، ثم استثنى من ذلك ربا العباس، فمقتضاه أن يكون حكمه غير ما سبق إلا أن عامة الشراح - کالنووي والقاري والشيخ في ((البذل)) وغيرهم- ذهبوا إلى أن الموضوع في ربا العباس أيضاً الزيادة على رأس المال، ولم يتعرضوا للاستثناء في حديث الباب. (١) ((مشكاة المصابيح)) (٢٦٥٩). ١٨٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن مِنْ دَمِ الْجَاهِلِيَّةِ دَمُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ قوله: (دم الحارث) وفي بعض الروايات (١] دم ربيعة، وفي بعضها دم إياس، والكل واحد، فإن المقتول هو إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأضافه بعضهم إلى المقتول نفسه، وبعضهم إلى أبيه، وبعضهم إلى جده، وقصة قتله نقله[٢] في الحاشية. [١] وبالألفاظ الثلاثة وردت الروايات المختلفة العديدة، وفي ((المشكاة))(١) في حديث جابر الطويل: ((وأول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة))، قال القاري (٢): اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث، وصحّ من بعض الرواة: دم ربيعة بن الحارث، وهي رواية البخاري، وقد خطأهم جمع من أهل العلم بأن الصواب دم ابن ربيعة، ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال: إضافة الدم إلى ربيعة لأنه ولي ذلك، أو هو على حذف المضاف أي: دم قتيل ربيعة اعتماداً على اشتهار القصة، انتھی. وقال النووي(٣): قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم، وقال الدارقطني: هو تصحيف، وقيل: اسمه تمام، ورواه بعض رواة مسلم: دم ربيعة بن الحارث، وكذا رواه أبو داود، وقيل: هو وهم، والصواب ابن ربيعة، لأن ربيعة عاش بعد النبي قال﴾ إلى زمن عمر رضي الله عنه، انتھی. [٢] تبعاً للنووي من أنه كان هذا الابن المقتول صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر، انتهى. وقال القاري (٤): أصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذیل، فقتله هذیل. (١) ((مشكاة المصابيح)) (٢٥٥٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧٠/٥). (٣) ((شرح النووي)) (٨/ ١٨٢). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧٠/٥). ١٨٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلُ، أَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ (١) عِنْدَكُمْ لَيْسَ ٥ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ(٢) مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّجٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً، أَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ)). هَذَا حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ شَبِيبٍ بْنِ غَرْقَدَةً. ٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ، نَا أبِى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، ے قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأَكْبَرِ فَقَالَ: ((يَوْمُ النَّحْرِ)). قوله: (واستوصوا بالنساء خيراً) وكن في العرب لا منزلة لهن كالإماء، وذلك لملابسة اليهود، والأمر في النصارى كان بعكس ذلك. قوله: (يوم النحر) وهذا لا ينفي كون عرفة [١] يوم الحج الأكبر، فإن معظم [١] يعني لا منافاة بين مختلف ما ورد في مصداق الحج الأكبر ويوم الحج الأكبر، ففي حديث = [٣٠٨٨] تقدم تخريجه في ٩٥٧. (١) عوان: جمع عانية، وهي مؤنثة العاني، وهو الأسير، شبه النساء بالأسرى عند الرجال، لتحكمهم فيهن، واستيلائهم عليهن. «جامع الأصول)» (٢٦٠/١). (٢) الفاحشة: كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة، من الأقوال والأفعال. ((النهاية)) (٤١٥/٣). ١٨٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٨٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ. هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، لأنَّهُ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. ٣٠٩٠ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا عَقَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَا: نَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ أفعال الحج فيه، وأما قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ .... إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ اَلْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ١-٣] فصادق على اليومين معاً، فإن النداء كان فيهما وبعدهما أيضاً، ولكل من القولين روايات وآثار، وقيل: الحج الأكبر هو الحج والأصغر هو العمرة، فعلى هذا[١] الحج عرفة. = الباب أنه يوم النحر، سمي بذلك لأنه تتكمل فيه المناسك وتتكثر، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وعن الثوري: أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال: يوم الفتح، وقيل غير ذلك كما في ((الفتح)(١). [١] هكذا في الأصل، والظاهر أن في العبارة سقوطاً، والمراد ظاهر، قال البيضاوي(٢) تحت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ يوم العيد؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، وقيل: يوم عرفة لقوله عليه السلام: ((الحج عرفة))، وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فإنه أكبر من باقي الأعمال، انتهى. [٣٠٨٩] تقدم تخريجه فى ٩٥٧. [٣٠٩٠] حم: ٢١٢/٣، تحفة: ٨٩٦. (١) ((فتح الباري)) (٣٢١/٨). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٣٩٥/١). ١٨٨ الكَوَّكَبُ الدُّرِّي بِبَرَاءَةً مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: (لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلُّ مِنْ أَهْلِي، فَدَعَا عَلِيًّا فَأَعْطَاهُ إِيَّاه). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أُنَسٍ. ٣٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، نَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ لَهُ أَبَا بَكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيًّا، فَبَيْنَا أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ الله ◌ِلَّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ، القَصْوَاءِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا، فَظَنَّ أَنَّهُ رَسُولُ الله قوله: (ثم دعاه) هذا مجاز[١] عن الإعلام لأنه لم يكن ثمة دعاء. قوله: (بعث النبي وَ ليّ) وجعله أمير الموسم، وأمره أيضاً أن ينادي بهذه الكلمات، ثم أتبعه عليًّا للنداء فحسب، سواء كان أصالة أو نيابة عن أبي بكر، وأيًّا ما کان فأبو بكر باقٍ علی کونه أمير موسم٢٦] من غير شك. [١] فإن الروايات متظافرة على أنه مَلل بعث عليًّا بعد ما أرسل أبا بكر، ولحقه علي رضي الله عنه في الطريق. [٢] فقد حكى الحافظ(١) عن الطحاوي في ((مشكله)): أن أبا بكر كان الأمير في تلك الحجة بلا خلاف، وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلی من یعینه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، انتهى. [٣٠٩١] ك: ٤٣٧٥، طب: ١٢١٢٧، ق: ١٨٨٢٠، تحفة: ٦٤٧٦. (١) ((فتح الباري)) (٣١٨/٨). ١٨٩ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ وَ الِهِ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَانْطَلَقَا فَحَجًّا، فَقَامَ عَلِيُّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: ذِمَّةُ الله وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكُ، وَلَا يَطُوفَنَّ قوله: (فقام علي أيام التشريق) أي: أيام التشريق(١) أيضاً، لا أنه اقتصر على النداء فیھا. قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) فقيل: هي الأشهر الحرم(٢)، وقيل: بل من وقت النزول، وكان نزول الآية في شوال، وقيل: بل المراد رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثم اعلم أن العهد كان مع كل قبائل العرب، ثم نكثوا، فمن نكث منهم أمهل له الأربعة الأشهر المذكورة، ومن لم ينكث كان باقياً على عهده، وهو تمام العشرة. قوله: (ولا يحجن بعد العام مشرك) وهذا خاص بأيام الحج، فأتبعه: (ولا يطوف بالبيت عريان)، فكان المعنى أنهم لا يأتون البيت في أيام الحج أيام طاعتنا، [١] وبذلك يجمع بين مختلف ما روي في ذلك كما يظهر من كلام الشراح الحافظ وغيره أن عليًّا نادى بها من يوم التروية إلى آخر أيام التشريق في كل موضع اجتماع، ويستعين بأبي هريرة وغيره ممن عيّنهم أبو بكر أمير الموسم لذلك. [٢] واختلف في المراد بالأشهر الحرم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] على أقوال بسطها الرازي(١)، وقال البيضاوي(٢) تحت قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِى اُلْأَرْضِ أَرَّبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، لأنها نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر؛ لأن التبليغ كان يوم = (١) انظر: ((التفسير الكبير)) (٥٢٨/١٥). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٣٩٥/١). ١٩٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي بِالبَيْتِ عُرْيَانُ، وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنَّ. وَكَانَ عَلِيُّ يُنَادِي، فَإِذَا عَيِيَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى بِهَا. وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ. وأما في سائر الأيام، فلا يأتونه عراة على عادتهم، وفي هذا دليل على ما ذهب إليه[١] الإمام من جواز دخول الذمي في المسجد، وأما قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد به هو الحج للحديث [٢]. = النحر، انتهى مختصراً. ثم قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها، وقيل: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع، فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم، إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها، انتهى. وتقدم شيء من ذلك في ((أبواب الحج)). [١] والمسألة خلافية شهيرة، قال الشيخ في ((البذل))(١): في دخول المشرك المسجد مذاهب، فعند الحنفية الجواز مطلقاً، وعند المالكية والمزني المنع مطلقاً، وعند الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية، انتهى. واختلف نقلة المذاهب في بيانها. [٢] أي: لحديث الباب، قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) تحت قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]: قد تنازع معناه أهل العلم، فقال مالك والشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام، قال مالك: ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة، وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، وقال أصحابنا: يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد وجهين، إما أن يكون النهي خاصًّا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر = (١) ((بذل المجهود)) (٤١٣/٧). (٢) ((أحكام القرآن)) (١١٤/٣). ١٩١ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٣٠٩٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُتَيْعِ قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا، بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْيَعْ: أَنْ لَا يَطُوفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْبَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدُ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَككُنْ لَهُ عَهْدُ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسُ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ عَلِيٍّ. = المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج، ولذلك أمر النبي مَثّر بالنداء يوم النحر. وفي حديث علي حين أمره النبي ◌ِ لّر بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى: ولا يحج بعد العام مشرك، دليل على المراد بقوله: فلا يقربوا المسجد الحرام، ويدل عليه قوله في نسق الآية: ﴿وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج، ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد بغير الحج، إلى آخر ما بسطه. [٣٠٩٢] تقدم تخريجه في ٨٧١. ١٩٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً (١). ٣٠٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجِ، عَنْ أَبِي الهَيْئَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجِ، عَنْ أَبِي الهَيْئَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ وَ لَ نَحْوَهُ إِلَّ أَنَّهُ قَالَ: (يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبُ، وَأَبُو الهَيْثَمِ اسْمُهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدٍ العُتْوَارِيُّ، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ. قوله: (فاشهدوا له بالإيمان) فعلم أن [١] لنا أن نشهد بإيمان من مات وهو مؤمن بظاهره، وإن لم يكن لنا علم بما بينه وبين الله. [١] ويشكل عليه ما ورد من الإنكار على عائشة في قولها: عصفور من عصافير الجنة، والإنكار على أم العلاء في قولها لعثمان بن مظعون: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، وجمع بينهما بأن النهي محمول على الجزم وحديث الباب على الظن. [٣٠٩٣] تقدم تخريجه في ٢٦١٧، تحفة: ٤٠٥٠. (١) زاد في نسخة: ((حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَبْعِ، عَنْ عَلِيٍّ، نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أُنَيْعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، نَحْوَهُ. قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْزَّوِيَ عَنِ ابْنِ عُنِيْنَةَ كِلْنَا الرِّوَايَتَيْنِ، عَنِ ابْنِ أَنَبْعٍ وَعَنِ ابْنِّ يُثَبْعٍ، وَالصَّحِيحُ: زَيْدُ بْنُ أُنثَيْعِ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِّ، فَوَهِمَ فِيهِ. وَقَالَ: زَيْدُ بْنُ أَثَيْلٍ، وَلَا يُتَّابَعُ عَلَيْهِ)). ١٩٣ أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن ٣٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِعَ لَه فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُهُ لِسَانُ ذَاكِرُ، وَقَلْبُ شَاكِرٍّ، وَزَوْجَةُ مُؤْمِنَةُ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ. قوله: (لو علمنا أي المال خير) لما نزلت هذه الآية فهم بعضهم [١] حرمة جمع المال مطلقاً، ومنهم من سأله مَّي،[٢] ففسر له أن المراد ما لم يزك، وبعضهم [١] كما هو معروف عن أبي ذر، روي عنه بألفاظ مختلفة وروايات كثيرة، منها ما روي عنه: ((ذو الدرهمين أشد حبساً من ذي درهم))، وروي عنه: ((أيّ مال ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه))، ومنها ما روي عن ثوبان أنه قال: ((ما من رجل يموت وعنده أحمر وأبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه مغفوراً بعد أو معذباً)، وروي نحو ذلك عن أبي أمامة وغيره، ذكرها السيوطي في ((الدر))(١). [٢] فقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده مالاً يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي ◌َّ فقال: يا نبي الله! إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: ((إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، = [٣٠٩٤] جه: ١٨٥٦، حم: ٢٧٨/٥، تحفة: ٢٠٨٤. (١) ((الدر المنثور)) (١٨٠/٤). ١٩٤ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فَقُلْتُ لَهُ: سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ سَمِعَ مِنْ ثَوْبَانَ؟ فَقَالَ: لَا، قُلْتُ لَهُ(١): مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِ ؟ فَقَالَ: سَمِعَ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابٍ النَّبِيِّ ◌َ ـلا الله لما علم في كنز النقدين ضرراً دلت عليه الآية سأله ◌َّئَةٍ(١] عما يكنزه ولا يستضر به، فأشار النبي ◌َّة في الجواب بكنز النقدين بعد الزكاة حيث قال[٢]: أفضله، وهذا يقتضي جوازاً في غيره بل فضلاً فيه، وصرح بما يكنزه لآخرته فقال: لسان إلخ. = وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم))، الحديث. ذكره السيوطي (٢)، وعن أم سلمة قالت: يا رسول الله، إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة، أفكنز هو؟ قال: ((كل شيء تؤدى زکاته فلیس بکنز". [١] كما في حديث الباب، وأخرج الدار قطني في ((الأفراد)) وابن مردويه عن بريدة، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال أصحاب رسول الله مَّ: نزل اليوم في الكنز ما نزل، فقال أبو بكر: يا رسول الله! ماذا نكنز اليوم؟ قال: («لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه))، كذا في ((الدر))(٣). [٢] يعني جوابه مخ لل بصيغة التفضيل دليل لجواز غيره، بل لفضله أيضاً، وورد عند الشيخين (٤) من رواية سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة یتکففون الناس»، الحديث. (١) في نسخة: ((فقلت له)). (٢) ((الدر المنثور)) (١٧٨/٤). (٣) ((الدر المنثور)) (١٧٨/٤). (٤) ((صحيح البخاري)) (١٢٩٥)، و((صحيح مسلم)) (١٦٢٨). ١٩٥ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرآن ٣٠٩٥ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الكُوفِيُّ، نَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْثُ النَّبِيّ ◌َهُ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ اظْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ)»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأْ فِي سُورَةٍ بَرَاءَةَ: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوُ). هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَغُطَيْفُ بْنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الحَدِيثِ. قوله: (أما إنهم لم يكونوا) إلخ، لكنهم عاملوا بهم معاملة الأرباب في امتثال أوامرهم حسب ما لم يأمر به [١] شريعتهم كما يفعله مسترشدو زماننا في إطاعة مرشديهم، وإن خالف الشرع الشريف. [١] ففي ((الدر)) (١) من رواية البيهقي في ((الشعب)) عن حذيفة، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم أطاعوهم في معصية الله، قال الخازن(٢): يعني أنهم أطاعوهم في معصية الله، وذلك أنهم أحلّوا لهم أشياء وحرّموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها، قال البيضاوي(٣): أما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله. [٣٠٩٥] طب: ١٧/ ٢١٨، ق: ٢٠٣٥، تحفة: ٩٨٧٧. (١) (الدر المنثور)) (١٧٤/٤). (٢) ((تفسير الخازن)) (٣٥٣/٢). (٣) ((تفسير البيضاوي)) (٤٠٢/١). ١٩٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٣٠٩٦ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ، نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا هَمَّامُ، أَنَا ثَابِثُ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َلَهِ وَنَحْنُ فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أبَا بَکْرِ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللّه ثَالِثُهُمَا)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ صَحِيحٌ غَرِيبُ. إِنَّمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامٍ، نَحْوَ هَذَا. ٣٠٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنى(١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله ابْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: لَمَّا تُوُقِّيَ عَبْدُ الله بْنُ أَبَيِّ دُعِيَ رَسُولُ اللهِ لَ له لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَى عَدُوّ الله عَبْدِ الله بْنِ أَبَيِّ القَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ - يَعُدُّ أَيَّامَهُ - قَالَ: وَرَسُولُ اللهِلَ﴿ يَتَبَسَّمُ، حَتَّى إِذَا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: ((أَخِّرْ عَنِّ يَا عُمَرُ إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ(٢) مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ [٣٠٩٦] خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١، حم: ١ /٤، تحفة: ٦٥٨٣. [٣٠٩٧] خ: ١٣٦٦، ن: ١٩٦٦، حم: ١٦/١، تحفة: ١٠٥٠٩. (١) في نسخة: ((قال: ثني)). (٢) قال البيضاوي في «تفسيره)) (٣/ ٩١): وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام فهم من السبعين العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فجوز أن یکون ذلك حدًّا یخالفه حكم ما وراءه، فبین له= ١٩٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَمَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ: فَعَجَبْ لِي وَجُزْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَيهِ، وَالله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَوَالله مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [التوبة: ٨٤]، قَالَ: فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِعَ لَهَ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قَبَضَهُ الله. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ صَحِيحُ. قوله: (والله ورسوله أعلم) أي: بما هو أولى[١] أن يفعل بالمنافقين، أو المعنى: الله ورسوله أعلم بما كان بي إذاً من شدة الغضب وفورانه حيث لم يقدر على السكوت وعدم التعرض مع رسول الله وَله، فيكون اعتذاراً وجواباً عما عسى أن يسأل أن عمر كيف أقدم على النبي ◌َّ واجتراً على مقالته التي ذكرت، وذکر الرسول مع أن الله هو العليم بما في صدور الرجال لما أنه يطلع رسوله على ما يشاء، فإن الرسالة التي عبر بها عنه معتبرة في المعنى، ولذلك لم يؤت [٢] بأمثال هذه [١] ولفظ البخاري في ((التفسير)): قال: فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله، والله ورسوله أعلم، قال الحافظ(١): ظاهره أنه من قول عمر، ویحتمل أن یکون من قول ابن عباس، وقد روى الطبري من طريق الحكم بن أبان في نحو هذه القصة، قال ابن عباس: فالله أعلم أي صلاة كانت، وما خادع محمد أحداً قط، انتهى. قلت: لكن ظاهر سياق الترمذي كالنص على أنه مقولة عمر في حديث، ولا ينافيه أن يكون مثل هذا الكلام من مقولة ابن عباس أيضاً في حديث آخر. [٢] يعني لا يقال في أمثال هذه المواضع: الله ومحمد أعلم، أو نحو ذلك، بل يعبر بـ((الله ورسوله أعلم)) تنبيهاً على أن العبرة للرسالة. = أن المراد به التكثير دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنّه العدد بأسره، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٣٣٧/٨). ١٩٨ الكوَكَبُ الدُّرِّي ٣٠٩٨ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا عُبَيْدُ الله، أنَا نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ لَ حِينَ مَاتَ أَبُوهُ فَقَالَ: أَعْطِنِى قَمِيصَكَ أَكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَقَالَ: (إِذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِ)، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلَِّ جَذَبَهُ عُمَرُ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَى الله أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: «أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. الموارد باسمه ملة حتى لا يفوت التنبيه على أن حيثية الرسالة معتبرة فيه. قوله: (أليس قد نهى الله) إلخ يعني (١) أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْحَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وقال أيضاً: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فعلم عمر من الآيتين معاً [١] قال الحافظ(١): كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدًّا حتى أقدم بعضهم فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك، وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾. قال الحافظ (٢): والثاني مما قاله القرطبي أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة = [٣٠٩٨] خ: ١٢٦٩، م: ٢٤٠٠، ن: ١٩٠٠، جه: ١٥٢٣، حم: ١٨/٢، تحفة: ٨١٣٩. (١) ((فتح الباري)) (٣٣٤/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٨٣٣٤). ١٩٩ أبْوَابْ تَفْسِيْ الْقُرْآن حرمة الاستغفار لهم، والصلاة شاملة للاستغفار، فلذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: أو ليس قد نهى الله إلخ، لما أنه رضي الله تعالى عنه حمل قوله تعالى: ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ على أنه نهي تحريم، ولذلك قال في قوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ إنه أراد بذلك منعه عن الاستغفار لهم، وأما النبي ◌َّ فلما[١] حمل قوله تعالى: ﴿اَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على التخيير، وإن لم يكن مفيداً = على المنافقين بدليل أنه قال في آخر الحديث: فأنزل الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، والذي يظهر أن في الرواية تجوزاً بينته رواية عبد الله بن عمر عند البخاري بلفظ: فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ ووقع عند ابن مردويه عن ابن عباس فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال: ﴿أَسْتَغْفِرْلَمْ﴾ الآية، فكان عمر فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من أن ((أو)) ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي: الاستغفار وعدمه سواء، وفهم أيضاً أن سبعين مرة للمبالغة، والعدد المعين لا مفهوم له، والمراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار، وفهم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، انتهى مختصراً. [١] قال الحافظ(١): وإنما لم يأخذ النبي ◌ِ لّ بقوله، وصلّى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام واستصحاباً لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف، ودفع المفسدة، وكان لل في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح لمصلحة الاستثلاف وعدم التنفير، ولذلك قال: لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة = (١) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٨). ٢٠٠ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي في حقهم، حمل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ على أن معناه لا ينبغي لهم ذلك، فآثر الصلاة عليهم، إما لأنه مختار في ذلك فيختار ما هو أفيد في حقه ◌َّة، ولا شك أن دعوته إن لم تكن نافعة للمنافقين فكانت مفيدة للمؤمنین؛ لأنه كان يدعو بألفاظ عامة شاملة كالدعاء المأثور في صلاة الجنازة المعمول فينا، ولنفسه الشريفة [١] إذ قد كان يثاب عليها، وإما لأنه أراد أن لا يستغفر فيها، والنهي ليس إلا عن الاستغفار، وأما عن الصلاة فلا. = على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة، قال الخطابي: إنما فعل ذلك لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة قبل النهي الصريح لكان سبة على ابنه، وعاراً على قومه. قال الحافظ (١): وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحیح إسلام عبد الله بن أبي لكونه پ﴾. صلى عليه، وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرحة في حقه بما ينافي ذلك، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في الصحابة مع شهرته، وقد أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَ أَحَدٍ مِنْهُم﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، قال: فذكر لنا أن نبي الله بج ثّل قال: ((وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه)»، انتهى. [١] عطف على قوله: ((للمؤمنين)) يعني كانت مفيدة للمؤمنين لما تقدم، وكانت مفيدة لنفسه الشريفة لما أنه يثاب عليها. وقوله: ((إما لأنه أراد)) عطف على قوله: ((إما لأنه مختار)) يعني آثر الصلاة لحمله ((أو)) على التخيير، أو لحمله النهي على الاستغفار خاصة لا الصلاة. (١) ((فتح الباري)) (٣٣٦/٨).