Indexed OCR Text

Pages 1-20

الجامع الكبير
(سُنْنُ الْتِمِذِيّ)
للإمَامِ الحَافِظِ أَبِي عِيسَى مُحَدِ بْن عِيسَى الْتِّمِذِيّ (ت ٢٧٩هـ)
وَمَعَهُ
الْكَوَكَبُ الدُّرِي عَلى جَامِعِ التِّمِذِيّ
وَهِيَ إِفَادَاتُ الإمَامِ رَشِيد أحْمَد الگنگوُمي (ت١٣٢٣ هـ)
جَمَعَهَا وَقِيَّدَهَا المُحَدِّثُ مُحَمَّد يَخْتِى الكانْدَ هْلويّ (ت ١٣٣٤هـ)
مَعَ تَعَلِيقَات للمُحَدِّثِ مُحَمَّد زَكِرِيّا الكانْدَ هْلويّ (ت ١٤٠٢هـ)
اعْتَنَبِهِ
الأُسْتَاذ الدّكتور تقِيّ الدِّيْنِ النّذْوِيّ
المُجَلّدُ السَّابِعِ
مِنْ أَبْوَابٍ تَفسِيْرِ القُرْآنِ إلى أبْوَاب الدّعَوَات
طَبِعَ هَذا الكتابُ عَّى نَفَقَةِ سُمُوّ الشّيْخِ سُلطان بن زايد آل نهيَّان
مُمثّل صَاحِب السُّموّ رَئيسِ دَوْلةِ الإِمَارَاتِ العَرَبيَّة المتّحِدَة
أروقة

الجَافِعُ الْكِيرُ
(سُنْنُ الْتِمِذِيّ )
للإمَامِ الحَافِظِ أَبِي عِيسَى مُحَدِ بْن عِيسَى التِّمِذِيّ (ت ٢٧٩هـ)
وَمَعَهُ
الكَوَكَبُ الدُّرِي عَلى جَامِعِ التِّمِذِيّ

الجامع الكبير (سنن الترمذي)
اعتنى به: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
الطبعة الأولى : ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
جميع الحقوق محفوظة باتفاق وعقد ن
قياس القطع : ١٧ × ٢٤
الرقم المعياري الدولي : ٩٧٨٩٩٥٧٦١٣٤٠٢ : ISBN
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية: (٢٠١٦/٦/٢٧٢٧)
9 789957 613402
٧٠ ٢،٧
زوقة
لِلدّرَاسَاتِ وَالنّشْرِ
هاتف وفاكس : ٤٦٤٦١٦٣ (٠٠٩٦٢٦)
ص.ب : ١٩١٦٣ عمّان ١١١٩٦ الأردن
البريد الإلكتروني : info@arwiqa.net
الموقع الإلكتروني: www.arwiqa.net
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
للبحوث والدراسات الإسلامية
For Research & Islamic Studies
مظفر فور - أعظم جراه - يوبي الهند
Muzaffarpur - Azamgarh - U.P India
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤-٠٠٩١
الفاكس:٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦-٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥-٠٠٩١
البريد الالكتروني:drnadwi@gmail.com
الدّراسات المنشورة لا تعبّرّ بالضرورة عن وجهة نظر الناشر
جميع الحقوق محفوظة. لا يُسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو أيّ جزء منه أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات
أو نقله بأيّ شكل من الأشكال أو رفعه على شبكة الإنترنت دون إذن خطي سابق من الناشر. حقوق الملكية
الفكرية هي حقوق خاصّة شرعًا وقانونًا، وطبقًا لقرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة فإنّ حقوق
التأليف والاختراع أو الابتكار مَصُونة شرعًا، ولأصحابها حقّ التصرُّف فيها، فلا يجوز الاعتداء عليها.
All rights reserved. No part of this publication may be reproduced or transmitted
in any form or by any means without written permission from the publisher.

core
3

أبَوَابُ تَفْسَيْ القرآن

٧
٤٦ - أَبْوَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ عَنْ رَسُولِ الله
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ
٢٩٥٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ
مكة الله
عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
٤٦ - أبواب تفسير القرآن عن رسول الله
ويعنون[١] بذلك ما فيه بیان لغة، أو استنباط حكم، أو توجيه إعراب، أو بيان
لشأن النزول، إلى غير ذلك.
[١ - باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه]
[١] قال الحافظ (١): التفسير تفعيل من الفسر وهو البيان، تقول: فسرت الشيء - بالتخفيف -
أفسره فسراً، وفسرته - بالتشديد- أفسره تفسيراً: إذا بينته، وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء
ليعرف العلة، وقيل: هو مقلوب من سفر كجذب وجبذ، تقول: سفر: إذا كشف وجهه، ومنه
أسفر الصبح: إذا أضاء، واختلف في أن التفسير والتأويل واحد أو مختلفان، وعلى الثاني ما
الفرق بينهما على أقوال كثيرة في ((الإتقان))(٢).
[٢٩٥٠] د: ٥٥٤٣، حم: ٢٣٣/١، تحفة: ٥٥٤١.
(١) (فتح الباري)) (١٥٥/٨).
(٢) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١٩٢/٤).

٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
((مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ(١).
٢٩٥١ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَاسُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الكَلْبِيُّ، نَا أَبُو عَوَانَةَ،
قوله: (من قال في القرآن) إلخ، يعني [١] أن المتصدّي للكلام في فن من فنون
القرآن، كالإعراب أو استنباط الأحكام، يجب أن لا يكون عريًّا من هذا الفن، فلو
تصدّى لذلك وهو جاهل به كان مستحقًّا للوعيد وإن كان مصيباً في مقاله.
[١] قال القاري(٢): أي: من تكلم في معناه أو قراءته من تلقاء نفسه من غير تتبع أقوال الأئمة من
أهل اللغة والعربية المطابقة للقواعد الشرعية، بل بحسب ما يقتضيه عقله، وهو مما يتوقف على
النقل كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وما يتعلق بالقصص والأحكام، أو بحسب ما يقتضيه
ظاهر النقل، وهو مما يتوقف على العقل، كالمتشابهات التي أخذ المجسمة بظواهرها، وأعرضوا
عن استحالة ذلك في العقول، أو بحسب ما تقتضيه بعض العلوم الإلهية مع عدم معرفته ببقيتها.
وقال ابن حجر: أي: أخطأ طريق الاستقامة بخوضه في كتاب الله بالتخمين والحدس مع عدم
استجماعه بشروطه، فكان آثماً به مطلقاً، ولم يعتد بموافقته للصواب، بخلاف من كملت فيه آلات
التفسير، وهي خمسة عشر علماً: اللغة، والنحو، والصرف، والاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه
من مادتين اختلف المعنى، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح، والمعاني، والبيان، والبديع،
والقراءات، والأصلين، وأسباب النزول، والقصص، والناسخ والمنسوخ، والفقه، والأحاديث
المبينة لتفسير المجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله عزّ وجلّ لمن عمل بما علم، انتهى.
قلت: والمراد بالأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، كما ذكرهما السيوطي في ((الإتقان))(٣).
[٢٩٥١] انظر ما قبله.
(١) في نسخة: ((حسن صحيح)).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٤٤٥).
(٣) («الإتقان في علوم القرآن)) (٢١٣/٤).

٩
أبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ بَ لِ قَالَ:
(تَّقُوا الحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ
مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْبِهِ فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ.
قوله: (برأيه) محمله[١] ما قلناه من قبل، فمن استنبط [٢] من الكتاب حكماً بعد
[١] فقد قال البيهقي: المراد رأي غلب من غير دليل قام عليه، أما ما يشدّه برهان فلا محذور فيه، قال
الماوردي: حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن
باجتهاده، وإن صحبها شواهد سالمة عن المعارض، وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في
القرآن، واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَِّطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]،
وفي حديث أبي نعيم وغيره: ((القرآن ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه))، ومعنى
ذلول سهل حفظه وفهمه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين، كذا في ((المرقاة))(١).
[٢] قال في ((المجمع))(٢): لا يجوز أن يراد أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن
الصحابة قد فسروه، واختلفوا فيه على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه منه وَثّ، ولأنه
لا يفيد حينئذ دعاؤه: ((اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل))، فالنهي لوجهين: أحدهما:
أن يكون له رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول على وفقه ليحتج على تصحيح غرضه،
وهذا قد يكون مع علمه أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس على خصمه، وقد يكون مع
جهله بأن يكون الآية محتملة له، لكن رجحه لرأيه، ولولاه لما يترجح ذلك الوجه له، وقد
يكون له غرض صحيح كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، ويستدل بقوله: ﴿أَذْهَبْ إِلَى
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] ويشير إلى قلبه، والثاني: أن يتسارع إلى التفسير لظاهر العربية
من غير استظهار بالسماع في غرائبه ومبهماته، وفيما فيه من الحذف والتقديم وما عداهما،
فلا وجه للمنع فیه، انتھی.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٤٤٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٣٨/٤).

١٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٩٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنِي حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، نَاسُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ الله
وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَزْمٍ، أَخُو حَزْمِ القُطَعِيِّ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْبِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ
أَخْطَأَ).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
ملاحظة الأصول مطابقاً للقواعد الشرعية لا یکون ممن قال فيه برأيه، فإنما استناده
إلى ما سمعه من النبي ◌َّة، وعلى هذا وجب حمل قوله بعد ذلك: وهكذا روي عن
بعض أهل العلم إلى آخر ما قال؛ لأن إثبات النقل في عين ما فسّروه به عسير جدًّا،
فيحمل على أنهم سمعوا تلك الأصول والقواعد التي فسروا الكتاب على طبقها،
وقول قتادة: ((إلا وقد سمعت فيها شيئاً)) لا ينافي ما قلنا، فإنه لم يثبت أنه لم يتكلم
في كل آية إلا بقدر ما سمعه منه، بل الثابت أنني سمعت في كل آية شيئاً، وإن كان
يجوز أن يذكر في بعض الآيات زيادة على الذي سمعه، وبالجملة فالحمل على ما
ذهبنا إليه أسلم من التكلفات، وأجمع بين الروايات، فقد قال النبي بَّ في حديث
علي الذي خاطب به الأعور[١]: إنه لا تنقضي عجائبه، فلو كان المدار هو النقل لم
يكن لهذا معنى، وكذلك قوله عليه السلام: ((لا يشبع منه العلماء)).
[١] كما تقدم قريباً عند المصنف بلفظ: ((لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا
تنقضي عجائبه))، الحديث، وفي ((الترغيب))(١) برواية الحاكم عن ابن مسعود مرفوعاً: ((إن
هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته))، الحديث، وفيه: ((ولا تنقضي عجائبه))، وتقدم في كلام
القاري وغيره أيضاً ما يستدل به على ذلك.
[٢٩٥٢] د: ٣٦٥٢، تحفة: ٣٢٦٢.
(١) ((الترغيب والترهيب)) (٢٣١/٢).

١١
أَبْوَابُ تَفْسِيْر القُرْآن
حَزْمٍ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضٍ أُهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلَّهِ وَغَيْرِهِمْ،
أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي هَذَا فِي أَنْ يُفَسَّرَ القُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ
مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا القُرْآنَ، فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ
أَنَّهُمْ قَالُوا فِي القُرْآنِ أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ
مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرٍ عِلْمٍ.
حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٌّ البَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
قَتَادَةَ قَالَ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةُ إِلَّا وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ
مُجَاهِدُ: لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ أَحْتَجْ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسِ عَنْ
كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ مِمَّا سَأَلْتُ.
قوله: (لم أحتج أن أسأل ابن عباس) إلخ، يعني أن تأليف ابن مسعود كان [١] على
حسب النزول، فما كان ناسخاً كان في الترتيب بعد المنسوخ، فكان يعلم من غير المسألة
[١] ويؤيد ذلك ما أخرجه الحاكم(١) بعدة طرق مرفوعاً: ((من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل
فليقرأه على قراءة ابن أم عبد))، وفي لفظ: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه
على قراءة ابن أم عبد))، وأخرج الحاكم(٢) بسنده عن ابن عباس قال: أي القراءتين ترون كان
آخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد، قال: لا، إن رسول الله ◌َ لهل كان يعرض القرآن كل سنة على
جبرئيل عليه السلام، فلما كانت السنة التي قبض فيها عرضه عليه عرضتين، فكانت قراءة ابن
مسعود آخرهن، هذا حديث صحيح الإسناد.
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٤٦/٢، ٢٤٧).
(٢) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٥٠/٢).

٢ - وَمِنْ سُورَةٍ فَاتِحَةِ الكِتَابِ
◌ِللهِ الَّمِالرَّحْيَمِ
٢٩٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَاعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
أيها ناسخ وأيها منسوخ، وكذلك بعض الكلمات كانت في قراءة ابن مسعود بحيث يفسر
ما أبهم كما في قوله في الصوم: ((فعدة من أيام أخر متتابعات))، وقوله في القطع: ((السارق
والسارقة فاقطعوا أيمانهما))، ووجه ذكر المؤلف هذا القول من مجاهد هاهنا لإثبات النقل
عن ابن عباس كما قال في كثير مما سألت، فعلم أنه كان يسأله [١] كثيراً.
٢ - وَمِنْ سُورَةٍ فَاتِحَةِ الكِتَابِ
= ورجح الحافظ في ((الفتح)) (١) أن عرضة جبرئيل كانت على ترتيب النزول، لكن مع هذا كله
فقد جزم الحافظ بنفسه أن ترتيب مصحف ابن مسعود لم يكن على ترتيب النزول، بل كان
أوله الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وهكذا جزم السيوطي في ((الإتقان))(٢)،
وحكى ترتيب سوره مفصلاً، وقالا: إن مصحف علي كان على ترتيب النزول، فالظاهر أن
معنى قول مجاهد ما ذكره الشيخ ثانياً من أنها كانت مفسرة، انتهى.
[١] ففي ((الإتقان))(٣): قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهداً يقول: عرضت القرآن على ابن
عباس ثلاثين مرة، وعنه أيضاً: قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات،
أقف عند كل آية منه، وأسأله عنها فيما نزلت، وكيف كانت؟ انتهى.
[٢٩٥٣] م: ٣٩٥، جه: ٣٧٨٤، حم: ٢٤١/٢، تحفة: ١٤٠٨٠.
(١) «فتح الباري)) (٩/ ٤٢-٤٥).
(٢) ((الإتقان في علوم القرآن)) (١/ ٢٢٢).
(٣) ((الإتقان في علوم القرآن)) (٤٢٤٠).

١٣
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ الْقُرْآن
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَّ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ
فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجُ فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَاٍ)). قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ،
إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: يَا ابْنَ الفَارِسِيِّ، فَاقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي
قوله: (فاقرأها في نفسك) وأنت تعلم أنه استنباط(١] من أبي هريرة من
الحديث الذي سرده ولا يتم، فإنه ليس نصًّا على أن كل مصل يجب له القراءة بنفسه،
بل أعم من أن يكون بنفسه أو بوكيله، كيف وقد ورد: ((من [٢] كان له إمام فقراءة
[١] أي: على سبيل التسليم، وإلا فقد تقدم في الجزء الأول(١) أن المراد بها التدبر، وكونه
استنباطاً من الحديث ظاهر من السياق، فإنه ذكر الحديث المرفوع الآتي بقوله: فإني سمعت
رسول الله ◌َّةٍ، فهذا كالنص على أن قوله: اقرأها في نفسك، لم يكن مسموعاً من النبي وَاجّ
وإلا لذكره، وعلم أيضاً أن قوله هذا لم يبق في حكم المرفوع، لكونه غير مدرك بالقياس لما
ذکر مستدله واجتهاده.
[٢] وهو حديث مشهور روي بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين،
منهم جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن
مالك، كما في ((الأوجز))(٢)، ولأجل ذلك أجمعت الأئمة الأربعة وغيرهم من أكثر فقهاء
الأمصار على سقوط وجوب القراءة عن المقتدي إلا في أحد القولين عن الإمام الشافعي،
فقد قال فيه بوجوب الفاتحة على المقتدي، ومع ذلك قد أسقطها في عدة مواضع، كمدرك
الركوع، ومن تخلف عن الإمام لعذر، كزحمة ونسيان وبطوء حركة، بأن لم يقم من السجود
إلا والإمام راكع، كما بسط في ((الأوجز))، فلا يسع الإنكار من أنهم أطبقوا على العمل بهذه
الرواية، وحملوا عموم الروايات المتضمنة لإيجاب القراءة على تعميم القراءة بالأصالة
والوكالة، كما أفاده الشيخ.
(١) أي: في باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، برقم: ٣١٢.
(٢) ((أوجز المسالك)) (١٦٨/٢-١٦٩).

١٤
الكَوَكَبُ الدُّرِي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّ يَقُولُ: ((قَالَ الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي
نِصْفَيْنٍ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُومُ الْعَبْدُ فَيَقُولُ:
﴿الْحَمْدُ لِِّرَبِ الْعَلَمِينَ﴾ فَيَقُولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي،
فَيَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَيَقُولُ الله: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَيَقُولُ ﴿ مَلِكِ يَوْمِ
الّذِينِ﴾ فَيَقُولُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَهَذَا لِي، وَبَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ
الإمام له قراءة))، فأنى يبطل بهذا الاحتمال عموم قوله تعالى [١]: ﴿وَإِذَا قُرِئَّ
اَلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوْ لَهُ, وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٤].
قوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) المراد بالصلاة هاهنا هي الفاتحة
باتفاق من العلماء، فيمكن أن يقال: إن النبي ◌َّ لما أطلق عليها الصلاة كانت الفاتحة
أكمل فرائضها، وأولى أركان منها، فلا صلاة لمن لا فاتحة له، ولعل أبا هريرة أورد
الحديث هاهنا لذلك، فكان مناط استدلاله على وجوب قراءتها هو هذا الإطلاق،
والجواب أنا لا نسلم أن المقتدي ليس له قراءة، غاية الأمر أنه قارئ لا بلسانه، وكثيراً
ما ینسب فعل الو کیل إلی مو کله.
قوله: (وبيني وبين عبدي إياك نعبد) إلخ، وإنما قال باشتراك هذه الآية مع أن
الظاهر هو الاشتراك في الآية الأخيرة، فإنه سبحانه وتعالى كما أنه هاد والعبد طالب
هداية منه تعالى كذلك إنه سبحانه وتعالى معبود والعبد عابد، والله سبحانه مستعان
[١] وقد ورد في الروايات الكثيرة أن نزولها في القراءة خلف الإمام، وقال الإمام أحمد: أجمع
الناس أن هذه الآية في الصلاة، وقال ابن عبد البر: هذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في
الصلاة لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره، كذا في ((الأوجز))(١).
(١) ((أوجز المسالك)) (١٨٠/٢).

١٥
أَبْوَابُ تَفْسِيْرُ القُرْآن
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ وَآخِرُ السُّورَةِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ: ﴿أَهْدِنَالضَّرَاطَ
اَلْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ﴾﴾).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَهُ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسِ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي
السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّلَ لَ نَحْوَ هَذَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي ◌ُوَيْسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنِي
أَبِي، وَأَبُو السَّائِبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّلَلِّ نَحْوَ هَذَا.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الفَارِسِيُّ، قَالًا: ثَنَا
ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنِي أَبِي، وَأَبُو
السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، وَكَانَا جَلِيسَيْنِ لأَّبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
والعبد مستعين؛ لأن فعل العبد إنما هو السؤال البحت وأصل الفعل إنما هو له
سبحانه بخلاف الآية الوسطى، فإن فيها شركة في الأفعال إذ العابدية إليه والمعبودية
له تعالى، وكذلك الاستعانة، بخلاف الأخيرة، فإن الفعل فيه كله لله تبارك وتعالى من
قضاء حاجات العبد، فكان خالصاً للعبد، وحاصل التقسيم أن القسم الأول مختص
به تعالى بمعنى أن العناية فيه إلى إظهار صفاته والإقرار بجلال ذاته وادعاء كونه
منعماً على الحقيقة بجلائل النعم، والتي [١] هي دونى إلى غير ذلك، وإن كان المثني
[١] عطف على الجلائل، أي: منعم بأكبر النعم، وبالتي هي أدون بالنسبة إلى الأولى، وهلم جرًّا.

١٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
عَنِ النَّبَِّ ﴿ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمَّ القُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجُ(١)،
غَيْرُ تَمَامٍ)) [#]
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وَسَأَلْتُ(٢) أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: كِلاَ الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ،
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ العَلَاءِ.
والممجد والحامد هو العبد، وفي الصنف الثاني مطمح النظر هو إطاعته وانقياد له،
ولما كان ذلك لا يتم إلا بإعانته وتوفيقه أردف الإقرار بالطاعة اعترافاً بعجزه، ومنة
الإعانة منه سبحانه، فكان العبد والمعبود إلى الآية منتسبي سواء بخلاف الصنف
الثالث، فإنه لا ذكر فيه لغير حوائجه حتى يقضيها المجيب الكريم، ويظفر العبد
بجنات عدن بالنعيم المقيم، ويجيره من نار الجحيم.
قوله: (كلا الحديثين صحيح) يعني أن نسبة (١) الرواية إلى أبي العلاء وأبي السائب
تصح معاً، فإن ابن أبي أويس أوثق[٢] من روى، فلما أسنده إليهما معاً كانا صحيحين.
[١] لما كان ظاهر الحديث الاضطراب لمكان الاختلاف فيه على العلاء بن عبد الرحمن، فروى
عنه عن أبيه، وعنه عن أبي السائب، دفعه المصنف برواية إسماعيل بن أبي أويس إذ رواه
عنهما معاً، وبذلك يدفع الاضطراب عند المحدثین.
[٢] هذا مبني على كلام الترمذي، فإنه لما استدل بروايته على دفع الاضطراب، فكأنه هو من
جملة الثقات المعتبرين عنده، لا سيما وقد احتج أبو زرعة بروايته على تصحيح الروايتين
معاً، فحكم أبي زرعة بالصحة محتجًّا بروايته نداء بتوثيقه، كيف وقد أخرج له الشيخان معاً، =
[#] م: ٣٩٥، تحفة: ١٤٩٣٥.
(١) زاد في نسخة: ((فَهِيَ خِدَاجٌ)).
(٢) في نسخة: ((قال: وسألت)).

١٧
أَبْوَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآن
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا عَمْرُو بْنُ أبِي قَيٍْ،
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ القَوْمُ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ،
وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ، فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخَذَ بِيَدِي، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ
ذَلِكَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللهِ يَدَهُ فِي يَدِي، قَالَ: فَقَامَ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةُ وَصَبِيُّ
قوله: (إني لأرجو(١) أن يجعل الله يده في يدي) أراد بذلك مبايعته، إلا أن
اللفظ لما كان صدق هاهنا أيضاً ذكره.
= لكن مع هذا كله يتحير من له نظرة على كتب الرجال من أن الإمام الترمذي ذكر قول أبي
زرعة في تصحيح الحديث، ولم يذكر قول أحد من أئمة الرجال في إسماعيل بن أبي أويس.
وفي ((تهذيب)) (١) الحافظ عن ابن معين: صدوق ضعيف العقل ليس بذاك، يعني أنه لا يحسن
الحديث، ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأه من غير كتابه، وعن ابن معين أيضاً: هو وأبوه ضعيفان
ويسرقان الحديث، وعن النضر بن سلمة: ابن أبي أويس كذاب، وعن سيف بن محمد: كان
يضع الحديث، وروي عن إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل
المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال الحافظ: ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته
ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح، انتهى.
قلت: هذا هو الظن بالإمام الترمذي وأبي زرعة، فإنهما ذكرا حديثه تمثيلاً واعتماداً على
متابعته، أو اختياراً لقول من وثقه، ونعوذ بالله من إساءة الظن بأحد من أئمة الحديث، فإنهم
قدوة الفن وسبقة المیادین.
[١] فإنه مَ ل﴾ كان يحبّ إسلام رؤساء الأقوام، ليكون سبباً لإسلام أتباعهم، وكان عدي هذا ابن
حاتم الطائي الجواد المشهور الذي يضرب به المثل في الجود والكرم، كما في ((أسد =
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣١٠/١).

١٨
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
= الغابة»(١)، وحکی من قصة إسلامه قال: بعث رسول الله پچل﴾ حین بعث، فكرهته أشد ما
كرهت شيئاً قط، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني ذلك
أشدّ مما كرهته، فقلت: لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذباً لم يخف عليّ، وإن كان صادقاً
اتبعته، فأقبلت، فلما قدمت المدينة استشرفني الناس، وقالوا: عدي بن حاتم عدي بن حاتم.
فقال لي: يا عدي أسلم تسلم، قلت: إن لي ديناً، قال: ((أنا أعلم بدينك منك))، قلت: أنت أعلم
بديني مني؟ قال: ((نعم)) مرتين أو ثلاثاً، قال: ((ألست ترأس قومك؟ ألست تأكل المرباع؟))
قلت: بلى، قال: ((فإن ذلك لا يحل لك في دينك))، ثم قال: ((يا عدي أسلم تسلم))، قال: ((قد
أظن - أو قد أرى أو كما قال رسول الله ◌َالله - أنه ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضة تراها ممن
حولي، وإنك ترى الناس علينا ألباً (٢) واحداً)، قال: ((هل أتيت الحيرة؟)) قلت: لم آتها، وقد
علمت مكانها، قال: ((يوشك الظعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت،
ولتفتحن علینا کنوز کسری بن هرمز»، قلت: کسری بن هرمز؟ قال: ((کسری بن هرمز»،
مرتين أو ثلاثاً، إلى آخر ما في (الإصابة))(٣) و((أسد الغابة)) (٤).
وفد سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر، فأسلم وثبت على إسلامه في الردة، قال: ما دخل
علي وقت صلاة قط إلا وأنا مشتاق عليها، وعنه قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا
على وضوء، رزقنا الله من اتباع هؤلاء الأسلاف، والغضاضة: الذلة والنقيصة، وقيل: إنما هي
خصاصة بالخاء وهي الفقر، وفي رواية لأحمد(٥): فخرجت حتى وقعت ناحية الروم يعني
ببغداد حتى قدمت على قيصر، قال: فكرهت مكان ذلك أشد من كراهيتي لخروجه، الحديث.
(١) («أسد الغابة)) (٤/ ٧).
(٢) الإلْب بالفتح والكسر: القوم يجتمعون على عداوة إنسان. وقد تألّبوا: أي تجمّعوا. ((النهاية))
(٥٩/١).
(٣) ((الإصابة)) (٣٨٩/٤).
(٤) ((أسد الغابة)) (٤ /٧).
(٥) ((مسند أحمد)) (٢٥٧/٤).

١٩
أبَوَابُ تَفْسِيْ القُرْآن
مَعَهَا، فَقَالًا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ
بِيَدِي حَتَّى أَتَّى بِي دَارَهُ، فَأَلْقَتْ لَهُ الوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، وَجَلَسْتُ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا يُفِرُّكَ أَنْ تَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله؟!
فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهِ سِوَى اللّه؟». قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ:
قوله: (وسادة)[١] هي المخدة أو الفرش، ومعنى (عليها) على الأول متكئاً
عليها، وعلى الثاني على ظاهرها.
قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) إلخ، ووجه إتيانه في البيت وترك التبليغ في
مجلسه الذي لقيه فيه مع أنه لا ينبغي التأخير في التبليغ - والله أعلم - أنه لعله يأخذه
حمية(٢) أو أنفة لكونه من سرواتهم، فيهلك فيمن هلك، ويعد ترك مقالته [٣] ثَمّ عاراً
عليه، فلذلك لم يلق النبي ◌َّ- مقالته إلا خالياً.
قوله: (ثم تكلم ساعة) إلخ، والظاهر كون هذا الكلام في إثبات التوحيد،
[١] قال المجد (١): الوساد: المتكأ، والمخدة كالوسادة، ولفظ الطيالسي: فألقت لنا الجارية
وسادة أو قال: بساطاً.
[٢] فقد تقدم في الحاشية قريباً قوله محلية: ((أظن ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضة تراها ممن
حولي))، وفي رواية لأحمد(٢): ((أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه
ضعفة الناس، ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب))، الحدیث.
[٣] الظاهر أن المعنى: لو ترك النبي مَّ المقالة مع عدي لعارض كمجيء أحد في المجلس أو
غير ذلك لعدّه عاراً عليه.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٧).
(٢) ((مسند أحمد)) (٢٥٧/٤).

٢٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
(إِنَّمَا تَفِرُّ أَنْ تَقُولَ: الله أَكْبَرُ، وَتَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرُ مِنَ اللّه؟) قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ:
((فَإِنَّ اليَهُودَ مَغْضُوبٍّ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَّالُ))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي حَنِيفُ
مُسْلِمُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَبِي فَأَنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ
الأَنْصَارِ جَعَلْتُ أَغْشَاهُ طَرَفَي النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً، إِذْ جَاءَهُ قَوْمُ فِي
ثِيَابٍ مِنَ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ، قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ((وَلَوْ
صَاعُ، وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ قَبْضَةُ، وَلَوْ(١) بِبَعْضِ قَبْضَةٍ، يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ
جَهَنَّمَ - أَوِ النَّارِ - وَلَوْ بِتَمْرَةِ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي الله وَقَائِلُ لَهُ مَا
أَقُولُ لَكُمْ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً
وَوَلَدًّا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ، أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ، وَعَنْ
يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ، لِيَقِ أحَدُكُمْ وَجْهَهُ
النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الفَاقَةَ،
وإبطال التثليث، وكان عدي [١] من النصارى أو المتنصرة.
قوله: (فإن اليهود مغضوب عليهم) إلخ، وهذا هو موضع التفسير الذي أورد
له المؤلف هذا الحدیث هاهنا.
قوله: (فإني لا أخاف عليكم الفاقة) إما أنه لا يضركم لما رسخت في
[١] وفي ((أسد الغابة))(٢): كان نصرانيًّا، قيل: لما بعث النبي ◌َّل سرية إلى طيئ، أخذ عدي أهله
وانتقل إلى الجزيرة، وقيل: إلى الشام، وترك أخته سفانة بنت حاتم، فأخذها المسلمون،
فأسلمت وعادت إلیه فأخبرته، ودعته إلى رسول الله څے، فحضر معها عنده، انتهى.
(١) في بعض النسخ: (وإن)).
(٢) («أسد الغابة)) (٤/ ٧).