Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ، نَا عَبْدُ اللهِ، نَا خَالِدُ أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِمَ له: «كَيْفَ أَنْعَمُ(١) وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَّقَمَ
القَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُحُ))، فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقْلَ عَلَى أَصْحَابٍ
النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا: ((حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ عَلَى الله تَوَكَلْنَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَطِيَّةَ،
عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ نَحْوَهُ.
(٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الصَّرَاطِ
٢٤٣٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهٍِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
((شِعَارُ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى الصِّرَاطِ، رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ)).
هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ.
٢٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ الصَّبَّاحِ الهَاشِمِيُّ، نَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، نَا
حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ الأَنْصَارِيُّ أَبُو الخَطَّابِ، نَا النَّضْرُ بْنُ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ
٩ - باب ما جاء في شأن الصراط
[٢٤٣١] حم: ٧/٣، تحفة: ٤١٩٥.
[٢٤٣٢] ك: ٣٤٢٢، طب: ١٠٢٦/٤٢٤/٢٠، ش: ٣٣٥٧٧، تحفة: ١١٥٣٣.
[٢٤٣٣] حم: ١٧٨/٣، تحفة: ١٦٢٤.
(١) قوله: ((كيف أنعم)) من النعمة بالفتح، وهي المسرة والفرح والترفه، أي: كيف أفرح وأتنعم،
قال الطيبي (١١/ ٣٤٩١): معناه: كيف يطيب عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور؟ فكنى
عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ
فیه، والله أعلم.
٢٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَلَّهِ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: (أَنَا فَاعِلُ))، قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيْنَ أَظْلُبُكَ؟ قَالَ: ((اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَظْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ))، قُلْتُ:
فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: ((فَاظْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ))، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ
عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: ((فَاظْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
قوله: (قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟) إلخ، هذا يخالف ما وقع في حديث(١)
عائشة: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً، ووجه الجمع أن المراد هاهنا غيره ◌َّةٍ،
ويمكن الجمع بينهما بأن هذا قبل الإذن وذاك بعده.
قوله: (أول ما تطلبني) أوليته ليست بأولية الزمان وإلا لزم تقدم الصراط على
[١] أخرجه أبو داود(١) بلفظ: ((فهل تذكرون نبيكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله بقوله: أما في ثلاثة
مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حتى
يعلم أين يقع كتابه، وعند الصراط))، انتهى مختصراً، وحكى الشيخ في ((بذل المجهود))(٢)
عن ((فتح الودود)): ظاهره عموم هذه الحالة للأنبياء أيضاً، بل ظاهر الكلام مسوق فيه چآ،
وكونهم على بينة من الله لا ينافيه، فإن غلبة الخوف تنسي حقيقة الأمر، انتهى. قلت: وشدة
خوفه ◌َ ل من ربه تعالى مما لا يخفى على من طالع كتب الأحاديث، فإنه ◌ّلة إذا رأى سحاباً
أقبل وأدبر مخافة العذاب، والأوجه عندي في الجواب أن عدم ذكر أحد في هذه المواضع
لا ينافي حديث الباب، فإنه ﴿ وإن كان على ثقة من نفسه، فإنه صاحب المقام المحمود،
لكن اشتغاله ◌َله بأمر الأمة وأحوالها وأهوالها أكثر من أن يذكر، والشفاعة لمن يحضر داخله
ويطلبه مما لا يشكل ولا ينكر، وحاصل الجواب الثاني من كلام الشيخ أن يحمل حديث
عائشة على ما قبل الإذن بالشفاعة، وحديث الباب على ما بعد الإذن بالشفاعة.
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٧٥٥).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٣ /١٨١).
٢٣
أبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة
(١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّفَاعَةِ
٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ (١)، نَا عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ، عَنْ
ءَ
أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو(٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ،وَ لَهُ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ
الميزان، والميزان على الحوض، والمصرح في الروايات خلافه (١)، بل المراد التقدم
بحسب الضرورة إليه ◌ِّلة وشدة الهول، فكأن المراد أن أولى مراتب فحصك إياي
وأشدّها احتياجاً إليّ هو الصراط، ثم بعد ذلك في الهول والشدة هو الميزان، ثم الحوض.
١٠ - باب ما جاء في الشفاعة (٣)
[١] فإن وقوفه معالي على الحوض يكون قبل الميزان كما تدل عليه الروايات منها ما تقدم قريباً من
حديث المرتدين على أعقابهم، وكذا الصراط يكون بعد الحساب والكتاب كلها، وحاصل
الجواب أن الأولية والترتيب باعتبار شدة افتقاره إلى الشفاعة، فالمعنى أفقر أوقاتك للشفاعة =
[٢٤٣٤] تقدم تخريجه فى ١٨٣٧.
(١) زاد في نسخة: ((ابن نصر)).
(٢) زاد في نسخة: ((ابن جرير)).
(٣) قال النووي (٣٥/٣): قال القاضي عياض: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها
سمعًا؛ لصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَِّدٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه: ١٠٩]،
وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر لصحة الشفاعة في الآخرة، وأجمع السلف
الصالحون ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا
بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار بقوله تعالى: ﴿فَانَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]،
وبقوله سبحانه: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ بُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وأجيب: بأن الآيتين في
الكفار، والمراد بالظلم الشرك، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها مختصة بزيادة الدرجات
فباطل، وألفاظ الأحاديث صريحة في بطلان مذهبهم، وإخراج من استوجب النار. والشفاعة
خمسة أقسام: أولها: مختصة بنبينا ◌َ لة، وهي الإراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب،
الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا وردت في نبينا ◌ِالثّ، الثالثة: الشفاعة لقوم =
الكَوْكَبُ الدُّرِي
٢٤
الذِّرَاعُ فَأَكَلَهُ وَكَانَ يُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً(١)، ثُمَّ قَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ
قوله: (أنا سيد الناس يوم القيامة) وارتباطه (١) بما قبله أن أكله {َ ﴾ بذلك كان
= والطلب الصراط، ثم الميزان، ثم الحوض، وقريب من كلام الشيخ ما حكى القاري عن
الطيبي(٢) إذ قال تحت قوله: ((فأين أطلبك)): قال الطيبي: أي: في أيِّ موطن من المواطن
التي أحتاج إلى شفاعتك أطلبك لتخلصني من تلك الورطة؟ فأجاب: على الصراط وعند
الميزان والحوض، أي: أفقر الأوقات إلى شفاعتي هذه المواطن، انتهى.
والأوجه عندي في الجواب أن وقوفه مَ ◌ّ؛ في هذه المواضع يكون مرات لا سيما على الصراط،
فيكون أولاً قبل الحساب والميزان وغيرهما كلها، كما تدل عليه أحاديث الشفاعة، فقد ذكر
الحافظ (٣) تحت حديث أنس الطويل في الشفاعة: قوله: ((فیأتوني فأستأذن ربي)»، وفي رواية
النضر بن أنس عن أبيه حدثني نبي الله وهي: «أني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذ جاء عيسى
فقال: يا محمد! هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم))، الحديث.
فأفادت هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام يكون أول ما يكون عند الصراط ينتظر الأمة.
[١] لله در الشيخ ما أجاد في الربط بينهما، ويحتمل أن يكون ذكره بي ليه ذلك لمجرد الإعلام =
استوجبوا النار، فيشفع فيهم نبينا مث ومن شاء الله تعالى، الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين،
=
فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا محّثة والملائكة وإخوانهم من المؤمنين،
ثم يخرج الله تعالى كل من قال: لا إله إلا الله، الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات لأهلها،
وهذه لا ينكرها أحد. هذا ما قاله الطيبي في شرح ((المشكاة))، وزاد الشيخ في ((اللمعات))
(٩/ ٥٠) خمسة أقسام أخر، أحدها: في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم
ليدخلوا الجنة، الثانية: في استفتاح الجنة، الثالثة: في تخفيف العذاب عمن يستحقه، الرابعة:
لأهل المدينة، الخامسة: لزائري قبره الشريف مقلي- على وجه الاختصاص والامتياز، والله أعلم.
((حاشية سنن الترمذي)) (٦٩/٢). وانظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٦٨/٨).
(١) في نسخة: ((فنهس منه نهسة))، كذا هو في نسخة صحيحة معتمدة، ويؤيدها النسخ الصحيحة
من ((المشكاة))، وهو ظاهر بحسب المعنى على ما قاله الطيبي وغيره: النهس بالمهملة: الأخذ.
((حاشية سنن الترمذي)) (٢/ ٦٩).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٦/١٠) و((شرح الطيبي)) (٣٥٤٢/١١).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٣٦/١١).
٢٥
أبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة
القِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ لِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ الله النَّاسَ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ
وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ (١) البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ،
مما ينكره (١) أهل الدنيا والمتكبرون بأنه يدل على الحرص وقلة الأدب، فرده ◌َّله بأن
كل سنتي فهو مشتمل لخيري الدنيا والدين، وإن كان ظاهره (٢) خلافاً، فهذا البيان
منه ◌َّ تنبيه على فضيلة سنته مَثّل بأنها سنة مثل هذا الرجل الذي هو سيد (٣) الأولين
والآخرين، وشافع أهل المحشر من بين المرسلين، فلا تكون إلا خيراً محضاً.
= والتبليغ، ووقوعه بوقت النهش اتفاقًّا، فإن القصة كانت في الدعوة كما في رواية للبخاري:
كنا مع النبي ◌ّ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها، وقال: أنا سيد الناس،
الحديث، وكان من دأبه معالي التبليغ والإعلام في المجامع.
[١] كما هو مشاهد في زمننا هذا أيضاً، فإنهم يعدون الأكل بالسكين ونحوه من الآداب في اتباع
النصارى.
[٢] أي: على سبيل التسليم والفرض، وإلا فالنهش لا مخالفة فيه بالآداب الظاهرة أو الأخلاق
الحسنة في الظاهر أيضاً، ولا عبرة بمن غلبت عليه الصفراء فيحسب الحلاوة مرًّا.
[٣] وقد قال مَالّ بقدر علو شأنه وارتفاع مقامه: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء
الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقّ عنه
الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر))، كذا في ((المرقاة))(٢) برواية الترمذي
وغيره عن أبي سعيد.
(١) قال في ((النهاية)) (٩١/٥): قال أبو حاتم: أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة، وإنما هو
بالمهملة: أي: يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم، من نفد الشيء وأنفدته، قيل:
المراد به ينفدهم بصر الرَّحمن حتى يأتي عليهم كُلِّهم، وقيل: أراد ينفدهم بصر النَّاظر لاستواء
الصعيد، وحمل الحديث على بَصر المبصِر أولى من حمله على بصر الرحمن؛ لأن الله يجمع
الناس يوم القيامة في أرض يشهد جميع الخلائق فيها محاسبة العبد الواحد على انفراده، ويرون
ما يصير إليه. وانظر: ((قوت المغتذي)) (٢/ ٥٩٠).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٨/١٠).
٢٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَتَحَمَّلُونَ(١)، فَيَقُولُ
النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَّا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ
إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ:
أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ
فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَمَا (٢) تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ
بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ آدَمُ: إِنَّ رَتِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ،
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي
٥
نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوجٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ
قوله: (فیبلغ الناس) مفعول(١) وفاعله الموصول بعده.
قوله: (فيقول الناس بعضهم لبعض: عليكم بآدم) إلخ، وإنما لم يلهمهم الله
أن يأتوا محمداً ◌َّ ليعلمهم فضله (٢) بَّ بأنه تحمّل ما لم يتحمله أحد من الأنبياء،
وأطاق ما لم يطقه أحد من المرسلين، ولذلك لم يعلمهم آدم صفي الله أن يأتوا
محمداً ێچ .
[١] أي: لفظ الناس مفعول ليبلغ، وفاعله لفظ ما لا يطيقون الآتي بعد.
[٢] وأيضاً فما يحصل بتحمل المشاق الكثيرة يكون ألذّ وأعلى منزلة وأرفع شأناً، مع ما في هذا
التدرج من المشاق التي تناسب يوم الحشر وعظمة شأنه، فقد حكى العيني (٣) عن الغزالي
أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف سنة، وكذا إلى كل نبي، حتى يأتوا نبينا مَّل، انتهى. وقال
الحافظ (٤): لم أقف لذلك على أصل، وقد أكثر من إيراد أحاديث لا أصول لها، انتهى.
(١) في أصولنا الخطية: ((وَلاَ يَحْتَمِلُونَ)).
(٢) في نسخة: ((ألا)).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢٢١/١٥).
(٤) ((فتح الباري)) (١١ / ٤٣٤).
٢٧
أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ،
أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ نُوحُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ
اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي
دَعْوَةُ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ الله وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ
الأرْضِ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ
اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كَذَبْتُ
ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي،
قوله: (وإنه قد كانت لي دعوة) إلخ، يعني (١) أني لا أستيقن بقبولها لو شفعت،
وذلك لأنه قد كانت لي دعوة مستيقن إجابتها، لكني دعوت بها على قومي فلم يبق،
فلا أشفع، أو المعنى أني لما دعوت على قومي فأهلكهم الله أخاف أن يسأل ربي لم
دعوت عليهم فماذا جوابي إذًا؟
قوله: (وإني قد كذبت ثلاث كذبات) إلخ، وهذه وإن لم تكن كذبات(٢) حقيقة،
[١] اختلفت الروايات في جوابه عليه السلام كما بسطها الحافظ في ((الفتح))، ففي حديث الباب
ما ترى، وفي حديث أنس عند البخاري: فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، وفي رواية
هشام: ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم، وفي حديث أبي هريرة: إني دعوت بدعوة أغرقت
أهل الأرض، وجمع الحافظ(١) بأنه اعتذر بأمرين: أحدهما نهي الله تعالى له أن يسأل ما
ليس له به علم، فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك، ثانيهما أن له دعوةً واحدةً
محققة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يجاب.
[٢] قال البيضاوي(٢): إحدى الكذبات المنسوبات إلى إبراهيم عليه السلام قوله: إني سقيم، =
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١١/ ٤٣٤).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤/ ١٤٢).
٢٨
الكوكبُ الُّرِّي
اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ
رَسُولُ الله فَضَّلَكَ الله بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ(١)، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ،
أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ
مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي
نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ:
يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوعُ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ
فِي الْمَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَتِّي
قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ
يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ
فَيَأْتُونَ(٢) مُحَمَّدًا فَ لَيَّ فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغُفِرَ
لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟
بل إيهاماً وتورية وهي جائزة، لكنه عليه السلام خاف بها أيضاً على نفسه، فإنما
حسنات الأبرار سيئات المقربين.
= وثانيتها قوله: بل فعله كبيرهم هذا، وثالثتها قوله لسارة: هي أختي، والحق أنها معاريض،
ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب، واستنقص من نفسه لها، فإن من
كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطراً، وأشد خشية، وعلى هذا سائر ما أضيف
إلى الأنبياء من الخطايا.
قال ابن الملك: الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره كما قيل: حسنات الأبرار سيئات
المقربين، كذا في ((المرقاة))(٣).
(١) في بعض النسخ: (البَشَرِ)).
(٢) في نسخة: (قَالَ: فَيَأْتُونَ)).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣١/١٠).
٢٩
أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ
وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ
رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي
يَا رَبِّ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدٌ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ البَابِ
قوله: (فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي) إلخ، هكذا(١) ذكره أصحاب السنن
والصحاح المتداولة بين أيدي علمائنا، والظاهر أن فيها هاهنا حذفاً وتركاً لم تذكره
الروايات بأسرها، وهو أنه مَ ل يشفع لهم في شفاعته بالحساب والخلاص من عرصة
المحشر، ثم يقول بعد ذلك في أمته ويلتمس منه سبحانه وتعالى أن يغفر لهم، فهذا
قوله: يا رب أمتي أمتي إلخ.
[١] وهكذا وقع في أكثر الروايات فقد أخرج البخاري حديث أنس في الشفاعة، ووقع في آخره:
((ثم أشفع فيحدّ لي حدًّا، ثم أخرجهم من النار))، قال الحافظ(١): كأن راوي هذا الحديث
ركب شيئاً على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب
الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، يعني وذلك إنما يكون بعد التحول
من الموقف والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة، وهو إشكال قوي.
وقد أجاب عنه عياض، وتبعه النووي بأنه وقع في حديث حذيفة بعد قوله: ((فيأتون محمداً
فيقوم فيؤذن له)) أي: في الشفاعة، ((وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط)) الحديث،
قال عياض: فبهذا يتصل الكلام لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب
الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج، ثم بسط الحافظ الروايات الدالة على ذلك، وقال بعد
ذكر الجمع في الموقف: الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم
حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه، قال: وبهذا تجتمع متون الأحاديث وتترتب
معانيها، فكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر. قلت: ويمكن الجواب أيضاً أنه مَ لّ لما
طلب تعجيل الحساب ليوم المحشر طلب أيضاً لأمته خاصة أدعية مخصوصة، كما هو ظاهر
دأبه وَ لّم من أدعيته العامة والخاصة الشاملة الكاملة، فعلى هذا يكون قوله مَ : ((يا رب أمتي
أمتي)) أحد الأدعية التي دعا بها في هذا الوقت ذكرها تطبيباً لقلوب أمته.
(١) ((فتح الباري)) (١١ / ٤٣٧).
٣٠
الكوكب الُِّي
الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ
قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ
مَكَّةَ وَهَجَرَ(١) وَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)).
وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ(٢)، وَأَنَسِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامٍِ، وَأَبِي سَعِيدٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ.
قوله: (كما بين مكة وبصرى)[١] ليس المقصود تحديده بل المراد تكثير طوله
وعرضه حيثما ورد [٢].
[١] بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة مقصورة: بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز،
هكذا في ((الفتح))، واختلفت الروايات في تقدير مسافة الحوض اختلافاً كثيراً بسطها الحافظ،
وحكى عن القرطبي أنه قال: ظن بعض القاصرين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطراب
وليس كذلك، ثم حكى الوجوه المختلفة في الجمع بينهما، منها ما أفاده الشيخ.
ومنها ما حكى عن القاضي عياض أنه من اختلاف التقدير؛ لأن ذلك لم يقع في حديث واحد
فيعدّ اضطراباً، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن
مختلفة، وكان ◌ِ لّ يضرب في كل منها مثلاً بعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة،
ويقرب ذلك للعلم ببعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض لا على إرادة المسافة المحققة،
ومنها ما قال النووي: إنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة.
وحاصله أنه أخبر أولًا بالمسافة اليسيرة، ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها، كأن الله تفضل
عليه باتساعه شيئاً بعد شيء، قلت: وهذا الكلام في الحقيقة يتضمن ثلاث توجيهات كما لا
يخفى، ومنها ما حكى الحافظ عن بعضهم أنه جمع الاختلاف بتفاوت الطول والعرض،
ورده بما ورد [في حديث عبد الله بن عمر] زواياه سواء، ومنها ما جمع بعضهم باختلاف
السير البطيء والسريع، قال الحافظ(٣): وهو أولى ما يجمع به، انتهى.
[٢] يعني حيثما ورد بيان مسافة الحوض، فالمراد فيه التكثير لا التحديد، وهو إشارة إلى الاختلاف
المذكور الوارد في بيان مسافة الحوض.
(١) في نسخة: ((حمیر)).
(٢) زاد في نسخة: ((الصِّدِّيقِ)).
(٣) (فتح الباري)) (١١ / ٤٧١ -٤٧٢).
٣١
أبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة
(١١) بَابٌ مِنْهُ(١)
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا العَبَّاسُ العَنْبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ،
عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ ﴾: (شَّفَاعَتِي لَأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)».
وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
[١١ - بَابٌ مِنْهُ]
قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر) إن كان المراد بالشفاعة شفاعة (١] مغفرة
المعاصي والسيئات، فلا غرو في حمل اللام للاختصاص، فإن أهل اللمم تغفر
لممهم بحسناتهم ومصائبهم الدنيوية، وبما كابدوا في عرصات الحشر، فلا يحتاجون
إلى شفاعة، وإن أريد بها المعنى الأعم من رفع المعاصي ورفع الدرجات، فالمعنى
أن الشفاعة لأهل الكبائر أيضاً كما أنها لأهل الصغائر.
[١] قال القاري(٢): الشفاعة خمسة أقسام: أولها: مختصة بنبينا نَّث، وهي الإراحة من هول
الموقف وتعجيل الحساب، الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت
في نبينا محدثة، الثالثة: الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم النبي محمدل﴾. ومن شاء الله،
الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا
والملائكة وإخوانهم من المؤمنين، الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها،
وهذه لا تنكرها، انتهى. أي: هذه الأخيرة لا تنكرها المعتزلة وغيرهم أيضاً، فإنهم أوّلوا
أحاديث الشفاعة إلى هذا النوع، وحديث الباب يرد عليهم.
=
[٢٤٣٥] د: ٧٤٣٩، حم: ٢١٣/٣، تحفة: ٤٨١.
(١) ثبت في نسخة.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٠/١٠).
٣٢
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، نَا أَبُو دَاوُدَ الطََّالِسِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَيّ: ((لشَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَقَالَ
لِي جَابِرٌ: يَا مُحَمَّدٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ؟.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ زِيَادٍ الأَلْهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ:
((وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ،
مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي))(١).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ.
٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ،
عجيبة: حكاها النووي في كتاب ((الأذكار)) عن بعضهم أنه قال: لا يقل: اللهم ارزقنا شفاعة
=
النبي ◌َّ فإنها لمن استوجب النار، وهذا جهل وباطل رده النووي والقاضي عياض مع أن
شفاعته ◌َ ليه لأقوام في دخولهم الجنة بغير حساب، ولأقوام لزيادة الدرجات، هذا وكل عاقل
معترف بالتقصير محتاج إلى العفو مشفق من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو
بالمغفرة أيضاً فإنها لأصحاب الذنوب، رزقنا الله تعالى شفاعة نبيه ووسيع رحمته.
[٢٤٣٦] جه: ٤٣١٠، تحفة: ٢٦٠٨.
[٢٤٣٧] جه: ٤٢٨٦، حم: ٢٦٨/٥، تحفة: ٤٩٢٤.
[٣٤٣٨] جه: ٤٣١٦، حم: ٤٦٩/٣، تحفة: ٥٢١٢.
(١) قال القاري في ((المرقاة)) (٣٥٣٠/٨): قال شارح: الحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان =
٣٣
أَبْوَابٌ صِفَة القِيَامَة
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَهْطِ بِإِيلِيَاءَ، فَقَالَ رَجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَ لَيّيَقُولُ: ((يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ))،
قوله: (بشفاعة رجل من أمتي) إلخ، أي: خارج(١) من الطائفة التي يقال لها
إنها أمة محمد بَّة، فيمكن أن يكون هذا الرجل محمد مَّ، فإنه داخل فيمن قام
بهذه الجهة، وكثيراً ما يقال: خرج منا رجل ويريد به المتكلم نفسه، فكذلك فهم
الصحابة رضوان الله عليهم هاهنا أيضاً أن النبي ◌َّ لعله عنى بالرجل نفسه فصح
سؤالهم بقولهم: سواك؟ ويمكن أن يقال: كما أن الشهادة برسالته مَثّة واجبة على
أمته، فكذلك الاعتقاد برسالته ◌َّية واجبة على نفسه النفيسة أيضاً، وبهذا المعنى لا
يبعد عدّه نفسه ◌َ ثّ من أمته لكونه من المؤمنين برسالته، ثم هذا الرجل لم يتعين (٢]
[١] هذا جواب عن إشكال يأتي في كلام الشيخ نفسه، وتوضيح ذلك أنه ممثل لما قال: ((بشفاعة
رجل من أمتي) فكان الظاهر من هذا السياق كون الرجل غيره مثّة، فكيف سأل الصحابة
رضوان الله عليهم أجمعين يا رسول الله سواك؟ مع أن الصحابة أهل اللسان وأهل العرفان،
فسؤالهم هذا بظاهره عبث، وأجاب الشيخ عن هذا الإشكال بجوابين، مآلهما أن لفظ رجل
كان محتملاً لشموله ◌َ لّه بوجهين: الأول: أن لفظ الأمة قد يطلق على مجرد الطائفة فيدخل
فيها رئيس الطائفة أيضاً، والثاني: أنه بُ ◌ّ من حيث إن الإقرار برسالته واجب عليه أيضاً داخل
في أمة محمد، وبهذين الاعتبارين كان دخوله مَّ في مصداق هذا الرجل محتملاً، فلذا سأل
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ما سألوا، ولما كان الظاهر منه أن يكون هذا الرجل غيره
عبروا بهذا العنوان وقالوا: سواك يا رسول الله؟ ولعل الباعث لهم على اعتبار هذا الاحتمال
استبعادهم شفاعة غيره مثل لمثل هذه الجماعة الكثيرة الكبيرة.
[٢] ولذا اختلفت الأقاويل في ذلك، قال القاري(١): قيل: هو عثمان بن عفان، وقيل: أويس القرني،=
= بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير، ثم تستعار لما يعطى من غير تقدير، وإضافة الحثيات
إلى ربه تعالى للمبالغة في الكثرة، قال صاحب ((النهاية)): الحثيات كناية عن المبالغة والكثرة،
وإلا فلا کف ثمة ولا حتي، جل الله عن ذلك.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠/ ٢٧٢).
٣٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
قِيلَ: يَا رَسُولَ الله سِوَاكَ؟ قَالَ: ((سِوَايَ))، فَلَمَّا قَامَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا
ابْنُ أَبِي الجَذْعَاءِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ.
وَابْنُ أَبِي الْجَدْعَاءِ هُوَ: عَبْدُ اللهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَذَا الحَدِيثُ الْوَاحِدُ (١).
٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ
أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ
يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ.
من هو، والحديث الآتي المكتوب في الحاشية نصًّا في [١] كون المراد بهما واحداً.
قوله: (فلما قام) أي: الرجل الذي كان يحدث (قلت: من هذا؟) أي: من هذا
= وقيل: غيره، قال زين العرب: وهذا أقرب، انتهى. قلت: لعل مستند من قال هو عثمان الحديث
الآتي، ومن قال بأويس ما في ((المرقاة)» برواية ابن عدي عن ابن عباس: سيكون في أمتي رجل
يقال له: أويس بن عبد الله القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر، انتهى.
[١] عبارة المنقول عنه محرفة مشكوكة، والظاهر: ليس نصًّا في كون المراد إلخ.
[٢٤٤٠] حم: ٢٠/٣، تحفة: ٤١٩٧.
(١) زاد في نسخة بهامش الأصل:
٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ حُسَيْنِ
ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((يَشْفَعُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ رضي الله
عنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمِثْلِ رَبِيعَةً وَمُضَرَ)). قلت: ((حُسَيْن بْن أَبِي جَعْفَرٍ)) كذا في الأصل، وفي بعض
النسخ: ((جِسْر أبي جعفر))، وهو جسر بن فرقد أبو جعفر بصري، قال البخاري في ((التاريخ
الكبير)) (٢٤٦/٢): عن الحسن، وليس بذاك، وقال الدار قطني: متروك.
٣٥
أَبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
٢٤٤١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ،
عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: (أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِي
فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ(١) نِصْفَ أُمَّتِي الجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ،
وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئًا)).
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيجِ، عَنْ رَجُلٍ آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّلَ ◌ّهِ عَنِ
النَّبِيِّ ◌ِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ.
(١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الحَوْضِ
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ أبِي حَمْزَةَ، ثَنِي
أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((إِنَّ فِي حَوْضِي
مِنَ الأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
المحدث، وقائل هذا القول هو عبد الله (١) بن شقيق.
[١] كما تدل عليه رواية ابن ماجه(٢) بسنده إلى عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء أنه سمع
النبي ◌َّ يقول: ((ليدخلن الجنة)) الحديث، ولا يذهب عليك أنهم اختلفوا في ضبط الجدعاء
هل هو بالدال المهملة كما في رجال ((جامع الأصول))(٣) أو المعجمة كما في ((التقريب)) (٤).
[٢٤٤١] جه: ٤٣١٧، حم: ٢٨/٢، تحفة: ١٠٩٢.
[٢٤٤٢] خ: ٦٥٨٠، م: ٢٣٠٣، حم: ٢٢٥/٣، تحفة: ١٥٠٣.
(١) قال القاري في ((المرقاة)) (٣٥٦٨/٨): بفتح الياء وضم الخاء على ما في الأصول المعتمدة،
وفي نسخة صحيحة بصيغة المجهول، وفي أخرى بضم أوله وكسر الخاء، على أن الفاعل
هو أو الملك مجازًا، انتھی.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٤٣١٦).
(٣) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٥٦٧).
(٤) ((تقريب التهذيب)) (٤٢٤٧).
٣٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نِيْزَكَ البَغْدَادِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَطَّارِ
الدِّمَشْقِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةً قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَ ◌ّ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ حَوْضًا (١) وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي
أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ(٢).
وَقَدْ رَوَى الأَشْعَتُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الحَسَنِ، عَنِ
النَّبِّ ◌َ ◌ِّ مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ سَمُرَةَ وَهُوَ أَصَحُ.
(١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ أَوَانِي الحَوْضِ
٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ صَالِحِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ
مُهَاجِرٍ، عَنِ العَبَّاسِ، عَنْ أَبِي سَلَّامِ الحَبَشِيِّ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ
العَزِيزِ فَحُمِلْتُ عَلَى البَرِيدِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ شَقَّ
١٣ - باب ما جاء في صفة أواني الحوض[١]
[١] قال العيني(٣) تحت قول البخاري: باب في الحوض وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]: قد اشتهر اختصاص نبينا ◌َّ بالحوض، لكن أخرج الترمذي من =
[٢٤٤٣] طب: ٦٨٦١، تحفة: ٤٦٠٣.
[٢٤٤٤] جه: ٤٣٠٣، حم: ٢٧٥/٥، تحفة: ٢١٢٠.
(١) قال في ((اللمعات)) (٩/ ٩٠): قال الطيبي (٣٥٤٢/١١): يجوز أن يحمل على ظاهره، وأن
يحمل على المجاز ويراد به العلم والهدى، ولا خفاء في أن النصوص محمولة على ظاهرها
ما لم يصرف عنه صارف، ولا ندري أي صارف هنا يصرف عن حمله على ظاهره ويدعو إلى
التأويل بالعلم والهدى، كما جوزه الطيبي، ومجرد الاحتمال غير كاف، والله أعلم.
(٢) في نسخة: ((حسن غريب)).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٣٦/٢٣).
٣٧
أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
عَلَيَّ مَرْكَبِي البَرِيدَ(١)، فَقَالَ: يَا أَبَا سَلَّامٍ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ وَلَكِنْ
بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثُ تُحدِّثُهُ عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النّبِيّ ◌َِّ فِي الْحَوْضِ، فَأَحْبَبْتُ
أَنْ تُشَافِهَنِي بِهِ، قَالَ أَبُوسَلَّامٍ: حَدَّثَنِي ثَوْبَانُ، عَنْ رَسولِ اللهِ نَّهِقَالَ: ((حَوْضِي
مِنْ عَدَنَ إلى عَمَّانِ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ،
قوله: (ما أردت أن أشق عليك) في الجواب اختصار، ولذلك ترى أنه لا
يطابق السؤال، والمقصود أن اشتياقي إلى سماع الحديث لم يتركني أنتظر مركباً
غيره فعجلت في إرساله فاعف (١) عني عفا الله عنك.
قوله: (عمان البلقاء) بفتح العين (٢) وتشديد الميم، وإضافتها إلى البلقاء، وهي
مدينة هناك للاحتراز عن عمان بضم العين وتخفيف الميم، وهي بالبحرين.
حديث سمرة رفعه: ((أن لكل نبي حوضاً))، واختلف في وصله وإرساله، والمرسل أصح،
=
فالمختص بنبينا # الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وقد
أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، وهؤلاء ضلّوا في ذلك وخرقوا إجماع السلف،
ورويت أحاديث الحوض عن أكثر من خمسين صحابيًّا، ثم عدّ أسماءهم.
[١] ويؤيد اعتذار عمر بن عبد العزيز سياق ابن ماجه(٢) بسنده إلى أبي سلام قال: بعث إليّ عمر
ابن عبد العزیز فأتیته علی برید، فلما قدمت علیه قال: لقد شققنا عليك يا أبا سلام في مرکبك،
قال: أجل والله يا أمير المؤمنين، قال: والله ما أردت المشقة عليك، ولكن حديث إلخ.
[٢] قال الحافظ في ((الفتح))(٣): وقع في حديث ثوبان: ((ما بين عدن وعمان البلقاء)»، ونحوه
لابن حبان عن أبي أمامة، وعمان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم للأكثر، وحكي تخفيفها،
وتنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها قاف وبالمد: بلدة
معروفة من فلسطين، انتهى. وذكر الحافظ هذا في ذيل الروايات التي وقع فيها تحديد مسافة
الحوض بنحو مسيرة شهر، وقال أيضاً قبل ذلك في ذيل الروايات التي وقع فيها التحديد =
(١) قال الطيبي (٩/ ٢٧٥٣): البريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أي: بريدة دم، انتهى.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٤٣٠٣).
(٣) ((فتح الباري)) (١١ / ٤٧١).
٣٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٥
وُرُوداً عَلَيْهِ فُقْرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رُؤُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ
الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ)).
وَأَكْوَابُه عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً، أَوَّلُ النَّاسِ
قَالَ عُمَرُ: لَكِنِّى نَكَحْتُ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَفُتِحَتْ لِيَ السُّدَدُ، وَنَكَحْتُ
فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ، لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أَغْسِلُ
ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يََّّسِخَ.
قوله: (الشعث رؤوسا، الدنس ثياباً) ظاهره ينافي ما ورد من النهي (١) عن بقاء
الرجل كذلك، بل أمرهم النبي ◌َّة بإزالة الشعث والدنس ما أمكن، والجواب (٢) أن
هذا بيان لإفلاسهم، وإعوازهم الحطام الدنيوية حتى إنهم بعد تكلفهم في إزالتها،
وتجشمهم الإتيان ما أمروا به لا يبقون إلا شعثاً دنساً.
قوله: (حتى يشعث) شعثاً لا يدخل تحت النهي، وكذلك قوله: (حتى يتسخ)
بنحو شهر: وحديث أبي ذر ما بين عمان إلى أيلة، وعمان بضم المهملة وتخفيف النون (كذا
=
في الأصل والظاهر الميم): بلد على ساحل البحر من جهة البحرين، انتهى. فعلم بذلك أن
الواقع في أحاديث الحوض ذكر العمانين معاً، لكن المراد في حديث الباب الأول، واشتبه
على بعض الشراح، ففسر إحداهما بالأخرى كما يظهر من كلام القاري وغيره.
[١] فقد أخرج أبو داود(١) برواية جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله وج ◌ّه فرأى رجلاً شعئاً قد
تفرق شعره، فقال: «أما کان هذا يجد ما یسگّن به شعره))، ورأی رجلاً آخر وعليه ثياب
وسخة فقال: ((أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه))، وأخرج برواية أبي الأحوص عن أبيه قال:
أتيت النبي ◌َّ في ثياب دُونٍ فقال: ((ألك مال؟)) قال: نعم، الحديث، وفيه قال: ((فإذا آتاك الله
مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته))، وفي الباب عدة روايات أخر.
[٢] ويمكن الجواب أن المراد في حديث الباب من ترك التزين تواضعاً لله، فقد ورد في أبي داود(٢)
وغيره مرفوعاً: ((من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعاً كساه الله حلة الكرامة)) الحديث.
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٠٦٢، ٤٠٦٣).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٧٧٨).
٣٩
أبْوَابُ صِفَة القِيَامَة
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ مَعْدَانَ
ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِّلَ ◌ّهِ وَأَبُو سَلَّامِ الحَبَشِيُّ اسْمُهُ: مَمْطُورُ.
٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ العَمِّيُّ عَبْدُ العَزِيزِ
ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، نَا أَبُو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أبِي ذَرِّ
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا آنِيَةُ الحَوْضِ؟ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ
مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُصْحِيَةٍ مِنْ آنِيَةِ الجَنَّةِ، مَنْ
شَرِبَ مِنْهَا (١) لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عُمَانَ إِلَى أَيْلَةَ،
مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ)).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبُ.
كأنه أتى بما كان في اختياره، وأما هما(١) فلم يكونا في اختياره، فإن تعظيم الرجال
لامرئ، وقبولھم له لو خطب بناتھم أمر لیس وسعه.
قوله: (ما آنية) لما لم يكن (٢) لهم رضي الله عنهم تفتيش عن حقائق الأشياء
[١] أي: النكاح وفتح السدد لما كانا يتعلقان بغيره، فليس له فيهما مدخل ولا اختيار، نعم الأمران
اللذان كانا في اختياره اختارهما عملاً بالحديث والبشارة، ولم يدخل تحت النهي لما أنه
اختارهما تواضعاً وهضماً لنفسه وتشبهاً بالسابقين وروداً إلى الحوض، وإنما الأعمال بالنيات.
[٢] دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث، وحاصله أن السؤال بلفظ ((ما)) يكون عن حقائق الأشياء
كما عرف في محله، وعلى هذا فالجواب لا يطابق السؤال، وحاصل الدفع أن الصحابة
رضي الله عنهم أجمعين لا يتصدون حقائق الأشياء كما هو معروف من دأبهم، بل جل أسئلتهم
تكون من أوصاف الشيء وعلاماتها، ولفظ ((ما)) قد يسأل به عن صفة الشيء أيضاً، فجوابه
وَليل بأنها تكون من آنية الجنة كاف في بيان الصفة، وهو جواب سؤالهم، ثم زاد النبي ◌َّ
بیان عددها أيضاً تکمیلاً للإفادة، فلله در الشیخ ما أجاد.
[٢٤٤٥]م: ٢٣٠٠، حم: ١٤٩/٥، تحفة: ١١٩٥٣.
(١) زاد في نسخة: ((شَرْبَةً)).
٤٠
الكوكبُ الدُّرِّي
وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي بَرْزَةً
الأَسْلَمِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَالمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ.
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴾ (١): ((حَوْضِي كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ إِلَى
الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)).
(١٤) بَابُ
٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَبْدُ الله بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، نَا عَبْثَرُ بْنُ
القَاسِمِ، عَنْ حُصَيْنٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّوَلَّهِ جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ القَوْمُ،
وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدُّ حَتَّى مَرَّ
بِسَوَادٍ عَظِيمٍ، فَقُلْتُ: ((مَنْ هَذَا؟)) قِيلَ: مُوسَى وَقَوْمُهُ، وَلَكَنِ ارْفَعْ رَأْسَكَ
فَانْظُرْ، قَالَ: ((فَإِذَا (٢) سَوَادُ عَظِيمٌ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ مِنْ ذَا الجَانِبِ وَمِنْ ذَا الجَانِبِ،
سألوا صفاتها، وكثيراً ما يورد لفظ ((ما)) في السؤال والمسؤول صفته، لكن النبي وَل
زاد على الجواب بيان مقدارها في الكثرة، والجواب إنما هو في قوله: ((من آنية الجنة))،
فإنه کاف في بیان صفاتها.
[١٤ - باب]
قوله: (ولكن ارفع رأسك) فيه إشارة إلى علو رتبتهم، فإن رفع الرأس يحتاج
إليه إذ ذاك.
[٢٤٤٦] خ: ٥٧٥٢، م: ٢٢٠، ن في الكبری: ٧٥٦٠، حم: ٢٧١/١، تحفة: ٥٤٩٣.
(١) زاد في نسخة: ((قال)».
(٢) زاد في نسخة: ((هو)).