Indexed OCR Text
Pages 161-180
اتَوَابُ الأَحْكَامِ ١٦٣ بسم الله الرحمن الرحيم (١٥) أَبْوَابُ الأَحْكَامِ عَنْ رَسُولِ الله (١) بَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَيهِ فِي القَاضِي(١) ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعلى (٢)، ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لاِبْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَاقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: أَوَ تُعَافِينِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: إِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ ل﴿ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ قَاضِيًّا فَقَضَى بِالعَدْلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ(٣) مِنْهُ كَفَافًا)). ١٥ - أبواب الأحكام(١] عن رسول الله وتـ [١ - بَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِلَيهِ فِي القَاضِي] (من كان قاضياً فقضى بالعدل) إلخ، ليس المراد بقوله: (فقضى بالعدل) أنه لم يقض في سائر أيام قضائه إلا بالعدل ولم يجر عن الحق في قضية؛ إذ لو كان [١] جمع حُكْم، والمراد بيان آدابه وشروطه، وكذا الحاكم، ويتناول لفظ الحاكم الخليفةَ والقاضي، فذكر ما يتعلق بكل منهما، والحكم الشرعي عند الأصوليين: خطابُ الله تعالى المتعلَّقُ بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، ومادة الحكم من الإحكام، وهو الإتقان = [١٣٢٢] حب: ٥٠٥٦، تحفة: ٧٢٨٨. (١) في نسخة: ((في ولاية القاضي)). (٢) في نسخة: ((الصنعاني)). (٣) في أكثر النسخ: ((ينفلت)). ١٦٤ الكوكب الدُّرِّي فَمَا أَرْجُو بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. كذلك فَلِمَن الأجر الموعود؟ بل المراد أنه قضى بالعدل وبالجور؛ فإن الموجبةَ تصدق بوجود الفعل ولو مرةً، وحذف المعطوف إراءة للوعد مرأى الوعيد ردعاً لهم أن يقبلوا الإمارة ويقبلوا عليها، إذ لو كانت فيه المواعيدُ المحضةٌ لَقَبِلَتْه العوامُ والخواصُّ، وأقبلوا عليه محتجين بأنهم إنما يفعلون ذلك طلباً للأجر والثواب مع ما في الأنفس من أشياء أخر لحبّ الطبائع الإمارةَ والرئاسةَ. قوله: (وفي الحديث قصة) أي: تفصيل[١] الأسئلة والأجوبة التي وقعت بينهما، وحاصله ما ذکر هاهنا. = للشيء ومنعه من العيب، كذا في ((الفتح)) (١). وقال العيني(٢): هذا كتاب في بيان الأحكام، وهو جمع حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر إثباتاً أو نفياً، ثم قال بعد ذكر اصطلاح الأصوليين: وأما خطاب السلطان للرعية وخطاب السيد لعبده فوجوب طاعته هو بحكم الله تعالى، انتھی. [١] ففي ((ترغيب المنذري)(٣) عن عبد الله بن موهب: أن عثمان بن عفان قال لابن عمر: اذهب فكُنْ قاضياً، قال: أَوَ تُعفيني يا أمير المؤمنين! قال: اذهب فاقض بين الناس، قال: تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: عزمتُ عليك إلّا ذهبتَ فقضيتَ، قال: لا تعجل سمعتُ رسول الله علّ يقول: ((من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، قال: نعم قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضياً، قال: وما يمنعك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأني سمعت رسول الله مخالخل يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضياً فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضياً فقضى بحق أو بعدل سأل التفلّت كفافاً، = (١) ((فتح الباري)) (١٣ /١١٠). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٢٠/٢٤). (٣) ((الترغيب والترهيب)) (١١٢/٣، رقم: ٣٢٨٤). ١٦٥ أبْوَابُ الأحكام حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَصِلٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْمُعْتَمِرُ هَذَا، هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي جَمِيلَةً(١). ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا هَنَّدُ، ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ بِلَالِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لَهُ:((مَنْ سَأَلَ القَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ جُبِرَ(٢) عَلَيْهِ يَنِزْلُ عَلَيْهِ مَلَكُ فَيُسَدِّدُهُ)). قوله: (وليس إسناده عندي بمتصل) ولعل الوجه فيه أن ابن موهب[١] لم يشهد عثمانَ حين أمر ابنَ عمر بذاك. = فما أرجو منه بعد ذلك))، رواه أبو يعلى وابن حبان في ((صحيحه)) والترمذي باختصار، وقال: ليس إسناده بمتصل. وهو كما قال، فإن عبد الله بن موهب لم يسمع عن عثمان. [١] قلت: وأيضاً لم يصرِّح بأنه سمعه عن ابن عمر أو غيره. [١٣٢٣] د: ٣٥٧٦، جه: ٢٣٠٩، حم: ١١٨/٣، تحفة: ٢٥٦. (١) زاد في نسخة بهامش (م): ((حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حدثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله ابْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، قَالَ لِإِبْنِ عُمَرَ: اقْضٍ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: لَا أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَإِنَّ أُبَاكَ كَانَ يَقْضِي، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَقْضِي، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِّهه فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى رَسُولَ الله ◌َّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ، قَالَ: وَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ عَاذَ بِالله)) وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِيًا، فَأَعْفَاهُ، وَقَالَ: لَا تُخْبِرَنَّ أَحَدًا. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن موهب عن عثمان مرسل، لم يدركه. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البخاري، نَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، نَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَِّّ ◌َ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةُ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَّاضٍ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ، فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَذَلِكَ فِي الجَنَّةِ)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح)). هذا الحديث في نسخ، وذكره المزي وعزاه للترمذي في الأحكام، انتهى. (٢) في نسخة: ((أجبر)). ١٦٦ الكَوَكَبُ الدُّرِّي ١٣٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ عَبْدِ الرَّحَمْنِ، ثَنَا يُحَبِىَ بْنُ حَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ بِلَالِ بْنِ مِرْدَاسِ الفَزَارِيِّ، عَنْ خَيْئَمَةَ وَهُوَ البَصْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّلَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، وَهُوَ أَصَحُ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى. ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، ثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ ◌ّهِ: ((مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ، أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ ◌ِگّینٍ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ أيْضًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ · صِلا الله قوله: (فقد ذُبحَ بغیر سكين) أي: وقع في تعب ما له نهاية، لأنه لو ذُبحَ بسكين لكان له تعب ساعة، وإذا ذبح دونه فله تعب سنين وأعوام، فإما أن ينجو بدينه [١٣٢٤] ق: ٢٠٢٥، تحفة: ٨٢٥. [١٣٢٥]د: ٣٥٧١، جه: ٢٣٠٨، حم: ٢ / ٢٣٠، تحفة: ١٣٠٠٢. ١٦٧ أبْوَابُ الأحكام (٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي القَاضِي يُصِيبُ وَيُخْطِئُ(١) ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله:((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَأُخْطَأْ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ)). وبماله[١] من جزيل الثواب فذلك، وإما يذهب بجوره في الحكم بدينه كما ذهب بدنياه. [٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي القَاضِي يُصِيبُ وَيُخْطِئُ] قوله: (فله أجرً) هو أجر الاجتهاد والسعي في طلب الإصابة، وأنت تعلم أن الروايات مختلفة في باب القضاء، فمنها ما هي باعثة عليها، ومنها ما هي مشيرة إلى [١] الظاهر أن ((ما)) موصولة، والمعنى: إما أن يخلص من العذاب بسبب دينه، أي: غلبة عدله وبسبب ما للقاضي من الأجر الجزيل، ولعل الشيخ عبره بقوله ((ينجو))، لأن وصول القاضي إلى هذا الثواب الجزيل مشكل، فأقصى ما يحصل له من ذلك أن تكون كفارة لتبعاته، كما أشير إليه في الحديث السابق: ((من كان قاضياً فقضى بالعدل فبالحري أن ينقلب كفافاً)) الحديث، وقال ابن الهمام(٢): أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً: ((من وَلِيَ عشرةً، فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا، جيء به يوم القيامة مغلولةً يداه إلى عنقه، فإن حكم بما أنزل الله ولم يَرْتَشِ في حكمه ولم يَحِفْ فكّ الله عنه غّه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حکمه وحَافَ فیه ◌ُدَّتْ یسارُه إلی یمینه، ثم رُمي به في جهنم))، انتهى. [١٣٢٦] ن: ٥٣٨١، تحفة: ١٥٤٣٧. (١) في نسخة: ((يجتهد فيصيب ويخطئ)). (٢) ((فتح القدير)) (٢٤٣/٧). ١٦٨ الكوكب الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحَْى بْنِ سَعِيدٍ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. ترك الوقوع فيه، فإما أن (١] يقال: الأمر لأهله والنهي لغير أهله، وهذا أولى، أو يقال: الأمرُ لما فيه من المثوبات العظيمة، والنهيُ لما فيه من المخاوف الخطيرة، فمن أخذ بالاحتياط لعدم الأمن على نفسه من الوقوع في زلل كان الصواب في حقه الترك، ومن أمن أن ينال بمحظور كان الأولى في حقه القبول، ومن هاهنا يعلم وجه ردّ الإمام الأول حين عُرِضَتْ عليه، وقبولُ الإمام الثاني؛ فإن الإمام بصر بعيوب نفسه وعلم أن المستحقين لها اللائقين بها كثير، والثاني نظر إلى حوائج الناس وأن في أهالي القضاء قلة، فلكل منهما و جه یشعر بفضله. [١] قال صاحب ((الهداية)) (١): يكره الدخولُ فيه لمن خاف العجزَ عنه، ولا يأمن على نفسه الحيفَ فيه كيلا يصير شرطاً لمباشرته القبيحَ، وكره بعضهم الدخولَ فيه مختاراً لقوله ◌ِالّ: ((من جُعِل على القضاء فكأنما ذُبِحَ بغير سكين))، والصحيح أن الدخول فيه رخصةٌ طمعاً في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه ولا يوفّق له، أو لا يعينه عليه غيره، إلا إذا كان هو أهلاً للقضاء دون غيره، فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانةً لحقوق العباد. قال صاحب ((العناية))(٢): كره بعض العلماء أو بعض السلف الدخولَ فيه مختاراً سواء وثقوا بأنفسهم أو خافوا عليها، وفسر الكراهة بعدم الجواز، قال الصدر الشهيد: ومنهم من قال: لا يجوز الدخول فيه إلا مُكْرَهاً، ألا ترى أن أبا حنيفة دعي إليه ثلاث مرات فأبى حتى ضُرِبَ في كل مرة، ووجه تشبيه القضاء بالذبح بغير سكين أن السكين تؤثِّرُ في الظاهر والباطن جميعاً، والذبح بغيره يؤثر في الباطن بإزهاق الروح ولا يؤثر في الظاهر، ووبال القضاء لا يؤثِّرُ في الظاهر، فإن ظاهره وجاهٌ وعظمة، لكن في باطنه هلاك، وكان شمس الأئمة الحلواني يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب قاضياً روي له = (١) ((الهداية)) (١٠٢/٢). (٢) ((العناية)) (٢١٣/١٠-٢١٤). ١٦٩ أبْوَابُ الأخْكام (٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي القَاضِي كَيْفَ يَقْضِي ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِ عَوْنٍ (١)، عَنِ الْحَارِثِ ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابٍ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِلَّ بَعَثَ مُعَاذَا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تَقْضِي؟) فَقَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ: [٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي القَاضِي كَيْفَ يَقْضِي] قوله: (فقال) له: (كيف تقضي؟) سأله عن ذلك وهو عالم بأنه عالم إذ لو لم يكن له علم بأنه عارف بأصول القضاء لما وَلّاء القضاءَ، فسأله ليعلموا مزيته فيما بينهم، وأن المقدم في الحكم هو الكتاب، ثم السنة، ثم القياس، وهذا هو الترتيب الذي اخترناه، فإن قيل: السنة في حقه كانت كالكتاب لما سمعه من في النبي وَائل ولا معنى لتأخيره عن الكتاب، كيف وقد قلتم: إن السنة المشهورة والمتواترة مساوية للكتاب في القطعية؟ قلنا: لم يكن كل السنة مسموعةً له من في النبي ◌ِِّ، فلم يكن جملة من الأخبار إلا وصلت معاذاً بوسائط، قلَّت أو كثرت، ولم يقدِّم على قياسه سيرة الشيخين كما فعله سيدنا عثمان، ولا آثارَ الصحابة كما ذهبت إليه أئمة الفقهاء لما أنها لم تكن اشتهرت بعدُ، بل ولم تقع بحيث يعتد بها، يعني أنها كانت قليلة بعدُ. = هذا الحديث فازدراه، وقال: كيف يكون هذا، ثم دعا في مجلسه بمن يسوِّي شَعْرَه، فجعل الحلّاقُ يحلِقُ بعضَ الشعر من تحت ذقنه إذ عطس القاضي فأصابه الموسى وألقى رأسه بين یدیه، انتھی مختصراً. [١٣٢٧] ٥: ٣٥٩٢، حم: ٥٣٦/٥، تحفة: ١١٣٧٣. (١) زاد في نسخة: ((الثقفي)). ١٧٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الله؟)) قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ لهَ، قَالَ: ((إِنْ لَمْ يَكُنْ(١) ٥ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ،وَلِ؟)، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأَبِي، قَالَ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله)). ١٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍ وَ ابْنِ أَخْ لِلْمُغِيرَةِ(٢) ابْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَنَاسِ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِّ لَّ بِنَحْوِهِ. هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَصِلٍ(٣)، وَأَبُو عَوْنِ الثَّقَفِيُّ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الله. قوله: (أجتهد رأيي) أو أجتهد برأيي، كلاهما ثابتان، أي: أوقع رأيي في الجهد، أو أقع في الجهد بمعاونة رأيي واستعانتي به (٤). قوله: (ابن أخ للمغيرة) هذه صفة الحارث. قوله: (وليس إسناده عندي بمتصل) لما فيه من لفظ ((رجال من أصحاب [١٣٢٨] د: ٣٥٩٣، حم: ٢٣٠/٥، تحفة: ١١٣٧٣. (١) في نسخة: ((فإن لم يكن)). (٢) في نسخة: ((ابن أخي المغيرة)). (٣) قال في ((البذل)) (٣١٨/١١): لكن الحديث له شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس، وقد أخرجها البيهقي في ((سننه)) (١٠ /١١٤) عقب تخريجه لهذا الحدیث تقویة له. (٤) قال الخطابي في «معالم السنن)) (٤ /١٦٥): ((أجتهد برأيي)) يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه، أو يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنة. وفي هذا إثبات القياس وإيجاب الحكم به. ١٧١ أبْوَابُ الأحكام (٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِمَامِ العَادِلِ ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا عَلَىُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الكُوفِيّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ فُضَيْلِ ابْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةً، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللّه يَوْمَ القِيَامَةِ وَأُدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامُ عَادِلُ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى الله وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ عَجْلِسًا إِمَامُّ جَائِرٌ). وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْقَى. حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. ... (١). معاذ))، وفي رواية أخرى: ((أناس من أهل حمص))، وإنما قال: ((عندي)) لأن مثل هذا الانقطاع يكون في حكم المتصل إذا علم اسم راويه برواية وإسناد آخر، إلا أن الترمذي لما لم يعلمهم حكم بانقطاعه عنده، ويمكن أن يجبر ذلك الضعف الناشئ بالانقطاع بكثرتهم وإن لم يذكر هاهنا إلا سنداً واحداً إلا أن إيراد الرجال بلفظ الجمع يخرجه من الرد إلى القبول. [٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِمَامِ العَادِلِ] قوله: (إمام عادل) أي: من غلب صوابُه، ولم يحكم إلا بعد تحري الصواب، و(الناس) هم الناس الذي كان إمامهم، ولا يبعد تأويل الحاشية (٢) أيضاً. [١٣٢٩] حم: ٢٢/٣، تحفة: ٤٢٢٨. (١) زاد في نسخة: ((باب في القاضي يجور)). (٢) انظر: ((سنن الترمذي)) بحاشية السهار نفوري (٢٤٨/١). ١٧٢ الكَوْكَبُ الدُِّي ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرِ العَظَّارُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا عِمْرَانُ القَطَّانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفِى(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ ﴾:(الله (٢) مَعَ القَاضيٍ مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ)). هَذَا حَدِيثُ(٣) غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ القَظَّانِ. (٥) بَابُ مَا جَاءَ فِي القَاضِي لَا يَقْضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ حَتّى يَسْمَعَ كَلَامَهُمَا ١٣٣١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكِ ابْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَنَشِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي». قَالَ عَلِىُّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ(٤). هَذَا حَدِيثُ حَسَنُّ. قوله: (فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان) وإذا تاب عاد إلى حاله الأولى. [١٣٣٠] جه: ٢٣١٢، تحفة: ٥١٦٧. [١٣٣١] د: ٣٥٨٢، حم: ١٩٠، تحفة: ١٠٠٨. (١) في بعض النسخ: ((عبد الله بن أبي أوفى)). (٢) في نسخة: ((إِنَ الله)). (٣) في نسخة: ((حسن)). (٤) قال الخطابي في ((معالم السنن)) (١٦٢/٤): فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك لأنه إذا منعه أن يقضي لأحد الخصمين، وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر، فقد دل على أنه في الغائب الذي لم يحضره ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وذلك لإمكان أن تكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر. وممن ذهب إلى أن الحاكم لا يقضي على غائب: شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وابن أبي ليلى. وقال مالك والشافعي: القضاء على الغائب جائز، وكان أبو عبيد يرى القضاء على الغائب إذا تيقن الحاكم أن فراره واستخفاءه إنما هو فرار عن الحق ومعاندة للخصم. انظر: ((بذل المجهود)) (٣٠٨/١١). ١٧٣ أبواب الأحكام (٦) بَابُ مَا جَاءَ فِي إِمَامِ الرّعِيّةِ(١) ١٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنِي عَلِيُّ ابْنُ الحَكَمِ، ثَنِي أَبُو الحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَ ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَالخَلَّةِ، وَالمَسْكَنَةِ(٢) إِلَّ أَغْلَقَ الله أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ، وَحَاجَتِهِ، وَمَسْكَّنَتِهِ) (٣)، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ حَدِيثُ غَرِيبُ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ يُكْنَى أَبَا مَرْيَمَ. ١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَلُّ بْنُ حُجْرٍ، ثَنَا يَخْتَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ صَاحِبِ النَّبِيِّ وَلَّهِ [عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ] (٤) تَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ(٥). [١٣٣٢] حم: ٢٣١/٤، تحفة: ١٠٧٨٩. [١٣٣٣] د: ٢٩٤٨، تحفة: ١٢١٧٣. (١) زاد في نسخة: ((یغلق بابه دونهم)). (٢) أي: يمنعهم من الولوج عليه وعرض أحوالهم إليه. (٣) يعني منعه عما يبتغيه وحجب دعاءه عن الصعود إليه جزاء وفاقاً، وفيه وعيد شديد للحكام. (٤) سقط في الأصل، واتفقت أصولنا الخطية والنسخ المطبوعة على إثباته. (٥) زاد في نسخة: ((وَأَبُو مَرْيَمَ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الجُهَنِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ شَامِيٌّ، وَبُرَيْدُ بْنُ أَبِي مَزْیم کُوفِيٌّ)». ١٧٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي (٧) بَابُ مَا جَاءَ لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ١٣٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيٍْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً قَالَ: كَتَبَ أَبِي إِلَى عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: (لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ(١) بَيَنْ اثْنَيِنْ وَهُوَ غَضْبَانُ)). هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، وَأَبُو بَكْرَةَ اسْمُهُ: نُفَيْعُ. ٧ - باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان النهي مبني على علة اختفاء الحق حينئذ اعتباراً للأعم الأغلب[١]، وإذا ظهر الحق فلا ضير في الحكم حالة الغضب. [١] قال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالةَ الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه، قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المُفْرِطَيْنِ وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقاً يشغله عن استيفاء النظر، فلو خالف فحكم في حال الغضب صح إن صادف الحق مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وقد تقدم أنه مَ ل قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير، لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته مَّة، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا، وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، قاله الحافظ في ((الفتح))(٢). [١٣٣٤] خ: ٧١٥٨، م: ١٧١٧، د: ٣٥٨٩، ن: ٥٤٠٦، جه: ٢٣١٦، تحفة: ١١٦٧٦. (١) في نسخة: ((القاضي)). (٢) ((فتح الباري)) (١٣٧/١٣-١٣٨). ١٧٥ أبوابُ الأحكام (٨) بَابُ مَا جَاءَ فِي هَدَايَا الأُمَرَاءِ ١٣٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الأَوْدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أُبِي حَازِمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِلَ ﴿ إِلَى اليَمَنِ، فَلَمَّا سِرْتُ أَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرُدِدْتُ، فَقَالَ: «أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولُ، ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾[آل عمران: ١٦١]، لِهَذَا دَعَوْتُكَ، وَامْضِ (١) لِعَمَلِكَ)). وَفِي البَابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةً، وَبُرَيْدَةً، وَالمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، وَأَبِي مُمَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ. حَدِيثُ مُعَاذٍ حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبُ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ دَاوُدَ الأَرْدِيِّ. (٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرّاشِي وَالمُرْتَشِي فِي الحُكْمِ ١٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِلَ لِّ الرَّاشِيَ وَالمُرْنَشِيَ فِي الْحُكْمِ. ٨ - باب ما جاء في هدايا الأمراء [٩ - باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم] وقوله: (لعن رسول الله وَليه الراشي والمرتشي في الحكم) أي: إذا رشى [١٣٣٥] طب: ٢٥٩/١٢٨/٢٠، تحفة: ١١٣٥٥. [١٣٣٦] حم: ٣٨٧/٢، تحفة: ١٤٩٨٤. (١) في نسخة: ((فامض)). ١٧٦ الكوَكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ حَدِيدَةَ(١)، وَأمّ سَلَمَةَ. حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنَّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو (٢). ليحكم له خلاف الحق: فهو ملعون سواء أخذ للحكم على وفاق الحق أو على خلافه، وذلك لأن البذل لدفع الجور جائز للباذل لا للمبذول له، كيف وإن النبي ◌َّ أعطى بعض من خاف عليه أن يهجوه من الشعراء، وإنما ذكر المؤلف: ((لا تصيبن شيئاً)) إلخ، في ((باب هدايا الأمراء)) إيذاناً منه بأن الهدايا المختصة بالأمراء، وكذا الضيافات الخاصة بهم هي داخلة في الإصابة المنهية عنه بقوله عليه السلام: ((لا تصيبن))، ثم لما كان يعلم من ذلك كله أن الدعوة لا تجوز لهم بَيَّنَ بعد ذلك ((باب الراشي)» ليعلم أن الموجب للنهي هو الرشوة، وأما إذا تحقق بوجه من وجوه التحقيق أنه [١] ليس للرشوة فلا ضير في قبوله، واستدل عليه بقوله مَّ ة: ((لو أهدي إليّ كُراعٌ)) وهو مستدق الذراع من ساق الشاة وغيرها، وهو أيضاً اسم موضع، والمراد في الأول هو الأول والثاني يحتمل كليهما، وجه الاستدلال أن النبي وقليل كان يقبلها لتحقق أنه لا يرتشي، وأنهم لا يعطونه رشوة، فكذلك الحكم لكل من علم ذلك بيقين وتحقق، وأما ضرب [١] حق الضمائر التأنيث، وللتذكير توجيهات لا تخفى. (١) في نسخة: ((حيدة)). قوله: ((وابن حديدة)) كذا في أكثر النسخ، قال في ((أسد الغابة)) (٥٨٠٦) عن أبي نعيم وابن منده أنه الصواب، وقيل: أبو حديدة، انتهى بالمعنى، وفي بعضها: ابن حيدة، وفي بعضها: أبي حديد، كذا في هامش (م). (٢) زاد في نسخة: ((عن النبي بَلِ﴾). ١٧٧ أبْوَابُ الأحكام وَرُوِيَ عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَِّيِّ ◌ِ﴾، وَلَا يَصِحُ. وَسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهِ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ وَأَصَحُ. ١٣٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَّدِيُّ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهِ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. عمر أبا هريرة[١] وسلبه منه ما كان أتى به مما أهدي إليه فإنما كان لدفع المظنة أو النوع شبهة نشأت لعمر أو لينسدّ باب الحيلة، فإنه لو ترك أبا هريرة يأخذه لجعل كل واحد من القضاة يقدم علیه محتجًا بفعله، ومفسدته لا تخفی. [١] فقد حكى ابن الهمام(١): ((استعمل عمر أبا هريرة فقَدِم بمال، فقال له: من أين لك هذا؟ قال: تلاحقت الهدايا، فقال له عمر: هلا قعدت في بيتك فتنظر هل يهدى لك أم لا؟ فأخذ ذلك منه وجعله في بيت المال)). وذكر الحافظ في ((الإصابة)) (٢) برواية عبد الرزاق: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال: خيلٌ نتجت، وأعطية تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيراً منك، قال: إنه يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثاً: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري ويشتم عرضي وينزع مالي. [١٣٣٧] د: ٣٥٨٠، جه: ٢٣١٣، حم: ٢ /١٦٤، تحفة: ٨٩٦٤. (١) ((فتح القدير)) (٢٥٤/٧). (٢) ((الإصابة)) (٣٦٠/٧). ١٧٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي (١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبُولِ الهَدِيّةِ وَإِجَابَةِ الدّعْوَةِ ١٣٣٨ - حَدَّثَنَا (١) مَحُمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ بَزِيعٍ، ثَنَا بِشُرْ بْنُ الْمُفَضَّلِ، ثَنَا سَعِيدُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((لَوْ أَهْدِيَ إِلَّ كُرَاعُ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ (٢) لَأَجَبْتُ)). وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَالمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَسَلْمَانَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ. حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. (١١) بَابُ مَا جَاءَ فِي التّشْدِيدِ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ ١٣٣٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الَمْدَانِيُّ، ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ١١ - باب ما جاء في التشديد على من يُقْضَى له بشيء ليس له أن يأخذه اعلم أنهم أوردوا على الأحناف مسألة تنفيذ القضاء بشهادة الزور ظاهراً وباطناً، فقد قال الإمام أبو حنيفة: إذا حكم القاضي بشيء لرجل وقد ادعى ملكاً مقيداً [١٣٣٨] تم: ٣٣٧، حم: ٢٠٩/٣، تحفة: ١٢١٦. [١٣٣٩] خ: ٢٤٥٨، م: ١٧١٣، د: ٣٥٨٣، ن: ٥٤٠١، جه: ٢٣١٧، حم: ٢٠٣/٦، تحفة: ١٨٢٦١. (١) زاد في نسخة: ((أبو بكر)). (٢) في نسخة: ((إليه)). ١٧٩ أبواب الآحكام قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ قَضَيْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ مِنَ النَّارِ (١)، فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا)). ونَوَّر دعواه بشهادة ولو كان زوراً وسعه استعماله، ولو كانت زوجة أو أمة فله وطؤها، فإن القاضي يجعل كأنه أنشأ العقد، وله ولاية الإنكاح والبيع وغيرهما، وقد ثبت أنه بَ ليل باع بعضاً من العبد وأعتق من غير أن يأذن بذلك مالكه، وأما إذا لم يُقِمْ عليه شهادة أو كانت الدعوى بملكِ مطلقٍ فلا، إذ لا يمكن جعل الحاكم مُنْشِئاً؛ لأن في الأسباب تزاحماً وتعيين أحد منها دون الآخر يقتضي مرجحاً، واستدل الموردون[١] بهذا الحدیث، لكنه غیر وارد، إذ غاية ما یثبت بالحدیث بطلان نفاذه إذا كان مداره على التقرير وبيان المدعى، وأما إذا شهدا عليه فلا تعرض له في الحديث؛ لأنه ◌ِّيه إنما قال: ((ألحن بحجته)) وهذا لا يصح إلا على بيانه(٢). [١] ويمكن أن يستدل للإمام بما ذكره ابن الهمام (٣) بحثاً: أن رجلاً أقام بينة على امرأة أنها زوجته بين يدي علي، فقضى علي بذلك، فقالت المرأة: إن لم يكن لي منه بُدّ يا أمير المؤمنين فزوِّجني منه، فقال: شاهداك زَوَّجَاك، فإن القضاء لو لم ينفذ باطناً لأجابها فيما طلبت للحقيقة التي عندها، واستدل على المسألة بدلالة الإجماع على أن من اشترى جارية، ثم ادعى فَسْخَ بيعها كذباً، وبرهن فقضى به حلّ للبائع وطؤها واستخدامُها مع علمه بكذب دعوى المشتري، مع أنه يمكنه التخلصُ بالعتق، وإن كان فيه إتلاف ماله، لأنه ابتلي بأمرين، فعليه أن يختار أهونهما، وذلك ما یَسْلَم له فیه دینُه، انتهى. (١) في نسخة: ((قطعة من النار)). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٣١٠/١١). (٣) انظر: ((فتح القدير)) (٢٤٥/٣). وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةً. حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. (١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنّ البَيِّنَةَ عَلَى الْمُدّعِي، وَاليَمِينَ عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِ (١) ١٣٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ ابْنِ وَائِلٍ(٢)، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ مِنْ حَضَرْمَوْتَ وَرَجُلُ مِنْ كِنْدَةَ إِلَىَ النَّبِيِّ(٣) ◌ِلّه فَقَالَ الْحَضَرْمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَىَ أَرْضِ لٍ، فَقَّالَ * لِلْحَضْرَمِيِّ: الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ ((أَلَكَ بَيِّنَةُ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرُ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: (لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ)، قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ لَمَّا أَدْبَرَ: (لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللّه وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضُ)). [١٣٤٠] م: ١٣٩، د: ٣٢٤٥، حم: ٣١٧/٤، تحفة: ١١٧٦٨. (١) قال في ((العرف الشذي)) (٧٥/٣): قال أبو حنيفة: إن فصل الأمور بطريقين: البينة على المدعي أو اليمين من المنكر؛ ولا ثالث، وقال الشافعية بالثالث أي: الشاهد الواحد واليمين من المدعي، وحديث الباب لنا، أي: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولا ثالث، وسيأتي حديث للحجازيين، ولعل البخاري وافقنا، فإنه لم يخرج حديث الحجازيين، انتھی. (٢) زاد في نسخة: ((ابن حجر)). (٣) فى نسخة: ((رسول الله)).