Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ أبْوَابُ العِلمْ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا (١) رِضَّا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمَا إِنَّمَا وَرَُّوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أُخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ». وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، وَلَّيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَصِلٍ، هَكَذَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشِ هَذَا الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّلَهِ، وَهَذَا أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ خِدَاشِ. قوله: (كفضل القمر على سائر الكواكب) فيه إشارة إلى أن المعتبر من العلم ما وافق الكتاب والسنة، فإن القمر نوره مستفاد من نور الشمس، وليس من عنده، فكذلك يجب أن يكون نور العلم في العالم مستفاداً من نور شمس الرسالة، وأيضاً ففيه إشارة إلى أن أحداً من أفراد الأمة وإن كان غاية في العلو فلا يساوي نبيه، فإن ما فيه من الأنوار مستفاد من الغير وعرض له وبالواسطة، وهو أصالة وبالذات لنبيه، فكان أدون منه. (١) لتكون وطاء له إذا مشى. وقيل: هو بمعنى التواضع له تعظيماً لحقه. وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران. وقيل: أراد به إظلالهم بها. ((النهاية)) (٣٠٥/١)، وقال الطيبي (٦٧٢/٢): يحتمل أن يكون حقيقة وإن لم يُشاهد، وأن يكون مجازاً عن التواضع، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم، انتهى مختصراً. ٢٦٢ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٦٨٣ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ أُشْوَعَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلَمَةَ الجُعْفِيِّ قَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَخَافُ أَنْ يُنْسِيَ(١) أَوَّلَهُ آخِرُهُ، فَحَدِّثْنِي بِكَلِمَةٍ تَكُونُ جِمَاعًا (٢)، قَالَ: ((اتَّقِ الله فِيمَا تَعْلَمُ)). هَذَا حَدِيثُ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، هُوَ عِنْدِي مُرْسَلُ، وَلَمْ يُدْرِكْ عِنْدِي ابْنُ أَشْوَعَ يَزِيدَ بْنَ سَلَمَةَ، وَابْنُ أَشْوَعَ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ أَشْوَعَ. ٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِمَّ: ((خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلَا فِقْهُ فِي الدِّينِ)). قوله: (حسن سمت(١) ولا فقه في الدين) والسبب في ذلك منة الله على عباده ودفع أنواع المفاسد عن بلاده، وهو أن عادة الله جارية بأن الخلق تتبع حسن الفعال وإن لم يكن فقيهاً، وكذلك كثيراً ما يرجعهم إليه المقرر واللسن وإن لم يكن [١] قال القاري(٣): أي خلق وسيرة وطريقة، وقال الطيبي (٤): هو التزبي بزيِّ الصالحين، وقال ميرك: السمت بمعنى الطريق أعنى المقصد، وقيل: المراد هيئة أهل الخير، والأحسن ما قاله ابن حجر إنه تحرّي طرق الخير، والتزبي بزي الصالحين مع التنزه عن المعايب الظاهرة والباطنة، وقوله: ((ولا فقه)) عطف بلا؛ لأن حسن سمت في سياق النفي، فلا لتأكيد المنفي المساق . = [٢٦٨٣] طب: ٢٤٢/٢٢/ ٦٣٣، تحفة: ١١٨٣٠. [٢٦٨٤] طس: ٨٠١٠، تحفة: ١٤٤٨٧. (١) في نسخة: ((أن ينسيني)). (٢) فى نسخة: ((جامعا)). (٣) («مرقاة المفاتيح)) (١ /٤٣٥). (٤) ((شرح الطيبي)) (٦٧٩/٢). ٢٦٣ أبْوَابُ العِلمْ هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هَذَا الشَّيْخِ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ العَامِرِيِّ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ العَلَاءِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ. متورعاً متصفاً بحسن السمت، وأما إذا جمع المرء هذين الوصفين، فهو غاية في كونه مرجعاً للأنام، ومعتقداً للخواص والعوام، فأما إذا فَقُهَ، ولم يتورع، ولم يجتهد في الطاعة، فأكثر الناس يُعرضون عنه، ويقولون: فلان ليس بشيء، أما ترى أنه يرتكب كذا وكذا من المعاصي، وكذلك إذا تورع واجتهد في إتيان العبادات والحسنات، واجتناب المعاصي والسيئات، فإنهم إذا لم يكن مع ذلك فقيهاً يقولون فيه: إنما هو جاهل مطلق لا حظّ له من العلم، أفترى أنه يصل إلى مقام، وإنه لا يحسن مسألة عن الزكاة، ما هو إلا مدحرة الشيطان، لا يعتمد بصلاته ولا بصيامه، ولا بركوعه وسجوده وقيامه، إلى غير ذلك، فلذلك لم يوفق الله لهذين منافقاً. = قال التوربشتي(١): حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل، وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبواباً منه ليتعزّز به ويتأكل به، فإنه بمعزلٍ عن الرتبة العظمى، لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه، قيل: ليس المراد أن إحداهما قد تحصل دون الأخرى، بل هو تحريض للمؤمنين على الاتصاف بهما، والاجتناب عن أضدادهما، وهو من باب التغليظ، انتهى. قلت: لا شك أن كمال الفقه ما يورث الخشية والتقوى، فقد قال النبي محمد ثر: ((من يرد الله به خيراً يفقّه في الدين))، قال القاري(٢): أي: أحكام الشريعة والطريقة والحقيقة، ولا يختص بالفقه المصطلح المختص بالأحكام الشرعية العملية، فقد روى الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك هل رأيت فقيهاً قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على = (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٠٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤١٠/١). ٢٦٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٢٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، نَا الوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ، ذَا القَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ الله رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدُ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَ هِ: ((إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَیْرَ)). هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ صَحِيحٌ. قوله: (أحدهما عابد) ويعلم الضروري من مسائل الصيام والصلاة إلى غير ذلك، لكنه لم يشتغل بالمزيد من العلم، إذ لو لم يعلم ذلك القدر أيضاً لما كانت عبادته معتدة بها. قوله: (والآخر عالم) [١] أي: ليس يشتغل بنوافل الصيام والصلاة، وإنما وقته بعد أداء الفرائض والسنن الرواتب مشغول في تعلم العلوم وتعليمها، إذ لو لم يأت بهذا القدر من العبادة لكان فاسقاً ﴿ كَمَثَلِ اُلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. = عبادة ربه، انتهى. لكن المراد في حديث الباب هو المعنى المصطلح المختص بالأحكام الشرعية كما يظهر من كلام الشيخ، ويدلّ عليه العطف وأصله المغايرة، ولفظ ((تجتمعان)) بالتثنية. [١] حكى صاحب ((المجمع)) (١) عن الشيخ علي المتقي: اتفق المحققون على أن أفضل الأعمال ما ينفع بعد موته، كالباقيات الصالحات الوارد في الكتاب العزيز، والسبعة الواردة في الحديث من تعليم، وإجراء نهر، وحفر بئر، وغرس نخل، وبناء مسجد، وترك مصحف أو = [٢٦٨٥] طب: ٧٩١١، ٧٩١٢، تحفة: ٤٩٠٧. (١) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٦٦٤/٣). ٢٦٥ أبْوَابُ العِلْ -_- سَمِعْتُ أَبَا عَمَّارِ الحُسَيْنَ بْنَ حُرَيْثِ الخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الفُضَيْلَ ابْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: عَالِمُ عَامِلُ مُعَلِّمُ يُدْعَى كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ. ٢٦٨٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ الشَّيْبَانِيُّ البَصْرِيُّ، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أبِي الهَيْئَمِ، عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَ لَّهِ قَالَ: (لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّهُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. قوله: (حتى يكون منتهاه الجنة) أي: حتى الموت، فإن منتهى تحصيله العلوم إنما هو الموت، لكنه عبر عنه بالجنة لما أن قبر المؤمن روضة من رياضها. = ولد، قال: ونشر العلم أفضلها فإنه أبقى، إذ مثل النخل والبئر يمحى بعد مدة، والعلم يبقى أثره إلى يوم الدين، قال: وله أسباب كتدريس، ووقف كتاب وإعارته، وإعطاء كاغذ، أو مداد، أو قلم، والعمدة فيه تعلیم عامي أو صبي الهجاء حتى يتفرع [علیه] علوم جمة، کغرس شجرة يتفرع عليه أغصان وأثمار، ومما يدل على فضل التعليم والتعلم حديث: فضل عالم يصلي المكتوبة ثم يجلس، الحديث، وغير ذلك من الروايات. قال: ثم رأيت كثيراً من الجهلاء المتصوفة يدّعون سلوك الطريق إلى الله، وهم ليسوا عليها، وينكرون التعلم والتعليم، ويمنعون أصحابهم عنهما، كأنهم أعداء العلم والعلماء، ولا يعلمون أنه يضرّ بإيمانهم، ويحتجون بكون النبي ◌َ لّ أميًّا ولا يعرفون أنه صاحب وحي ومعدن علم، وربما يحصل للجاهل بشغل ذكر أو اسم بعضُ صفاء، فيغترّ ولا يدري أن له آفات بغير علم كالحلول والاتحاد، وربما يحتج بعض الجهال بقول المشايخ: العلم حجاب الله الأكبر، ولا يدري أنه حجة عليه، فإن مثله بترك العلم بهذا كمثل من عشق شخصاً فأخبر بأنه وراء جدار فيقول: الجدار حجاب فيتركه، فانظر هل أحد أحمق منه، وكان يجب عليه أن يقطع الجدار، ويصل إلى المحبوب، وإنما وصفوه بالحجاب الأكبر لأنه يحتاج في قطعه = [٢٦٨٦] ك: ٧١٧٥، حب: ٩٠٣، ھب: ١١٧٦، تحفة: ٤٠٥٦. ٢٦٦ الكَوْكَبْ الدُّرِّي ٢٠١٠٦ ٢٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الوَلِيدِ الكِنْدِيُّ، نَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ ((الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)). قوله: (ضالة المؤمن) فإن[١] النفوس قد جبلت على الفطرة، وهي مبدأ لكل خير ومنشأ لكل حسنة، لكن كثافات البهيمية والدار الدنيوية منعتها عن ملاحظة إلى مشقة شديدة، كما قال أبو يزيد: عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت أشد من = العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، وأيضاً إنما يكون حجاباً لمن طلبه للتفاخر وحطام الدنيا، وأيضاً مثل من ترك العلم كشخص يدعي محبة أحد، فأرسل المحبوب إليه كتاباً يتضمن طريق وصوله إليه، وهو يطرح الكتاب ويظن أنه حجاب، فلا شك أنه ينسب إلى الحمق، فالقرآن والحديث وعلوم الدين تعرف طريق الوصول إلى الله. ثم اعلم أن العلم ظاهر وباطن، وللظاهر مقدمات كالفنون العربية، ومقاصد كالتفسير والفقه والحديث، والباطن علم الأخلاق كالإخلاص والتوكل والتواضع وغيرها، وضدها كالكبر ونحوها، وكل منها إما فرض عين أو فرض كفاية، ويطلب كل ذلك من مظانه، وبالله التوفيق، انتھی. [١] لله در الشيخ ما أجاد في توجيه إطلاق الضالة على الحكمة، وهذا أوجه مما ذكر الشراح من التوجيهات، قال القاري(١): قوله: ((ضالة الحكيم))، أي: مطلوبه، قال السيد جمال الدين: يعني أن الحكيم يطلب الحكمة، فإذا وجدها فهو أحق بها، أي: بالعمل بها واتباعها، أو المعنى أن كلمة الحكمة ربما تفوه بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من قائلها من غير التفات إلى خساسة من وجدها عنده، أو المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني، فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك الحقائق على من رزق فهماً، كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها، أو كما أن الضالة إذا وجدت مَضْيَعةً فلا تُترك، = [٢٦٨٧] جه: ٤١٦٩، تحفة: ١٢٩٤٠. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٣٣/١). ٢٦٧ أَبْوَابُ العِلمْ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَخْزُ ومِيُّ ضَعِيْفٌ فِي الحَدِيثِ تلك الفضائل، فنسجت عليها عناكب الذهول والنسيان، ولكن كلما وقف عليها باطلاع من غيره أيًّا ما كان فهو أحق بها لأنها كانت له، وإنما ذهبت من عنده لسوء اختياره وقلة تحفظه وتذکاره. = بل تُؤخذ ويتفحص عن صاحبها حتى تُرَدَّ عليه، كذلك السامع إذا سمع كلاماً لا يفهم معناه ولا يبلغ كُنْهَه، فعليه أن لا يضيعه وأن يحمله إلى من هو أفقه منه، فلعله يفهم أو يستنبط منه ما لا يفهمه، أو كما أنه لا يحلّ منع صاحب الضالة عنها فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى لا يحل له كتمانه إذا رأى في السائل استعداداً لفهمه، انتهى. أبوابُ الاسْتِنْدَانِ وَالآداب ٢٧١ .... (١). ٤٢ - أَبْوَابُ الْإِسْتِئْذَانِ وَالْآدَابِ عَنْ رَسُولِ الله ١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ صَلَا الله عَلـهِ صِـ ٢٦٨٨ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ له: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِلَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى ٤٠ - أبواب الاستئذان[١] والآداب عن رسول الله وَ له ١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ قوله: (لا تدخلوا الجنة) لعله نفي (٢) بصيغة النهي، وهكذا قوله: ((لا تؤمنوا)) والمراد بهما معناهما الإخباري لا الإنشائي، أو يقال: إن العرب تعامل بالنون معاملة حرف العلة [١] قال القاري(٢): بسكون الهمزة، ويبدل ياءً، معناه طلب الإذن، والأصل فيه قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيِّرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ الآيات [النور: ٢٧]، قال الطيبي(٣): وأجمعوا على أن الاستئذان مشروع، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان؟ والصحيح تقديم السلام، فيقول: السلام عليكم أدخل؟ انتهى. [٢] وبذلك جزم القاري إذ قال بعد البسط في اختلاف النسخ(٤): لعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم، وقال أيضاً: ولعل حذف النون للمجانسة والازدواج،= [٢٦٨٨] م: ٥٤، د: ٥١٩٣، جه: ٦٨، حم: ٣٩١/٢، تحفة: ١٢٥١٣. (١) زاد فى نسخة: ((بسم الله الرحمن الرحيم)). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٨٧/٨). (٣) ((شرح الطيبي)) (٣٠٥٥/١٠). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٥٧/٨). ٢٧٢ الكَوَكَبُ الُّرِّي تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)). وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ، وَشُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدِ الله ابْنِ عَمْرٍو، وَالبَرَاءِ، وَأَنَسِ، وَابْنِ عُمَرَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. ٢ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ السَّلَامِ ٢٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الْجَرِيرِيُّ (١) فتحذفها تحقيقاً كما في قوله تعالى: ﴿أَوَّلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيْنَتِ﴾ [غافر: ٥٠]، وقول الشاعر: ((ألم يك بيننا بلد بعيد))، ثم قوله: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا))، هذه المقدمة بديهية الثبوت مسلمة الفِرَقِ كلِّها، بقي الكلام في المقدمة التالية لها فنقول: لا ريب في أن الإيمان يوجب الحب بالإيمان، ثم بواسطته مودة المؤمنين والإخلاص معهم، ثم لذلك عوارض وموانع خارجية توجب زيادة تلك المودة أو نقصانها، ولذلك قلنا: لو قتل المؤمن من حیث إيمانه فَحَسْب ◌ُفْرٌ لکونه ارتکب ما هو مأمور بخلافه، فعلم بقتله أنه ليس له المحبة بالإيمان في درجة من الدرجات لا قليلة ولا كثيرة، وعلى هذا فوجب السعي في ازدياد هذه المودة التي هي مناط الإيمان الموقوف عليه دخول الجنة، فلذلك قال النبي ◌ّة: ((ألا أدلكم على أمر لو)) إلخ. [٢ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ السَّلَامِ] = والمعنى: لا تؤمنون إيماناً كاملًا حتى تحابوا بحذف إحدى التائين وتشديد الموحدة المضمومة، أي: حتی یحب كل منکم صاحبه، انتهى. [٢٦٨٩] د: ٥١٩٥، حم: ٤٣٩/٤، تحفة: ١٠٨٧٤. (١) في هامش الأصل: كذا في النسخة الدهلوية بالجيم، لكن في نسخة صحيحة بالحاء المهملة. ٢٧٣ أبْوَابُ الاسْتِئْذان وَالآدَاب - الْبَلْخِىُّ، قَالَا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّلَ هِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((عَشْرُ)، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلَّ: ((عِشْرُونَ)). ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَ لَّ: ((ثَلاثُونَ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَلِيٍّ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. ٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الإِسْتِئْدَانِ ثَلَاثُ ٢٦٩٠ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَن الجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُ؟ فقالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: قوله: (فقال النبي ◌َّالر: عشر) فإن الحسنة بعشر أمثالها. ٣- باب ما جاء في أن الاستئذان ثلاث قوله: (قال عمر: واحدة) لعله رضي الله تعالى عنه كان[١] مشتغلاً في مهمٍّ [١] كما ذكره الحافظ من رواية للبخاري(١): أن أبا موسى استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولاً، فرجع أبو موسى ففزع عمر، الحديث، وفي رواية لمسلم(٢) = [٢٦٩٠] خ: ٦٢٤٥، م: ٢١٥٣، د: ٥١٨٠، جه: ٣٧٠٦، حم: ١٩/٣، تحفة: ٤٣٣٠. (١) ((صحيح البخاري)) (٢٠٦٢). (٢) ((صحيح مسلم)) (٢١٥٣). ٢٧٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأُدْخُلُ؟ قَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانٍ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْبَوَّابِ: مَا صَنَعَ؟ قَالَ: رَجَعَ، قَالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ، قَالَ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: السُّنَّةُ، قَالَ: السُّنَّةُ؟ وَالله لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبُرْهَانٍ وَبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، قَالَ: فَأَتَانًا له، فأراد أن يدعوه إذا فرغ منه، فلم يفرغ منه إلا وقد ذهب أبو موسى لما لم يسمع بالإذن، و کان عمر رضي الله تعالی عنه مع اشتغاله بما کان قد کان تنبه بندائه حتی قال لغيره: إنه استأذن مرة واحدة، ويمكن أن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد أن يعمل بالسنة كما كان النبي ◌ّ فعل معه حيث أذن له بالدخول بعد ما استأذنه ثلاثاً، إلا أن أبا موسى لم يصبر بعد الثلاث فراح، فلما علم عمر رضي الله عنه بذهابه ردّه، وطلب منه العذر في الذهاب. فلو قال أبو موسى: إنه بدا لي أن أرجع لم يك له عليه سبيل، لكنه قال: عملت السنة أو امتثلت السنة، طلب منه شاهداً على كون ذلك سنة، لا لأن عمر رضي الله عنه لم يك يعتبر خبر الواحد كما زعمه(١) بعضهم، بل لما أن أبا موسى قد كان اتهم إذ ذاك، فإنه وإن كان صحابياً إلا أنه لم يك معصوماً، فلعله قال ذلك خشية = عنه قال: استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس فسلّمت ثلاثاً ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك، وجمع الحافظ بين مختلف ما روي عنه في هذا بأن عمر لما فرغ عن الشغل الذي كان فيه سأل عنه، فأخبر برجوعه، فأرسل إليه فلم يجده الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني. [١] قال القاري(١): إنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقاً، فالعلمان خير من علم واحد، لا للشك في صدق خبره عنده، وقال الطيبي(٢): تعلق بهذا الحديث من يقول: لا يحتج بخبر الواحد، = (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٨٨/٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٠/ ٣٠٥٥). ٢٧٥ أبْوَابُ الاسْتِئِذَان وَالآدَاب وَنَحْنُ رُفْقَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثٍ رَسُولِ اللهِ وَ له؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((الإِسْتِثْذَانُ ثَلَاثُ، فَإِنْ أَذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ))؟ فَجَعَلَ القَوْمُ يُمَازِحُونَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا أَصَابَكَ فِي هَذَا مِنَ العُقُوبَةِ فَأَنَا شَرِيكُكَ. قَالَ: فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا. وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأُمّ طَارِقٍ مَوْلَاةٍ سَعْدٍ. من الصولة العمرية، أو اجتهد برأيه فعبر عنه بالسنة لثبوته منها، ولئلا يجترئ كل أحد على بيان الحديث، إذا رأى أمثال هؤلاء الكرام الموثوقين بهم يطلب منهم البينة، وبذلك يعلم أن شهادة المتهم غير مقبولة، وأن الاستيثاق في الأخبار مستحسن. قوله: (ألستم أعلم الناس) أي: من أعلم الناس، أو المراد بالناس أكثرهم ممن لم يك ملازماً له مَله .. قوله: (ما أصابك) إلخ، لأني أرويها كما ترويها، وكان مزاح [١] الصحابة = وهو باطل، فإنهم أجمعوا على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به، ودلائلهم أكثر مما تحصى، وأما قول عمر فليس معناه رد خبر الواحد، لكن خاف مسارعة الناس إلى القول على النبي بَثّل بما لم يقل، كما يفعله المبتدعون والكذابون، وكذا من وقع له قضية وضع فيها حديثاً على النبي ◌َّة، فأراد سدّ الباب لا شكًّاً في روايته، ومما يدل على أنه لم يرد خبره لكونه خبراً واحداً أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر، لأن ما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، انتهى. [١] قال الحافظ(١): وفي رواية أبي نضرة فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ◌ُ ل قال: ((الاستئذان ثلاث)»؟ قال: فجعلوا یضحكون، فقلت: أتاكم أخو کم وقد اُفْزِعَ فتضحكون، انتھی. (١) ((فتح الباري)) (٢٨/١١). ٢٧٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالجُرَيْرِيُّ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ إِيَاسِ يُكْنَى أَبَا مَسْعُودٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا غَيْرُهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، وَأَبُو نَصْرَةَ العَبْدِيُّ اسْمُهُ: الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ. ٢٦٩١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، نَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ (١) عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، ثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ، ثَنِي ابْنُ عَبَّاسِ، ثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ لِّثَلَاثًا فَأَذِنَ لِي. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ. وَأَبُو زُمَيْلٍ اسْمُهُ: سِمَاكُ الحَنَفِيُّ. وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عِنْدَنَا عَلَى أَبِي مُوسَى حِيْنَ رَوَى أَنَّهُ قَالَ: ((الإِسْتِئْذَانُ ثَلَاثُ، فَإِذَا أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ))، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ثَلاثًا ـَآ الله فَأَذِنَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ـَّ أَنَّهُ قَالَ: (فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ)). ٤ - بَابُ كَيْفَ رَدُّ السَّلَامِ؟ ٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، نَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ الله رضي الله عنهم مثل أن قالوا: الآن فتضرب يا أبا موسى، إلا أن أبا سعيد كان أصغرهم فلم یکن ليسيء الأدب معه رضي الله عنه. [٤ - بَابُ كَيْفَ رَدُّ السَّلَامِ؟] [٢٦٩١] تقدم تخريجه في ٢٤٦١. [٢٦٩٢]خ: ٦٢٥١، م: ٣٩٧، د: ٨٥٦، جه: ١٠٦٠، تحفة: ١٢٩٨٣. (١) في نسخة: ((نا)). ٢٧٧ أبْوَابُ الاسْتِئْدان وَالآدَاب جَالِسُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ((وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ هَذَا الْحَدِيْثَ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ أَصَحُ. قوله: (وعليك، ارجع(١)) إلخ، فعلم (٢) جواز الرد بتلك الكلمة أيضاً. [١] بصيغة الأمر، وما أشار إليه المصنف من طول الحديث هو حديث مشهور في كتب الأحاديث بقصة صلاة المسيء، أخرجه أصحاب الروايات مختصراً ومطولاً، واستدل به الفقهاء على واجبات الصلاة من الاعتدال وغيره. [٢] لكن يشكل عليه أن الوارد في أكثر طرق هذا الحديث من روايات الصحاح: البخاري وأبي داود وغيرهما بلفظ: عليك السلام بتمام الكلمة، فالظاهر أن الاقتصار على قوله: وعليك من تصرف النساخ. نعم قال الحافظ(١) بعد ما بسط الروايات في الرد على الذمي بلفظ: عليك، أو: وعليك: استدل به على أن هذا الرد مخصوص بالكفار، فلا یجزئ في الرد على المسلم، وقیل: إن أجاب بالواو أجزأ وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد: إنه كاف في حصول معنى السلام لا في امتثال الأمر في قوله: ﴿فَحَيُواْبِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْرُدُوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وكأنه أراد الذي بغير واو، أما الذي بالواو فقد ورد في عدة أحاديث منها في الطبراني عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي ◌ُّث؛ فقال: سلام عليكم، فقال: وعليك ورحمة الله، وله في ((الأوسط)) عن سلمان: أتى رجل فقال: وعليك. قال الحافظ: لكن لما اشتهرت هذه الصيغة للرد على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم بها، وإن كانت مجزئة في أصل الرد، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر (٢): قال النووي: اتفق أصحابنا أن المجیب لو قال: عليك بغير واو لم يجز، وإن قال بالواو فوجهان، انتهى. قلت : = (١) ((فتح الباري)) (٤٦/١١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧/١١). ٢٧٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَبْلِيغِ السَّلَّامِ ٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الكُوفِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ زَگرِیًّا ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: ثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ لّ قَالَ لَهَا: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِتُكِ السَّلَامَ))، قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ. وَفِي البَابِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ، عَنْ أُبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا قُرَّانُ بْنُ تَمَّامِ الأَسَدِيُّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةً الرَّهَاوِيِّ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامٍِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله الرَّجُلَانِ يَلْتَقِيَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ؟ فَقَالَ: (أُوْلَاهُمَا بِالله)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. ٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ قوله: (أولاهما بالله) ومع ذلك فقد آذن النبي ◌َّ بما هو أدب كما سيجيء من أن = وقد أخرج أبو داود: ((ولا غرار في صلاة ولا تسليم))، وفسر بوجوه منها ما في ((المجمع(١)»: غرار التسليم قول المجيب: وعليك، ولا يقول: السلام، انتهى. [٢٦٩٣] خ: ٣٢١٧، م: ٢٤٤٧، د: ٥٢٣٢، ن: ٣٩٥٣، جه: ٣٦٩٦، حم: ٦/ ٥٥، تحفة: ١٧٧٢٧. [٢٦٩٤] د: ٥١٩٧، حم: ٢٥٤/٥، تحفة: ٤٨٦٩. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٩/٤). ٢٧٩ أبْوَابُ الاسْتِنْدَان وَالآدَاب قَالَ مُحَمَّدُ: أَبُو فَرْوَةَ الرَّهَاوِيُّ مُقَارِبُ الحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ ابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ رَوَى عَنْهُ مَنَاکِیرَ. الراكب يسلم على الماشي الحديث، فعلم أن محمل الحديث الآتي(١) هو ما إذا التقيا. [١] الظاهر أن فيه سقوطاً من الكاتب؛ لأن ما أفاده الشيخ هو محمل حديث الباب عند الشراح لا محمل الحديث الآتي، ويمكن أن يكون رأي الشيخ خلافاً للشراح، فيكون معنى كلامه أن مقتضى الحديث الآتي هو التفصيل وهو الأدب، لكن مع ذلك لو بدأ من ليس عليه البداية كان أكثر أجراً لحديث الباب، ويمكن تأويل كلام الشيخ إلى الشراح أيضاً بأن يراد بالحديث الآتي هو هذا الحديث المذكور هاهنا وإن كان بعيداً، لا حديث: ((الراكب يسلم على الماشي)). وتوضيح كلام الشيخ كما يخطر في البال أن ظاهر حديث الباب هو فضل من بدأ بالسلام أيًّا ما كان، راكباً كان أو ماشياً، صغيراً كان أو كبيراً، ومقتضى الحديث الآتي في باب تسليم الراكب هو الترتيب، فلعل الشيخ أشار بذلك إلى الجمع بينهما بأن محمل حديث الباب هو ما إذا التقيا معاً في حالة واحدة كأن يكونا ماشيين أو راكبين، ومحمل حديث الترتيب ما إذا لم يكونا متساويين. قال الحافظ (١) بعد ما بسط روايات الترتيب من تسليم القليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والمار على القاعد: أي: سواء كان المار ماشياً أو راكباً، وتبقى صورة لم تقع منصوصة، وهي ما إذا تلاقى ماران راكبان أو ماشيان. وقد تكلم عليه المازري فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدراً في الدين إجلالاً لفضله؛ لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع، وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة، فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما في حديث المتهاجرين من ((أبواب الأدب))(٢) للبخاري، وأخرج أيضاً في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح من حديث جابر قال: ((الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل))، وأخرج الطبراني(٣) بسند صحيح عن = (١) ((فتح الباري)) (١٦/١١). (٢) ((الأدب المفرد)) (٩٩٤). (٣) ((المعجم الكبير)) (٨٨٠)، و((المعجم الأوسط)) (٧٤٦٨). ٢٨٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ إِشَارَةِ اليَدِ فِي السَّلَامِ ٢٦٩٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِلَ لَّه قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ)). ٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِشَارَةِ اليَدِ فِي السَّلَامِ أي: مكتفياً بها مقتصراً عليها، فأما إذا كان التلفظ بلفظ التسليم أيضاً فلا(١)، وبذلك يعلم أن التصرف في شيء بالنقص والزيادة يخرجه عن التشبه. = الأغر المزني قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى السلام، والترمذي(١) من حديث أبي أمامة رفعه: ((إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام))، وقال: حسن، وأخرج الطبراني(٢) من حديث أبي الدرداء قلنا: يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: ((أطوعكم الله))، انتهى. كأنه أشار إلى أن محمل هذه الأحاديث هو التساوي، وإليه أشار العيني(٣) إذ قال: وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، انتهى. قلت: ويمكن الجمع أيضاً بأن الترتيب هو من الآداب لرعاية الحقوق، فلو بدأ بالسلام من لیس علیه البداية كان أحق بالأجر؛ لأن الإفشاء فيه مرغوب، وفعله یدل علی کونه أحرص على الإفشاء المقصود. [١] صرح بذلك الطحطاوي على ((المراقي)) قبيل باب ما يفسد الصلاة، إذ قال(٤): وفي رسالة المصافحة للشرنبلالي عن شيخ مشايخه الحانوتي: التحية بالركوع واسترخاء الرأس مكروهة [٢٦٩٥] طس: ٧٣٨٠، تحفة: ٧٨٣٤. (١) أخرجه الترمذي نحوه (٢٦٩٤)، واللفظ لأبي داود (٥١٩٧). (٢) ((مسند الشاميين)) (١٩٥٠). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٣٥/٢٢). (٤) ((حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح)) (ص: ٣٢٠).