Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
أبواب الزُّهْد
ابْنَ مَالِكِ الجَنْبِيَّ، أَخْبَرَهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ:
((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ)).
هَذَا حَدِيثُ صَحِيحُ.
وَأَبُو هَانِيٍ الْخَولَانِيُّ اسْمُهُ: حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ.
٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الفَقْرِ
٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ البَصْرِيُّ،
نَا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ، نَا شَدَّادُ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِيِيُّ، عَنْ أَبِي الوَازِعِ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلُ لِلنَّبِيِّ وََّ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ
لَهُ: ((انْظُرْ مَا تَقُولُ؟»، قَالَ: وَاللّه إِنِّى لَأَحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ
تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا(١)، فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ
إِلَى مُنْتَهَاهُ)).
٢٤ - باب ما جاء في فضل الفقر[١]
قوله: (انظر ما تقول) يعني أن المحبة .
[١] ولا يذهب عليك أن هاهنا بحثين طويلين لا يسعهما المقام، وقد تكلم عليهما في
المطولات، الأول: الجمع لروايات ما في الباب بالروايات التي وردت في تعوذه وَله من
الفقر، وقد أشار إلى الجمع بينها الشيخ في ((البذل))(٢)، والثاني: اختلافهم قديماً وحديثاً
في أن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر.
[٢٣٥٠] حب: ٢٩٢٢، هب: ١٣٩٨، تحفة: ٩٦٤٧.
(١) قال في ((القاموس)) (ص: ٧٩٧): التجفاف، بالكسر: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان
ليقيه في الحرب.
(٢) انظر: ((بذل المجهود)» (٢٨٣/٥).

٦٠٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قد تكون اضطرارية [١] ولا مدفع بموجبه ومقتضاه، وقد يكون تكلفاً وتصنعاً، فتعود
إلى التخلق والتطبع، فإن كان القول الذي قلته من قبيل الثاني فلا تفعل؛ لأن الأمر
بعد في يديك، وإذا خرج من اختيارك وضرب تحبسي(٢] حقيقة ولم يبق تكلفاً
وتصنعاً، فإني أخشى عليك الفقر، فإن المتحابين المتحدين في عاقبة الأمر، كما
هو مآل المحبة تتحد(٣] خصالهم والواردات عليهم، ونحن معاشر الأنبياء أشد
الناس بلاء الأمثل فالأمثل، ومن هاهنا يعلم فضل الفقر[٤] على الغنى.
[١] يعني أن المحبة إذا كانت بلا اختيار من الرجل فما يتفرع عليها من لوازم المحبة وثمراتها
لا بد من تحملها ضرورة وجبراً، ولا إمكان لدفعها، لأنها من لوازم المحبة، وهو بلا اختيار
منه، وإذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه، فكذلك دعواك المحبة مني إن كان اضطراراً فما يتفرع
عليه من سرعة الفقر لا دافع له، وإن كانت هذه الدعوى منك بالتكلف فسيصير مآله إلى
الاعتياد، فإن الرجل إذا اختار شيئاً بالتكلف والتصنع فبعد مقاساة شدائد التكلف يكون
طبعاً له، ولذا يعودون الصبيان بالضربِ والتأديبِ الصلاةَ والأخلاقَ الحسنة لتصير طبعاً
له، فإن كانت الدعوى منك من هذا القبيل فلا تتكلف لهذا لأن الأمر إلى الآن في قبضتك،
لكن إذا وصل الأمر إلى حقيقة المحبة فخرج من اختيارك ورتب عليها ما يرتب على
المحبة مني من سرعة الفقر.
[٢] هكذا في المنقول عنه، والظاهر عندي أنه تحريف من الناقل، والصواب: وصرت تحبني.
[٣] كما هو المعروف في باب المحبة فمن الأمثال: النفس مائلة إلى شكلها، وقد قيل:
فإن الجليس بالْمجالس مقتدٍ
عن المرء لا تسأل وسل عن جليسه
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
[٤] وفي المسألة خلاف مشهور، وحكى الحافظ (١) عن القرطبي أن للعلماء فيها خمسة أقوال:
ثالثها الأفضل الكفاف، ورابعها يختلف باختلاف الأشخاص، وخامسها التوقف، وحكى
عن جمهور الصوفية ترجيح الفقير الصابر، وبسط الكلام.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٣١/٢).

٦٠٣
أنْوَابُ الزُّهْد
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيّ، نَا أَبِي، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي طَلْحَةَ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ.
وَأَبُو الوَازِعِ الرَّاسِيُّ اسْمُهُ: جَابِرُ بْنُ عَمْرٍوٍ وَهُوَ بَصْرِيٌّ.
٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ
٢٣٥١ _ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ، نَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الله،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لّهِ: ((فُقَرَاءُ
الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ)).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَجَابٍِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
[٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ]
قوله: (بخمسمائة عام) الظاهر[١] أن ذلك ليس تحديداً، وإنما المقصود
بذلك بيان كثرة زمان قبليتهم في الدخول، ولا يبعد أن يكون تحديداً أيضاً، والذي
يرد من القليل من هذا كأربعين خريفاً مثلاً ليس ينفي الأكثر منه، حتى يخالف هذه
[١] وإليه مال القاري كما بسطه في ((المرقاة))(١)، وحكى عن الأشرف: يمكن أن يكون المراد
من الأغنياء في حديث الخريف أغنياء المهاجرين، أي: يسبق فقراء المهاجرين إلى الجنة
بأربعين خريفاً، ومن الأغنياء في حديث الباب الأغنياء الذين ليسوا من المهاجرين، فلا
تناقض بين الحديثين، وتعقبه القاري بأنه إنما يتمّ إذا أريد بالفقراء الخاص، وبالأغنياء
العام، فلا يفهم حكم الفقراء من غير المهاجرين، فالأولى حمل الحديث على العموم، =
[٢٣٥١] جه: ٤١٢٣، تحفة: ٤٢٠٧.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٤٣١/٩).

٦٠٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ الكُوفِيّ، نَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدِ العَابِدُ
الكُوفِيّ، نَا الحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ اللّيْثِىُّ، عَنْ أَسِ، أنَّ رَسُولَ الله ◌ِ لَه قَالَ: ((اللَّهُمَّ
أُحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ»
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِمْ .....
الرواية، أو لا مفهوم للعدد، أو يقال: إن تفاوت المدد(١] بتفاوت أحوال الأغنياء
في غنائهم.
قوله: (قال: إنهم يدخلون الجنة) إلخ، هذه الفضيلة جزئية، والأغنياء
يفضلون على الفقراء بجهات[٢] أخرى،.
= وهو أن يراد به التكثير لا التحديد، أو أخبر أولاً بأربعين، ثم أخبر ثانياً بخمس مائة زيادة من
فضله على الفقراء ببركته ◌َ له، أو التقدير بأربعين خريفاً إشارة إلى أقل المراتب، وبخمس
مائة عام إلى أكثرها، ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد بلفظ: ((سبق
المهاجرون الناس بأربعين خريفاً إلى الجنة، ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف)). فالمعنى
أن يكون الزمرة الثالثة مائتين، وهلم جرًّا، أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء
في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم، وهو الأظهر المطابق لما في ((جامع الأصول))(١)
حيث قال: وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص، وأراد بالخمس
مائة تقدم الفقير الزاهد، ولا تظنن أن هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان النبيمح له جزافاً
ولا باتفاق، بل لسرِّ أدركه ونسبةٍ أحاط بها علمه، فإنه ◌ِّيّ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا
وحي يوحى، انتهى.
[١] بضم الميم جمع مدة، وهي برهة من الزمان، كما في ((المجمع))(٢).
[٢] من كثرة ثواب الصدقات والصلوات والأوقاف وبناء المساجد والمدارس وغيرها.
[٢٣٥٢] هب: ١٣٨٠، ق: ١٣١٥٢، تحفة: ٥١٩.
(١) ((جامع الأصول)) (٤ / ٦٧٢).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٦٩).

٦٠٥
أبواب الزُّهْد
بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أحِبِّي
الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيِهِمْ فَإِنَّ الله يُقَرِّبُكِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ.
٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا قَبِيصَةُ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َِّهِ:
فلم يترك[١] النبي ◌َّيّ هذه أيضاً وهو محرز فضل الغنى أيضاً.
[١] يعني أن سيد الكونين وسيد البشر وسيد الأنبياء كما كان محرزاً لفضيلة الفقر، كذلك لم
يترك فضائل الغنى من الشكر والسماحة، والصلة والبر، وغيرها، كما لا يخفى على من
طالع السير، قال صاحب ((الشفا))(١): لا يوازى في هذه الأوصاف ولا يبارى بهذا، وصفه
كل من عرفه، وروي عن جابر يقول: ما سئل النبي ◌ُّ عن شيء فقال لا، وعن ابن عباس:
كان النبي ◌َّ أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، الحديث مشهور. وقد
قال له ورقة بن نوفل قبل البعثة: إنك تحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وجاءه رجل فسأله
فقال: ((ما عندي شيء ولكن ابتع عليَّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه))، فقال له عمر: ما كلفك الله
ما لا تقدر عليه، فكره النبيل ذلك، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله وَل أنفق
ولا تخف من ذي العرش إقلالاً، فتبسم النبي ◌َّ وعرف البشر في وجهه، وعن أنس قال:
كان النبي وَل﴾ لا يدخر شيئاً لغد، وغير ذلك من الروايات الكثيرة الشهيرة التي لا يمكن
إحصاؤها، قال المناوي: وقد جمع الله لحبيبه بين مقام الفقير الصابر والغني الشاكر على
أتم الوجوه، فكان سيد الفقراء الصابرين والأغنياء الشاكرين، فحصل له من الصبر على
الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يقدر عليه غيره، فكان أصبر
الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تقدس كمل له مراتب
الكمال، انتھی.
[٢٣٥٣] جه: ٤١٢٢، حم: ٢٩٦/٢، تحفة: ١٥٠٢٩.
(١) ((الشفا)) (٢٣٠/١ - ٢٣٤).

٦٠٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
(يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأُغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ)".
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ
الْمُقْرِئُ نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَابِرِ الحَضْرَمِيّ، عَنْ جَابِرِ
ابْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه قَالَ: (يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ
أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيقًا)».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا الْمُحَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ
الجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ عَامٍ)).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٢٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَأَهْلِهِ
٢٣٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، نَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ،
٢٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ النَّبِيّ ◌ََّ وَأَهْلِهِ
أراد بيان إجابة دعائه الذي دعا بها من عيسه[١] سكيناً.
[١] هكذا في المنقول عنه، والظاهر ((من عيشه مسكيناً))، وهو إشارة إلى ما تقدم قريباً من دعائه وثلاثين:
((اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين))، الحديث.
[٢٣٥٤] حم: ٣٢٤/٣، تحفة: ٢٥٠٣.
[٢٣٥٥] انظر ما قبله، تحفة: ١٥٠٣٩.
[٢٣٥٦] م: ٢٩٧٤، بذكر الزيت بدل اللحم، تم: ١٤٨، تحفة: ١٧٦٢٧.

٦٠٧
أبوابُ الزُّهْد
عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَدَعَتْ لِي بِطَعَام
وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْعِكِيَ إِلَّ بَكَيْتُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَ؟ قَالَتْ:
أَذْكُرُ الحَالَ الّتِى فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ نَِّ الدُّنْيَا، وَالله مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ
وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنٍ فِي يَوْمٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ.
٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى
قُبِضَ.
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
قوله: (ما أشبع من طعام) إلا يحضرني البكاء إلا أني أضبطه، ولو شئت
أن أبكي لبكيت، وإنما قلنا: إنه يحضرها البكاء؛ لأن البكاء ليس اختيارياً إلا بعد
[1]
الحضور [١].
قوله: (مرتين في يوم) هذا لا يقتضي شبعه مرة حتى يخالف ما سيأتي من
الحدیث.
[١] وما أفاده الشيخ وجيه لأن قولها: ((فأشاء أن أبكي)) لا يتفرع إلا على هذا، وإليه أشار القاري
في (شرح الشمائل))(١) إذ قال: فأشاء أن أبكي بأن لا أدفع البكاء عن نفسي، انتهى.
[٢٣٥٧] خ نحوه: ٥٤١٦، م: ٢٩٧، جه: ٣٣٤٤، حم: ٤٢/٦، تحفة: ١٦٠١٤.
(١) ((جمع الوسائل)) (١/ ١٩٧).

٦٠٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، نَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ يَزِيدَ
ابْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ الله ◌َّهِ وَأَهْلُهُ
ثَلَاثًا تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ البُرِّ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٢٣٥٩ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ أَيِي بُكَيْرِ،
نَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَمَامَةَ يَقُولُ: مَا كَانَ
يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِوَلَه خُبْزُ الشَّعِيرِ.
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، نَاثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ هِلَالِ
ابْنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يَبِيتُ اللَّيَالِى
الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا(١) وَأَهْلُهُ لاَ يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ.
قوله: (ثلاثاً تباعاً (١) من خبز البر) هذا كالذي قبله في أنه لا يقتضي شبعه
يومين متتابعين.
[١] بكسر المثناة الفوقية وخفة موحدة، أي: ولاء، كذا في ((المجمع))(٢).
[٢٣٥٨] خ: ٥٣٧٤، م: ٢٩٧٦، جه: ٣٣٤٣، حم: ٤٢٤/٢، تحفة: ١٣٤٤٠.
[٢٣٥٩] حم: ٢٦٠/٥، تحفة: ٤٨٧٠.
[٢٣٦٠] جه: ٣٣٤٧، حم: ١ /٢٥٥، تحفة: ٦٢٣٣.
(١) قال في ((النهاية)) (١٤٦/٣): طوي من الجوع يطوى طَوىّ فهو طاوٍأي: خالي البطن جائع
لم یأکل.
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١/ ٢٥٣).

٦٠٩
أنْوَابُ الزُّهْد-
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ، نَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((اللَّهُمَّ
اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا))(١).
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ.
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ:
كَانَ النَّبِىُّ وَِّ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا غَيْرُ(٢) جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيّ وَّهِ مُرْسَلاً.
٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بْنُ
عَمْرٍو، نَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
مَا أَكَلَ رَسُولُ اللهِّ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ.
قوله: (على خوان)[١] هو ماله قوائم.
[١] قال القاري في ((شرح الشمائل))(٣): المشهور فيه كسر المعجمة، ويجوز ضمها، وهو =
وقوله: (مرققاً) هم ما يسمونه چپاتي.
[٢٣٦١] خ: ٦٤٦٠، م: ١٠٥٥، جه: ٤١٣٩، حم: ٢٣٢/٢، تحفة: ١٤٨٩٨.
[٢٣٦٢] حب: ٦٣٥٦، هب: ١٣٩١، تم: ٣٥٥، تحفة: ٢٧٣.
[٢٣٦٣] خ: ٥٣٨٦، جه: ٣٢٩٣، تم: ١٥٠، تحفة: ١١٧٤.
(١) ((قوتًا)) أي: بقدر ما يمسك الرمق من المطعم. وقيل: أي: كفاية من غير إسراف. ((مجمع
بحار الأنوار)) (٣٣٠/٤).
(٢) في هامش الأصل: في بعض النسخ: ((عن)) بدل ((غير)).
(٣) ((جمع الوسائل)) (١٩٦/١).

٦١٠
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ غَرِيبُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةً.
٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ
الحَنَفِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، نَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ
ابْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ،وَ لَّهِ النَّقِيَّ؟ يَعْنِي الحُوَّارَى(١)، فَقَالَ
سَهْلُ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ◌َّهِ النَّفِيَّ حَتَّى لَقِيَ الله، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ
مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بَلِّ؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ، قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ
تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ، ثُمَّ نُقَرِّيهِ فَنَعْجِئُهُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌ِ لَه
٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، نَا أَبِي، عَنْ بَيَانٍ،
قوله: (ما رأى رسول الله يَّله) النفي لعله مبالغة في نفي الأكل، ولا مانع من
الحمل على حقيقته.
[٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌ِ]
= المائدة ما لم يكن عليه طعام، والصحيح أنه اسم أعجمي معرب، ويطلق في المتعارف
على ما له أرجل ويكون مرتفعاً عن الأرض، واستعماله لم يزل من دأب المترفين وصنيع
الجبارین، لئلا يفتقروا إلى خفض الرأس عند الأكل، فالأکل علیه بدعة لکنها جائزة، انتهى.
[٢٣٦٤] خ: ٥٤١٠، جه: ٣٣٣٥، حم: ٣٣٢/٥.
[٢٣٦٥] خ: ٣٧٢٨، م: ٢٩٦٦، جه: ١٣١، تم: ٣٧٣، حم: ١٧٤/١، تحفة: ٣٩١٣.
(١) ((الحوارى)) بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، وهو ما بقي دقيقه من النخالة وما يعيبه،
وقيل: أي ما نخل مرة بعد أخرى حتى يصير نظيفًا أبيض، ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٩٦/٧).

٦١١
أبواب الزّهْد
عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: إِنّي لأَوَّلُ رَجُلٍ أَهْرَاقَ دَمًّا
فِي سَبِيلِ الله، وَإِنّي لأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْزُو
فِي العِصَابَةِ مِنْ أصْحَابٍ مُحَمَّدٍ ﴿﴿ مَا نَأكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالحُبْلَةَ(١)،
حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاهُ وَالبَعِيرُ(٢)،.
قوله: (أهراق دماً) إلخ، وقد كانت(١) وقعت قضية بين المؤمنين والكافرين
من أهل مكة، فشدخ سعد بن مالك رأس رجل منهم.
[١] قال القاري في ((شرح الشمائل))(٣): قوله: ((وما في سبيل الله)) أي: من شجّة شجّها لمشرك،
كما رواه ابن إسحاق: (٤) أن الصحابة كانوا في ابتداء الإسلام على غاية من الاستخفاء،
وكانوا يستخفون بصلاتهم في الشعاب، فبينما هو في نفر منهم في بعض شعاب مكة ظهر
عليهم مشركون وهم يصلون، فعابوهم واشتد الشقاق بينهم، فضرب سعد رجلاً منهم
بلحي بعير فشجّه، فكان أول دم أريق في الإسلام، وهكذا قال المناوي وزاد: ولم ينقل أن
سعداً أول من قتل نفساً في سبيل الله، ولو وقع لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي لنقله، انتهى.
قوله: (لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله)) قال ميرك: ذكر أكثر أهل السير أن أول غزوة
غزاها النبي ◌َّة الأبواء على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة يريد عيراً لقريش،
وروى ابن عائذ في مغازيه من حديث ابن عباس أن النبي و لل لما بلغ الأبواء بعث عبيدة بن
الحارث وعقد له النبي ◌ُّ لواء، وهو أول لواء، فلقوا جمعاً كثيراً من قريش، قيل: أميرهم
أبو سفيان، فتراموا بالنبل، فرمی سعد بن أبي وقاص بسهم، فكان أول من رمی بسهم =
(١) الحبلة بالضم وسكون الباء: ثمر السمر يشبه اللوبياء. وقيل: هو ثمر العضاه. ((النهاية))
(٣٣٤/١).
(٢) أراد أن نجوهم كان يخرج بعرًا ليبسه من أكلهم ورق السمر، وعدم الغذاء المألوف.
((النهاية)) (١٩٨/٥).
(٣) ((جمع الوسائل)) (١٩٤/٢ - ١٩٥).
(٤) ((سيرة ابن إسحاق)) (ص: ١٤٧).

الكَوَكَبُ الدُّرِّي
٦١٢
وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يُعَزِّرُونِي فِي الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذَنْ وَضَلَّ عَمَلِي.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ بَیَانٍ.
قوله: (بنو أسد) إلخ، والحق أنها قبيلة من قبائل أهل الكوفة، وصرح
المحشون[١] بخلافه، وقولهم وإن كان بعيداً لكنه ممكن.
قوله: (لقد خبت إذن) إذ كنت كما يزعمون من أني لا أحسن أصلي، فإن
مجاهداتي إذا كان كذلك كلها ضائعة.
= في سبيل الله، ذكره ميرك، وخالفه ابن حجر حيث قال: لم يقع بينهم قتال، قال القاري:
ومن المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا يبعد أن يكون المراد نفي القتال
المعروف، فلا ینافي رمي واحد من جانب، انتھی.
وقال الحافظ في (الفتح)) (١): كان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وكان القتال فيها أول
حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله مح ير في السنة
الأولى من الهجرة، فتراموا بالسهام، ولم يكن بينهما مسابقة، فكان سعد أول من رمى،
انتھی.
[١] فلفظ الحاشية: قوله: بنو أسد، أي: بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، انتهى. وهو
مأخوذ عن ((المجمع)) (٢) إذ قال: وكانوا أي بنو أسد وشوا إلى عمر أي: عابوه في صلاته،
وقيل: أراد به عمر إذهو من بني أسد، ن. (علامة للنووي في شرح مسلم)، أي: تعزرني بنو
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، انتھی.
لكن قال الحافظ في «الفتح»(٣): قوله: أصبحت بنو أسد بن خزيمة بن مدركة، وكانوا ممن
شكاه لعمر، ووقع عند ابن بطال أنه عرض في ذلك بعمر بن الخطاب، وليس بصواب، فإن
عمر من بني عدي بن كعب، ليس من بني أسد، ووقع عند النووي أسد بن عبد العزى يعني
رهط الزبير بن العوام، وهو وهم أيضاً، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٨٤/٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥٨٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٨٤/٧).

٦١٣
أَبْوَابَ الزَّهْد
٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَثَّارِ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
ءَ
أَبِي خَالِدٍ، ثَنِي قَيْسُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنّي أوَّلُ رَجُلٍ مِنَ
العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ ◌ّهِ وَمَا
لَنَا طَعَامُ إِلَّ الحُبْلَةَ وَهَذَا السَّمُرَ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاهُ، ثُمَّ
أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي فِي الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذَا وَضَلَّ عَمَلِي.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
وَفِي البَابِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ.
٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سِيرِينَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانٍ.
قوله: (ممشقان) المشق[١] هو الگیرو.
[١] وفسر المشق صاحب لغات ((الصراح)) (١) بِكَلٍ سرخ، وقال صاحب ((نفائس اللغات)):
گيرو: نوع از گل سرخ است بعرہی آنرا مکر -بفتح میم وسکون کاف-ومغرة گویند، وقال
القاري في ((شرح الشمائل)»(٢): ممشقان بفتح الشين المعجمة المثقلة، أي: مصبوغان
بالمشق بكسر فسكون، وهو الطين الأحمر، قاله العسقلاني، وقيل: هو المغرة(٣) بكسر
الميم، وقال المناوي: هو المغرة أو الطين الأحمر، انتهى.
[٢٣٦٦] انظر ما قبله.
[٢٣٦٧] خ: ٧٣٢٤، تم: ٧١، تحفة: ١٤٤١٤.
(١) ((الصراح)) (ص: ٣٩٢).
(٢) ((جمع الوسائل)) (١ / ١٢٤).
(٣) قال في ((تاج العروس)) (١١٦/٢): والمغْرَةُ، بِسكون الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَفتحهَا، وأَمّا
المیم مَفْتُوحَة فِي جمیعِ النُّسخ، انتھی.

٦١٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
مِنْ كَتَّانٍ، فَمَخَطَ فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ قَالَ: بَخْ بَخْ يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَانِ،
لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَخِرُ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِلَهُ وَحُجْرَةٍ عَائِشَةً مِنَ
الجُوعِ مَغِْيًّا عَلَيَّ، فَيَجِيءُ الجَائِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي يُرَى أَنَّ بِيَ
الجُنُونَ، وَمَا بِي جُنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا الجُوعُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ
نَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْجِ، ثَنِي أَبُو هَانِئِ الخَوْلَانِيُّ، أَنَّ أَبَا عَلِيّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ
الجَنْبِيَّ، أَخْبَرَهُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ
يَخِرُ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الخَصَاصَةِ، (١) وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّقَّةِ
وقوله: (من كتان) هو ما ينسج من (بياض)[١].
قوله: (يرى أن بي الجنون) فيضع(٢) وكانوا يعالجون بذلك مجانينهم.
[١] بياض في المنقول عنه، وقال المناوي: كتان بمثناة فوقيه مشددة وفتح الكاف معروف، قال
ابن دريد: هو عربي سمي بذلك لأنه يكتن أي: يسودّ إذا ألقي بعضه على بعض، انتهى.
قلت: هو نبات تنسج منه الثياب، قال المجد(٢): الكتان معروف ثيابه معتدلة في الحر
والبرد والیبوسة، ولا يلزق بالبدن، ويقل قمله.
[٢] قال القاري(٣): يضع رجله على عنقي، أي: ليسكن اضطرابي وقلقي، وقال المناوي: كانت
تلك عادتهم بالمجنون حتی یفیق، انتھی.
[٢٣٦٨] حم: ١٨/٦، تحفة: ١١٠٣٥.
(١) أي: الجوع والضعف. وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء. ((النهاية)) (٣٧/٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣١).
(٣) ((جمع الوسائل)) (١٢٥/١).

٦١٥
أبْوَابُ الزُّهْد
حَتَّى تَقُولَ الأَعْرَابُ: هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ(١) أَوْ مَجَانُونَ، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ الله ◌َِ
انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ الله لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً
وَحَاجَةً))، قَالَ فَضَالَةُ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ الله ◌ِّ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ.
٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ، نَا شَيْبَانُ
أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ لَّه فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدُّ،
فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟»
قوله: (خرجت ألقى [١] رسول الله وَلي) لم يذكر الجوع مع أنه كان جائعاً
أيضاً، ولعل جوعه قد صار[٢] منسيًّا برؤية جماله ێ،
[١] قال القاري في ((شرح الشمائل))(٢): أي: أريد اللقاء والنظر والتسليم عليه، وفيه إثبات نيات
متعددة في فعل واحد، وقال المناوي: فادى جوعه بألطف وجه، وكأن المصطفى ◌َلو أدرك
بنور النبوة أن الصديق يريد لقاءه في تلك الساعه، وخرج أبو بكر لما ظهر عليه بنور الولاية
أنه بَ لّ لا يحتجب منه في تلك الساعة، انتهى. وعلى هذا فما وقع في بعض الروايات من
ذكر الجوع في كلامه يحمل على قضية أخرى، انتهى.
[٢] ولا استبعاد في ذلك فقد قال الشاعر الهندي:
ياد سب بكم ين مج بحر ٤ مت ظالم
مچول چاما چوں مکر وچ کے مورت تیری
[٢٣٦٩] د: ٥١٢٨، جه: ٣٧٤٥، ن: ٤٢٠١، تم: ١٣٤، حم: ٢٣٧/٢، تحفة: ١٤٩٧٧.
(١) المجانين: جمع تكسير لمجنون، أما مجانون فشاذ كقراءة: تتلوا الشياطون. كذا في
((المجمع)) (١ / ٤٠٤).
(٢) ((جمع الوسائل)) (١٨٩/٢).

٦١٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللّه ◌َيَّةِ وَأَنْظُرُ فِى وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ
يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: ((مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟)) قَالَ: الجُوعُ يَا رَسُولَ الله،
قَالَ: ((وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَانْطَلِقُوا إِلَى مَنْزِلِ أبِي الهَيْئَمِ بْنِ التَّيْهَانِ
الأَنْصَارِيّ))، وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمُّ فَلَمْ يَجِدُوهُ،
فَقَالُوا لإِمْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ فَقَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ،
أو لم يذكره لما علم أنه مَ يه يتأذى لما وقف على تكليفه (١) وليس معه وَّل شيء
يشبعه ويطعمه، وبذلك[٢] يعلم تفرقة ما بين الشيخين.
قوله: (إلى منزل أبي الهيثم)(٣) وفيه جوازه إذا علم أن المضيف يرضى به
ويفرح ولا يسوؤه ذلك.
[١] قال الراغب(١): صارت الكلفة في التعارف اسماً للمشقة، والتكلف اسم لما يفعل بمشقة،
إلى آخر ما بسطه، فالظاهر أن المصدر في كلام الشيخ بمعنى المجهول.
[٢] أما في الصورة الأولى يعني إذا صار جوعه منسيًّا فظاهر؛ لأنه يدل على كمال عشقه رضي الله
عنه بمالك أزمة الحسن والجمال الظاهري والباطني، وأما في الصورة الثانية فكذلك أيضاً
إذ رجح احتمال تأذيه ◌َ الله على إظهار تكليفه، بخلاف الفاروق الأعظم إذ أظهر جوعه.
[٣] قال القاري(٢): اسمه مالك بن التيهان بتشديد التحتية المكسورة، وفي رواية عند الطبراني
وابن حبان في ((صحيحه)): أبي أيوب الأنصاري، فالقضية متعددة، وعلى كل ففيه منقبة
عظيمة لكل منهما إذ أَهَّلَهُ مَّ لذلك وجعله ممن قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]،
قال المناوي: قوله: ((الأنصاري)) نسب لهم لأنه حليفهم وإلا فهو قضاعي، ترهب قبل
هجرة المصطفى 18 إلى المدينة، أسلم وحسن إسلامه، وانطلاقهم إلى منزل هذا
الأنصاري لا ينافي كمال شرفهم، فقد كان له مال# مندوحة عن ذلك، ولو شاء لكانت جبال =
(١) ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: ٧٢١).
(٢) ((جمع الوسائل)) (١٨٩/٢).

٦١٧
أبْوَابُ الزُّهْد
وَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا (١)، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيََّ
وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ
إِلَى نَخْلَةٍ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ وَّهِ: ((أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟»
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّى أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا، أَوْ قَالَ: تَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ،
فَأْكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: «هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ظِلُّ بَارِدُ، وَرُطَبْ طَيِّبُ، وَمَاءُ بَارِدٌ)،
فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْئَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍ)،
فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا(٢) أَوْ جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأْگَلُوا،
قوله: (ولم يلبثوا) إلخ، أي: أوقفتهم وقالت لهم: أن لا يذهبوا فإنه آت عن
قريب، وفيه جواز (١) ذلك للنساء إذا علمن أن الزوج لا يغيره ذلك.
= تهامة تمشي معه ذهباً، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعزي الخلائق بهم، وأن يستن بهم
السنن، ففعلوا ذلك تشريعاً للأمة، وهل خرج ◌َالثّ قاصداً من أول خروجه إلى إنسان معين، أو
إنما جاء التعيين بالاتفاق؟ فيه احتمال، ثم رأيته في ((المطامح)) قال: الصحيح أن أول خاطر
حرّكه للخروج لم يكن إلى جهة معينة إذ الكمل لا يعتمدون إلا على الله عز وجل، انتهى.
[١] قال المناوي(٣): فيه حل سماع كلام الأجنبية مع أمن الفتنة وإن وقعت فيه مراجعة ودخول
منزل من علم رضاه بإذن زوجته حيث لا خلوة محرمة، وإذنها في منزل زوجها إذا علمت
رضاه، انتھی.
(١) قال في ((النهاية)) (٣٠٢/٢): أي: يتدافع بها ويحملها لثقلها، وقيل: زعب بحمله إذا
استقام.
(٢) هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. ((النهاية)) (٣١١/٣). والجَدْيُ من أولادِ المَعَزِ:
ذَكَرُها، جمعه: أجْدٍ وجِداءٌ وجِدْيانٌ، بكسرهما، «القاموس المحيط)» (ص: ١٢٦٩).
(٣) ((شرح الشمائل)) للمناوي (١٩٠/٢).

٦١٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَقَالَ النَِّّ ◌َ: (هَلْ لَكَ خَادِمُ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا)) فَأُتِيَ
النَّبِيُّ وََّ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثُ، فَأَتَاهُ أَبُو الهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ مَ: ((اخْتَرْ
مِنْهُمَا))، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (( إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنُ،
خُذْ هَذَا فَإِنِي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا)، فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْئَمِ إِلَى
امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغْ مَا قَالَ فِيهِ
النَّبِىُّ ◌َّهِ إِلَّ أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: هُوَ عَتِيقُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ اللّه لَمْ يَبْعَثْ
نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَائَةُ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ،
وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالاً(١)، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقٍَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ.
قوله: (فإني رأيته يصلي)[١] ولعله أسلم بعد الرق عند عامل النبي ◌َّ أو
عند مجاهدي الإسلام.
قوله: (بطانتان)[٢] الظاهر أن المراد بالبطانة نفسه، ولا يبعد أن يراد امرأته،
[١] والصلاة نور وبرهان، قال المناوي(٢): فيه أنه ينبغي للمستشار أن يبين سبب إشارته [بأحد
الأمرين] ليكون أعون للمستشير على الامتثال، وأنه يستدل به على خيرية الإنسان وأمانته
بصلاته، ﴿إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، انتهى. واحتاج
الشيخ إلى هذه الاحتمالات لأن إسلامهم قبل المَسْك يمنع الرق، كما صرح به أهل الفروع.
[٢] قال القاري(٣): بكسر أوله تثنية بطانة، وهي المحب الخالص للرجل، مستعار من بطانة
الثوب، وهي خلاف الظهارة، وبطانة الرجل صاحب سره الذي يشاوره في أحواله، شبه =
(١) أي: لا تقصر في إفساد حاله. ((النهاية)) (١/ ٦٣).
(٢) (شرح الشمائل)) (١٩٣/٢).
(٣) ((جمع الوسائل)) (١٩٤/٢).

٦١٩
أبواب الزُّهْد
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيٍْ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ خَرَجَ يَوْمًا وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ، فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ
شَيْبَانَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ وَأَظْوَّلُ، وَشَيْبَانُ ثِقَةُ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ كِتَابٍ.
٢٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، نَاسَيَّارُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةً قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ له الجُوعَ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِوَه
عَنْ حَجَرَیْنِ.
لكن لا يصح لكل بطانتان[١].
قوله: (عن حجر) بدل عن بطوننا بتضمين (٢] معنى الكشف.
= ببطانة الثوب، انتهى. قال صاحب ((المجمع)) (١): قوله: ((بطانتان)) أي: جلساء صالحون
وطالحون، والمعصوم من عصمه الله عزّ وجلّ من الطالحة. وقيل: أي نفس أمارة بالسوء
ونفس لوامة، والمعصوم من أعطي نفساً مطمئنة، أو لكلِّ قوةٌ ملكية وقوة حيوانية،
والمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه، انتھی.
[١] إلا أن يقال: إن التثنية باعتبار التنويع كما هو أحد الأقوال في توجيه قوله مَ له: ((إذا سافرتما
فأذنا وأقيما))، الحديث.
[٢] حكى القاري في ((شرح الشمائل))(٢) عن الطيبي: أن ((عن)) الأولى متعلق برفعنا بتضمين =
[٢٣٧٠] تحفة: ١٤٩٧٧.
[٢٣٧١] تم: ٣٧١، تحفة: ٣٧٧٣.
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٩٣).
(٢) ((جمع الوسائل)) (٢/ ١٨٧).

٦٢٠
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ:
سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامِ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ
نَبِيَّكُمْ بِّهِ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ(١) مَا يَمْلَأَ بِهِ بَظْنَهُ.
= معنى الكشف، والثانية صفة مصدر محذوف، أي: كشفنا ثيابنا عن بطوننا كشفاً صادراً
عن حجر حجر، فالتكرير باعتبار تعدد المخبر عنهم، قال: ويجوز أن يحمل التنكير في
حجر على النوع، أي: حجر مشدود على بطوننا فيكون بدلاً، وقال زين العرب: عن حجر
بدل اشتمال عما قبله بإعادة الجار كما تقول: زيد كشف عن وجهه عن حسنٍ خارقٍ،
ثم عادة من اشتد جوعه وخمص بطنه أن يشدّ حجراً على بطنه ليتقوم به صلبه، قيل:
ولئلا ينتفخ، وحكى صاحب ((الأزهار)) أن ذلك يخص أحجاراً بالمدينة تسمى المشبعة،
كأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع وحرارته، وتعقبه القاري، وفيه أقوال أخر
ذكرها المناوي.
ثم قال: فرفع رسول الله وَّل حجرين ليعلم صحبه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، لا أنه
فعل ذلك من شدة الجوع، فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ويدل لذلك ما جاء عن جمع
أنه كان مع ذلك لا يتبين عليه أثر الجوع أصلاً، وبهذا التقرير يعلم أنه لا حاجة إلى ما سلكه
ابن حبان من إنكار أحاديث وضع الحجر رأساً في قوله: إنها باطلة لخبر الوصال، وأن
الرواية إنما هي بالحجز بالزاي وهو طرف الإزار فتصحف، قال الحافظ ابن حجر: وقد
أكثر الناس من الرد عليه، انتهى. وجمع بينهما القاري بأن عدم الجوع خاص بالمواصلة،
انتھی.
[٢٣٧٢] م: ٢٩٧٧، ت: ١٥٢، حم: ٤ /٢٦٨، تحفة: ١١٦٢١.
(١) هو رديء التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون
منثورًا. ((النهاية)) (٢/ ١٢٧).