Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن فَإِنَّ اللّه نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيْكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالحِيرَةِ أَكْثَرَ، مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقَ)). فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيِّئٍ () قلوبكم أمور الطاعات والصبر وثواب المصيبة، ومعنى فإن الله ناصركم ومعطيكم أي: الأجر، أو المعنى أني لا أخاف عليكم الفاقة أن تصيبكم لما سيفتح الله عليكم، وتعلق قوله: فإن الله معطيكم وناصر كم بالثاني أظهر. قوله: (أكثر) ليس مضافاً(١) إلى ما بعده، بل هو حال، أي: لا يكون ذلك على سبيل الندرة. [١] وعلى ما أفاده الشيخ يكون لفظ ((ما)) نافية، ويؤيده ما سيأتي من قوله: فأين لصوص طيئ، وفي ((المجمع))(١) ولفظه: وفيه ما تخاف على مطيتها السرق هو بالحركة السرقة، انتهى. وفي رواية البخاري(٢) في حديث عدي: لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعّار طيئ، الحديث. قال الحافظ (٣): زاد أحمد من طريق أخرى عن عدي: في غير جوار أحد، قلت: وقد أخرج البخاري من حديث خباب: ((وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه))، ولفظ الطيالسي في حديث عدي: ((حتى تسير الظعينة فيما بين مكة والمدينة، لا يأخذ أحد بخطامها)). وما أفاده الشيخ من توجيه قوله: ((أكثر)) ظاهر، بل متعين في لفظ الترمذي، إلا أن الظاهر عندي أنه وقع سهو في لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: ((إني لا أخشى عليكم الفاقة، لينصرنّكم الله تعالى وليعطينكم، أو ليفتحن لكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويشرب أو أكثر ما تخاف السرق على ظعينتها))، الحديث. [#] حم: ٤ / ٣٨٧، تحفة: ١٤٩٣٥. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٦٧/٣). (٢) ((صحيح البخاري)) (٣٥٩٥). (٣) ((فتح الباري)) (٦/ ٦١٣). ٢٢ الكَوَكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِمِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ الحَدِيثَ بِطُولِهِ. ٢٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيٍّ بْنِ ﴿ قَالَ: ((اليَهُودُ مَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلَّالُ)). فَذَكَرَ حَاتِمِ، عَنِ النَّبِيِّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ. ٣ - وَمِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ ٢٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، نَايَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ، قَالُوا: نَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الأَعْرَابِيُّ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيٍْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: ((إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ ٣ - وَمِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ قوله: (من قبضة) بالضم [١] لا بالفتح. [١] لأنه بالضم اسم وبالفتح للمرة، والمناسب للمقام الأول، لكن ضبطه القاري(١) بكليهما، فقال: بالضم ويفتح. [٢٩٥٤] انظر ما قبله. [٢٩٥٥] د: ٤٦٩٣، حم: ٤ / ٤٠٠، تحفة: ٩٠٢٥. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٩/١). ٢٣ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالحَزْنُ وَالخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَيهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] قَالَ: ((دَخَلُوا مُتَزَحِّفِينَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ)) أَيْ: مُنْحَرِفِينَ. وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّلَ لَّ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ ﴾ [البقرة: ٥٩] قَالَ: قَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعِيْرَةٍ (١). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (فجاء بنو آدم) يعني: أن أصل كل صفة حسنة ورديئة موجود في كلهم، وإنما ظهرت الخاصة من الصفات لغلبة مادتها فیه، فالمؤمن وإن کان کاملاً ففیه أصل الکفر کامن وإن لم یظھر، و کذلك الکافر وإن کان أشدّ ما یکون ففیه شائبة من الأصل الداعي إلى الإسلام، وإلا لما صح تكليفهم بالإسلام لما يلزم من التكليف بما لا يطاق. قوله: (قال: دخلوا متزحفين) إلخ، يعني أن اليهود كانوا أمروا بحكمين فعكسوهما، ولم يبين الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٢]، إلا مخالفتهم للأمر القولي، وأما مخالفتهم للأمر الفعلي فغير متعرض به في الآية، فبينه النبي ◌َّ بقوله: ((دخلوا متزحفين))، ثم الذي عكسوه من [٢٩٥٦] خ: ٣٤٠٣، م: ٣٠١٥، تحفة: ١٤٦٩٧. (١) في نسخة: ((شعرة)). ٢٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٩٥٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا وَكِيعُ، نَا أَشْعَتُ السَّمَّانُ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ جـ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ القِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، الأمر القولي وبدلوه به اختلفت فيه الروايات(١)، ففي بعضها: حبة في شعيرة، وفي بعضها: حنطة، وفي بعضها: حبة في شعرة، فهذه الألفاظ مهمل(٢) أو قريب منه، وتعدد الألفاظ لكون بعضهم قال هذا وبعضهم ذلك. قوله: (فصلى كل رجل منا على حياله) هذه الواقعة كانت(٣) في تهجدهم لا [١] ذكر صاحب ((البحر المحيط)) (١) فيه أكثر من عشرة أقوال، ثم قال: والذي ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله مثل فسر ذلك بأنهم قالوا: ((حبة في شعرة))، فوجب المصير إلى هذا القول، ولو صحّ شيء من الأقوال السابقة لحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلین، فیکون بعضهم قال کذا، وبعضھم کذا، فلا یکون فیه تضاد، انتھی. قلت: واكتفى الشيخ على ثلاثة أقوال تمثيلاً وبياناً لوجه الجمع، أما الأول فهو في حديث الباب، وأما الثاني فهو في ((الدر المنثور))(٢)، أخرج الآثار في ذلك بطرق عن ابن مسعود ومجاهد وابن عباس، وفي ((البحر المحيط))(٣): قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد ووهب وابن زيد: حنطة، وأما الثالث فتقدم قريباً. [٢] التذکیر باعتبار كل واحد منها. [٣] ويؤيد ذلك ما في ((الدر المنثور)) (٤) للسيوطي من رواية مفصلة بلفظ: كنا مع رسول الله مع الم = [٢٩٥٧] تقدم تخريجه في ٣٥٥. (١) ((البحر المحيط)) (٣٦٣/١)، و((صحيح البخاري)) (٤٤٧٩)، و((صحيح مسلم)) (٣٠١٥). (٢) ((الدر المنثور)) (١/ ١٧٣). (٣) ((البحر المحيط)) (٣٦٣/١). (٤) ((الدر المنثور)) (٢٦٦/١). ٢٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِّوَ لَ فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾. هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ أَبِي الرَّبِيع عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله، وَأَشْعَثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ. في جماعة، فإنهم لو كانوا مصلي فرائض العشاء لأقامهم النبي مَ ثّ حيث شاء، ولم يحتاجوا إلى ذكر القصة لديه بَله، ولا يتصور صلاتهم بغيره مَثّل فرضهم وهو فيهم، فلا يورد على الأحناف بأنهم كيف خصّصوا[١] منه من صلى وظهره إلى وجه إمامه، فإنهم قالوا بفساد صلاته مع أن الرواية لا تفرق بين أحد منهم. = في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً فيصلي فيه،فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، الحديث. قلت: ولا يبعد عندي - والله أعلم-أن يحمل على الفرائض أيضاً، ويؤول قوله: فيعمل مسجداً على العلامة بالحجارة، فأطلق عليه المسجد مجازاً، ولفظ ابن ماجه: فتغيمت السماء، وأشكلت علينا القبلة، فصلينا وأعلمنا، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا لغير القبلة، الحديث. [١] ففي ((الهداية)) (١): من أمّ قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة، وصلّى إلى المشرق، وتحرّی من خلفه، فصلّى كل واحد منهم إلى جهة وكلّهم خلفه، ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم لوجود التوجه إلى جهة التحري، وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة، ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، وكذا لو كان متقدماً على الإمام، انتهى. قلت: ولو حمل الحديث على الفريضة كما ذكرته احتمالاً، فلا يشكل عندي على الحنفية؛ لأن صلاته على جهات مختلفة لا تستلزم التقدم على الإمام، بل يجوز أن يكونوا كلهم خلفه، ومع ذلك صلوا إلى جهات مختلفة، وأكثر ما يلزم حينئذ أن يكون ظهر بعضهم إلى ظهر الإمام، ولا خلاف فيه للحنفية، إنما خلافهم فيما إذا صار ظهر المأموم إلى وجه الإمام المستلزم لتقدمه علیه، فتأمل. (١) ((الهداية)) (١ / ٤٧). ٢٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا حَيْثُمَا (١) تَوَجَّهَتْ بِهِ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ مََّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَرَأْ ابْنُ عُمَرَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٥]. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِي هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (وقال ابن عمر: في هذا أنزلت) اعلم أن الرواية كثيراً ما تنسب نزول آية إلى وقعة، والأخرى إلى غيرها، ووجه ذلك كثيراً ما يكون أن الآية نزلت بعد وقوعهما كلتيهما فصح أن يقال في كل منهما: إنها نزلت فيها[١] أو يكون المعنى استخراج (٢) حكم هذه الواقعة من هذه الآية، لا أنها نزلت فيها حقيقة، فمعنى ((فيها أنزلت)) على هذا التقدير انطباق الآية عليها، أو المعنى فيها وفي أمثالها. [١] هذا هو المعروف عند المفسرين، قال السيوطي في ((الإتقان))(٢): الحال الخامس: أن يمكن نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة بأن لا تكون معلومة التباعد فيحمل على ذلك، مثاله ما أخرجه البخاري عن ابن عباس نزول آية اللعان في هلال بن أمية، وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد نزولها في قصة عویمر، وجمع بینھما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضاً، فنزلت في شأنهما معاً، وإلى هذا جنح النووي وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب، انتهى مختصراً. [٢] وبذلك جزم جماعة من السلف، قال ابن تيمية: قولهم: نزلت في كذا يراد به تارة سبب = [٢٩٥٨] م: ٧٠٠، ن: ٤٩٢، حم: ٢ / ٢٠، تحفة: ٧٠٥٧. (١) في نسخة: ((أينما)). (٢) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ١٢١). ٢٧ أبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن وَيُرْوَى(١) عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قَالَ قَتَادَةُ: هِىَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا (٢): ﴿فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أَيْ: تِلْقَاءَهُ. قوله: (هي منسوخة نسختها قوله : ... ) إلخ، أي: أبطلت عمومها الذي يوهم[١] أن يصلي كل رجل قادراً أو غيره إلى أي جهة شاء، وليس المعنى أنه كان قبل ذلك كذا ثم نسخ، وهذا المقام واجب المراجعة بعد. = النزول، وتارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت في كذا، هل يجري مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كـ((مسند أحمد)) وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند، وقال الزركشي في ((البرهان))(٣): قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، كذا في ((الإتقان)»(٤). [١] لعل الشيخ رحمه الله تعالى احتاج إلى لفظ يوهم لما أن ظاهر كلام قتادة لو حمل على العموم يدل على عدم تعيين القبلة في أول الزمان، بل يصلي من شاء إلى أي جهة شاء ولم يعرف زمان فيما مضى تكون القبلة فيها بهذا العموم فلذا أوله الشيخ بهذا الكلام، واختار هذا التوجيه لبقاء حكمه في بعض الصور كالمعذور ومن اشتبهت عليه القبلة، وحمل أهل التفسير قول قتادة على ظاهره فنسبوا إليه هذا، ففي ((البحر المحيط))(٥): قال الحسن وقتادة : = (١) في نسخة: ((وقد یروی)). (٢) زاد في نسخة: ((قَوْلُهُ)). (٣) ((البرهان في علوم القرآن)) (٣١/١-٣٢). (٤) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١١٦/١). (٥) ((البحر المحيط)) (١ /٥٧٦). ٢٨ الكَوْكَبُ الدُّرِي حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أبِي الشَّوَارِبِ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ. وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فَثَمَّ قِبْلَةُ الله. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، نَا وَكِيعُ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِهَذَا. قوله: (فثم وجه الله) إلخ، ليس المعنى تفسير لفظ الوجه بالقبلة، فإن القدماء كانوا متحاشين عن التأويل في أمثال تلك الأقاويل، بل كانوا يقولون: له وجه، ويد، واستواء، إلى غير ذلك، ولا ندري كيف هو، بل المراد بذلك أن القبلة في هذا الوقت إنما هي جهة التوجه بهذه الآية، يعني أن الآية حاكمة بجواز الصلاة ولا يعلم حكمه إلا بهذه. = أباح لهم في الابتداء أن يصلوا حيث شاؤوا فنسخ ذلك، انتهى. والظاهر عندي أن من نسب إلى قتادة ذلك أخذه بقوله: إنها منسوخة، ولم يكن غرضه العموم، بل كان غرضه ما في ((الدر))(١) برواية ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أن النبي ◌َّيّ قال: ((إن أخّا لكم قد مات - يعني النجاشي -فصلوا عليه))، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم، فأنزل الله ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]، فالظاهر عندي أن غرض قتادة أنه كان في أول الإسلام من كان يصلي إلى غير القبلة لعدم العلم بالمسألة أو لعارض آخر كانت صلاته معتبرة، فتأمل فإني لم أجده في كلام أحد. (١) ((الدر المنثور)) (٢٦٧/١). ٢٩ أَبْوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن ٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا الحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ الله لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمُ، نَا حُمَيْدُ الطَِّيلُ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَنَزَلَتْ ﴿وَأَمَّخِذُواْ مِن ◌َقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَاأَبُومُعَاوِيَةً،نَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قَالَ: ((عَدْلاً)). هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، نَا الأَعْمَشُ، عَنْ أبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهُ: ((يُدْعَى نُوعُ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، [٢٩٥٩] خ: ٤٠٢، جه: ٤٣٧، حم: ١/ ٢٣، تحفة: ١٠٤٠٩. [٢٩٦٠] خ: ٤٠٢، جه: ٤٣٧، ن في الكبرى: ١٠٩٣١، حم: ٢٣/١، تحفة: ١٠٤٠٩. [٢٩٦١] خ: ٣٣٣٩، حم: ٩/٣، تحفة: ٤٠٠٣. ٣٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَمَا أَتَانًا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودَاءَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَيُؤْنَى بِكُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَذَلِكَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لَِّكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)) [البقرة: ١٤٣]، وَالوَسَطُ: العَدْلُ.[#] هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ الأعْمَشِ نَحْوَهُ. قوله: (فيقال: من شهودك؟) علم أن[١] القاضي لا يحكم بعلمه، بل يقضي بالشهادة. قوله: (ويكون الرسول) إلخ، فكان النبي بَلَّ مزكيًّا، وهذا[٢] على أحد التفاسير. [١] وبذلك قالت الحنفية في الحدود المتعلقة بحقوق الله خاصة بلا خلاف بين أصحابنا، وفي غيرها خلاف بين الإمام وصاحبيه، والمعتمد عند المتأخرين المنع مطلقاً، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو المرجح عند المالكية، وعند الشافعية فيه أقوال، والمرجح أنه لا يجوز في الحدود ويجوز في غيرها، وبسط الخلاف في ذلك في شروح البخاري حتى ذكر الحافظ في المسألة سبعة أقوال للعلماء. [٢] ففي (البحر المحيط))(١): لا خلاف أن الرسول هاهنا هو محمد مَ ثّ، وفي شهادته أقوال: أحدها: شهادته عليهم أنه بلغهم رسالة ربه، الثاني: شهادته عليهم بإيمانهم، الثالث: یکون حجة عليهم، الرابع: تزكيته لهم وتعديله إياهم، قاله عطاء، قال: هذه الأمة شهداء على من ترك الحق من الناس أجمعين، والرسول شهید معدل مزك لهم، وروي في ذلك حدیث، انتھی . = [*] انظر ما قبله. (١) ((البحر المحيط)) (٢/ ١٣). ٣١ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٢٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِوَ لَّهِ الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةً عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَوُجَِّ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، فَصَلَّی رَجُلُّ مَعَهُ العَصْرَ(١)، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعُ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِهِ وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، قَالَ: فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعُ. = وفي ((الخازن))(٢): قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يعني عدلًا مزكياً لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين، ثم ذكر قصة إنكار الأمم عن تبليغ أنبيائهم، وشهادة هذه الأمة، ثم قال: ثم يؤتی بمحمد پ﴾ فیسأله عن حال أمته فیز کیھم ویشهد بصدقهم، انتهى. [٢٩٦٢] تقدم تخريجه في ٣٤٠. (١) قوله: ((فصلى رجل معه العصر)) كذا هو في البخاري (٤٠): ((وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ))، الحديث. وليس في الصحاح الستة حديث يدل على أنه بَّ تحول في أثناء صلاته، لكن نقل البغوي في ((تفسيره)) (١٧٨/١): قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله مَّ في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، انتهى. والعجب من أهل التفاسير كالبيضاوي ونحوه نقلوا في التفاسير تحوله بَّ في الصلاة، وتركوا أحاديث البخاري وغيره من الصحاح، ولا أدري ما حملهم على ذلك. ((حاشية سنن الترمذي)) (٢/ ١٢٥٢). (٢) ((تفسير الخازن)) (١ / ٨٧). ٣٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِینَاڕٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا رُكُوعًا فِي صَلَاةِ الفَجْرِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعُمَارَةَ بْنِ أَوْسِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢٩٦٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، وَأَبُو عَمَّارٍ، قَالَا: نَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ لَهُ إِلَى الكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٣]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (كيف بإخواننا) إلخ، منشأ السؤال مع أن صلاتهم إلى بيت المقدس كان بأمره سبحانه أن كثيراً من الأمور يعتد بها إذا كان تمامها على وجه المشروعية، فلعل الصلاة إلى الكعبة تكون مما تتوقف عليه الصلاة إلى البيت المقدس، كما أن من فاتته صلاة الفجر فلم يؤدها إلى أن صلى الظهر والعصر، وهكذا تبقى هذه الصلوات فاسدة بفساد موقوف، إن أتم الست جازت كلها وإلا لا. قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) إلخ، فيه إشارة إلى أن العمدة هو الانقياد والتسليم، فكل طاعة هي ائتمار فإنها غير ضائعة بفضل الله. [٢٩٦٣] تقدم تخريجه في ٣٤١. [٢٩٦٤] د: ٤٦٨٠، حم: ١ /٢٩٥، تحفة: ٦١٠٨. ٣٣ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٢٩٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، طَافَ رَسُولُ الله ﴿ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالمُشَلِّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَجَّ قوله: (فقالت: بئس ما قلت) إلخ، أثبتت أولاً أن الدوام على مباح لم يكن من شأنه مَّيّة، وكذلك ما فعله جميع المسلمين فهو واجب، ثم أجابت عن استدلاله بأن نفي (١] الحرج هاهنا لما كانت الأنصار والمهاجرون تحرجوا من السعي بينهما لما زعموا ذلك من أمر الجاهلية، وأما إثبات أن السعي في أي مرتبة من مراتب الأحكام المشروعة فهذا النص القرآني ساكت عنه، وبيّن النبي وَّ والنص الآخر وجوبه، ومعنى الآية أن السعي ليس من أمر الجاهلية كما زعمتم، وإنما هو شريعة قديمة ملة أبيكم إبراهيم، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وانتفت شبهة كونه من أمر [١] قال الحافظ(١): محصله أن عروة احتج للإباحة باقتصار الآیة علی رفع الجناح، فلو كان واجباً لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك، ومحصل جواب عائشة رضي الله عنها أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإسلام، فخرج الجواب مطابقاً لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، إلى آخر ما بسطه. [٢٩٦٥]خ: ١٦٤٣،م: ١٢٧٧، د: ١٩٠١، ن: ٢٩٧٤، جه: ٢٩٨٦، حم: ١٤٤/٦، تحفة: ١٦٤٣٨. (١) ((فتح الباري)) (٤٩٩/٣). ٣٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَلَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ الجاهلية، وكان واجباً كما كان من قبل، والفرق بين قول عائشة رضي الله عنها[١] وابن عبد الرحمن رضي الله عنه أنها خصت التحرج بطائفة، وابن عبد الرحمن عم التحرج بالفرقتين كلتيهما من كان يسعى في الجاهلية وغيره. [١] هكذا قال العيني تحت رواية البخاري، ولفظها من طريق شعيب عن الزهري عن عروة: ثم أخبرت أبا بكر، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها ممن كان يُهلّ بمناة، كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطواف ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، الحديث، فقال العيني(١): إن قلت: ما وجه هذا الاستثناء؟ قلت: وجهه أنه أشار به إلى أن الرجال من أهل العلم الذين أخبروا أبا بكر بن عبد الرحمن أطلقوا ولم يخصوا بطائفة، وأن عائشة رضي الله عنها خصت الأنصار بذلك إلخ، وهذا هو الظاهر من كلام الحافظ في ((الفتح))(٢). وبسط في توجيه الروايات الدالة على أنهم تحرجوا في الإسلام، لما أنهم كانوا تحرجوا في الجاهلية أيضاً، وليت شعري ما اضطرهم على ذلك، وما المانع عن التحرج في الإسلام بشيء كانوا تحرجوا به في الجاهلية، فالظاهر عندي أن الفرق بين قول عائشة رضي الله عنها وبين ما سمعه ابن عبد الرحمن هو التغاير، ذكرت عائشة رضي الله عنها نزولها فيمن تحرجوا في الإسلام لتحرجهم في الجاهلية، وكان تحرجهم في الجاهلية لحبهم صنمهم وبغضهم هذين، وكان تحرجهم في الإسلام للبغض الطبعي المركوز فيهم من زمان الجاهلية، وعدم الذكر في القرآن، وسمع أبو بكر نزولها فيمن تحرجوا في الإسلام لكونه من شعائر الجاهلية= (١) ((عمدة القاري)) (٧/ ٢٣١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠١/٣). ٣٥ أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن لأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرٍ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَمْ تُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَابِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأَرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءٍ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. = أو عدم الذكر في القرآن، ثم لما سمع أبو بكر قول عائشة فرح بذلك لزيادة العلم، وعموم الآية فريقان لم يسمع حالهم قبل ذلك، ويظهر هذا المعنى من كلام البيهقي، كما ذكره الحافظ(١) احتمالًا، إذ قال: ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما، ومنهم من كان لا يقربهما، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف وأشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي، انتهى. ثم قال العيني (٢): اختلفوا في السعي بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال: أحدها أنه رکن لا يصح الحج إلا به، وهو قول الشافعي ومالك في المشهور عنه، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وإسحاق وأبي ثور لقوله بَ له: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))، رواه أحمد والدار قطني والبيهقي من رواية صفية بنت أبي شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة بإسناد حسن، والثاني أنه واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومالك في ((العتبية)) كما حكاه ابن العربي، والثالث أنه سنة ومستحب، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء وأحمد في روایة، انتھی. (١) ((فتح الباري)) (٥٠١/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٣٢/٧). ٣٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٩٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ: كَانَا مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قَالَ: هُمَا تَطَوُّعُ ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُّ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. ٢٩٦٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَّهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، فَقَرَأ: ﴿وَاَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ وَقَرَّأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (هما تطوع) التطوع [١] هاهنا بمعنى ما زاد على الفرض، فيشمل الواجب أيضاً. قوله: (نبدأ بما بدأ الله) والترتيب لم يفهم بالواو، وإلا لما احتيج إلى قوله [١] لو سلم كونه بمعناه المعروف، فأثر صحابي يخالف ما تقدم من المرفوع، والظاهر أنه رضي الله عنه استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ كما يدل عليه ظاهر السياق، والمراد به عند الجمهور التطوع بالحج أو العمرة، فإن التطوع بالسعي لم يشرع. [٢٩٦٧] تقدم تخريجه في ٨١٧. [٢٩٦٦] خ: ١٦٤٨، م: ١٢٧٨، تحفة: ٩٢٩. ٣٧ أبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن ٢٩٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ ابْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌َ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْإِفْطَارُ أَتَّى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَظْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا ذلك، بل كانت[١] الأصحاب فهموا الترتيب، ولما لم يفهموا علم منه أن الواو ليست للترتيب، وإنما قدمه النبي ◌َّ لعلمه وجوب تقديمه على المروة بفعل هاجر على الأنبياء وعليها السلام، أو بوحي غير متلو، والوجوب نسبة إلينا ثابت بقوله مَالخلية: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وفي رواية: [٢] ((ابدؤوا بما بدأ الله به))، وأما الآية فغاية ما يفهم منها في ذلك اهتمام بشأن الصفا نسبة إلى المروة، وشرف له عليه، وأما وجوب تقديمه فلا. قوله: (ولكن أنطلق فأطلب لك) الظاهر أنها أرادت الاستدانة عليه، ولذلك انتظرت قدومه لما أن الاستدانة عليه لم يكن لها بدون إذنه، ولو أخذت كان الأداء عليها لا عليه، فلعله كان يصوم بدونه، ولو كان عندها شيء من طعام غير مهيأ للأكل لما انتظرت في إعداده إلى أن هجم الليل، وما يتوهم من أنها لعلها أرادت المهيأ للأكل، وقد كان عندها من الطعام ما ليس كذلك، فيخدشه أنها مع علمها بصوم زوجها كيف [١] عطف على ((لما))، يعني لم يحتاجوا إلى قوله مَ ل، بل فهموا الترتيب من لفظ الواو. [٢] ففي ((الدر)) للسيوطي(١): أخرج مسلم، والترمذي، وابن جرير، والبيهقي في (سننه))، عن جابر رضي الله عنه قال: لما دنا رسول الله بَلَّه من الصفا في حجته قال: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ابدؤوا بما بدأ الله به))، فبدأ بالصفا، الحديث. (١) ((الدر المنثور)) (٣٨٧/١). ٣٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَلَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّ يَتَّبَيِّنَ لَكُالْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ﴾(١) [البقرة: ١٨٧]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. تراخت في ذلك حتى كان من الأمر ما كان، وإن كان التفصي عنه يمكن بأنها لم تبدر إلى ذلك لرجائها أن يأتي زوجها من التمرات [١] أو الثمار إلى غير ذلك مما يكفي كليهما. قوله: (﴿الرَّفَتُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾) أطلق (٢) لفظ الرفث من بين المفطرات الثلاثة ليعلم حكم الباقين، وهو الأكل والشرب بطريق الأولى، بخلاف ما لو كانوا رخصوا بلفظ الأكل أو الشرب لم يكن تناوله الرفث بهذه المثابة. [١] قال الحافظ (٢) تحت رواية البخاري بلفظ: قال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا! ولكن أنطلق إلخ، ظاهره أنه لم يجئ معه بشيء، لكن في مرسل السدي أنه أتاها بتمر، فقال: استبدلي به طحيناً واجعليه سخيناً، فإن التمر أحرق جوفي، وفيه: لعلي آكله سخناً، وإنها استبدلته وصنعته. [٢] هذا على سياق الترمذي، وهكذا سياق رواية البخاري، قال الحافظ(٣): كذا في هذه الرواية، وشرح الكرماني على ظاهرها، فقال: لما صار الرفث، وهو الجماع هاهنا حلالاً بعد أن كان حراماً كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها، وفهموا منها الرخصة، هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبي قيس، قال: ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك ﴿كُلُوا وَاشْرَبُواْ﴾ ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحاً، ثم قال: أو المراد من الآية هي بتمامها. = (١) زاد في نسخة: ((من الفجر)). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ١٣١). (٣) ((فتح الباري)) (١٣١/٤). ٣٩ أبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن ٢٩٦٩ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيِّعِ الكِنْدِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قَالَ: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ))، وَقَرَأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمُ، أَنَا حُصَيْنُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، نَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَقَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِمِنَ اُلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. = قال الحافظ (١): وهذا هو المعتمد، وبه جزم السهيلي، وقال: إن الآية بتمامها نزلت في الأمرين معاً، وقدم ما يتعلق بعمر لفضله، قال الحافظ: وقد وقع في رواية أبي داود: فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهذا يبين أن محل قوله: ((ففرحوا بها» بعد قوله: ((الخيط الأسود)»، ووقع ذلك صريحاً في رواية ابن أبي زائدة، ولفظه: فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرح المسلمون بذلك، انتهى. قلت: ولا يبعد أن الراوي قدم قوله: ((ففرح المسلمون)) إشارة إلى أن الفرح بنزول أول الآية كان أكثر؛ لما أن الاحتياج إليه أشدّ، فإن الرجل طالما لا يسهل عليه الجماع قبل العشاء أو قبل النوم لعدم القدرة على التخلية، بخلاف الأكل والشرب، كما لا يخفى. [٢٩٦٩] د: ١٤٧٩، جه: ٣٨٢٨، حم: ٤/ ٢٦٧، تحفة: ١١٦٤٣. [٢٩٧٠]خ: ١٩١٦، م: ١٠٩٠، د: ٢٣٤٩، ن: ٢١٦٩، تحفة: ٩٨٥٦. (١) ((فتح الباري)) (١٣١/٤). ٤٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، نَا هُشَيْمُ، نَا مُجَالِدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ. ٢٩٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَه عَنِ الصَّوْمِ فَقَالَ: «﴿حَّ يَّبَيَّنَ لَكُمْ اٌلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧])) قَالَ: فَأَخَذْتُ عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِّهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ سُفْيَانُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)). هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ. قوله: (شيئاً لم يحفظه) وفي ((الحاشية)): إنك لعريض القفا، وإن وسادك العريض، ليس[١] المراد بذلك التعريض بحمقه، فإن شأن خلقه مّل﴾ كان أرفع من [١] قال الخطابي في ((المعالم)) (١): في قوله: ((إن وسادك لعريض)) قولان: أحدهما: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوسادة عن النوم لأن النائم يتوسد، أو أراد أن ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبين لك العقال، والقول الآخر: إنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه عن الوسادة إذا نام، والعرب تقول: فلان عريض القفا إذا كان فيه غباوة وغفلة، وقد روي في هذا الحديث: إنك عريض القفا، وجزم الزمخشري بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرض النبي ◌َّ قفا عدي لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبي فقال: حمله بعضهم على الذم له على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل والجفا وعدم الفقه، وليس الأمر على ما قالوه؛ لأن من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إن لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق ذمًّا، = [٢٩٧١] انظر ما قبله. (١) ((معالم السنن)) (١٠٥/٢).