Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ أبْوَابُ البُيُوع ١٢٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَالِحٍ أَبِ الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لْهِ: ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنٍ عَبَّاسِ. حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَ لَّهِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالُوا: الفُرْقَةُ بِالأَبْدَانِ لَا بِالكَلَامِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ◌ِ: (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)، يَعْنِي: الفُرْقَةَ بِالكَلَامِ، وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَتُّ؛ لأَنَّ ابْنَ عُمَرَ هُوَ رَوَى عَنْ رَسُولِ الله وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ البَيْعَ مَشَى لِيَجِبَ لَهُ. قوله: (وهو أعلم بمعنى ما روى) هذا غير مسلَّم، فإن فهم الراوي [١] ليس [١] وله نظائر كثيرة، فقد ردَّتْ عائشةُ فهم ابن عمر في عذاب الميت ببكاء الحي، وردّ عمر فهم فاطمة بنت قيس في نفقة المبتوتة، وردّابن عباس فهم أبي هريرة في الوضوء مما مست النار، هكذا أفاده في تقرير مولانا رضي الحسن المرحوم مع زيادة الأمثلة. [١٢٤٦] خ: ٢٠٧٩، م: ١٥٣٢، د: ٣٤٥٩، ن: ٤٤٥٧، حم: ٤٠٢/٣، تحفة: ٣٤٢٧. ٦٢ الكوَكَبُ الدُّرِّي وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي فَرَسِ بَعْدَ مَا تَبَايَعَا، فَكَانُوا فِي سَفِينَةٍ، فَقَالَ: لَا أُرَاكُمَا اقْتَرَقْتُمَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّ: (البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)). وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الفُرْقَةَ بِالكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ(١) وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بحجة لقوله مَّة: ((فرب مبلغ أوعى له من سامع))(٢)، والجواب[١] عما يقال أن ابن عمر مع صلاحه كما كان كيف كان يسارع في إبطال حق صاحبه ولا يمتثل أمراً أمر به النبي ◌َّة، وإن كان الاستحباب هو أنه كان يسارع في ذلك حيث رأى ضرر صاحبه في فسخ العقد لا لضرر نفسه. [١] وأجاب عنه الطحاوي(٣) بأن فعل ابن عمر يجوز أن يكون لما أشكلت الفرقة في الحديث ما هي: هل الفرقة بالأبدان على ما ذكروه؟ أو الفرقة بالأبدان على ما قال عيسى بن أبان؟ أو الفرقة بالأقوال على ما قال محمد؟ ولم يحضره دليل يدله أنه بأحدها أولى منه بما سواه، ففارقه احتياطاً، ويحتمل أيضاً أن يكون فعل ذلك لأن بعض الناس يرى أن البيع لا يتم بذلك، وهو يرى أن البيع يتم بغيره، فأراد أن يتم البيع في قوله وقول مخالفه، وقد روي عنه ما يدل أن رأيه في الفرقة كان بخلاف ما ذهب إليه من ذهب إلى أن البيع يتم بها، ثم ذكر بسنده عنه أنه قال: ((ما أدركَتِ الصفقةُ حيًّ فهو من مال المبتاع»، قال: فهذا ابن عمر كان يذهب فيما أدركت الصفقة حيًّا فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع یتم بالأقوال قبل الفرقة التي تکون بعد ذلك، انتھی. (١) في نسخة: ((سفيان الثوري)). (٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٦٧١). (٣) ((شرح معاني الآثار)) (١٣/٤-١٥). ٦٣ أبْوَابُ البُيُوع ابْنِ أَنَسٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ أُرُدُّ هَذَا، وَالحَدِيثُ فِيهِ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ صَحِيحُ؟ فَقَوَّى(١) هَذَا الْمَذْهَبَ. وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِّوَهِ: (إِلَّ بَيْعَ الْخِيَارِ))، مَعْنَاهُ: أَنْ يُخَيِّرَ البَائِعُ الْمُشْتَرِيّ بَعْدَ إِيَجَابِ البَيْعِ، فَإِذَا خَيَّرَهُ فَاخْتَارَ البَيْعَ فَلَيْسَ لَهُ خِيَارُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي فَسْخِ البَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، هَكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الفُرْقَةُ(٢) بِالَأَبْدَانِ لاَ بِالكَلَامِ، حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ و ◌َعَنِ النَِّّ ◌ِ لّ. ١٢٤٧ - حدَّثنا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ،فَ لَّ قَالَ: ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ (٣)،. وَلاَ يِحَلُّ لُهَ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ)). قوله: (كيف أردّ هذا) أي: مذهب أصحاب التفرق [١] بالأبدان. [١] أي: مع صحة الحديث فيه، لكن لمن ينكره أن يقول: إن الحديث مع صحته لا يثبت ما فهمتموه. [١٢٤٧] د: ٣٤٥٦، ن: ٤٤٨٣، حم: ١٨٣/٢، تحفة: ٨٧٩٧. (١) في نسخة: ((وقوی)). (٢) في نسخة: ((إن الفرقة)). (٣) قال في ((اللمعات)) (٥٢١/٥): ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: أنه مستثنى من مفهوم الغاية؛ لأن مفهومه أنهما إذا تفرقا سقط الخيار ولزم العقد إلا بيع الخيار، أي: بيع شرط فيه الخيار، فإن الخيار باقٍ إلى أن يمضي الأجل، وهذا التوجيه جارٍ على المذهبين. وثانيها: أنه مستثنى من أصل الحكم، والمضاف محذوف من قوله: ((بيع الخيار))، أي: بيع إسقاط الخيار ونفيه، أي: الخيار ثابت إلا إذا شرط عدم الخيار. وثالثها: أن معناه إلا بيعاً يقول أحد المتبايعين للآخر: اختر، فيقول: اخترت، فإنه يسقط الخيار وإن لم يتفرقا، وهذان الوجهان إنما يناسبان المذهب الأول، فافهم. ٦٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ. وَمَعْنَى هَذَا: أَنْ يُقَارِقَهُ بَعْدَ البَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ، وَلَوْ كَانَتِ الفُرْقَةُ بِالكَلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ بَعْدَ البَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَّى، حَيْثُ قَالَ(١) ◌ِّ: ((وَلاَ يِحَلُّ لْهَ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ)). قوله: (ولا يحل له أن) إلخ، استدلوا بذلك على أن المراد بالفرقة الفرقة بالأبدان لا الفرقة بالأقوال؛ إذ لو كان الفرقة بالأقوال لما افتقر في إبطال خيار صاحبه في رد البيع إلى المفارقة، مع أنه مَلِيّ مصرِّحٌ بأن المفارقة تبطل حقه في الفسخ، فكان له حق الفسخ قبل المفارقة، والجواب أما أولاً فبأن الاستدلال بهذه الرواية مصادرة على المطلوب، وهو عين المتنازع فيه، فلا يتم الاحتجاج به، فإنا نقول: معناه لا يحل له أن يفصل الأمر بالقبول ويوجب البيع بالمسارعة في القول ليبطل به حق صاحبه في الرد، بل الذي له أن يتأتى في قبول إيجاب صاحبه ليكون على رؤية من أمره، ويمكن له أن يرجع عن إيجابه، فأما إذا تم القولان فليس لأحدهما حق الرجوع، وأما ثانياً بعد تسليم أن الفرقة المذكورة فيها هي فرقة الأبدان فنقول: أمره مق لي هذا مبني على أن المجلس لما كان جامعاً للمتفرقات كان كل واحد من العاقدين أقرب إلى قبول الفسخ والإقالة إن أراد صاحبه ذلك وإن كان العقد قد تم، فإنه إذا استقاله وهو في مجلسه ذلك الذي عاقداً فيه البيعَ، فإنه يحمله الحياء على قبوله منه لما أنه لا يلحقه ضرر في ذلك حيث[١] لم يفت له مشتري هذا الشيء، ولا هو قد صار فارغاً عن طلب مشترٍ له، ولا كذلك إذا تفارقا عن المجلس يلحقه ضرر بالإقالة إذاً، مع أن في لفظ [١] هكذا في الأصل، والظاهر أنه من الأفعال، ومقتضى سياق العبارة أنه سقط منه حرف أو حذف. (١) زاد في نسخة: ((النبي)). ٦٥ أبْوَابَ البُيُوع (٢٧) بَابُ ١٢٤٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُوِ أَحْمَدَ، ثَنَا يَخْيَى بْنُ أَيُّوبَ (١)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْروٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّوَلَّهِ قَالَ: (لَا يَتَفَرَّقَنَّ عَنْ بَيْعِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ»(٢). الحديث إشارة إلى هذا المعنى حيث عبر عنه بالإقالة، وهي تقتضي سبق(١) تمام البيع، فقوله هذا قريب مما قاله: ((من أقال(٢) نادماً ببيعته أقال الله عثراته يوم القيامة)) إلا أنه لم يقيده في الرواية المفصلة بالمجلس، وصرح بالمراد، ووعد عليها وقيدها بالمجلس هناك، ولم يصرح بالمراد ولا بالوعد، وإنما أشار إلى أن الإقالة في مجلسه هذا لا ينبغي أن يعدل عنها، وأنه أولى بها لئلا يلحق بصاحبه ضرر، فمعنى ((خشية أن يستقيله)) ليس إلا أنه يخاف أن يطلب صاحبه منه الإقالة، وليس فيه أن صاحبه يقدر على الفسخ، إذ لو كان كذلك لما أورد بلفظ الاستفعال الدال على مجرد طلبه ذاك لا على الفسخ، فافهم. [١] وقد تقدم في كلام ابن رشد(٣) أن البيع لا ينعقد عندهم لكن المسألة تحتاج إلى التنقيح من فروعهم. [٢] بهذا اللفظ ذكره صاحب ((الهداية)) (٤) والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما بألفاظ مختلفة ذكرها أصحاب التخريج والقاري في ((المرقاة))(٥). [١٢٤٨] د: ٣٤٥٨، حم: ٥٣٦/٢، تحفة: ١٤٩٢٤. (١) زاد في نسخة: ((وهو الكوفي البجلي)). (٢) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِلََّّ أَن تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فإنه لا ينبغي أن يكون بعد البيع في قلبهما ندامة على البيع، وكراهة له، فإنه ينبئ عن عدم الترضي، انتهى. قاله في ((البذل)) (١٧٣/١١). (٣) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢/ ١٣٧). (٤) انظر: ((الهداية)) (٥٥/٢). (٥) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٢/٦). ٦٦ الكَوْكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ. ١٢٤٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ الشَّيْبَانِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْچٍ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ التَبِّ لَه خَيَّرَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْبَيْعِ. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبُ(١). (٢٨) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ ١٢٥٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ البَصْرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفُّ، وَكَانَ يُبَابِعُ، ٢٨ - باب ما جاء فيمن يُخْدَعْ في البيع أي: كان الرجل[١] ينسى مقدار ما اشترى به الشيء فيبيعه بأقل من الثمن الذي اشترى به زاعماً أن الثمن الذي اشتراه به أقل من ذلك، فأمره النبي ◌َّ بأن يقول: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام، كما ورد[٢] في الروايات. ومعنى [١] اختلف في اسمه، فقيل: هو حبّان بن منقذ، أصابته آمة في رأسه، فكان يُخْدَعُ في البيع، وقيل: القصة لأبيه. [٢] ذكر الحديث بهذا اللفظ صاحب ((الهداية))، وذكر الحافظان الزيلعي وابن حجر تخريجه(٢)، = [١٢٤٩] جه: ٢١٨٤، تحفة: ٢٨٣٤. [١٢٥٠] د: ٣٥٠١، ن: ٤٤٨٤، جه: ٢٣٥٤، حم: ٢٢١٧، تحفة: ١١٧٥. (١) في نسخة: ((صَحِيحٌ غَرِيبٌ))، وفي أخرى: ((صحيح حسن غريب)). (٢) انظر: ((الهداية)) (٢٩/٢) و((نصب الراية)) (٦/٤-٨) و((الدراية)) (١٤٨/٢، رقم: ٧٦٦). ٦٧ أبْوَابُ الْبُيُوع وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ ◌َلَّهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ الله فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَا أَصْبِرُ عَنِ البَيْعِ، فَقَالَ: ((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ هَاءَ وَهَاءَ(١)، وَلاَ خِلاَبَةَ)). (لا خلابة) أنهم كانوا لخيريتهم (١) ينبهونه على غلطه فيتنبه، وليس في ذلك حجة [٢] للخصم في جواز الحجر على الأحناف، فإن قولهم: (احْجُرْ عليه) لا يستدعي ذلك لجواز أن يكون المراد أن ينهاه عن البياعات، كما فعله النبي ◌َّ، أن الحجر لو كان مقصوداً لما امتنع النبي ◌َّ عنه بقوله: (لا أصبر) مع أن مسألة الحجر لم تكن مما يكثر ورودها حتى يلزم أنهم كانوا عالمين، فلعلهم سألوا الحجر عليه لما لم يعلموا أنه يجوز الحجر عليه أم لا، ولا يمكن الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْإِلَيْهِمْ أَمَهُمْ ﴾ [النساء: ٦]، وذلك لأن سبب الرشد وهو بلوغه خمساً وعشرين سنة قائم مقام المسبب، فإن في تعيين الرشد لاختلاف في مراتبه تعسراً. = ثم هل يكون الخيار بالغبن أم لا؟ مختلف عند الأئمة(٢)، كما بسط في ((البذل))(٣). [١] وبه جزم التوربشتي كما في ((التعليق الممجد)) (٤). [٢] استدل بذلك ابن تيمية في ((المنتقى))(٥) على صحة الحجر على السفيه. (١) كذا في (ب)، وفي غيرها: ((ها))، قال العراقي: روي ((ها)) بالمد والقصر، ومعناهُ لا أجد العطاء، والخلابة بكسر الخاء المعجمة، وبالباء الموحدة: الخديعة. انظر: ((قوت المغتذي)) (١ / ٤٥٥). (٢) ذهبت الشافعية والحنفية إلى أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون، سواء قلّ الغبن أو كثر، وأجابوا عن الحديث: بأنها واقعة وحكاية حال. قال ابن العربي في ((العارضة)) (٨/٦): إنه كله مخصوص بصاحبه لا يتعدى إلى غيره. وقال مالك بن أنس في بيع المغابنة: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة كان له فيه الخيار. وقال أحمد في بيع المسترسل: يكره غابنه، وعلى صاحب السلعة أن يستقصي له، وقد حكي عنه أنه قال: إذا بايعه وقال: لا خلابة، فله الرد. انظر: ((بذل المجهود)) (٢١٧/١١) و((معالم السنن)) (١٣٨/٣). (٣) ((بذل المجهود)) (٢١٧/١١-٢١٨). (٤) ((التعليق الممجد)) (٢٤٧/٣). (٥) انظر: ((نيل الأوطار شرح المنتقى)) (٢٩٢/٥). ٦٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَالُوا: الحَجْرُ(١) عَلَىَ الرَّجُلِ الحُرِّ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِذَا كَانَ ضَعِيفَ العَقْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُحْجَرَ عَلَى الحُرِّ البَالِغ. (٢٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُصَرّةِ ١٢٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ٢٩ - باب ما جاء في المُصَرَّاة (٢) قد ورد[١] في ذلك ما لا يوافقه[٢] القياسُ، ووجه ذلك أن الدواب تختلف في أنواعها وأجناسها، فكم من تفاوتٍ بين مقدار لبن المعز والضأن ولبن الجاموس، فإثبات الصاع عوضاً من لبنهما معاً لا يُعْقَلُ وجههُ أصلاً ولا توافقه النصوصُ الآخَرُ [١] أخذ بظاهره الشافعي وأحمد، وهو رواية عن أبي يوسف ورواية عن مالك، والأخرى لهما وبها قالت الحنفية: إن الحديث لمخالفته الأصولَ - لو صح - يكون مخصوصاً بذلك المحل، فلا يردّ بذلك العيب، صرَّح به أهل الفروع. [٢] فقد حكى الشيخ في ((البذل))(٣) عن العيني: أن الحديث يخالف الأصولَ لثمانية أوجه، ثم = [١٢٥١] م: ١٥٢٤، ن: ٤٤٨٧، حم: ٢٣٨٦، تحفة: ١٤٣٦٥. (١) في نسخة: ((يحجر)). (٢) قال الحافظ في ((الفتح)) (٣٦٢/٤): وقال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها، فيكثر فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من کثرة لبنها، انتهى. (٣) ((بذل المجهود)) (١٥٢/١١-١٥٣) وانظر: ((عمدة القاري)) (٤٤٨/٨-٤٥١). ٦٩ أبواب البيوع زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (١) قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مُصرَّةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا حَلَبَهَا، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ). أيضاً، كقوله ◌َِّ: ((الغُرم بالغُنم)) وفي بعضها: ((الغنم لمن الغرم))، فكان إعطاء صاع التمر وغيره في قضية مخصوصة لا تجوز تعديته في غيرها، وقد تأيد ذلك باختلاف الروايات في هذا، ففي بعضها إعطاء صاع من التمر، وفي الآخر أشياء أخر مختلفة، فتخصيص التمر من بينها ترجيح من غير دليل يقتضيه، وأيضاً فلا يمكن أن يجعل إعطاء شيء معين منها بدلاً من اللبن قليلاً كان أو كثيراً قاعدةً كلية وقانوناً يُعْمَلُ به، فكان الأمر مخصوصاً بمورده، ولا يعلم نوعه ولا لمّه حتى يتعدى مثل تعدية الأحكام الغير القياسية، كنقض الوضوء بالقهقهة، فإنه وإن كان غير مُدْرَكٍ بالقیاس إلا أنه لما علم لمُّهُ عَدَّيناه إلى أفراد المورد، وإن لم يمكن تعديته إلى أنواع مورد الحكم حتى لم نقل بنقض طهارة من قهقه نائماً أو في غير صلاة مطلقة أو كان صبيًّا أو كانت الطهارة ضمنية، فوجب المصير إلى ما قلنا: أنها كانت قضايا عين علم النبي بَل بحالها، فلم يأمر إلا بما يناسبه، وأما نحن فلم يأمرنا إلا بذلك الكلية العامة، ولما لم يجتمعا بوجه من وجوه الجمع تركنا ما لم يك عندنا عامًّا، فلما أخذه المشتري ظاًّا = بسطها مع الزيادة على كلام العيني. قلت: والعجب أنهم أقرّوا بترك العمل على حديث ((لبن الدَّرِّ يحلب بنفقته إذا كان مرهوناً»(٢)، كما سيأتي في كلام ابن عبد البر، ولا يقبلون عن مخالفهم هذا الأصلَ هاهنا. (١) في نسخة: ((النبي)). (٢) أخرجه البخاري (٢٥١٢). ٧٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي ـال الله وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسِ، وَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ١٢٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ـاالله : ((مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴾ لبنه أكثر مما يدرّه عادة ملكه عادة وشرعاً إلا أن له أن يرده إذا تحقق [١] الخداع لفوات الوصف المرغوب فيه، ومع ذلك فلو هلكت الدابة وهي عند المشتري هلكت من ماله لما أن ملك المشتري قد تم فيها ودخلت في ضمانه، فكما أن المشتري أنفق عليها من عنده، فكذلك له المنافع، فكان لبنها وسائر منافعها له لا للبائع. قوله: (فهو بالخيار ثلاثة أيام)[٢] لأن تحقيق الواقعة في هذه المدة أتم وأبعد [١] هذا هو مقتضى القواعد فإنهم صرَّحوا قاطبةً: من وجد بالمبيع عيباً أخذه بكل ثمن أو ردّه، وما أوجب نقصان الثمن عند التجار فهو عيب (١)، وصرحوا: لو اشترى عبداً على أنه خبّاز أو كاتب فكان بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه فيستحق بالعقد بالشرط، ثم فواته يوجب التخييرَ لأنه ما رضي به دونه(٢)، انتهى. لكنهم صرحوا أيضاً في مسألة المصراة أن التصرية ليست بعيب عندنا فليس له الردّ بذلك ولا يرجع بالنقصان في رواية الكرخي، ويرجع في رواية الطحاوي، وفي ((الدر المختار)) (٣): هو المختار للفتوى. نعم حكى النووي(٤) عن أبي حنيفة وبعض المالكية وغيرهم أن يردّها ولا يردّ صاعاً من تمر. [٢] قال الحافظ (٥): وابتداء هذه المدة من وقت بيان التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية أنها من حين العقد، وقيل: من التفرق، ويلزم عليه أن يكون الغرر [أوسع] من الثلاث. [١٢٥٢]م: ١٥٢٤، د: ٣٤٤٤، ٤٤٨٩، جه: ٢٢٣٩، حم: ٢٤٨/٢، تحفة: ١٤٥٠٠. (١) انظر: ((الهداية)) (٣٦/٢-٣٧). (٢) انظر: ((الهداية)) (٣٣/٢). (٣) (ردّ المحتار)) (٢٢٣/٧). (٤) انظر: ((شرح النووي)) (٤٢٨/٥). (٥) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٤). ٧١ أبْوَاب البُيُوع فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامِ لَا سَمْرَاءَ)). وَمَعْنَى (لَا سَمْرَاءَ): لَا بُرَّ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. (٣٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي اشْتِرَاطِ ظَهْرِ الدّابَةِ عِنْدَ البَيْعِ ١٢٥٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ زَكَرِيًّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّهُ بَاعَ مِنَ النَّبِّ ◌َلَهَ بَعِيرًا وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى أَهْلِهِ(١). من شبهة الاتفاق، أي: من أن تكون القلة في اللبن اتفاقيًّا، فإذا حلبها ثلاثة أيام صار على اليقين من حالها. ٣٠ - باب ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع استدل بذلك من جَوَّزَ[١] في البيع شرطاً واحداً، ولما كان النهي عن بيع وشرط [١] وتقدم قريباً في حاشية قوله: ((لا يحل سلف وبيع))، وهاهنا لطيفة مشهورة في سؤال رجل عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة عن بيع وشرط، فكل أجاب بجواب مختلف، واستند بحدیث یؤيده مذکور في ((البذل))(٢) وغيره. [١٢٥٣] خ: ٢٠٩٧، م: ٧١٥، د: ٣٥٠٥، ن: ٤٦٣٧، حم: ٢٩٩/٣، تحفة: ٢٣٤١. (١) قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢١٢/٥): وهو يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب. وبه قال الجمهور، وجوزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة، وحدّها بثلاثة أيام. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك سواء قلّت المسافة أو كثرت، واحتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط، وحديث النهي عن الثنيا، انتهى. (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٢٧/١١). ٧٢ الكَوَكَبُ الدُّرِي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحُ. قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّنَلَّ وَغَيْرِهِمْ، يَرَوْنَ الشَّرْطَ جَائِزًا فِي البَيْعِ إِذَا كَانَ شَرْطًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يَجُوزُ الشَّرْطُ فِي البَيْعِ، وَلَا يَتِمُّ البَيْعُ إِذَا كَانَ فِيهِ شَرٌْ. (٣١) بَابُ (١) الإِنْتِفَاعِ بِالرّهْنِ ١٢٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: ثَنَا وَكِيعُ، عَنْ زَكَرِيًّا، مصرحاً به في الروايات وجب الجمعُ بين قوله ◌ِّل وفعله، فالجواب أنه لم يكن بيعاً حقيقةً، بل كان تلطفاً من النبي ◌َّة في إعطاء مال له، وكان في ذلك ما ليس في الإعطاء بصورة الإعطاء المحض الخالي عن الحيلة، ولو سُلُّم أن البيع كان على حقيقة فالركوب منه رضي الله تعالى عنه والإركاب منه مثل لم يكن شرطاً دخل في صلب العقد، وإنما كان عدةً ومنةً، كما دل عليه قوله (١): ((وأفقرني ظهره)) وهو الإعارة، فذكره الرواة بلفظ الشرط لشبه له صورةً بالاشتراط، ولكون ذلك العدة أغنت غناء الشرط. ٣١ - باب الانتفاع بالرهن استدل بحديث الباب مُجَوِّزُّ الانتفاع[٢] للمرتهن بالرهن، وليس بشيء، فإن [١] وبهذا أجاب الخطابي وغيره(٢). [٢] وهو أحمد وإسحاق كما ذكره المصنف، وقالت الأئمة الثلاثة: لا ينتفع المرتهن من الرهن = [١٢٥٤] خ: ٢٥١٢، د: ٣٥٢٦، جه: ٢٤٤٠، حم: ٢٢٨/٢، تحفة: ١٣٥٤٠. (١) في نسخة: ((باب ما جاء في)). (٢) انظر: ((معالم السنن)) (١٤٣/٣-١٤٦). ٧٣ أبْوَابُ الْبُيُوع عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: ((الظَّهْرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ)). قول النبي ◌َّةَ: ((الظهرُ يُرْكب، ولبنُ الدَّرِّ يُشْرَب)) بلفظ المجهول يحتمل أن يكون إشارة إلى الراهن أو إلى المرتهن، والمعنى إذا أريد الأول أنه خطاب للراهن بأنك تحتمل الكلف في العلف له، والمرتهن ممنوع عن التصرف فيه بحكم الرهن، فليس له أن ينتفع فهلا تعيره حتى ينفق عليه وينتفع به فتسلم، وإطلاق المرهون عليه حينئذ مجاز باعتبار ما كان، لأنه لم يبق حينئذ رهناً، بل صار عارية، إلا أن العارية تغني غناء الرهن؛ لأن المديون ليسعى لأجل دابته في افتكاك رهنه والدائن على ثقة من وصول دينه حيث لا يمكن للمديون أن ينكر دينه فيتوى حقه، والاستيثاق هو المقصود بالرهن، وإن كان الأمر إشارة إلى المرتهن فهذا تعبير منه مَثّ له وتعليم له لمكارم الأخلاق بأنك تحبسه عن الراهن، وحق لك أن تحبس، فهلا أذنته إذا احتاج إلى ركوبه، فإنه ينفق عليه فكان حقه أن ينتفع به فلم يك رهناً حين ركوبه، ولا ضير فيه لحصول المدعى وهو الاستيثاق لأنه يعيدها إليه وإنما يعود إلى الرهن حين يعيدها المالك إليه، ويمكن في توجيهه أن يقال أيضاً: إن النبي ◌َليلةٍ حَثّ الراهنَ والمرتهنَ كليهما على أمر هو أنفع لهما، وليس الخطاب خاصًّا بأحدهما، والمعنى أنه لا يحرم الانتفاع بالرهن للمرتهن مطلقاً، بل الحرمة مقيدة بما إذا لم يأذنه = بشيء، بل الفوائد للراهن والمُؤَنُ عليه، قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء تردّه أصولٌ مُجْمَعٌ عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حدیثُ البخاري: ((لا تُحْلَبُ ماشيةٌ امرئ بغير إذنه)»، هكذا في ((البذل))(١). (١) ((بذل المجهود)) (٢٥٤/١١-٢٥٥). ٧٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ. الراهن [١]، فإذا أذنه فلا يحرم إذاً، ثم لما علم الراهن جواز الإذن والمرتهن جواز الاستئذان حَثَّ المرتهنَ على أمر هو أنفع لصاحبه، فقال له: إن الأولى إذا انتفع المرتهن به أن يكون المرتهن هو المنفق عليها ليتعادل الطرفان في حسن السلوك، وهذا إذا لم يكن الانتفاع مشروطاً في الرهن، ولا يكون العرف جارياً(٢) بانتفاع المرتهن به، فإن المعروف کالمشروط، وتلزم فيه الصفقتان في صفقة وهو منهي عنه، مع أن کل قرض جَرَّ نفعاً حرام أيضاً. [١] كما عليه عامة الفروع، ففي ((الهداية))(١): وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن لا باستخدام ولا سكنى ولا ◌ُبْسِ، إلا أن يأذن له المالك. وفي ((الدر المختار))(٢): لا - يجوز-انتفاع به مطلقاً لا باستخدام ولا سكنى، سواء كان من مرتهن أو راهن إلا بإذن كل للآخر، وقيل: لا یحل للمرتهن لأنه رباً، وقيل: إن شرطه كان رباً وإلا لا. قال ابن عابدين بعد حكايته عن عبد الله ابن محمد من كبار علماء سمر قند: أنه لا يحل له الانتفاع وإن أذن له الراهن لأنه إذن في الربا، قال ابن عابدين: هذا مخالف لعامة المعتبرات من أنه يحل بالإذن، إلا أن يحمل على الديانة وما في المعتبرات على الحكم، ثم رأيت في ((جواهر الفتاوى)): إذا كان مشروطاً صار رباً وإلا فلا بأس به، انتھی. [٢] قلت: ولا يذهب عليك أن المعروف في زماننا هذا هو الانتفاع بالرهن حتى لا يوجد أحد أن يرتهن بدونه فيكون حراماً كما أفاده الشيخ، انتهى. (١) ((الهداية)) (٤١٥/٢). (٢) (ردّ المحتار)) (٨٢/١٠-٨٣). ٧٥ أبْوَابُ البُيُوع (٣٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ القِلَادَةِ وَفِيهَا ذَهَبُ وَخَرَزُ ١٢٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي شُجَاعِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبُ وَخَرَرٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َّهِ، فَقَالَ: (لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ)). حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ التَِّيِّ ◌َّهِ، وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يَرَوْا أَنْ يُبَاعَ سَيْفُ مُحَلَّ، أَوْ مِنْطَقَةُ مُفَضَّضَةُ، أَوْ مِثْلُ هَذَا بِدَرَاهِمَ، ٣٢ - باب ما جاء في شراء القلادة وفيها ذهب وخرز قوله: (اشتريتُ يوم خيبر) يعني به زمنَ خيبر وأيامَه لا يوم الحرب عيناً، وذلك لأن الغنيمة لا يجوز قسمتها عندنا إلا بعد إحرازها في دار الإسلام، فلا يصح بيع شيء منها، فلا يصح قوله: ((اشتریتُ يوم خيبر)). قوله: (لا تباع) أي: ما فيه شبهة الربا من أمثال هذه (حتى تُفصّل) وليس الفصل بمعنى تفريق الأجزاء وتجزئتها، وإنما معناه التمييز التام بحيث لا يبقى فيه احتمال الربا. [١٢٥٥] م: ١٥٩١، د: ٣٣٥٢، ن: ٤٥٧٣، حم: ٢١/٦، تحفة: ١١٠٢٧. ٧٦ الكوَكَبُ الدُّرِي حَتَّى يُمَيَّزَ وَيُفَصَّلَ(١)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحَمْدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَغَيْرِهِمْ. (٣٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي اشْتِرَاطِ الوَلَاءِ وَالزّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ١٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ(٢)، ثَنَا عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ (حتى يُمَيَّزَ ويُفَصَّلَ) هؤلاء[١] حملوا التفصيلَ على المعنى المنفي منا، فوقعوا في ضيق عظيم مع أن علة النهي - وهي حرمة الربا أو شبهته - لم تكن محوجة إلى فصل في أجزائها، والذين رخصوا فيه هم الأحناف. ٣٣ - باب ما جاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك لما ثبتت حرمة الشرط الواحد فيما تقدم أمكن أن يستنبط من هاهنا إفادةٌ [١] قال النووي(٣): هذه المسألة هي المشهورة في كتب الشافعي وغيره بمسألة مُدّ عجوة، وصورتها: باع مُدَّ عجوةٍ ودرهماً بُمدّي عجوة أو بدرهمین لا یجوز لهذا الحدیث، وهو منقول عن عمر بن الخطاب وابنه وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه، قال مالك وأصحابه وآخرون: يجوز بيع السيف المحلَّ بالذهب وغيره مما هو في معناه بالذهب إذا كان الذهب في المبيع تابعاً لغيره، وقَدَّروه بأن يكون الثلث فما دونه، انتھی. [١٢٥٦] تقدم تخريجه في ١١٥٥. (١) في نسخة: ((تميز وتفصل)). (٢) في نسخة: ((بندار)). (٣) ((شرح النووي)) (٢٢/٦). ٧٧ أبْوَابُ الْبُيُوع فَاشْتَرَطُوا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ: ((اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا (١) الوَلاَءُ لِمَنْ أعْطَى الثَّمَنَ، أَوْ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ)). البيع [١] الفاسد مِلْكَ المشتري ونفاذَ العتق عليه، وذلك لأن البيع حينئذ يكون فاسداً الاشتراط ما ليس من مقتضيات العقد، ويعلم منه الفرق بين الفاسد والباطل أيضاً، والجواب عن (٢) ارتكابه مَّل له مع حرمته ووجوبفسخه ما مرّ في ارتكابه الأمورَ المنهيَّةَ لبيان الجواز من أن من التصرفات ما يحرم على غيره ويجب (٣) عليه ◌َّةٍ لبيان الشرائع والأحكام. قوله: (أو لمن وَلِيَ النعمةَ) شك من الراوي. [١] خلافاً لمن أنكر ذلك ولم يفرق بين الفاسد والباطل، فالحديث حجة للحنفية في أن البيع الفاسد مفيد للملك ولو عتق إذاً نفذ عتقه، وفي ((الهداية))(٢): إذا قبض المشتري المبيعَ في البيع الفاسد بأمر البائع، وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال ملك المبيع ولَزِمَتْه قیمتُه، وقال الشافعي: لا يملكه وإن قبضه لأنه محظور فلا ينال به نعمةَ الملك، وصار كما إذا باع بالميتة، ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى محله فوجب القولُ بانعقاده، وإنما المحظور ما يجاوره، والميتة ليست بمالٍ فانعدم الركن، انتهى مختصراً. [٢] وحاصل الإشكال صدور الإذن منه جثة بالشرط الفاسد كما في أحاديث الباب، ويزيد الإشكالَ ما ورد في بعض طرقها من نص قوله مّة لعائشة: ((واشترطي لهم الولاء))، وبسط الشيخ في ((البذل)»(٣) في الأجوبة عن هذا الإشكال، فارجع إليه لو شئتَ التفصيل. [٣] فإن بيان الشرائع واجب عليه ◌َّر صرح بذلك أهل الفروع، قال ابن نجيم (٤) بحثاً في التسمية: إنه يجوز ترك الأفضل له تعليماً للجواز كوضوئه مرةً مرةً تعليماً لجوازه، وهو واجب عليه، وهو أعلى من المستحب، انتهى. قلت: أما فعل الحرام لبيان الجواز فلم = (١) في (م): ((فإن))، والمثبت في هامشه. (٢) ((الهداية)) (٢/ ٥١). (٣) انظر: ((بذل المجهود)) (٥٥١/١١ -٦٦٣). (٤) ((البحر الرائق)) (١٩/١). ٧٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثُ حَسَنُّ صَحِيحُ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وَقَالَ: مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ يُكْتَى: أَبَا عَتَّابٍ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ العَظَّارُ البَصْرِيُّ، عَنِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ يَخْتَّى ابْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: إِذَا حُدِّثْتَ عَنْ مَنْصُورٍ فَقَدْ مَلَأَتَ يَدَكَ مِنَ الخَيْرِ لَا تُرِدْ غَيْرَهُ. ثُمَّ قَالَ يَحَْى: مَا أُجِدُ فِي إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ أَثْبَتَ مِنْ مَنْصُورٍ. وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: مَنْصُورٌ أَثْبَتُ أَهْلِ الكُوفَةِ. (٣٤) بَابُ ١٢٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي حُصَيٍْ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَ لَّ بَعَثَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى(١) أُضْحِيَّةً، فَأَرْبَحَ فِيهَا [٣٤ - بَابٌ] قوله: (بعث حكيم) إلخ، يُعْلَم منه جوازُ التوكيل في البيع والشراء. أجده، اللهم إلا أن يقال: إن المراد بالحرام في كلام الشيخ هو المكروه، قال البيجوري في = ((شرح الشمائل)): إنه مَّ﴾ قد يفعل المكروه لبيان الجواز، ولا يكون مكروهاً في حقه، بل يثاب عليه ثواب الواجب. [١٢٥٧] د: ٣٣٨٦، تحفة: ٣٤٢٣. (١) في نسخة: ((قال: فاشترى له)). ٧٩ أبْوَابُ البَيُوع دِينَارًا، فَاشْتَرَى أَخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالأَضْحِيَّةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ الله و صَلَ الله جـ ونـ قوله: (فاشترى أخرى) يعلم بذلك جوازُ بيع الفضولي،[١] فإن النبي ◌َّ لم يمنعه عن ارتكاب مثل ذلك، فكان تقريراً، وأما شراؤه فيتبادر منه شراء الفضولي، وليست تقع المشتراة لمن اشترى له الفضولي إلا إذا صرح بأني أشتري له، وأما إذا [٢] لم يصرح فلا يقع إلا عن المشتري لا للمشترى له، قلنا: هاهنا كذلك فإنها وقعت عن حكيم إلا أنه باع من النبي ◌َّة، ويمكن أن يكون شراء حكيم من ماله مّ حيث ذهب بديناره، وعلى هذا فهو للمشترى له لا للمشتري، وحينئذٍ فتصرف حكيم فيه لم يكن إلا تصرف الفضولي بيعاً وشراءً، وجاز الفعلان بتقريره مَثّة، وأما توكيله فقد انتهى بشراء الشاة الأولى، فكانت تصرفاته من بعدُ تصرفات الفضولي. [١] وفيه خلاف الشافعي كما في ((الهداية)(١) إذ قال: من باع مِلْكَ غيرِه بغير أمره فالمالك بالخيار: إن شاء أجاز البيعَ، وإن شاء فسخ، وقال الشافعي: لم ينعقد إلى آخر ما ذكره من الدلائل العقلية للفريقين، وذكر ابن الهمام(٢) مالكاً وأحمدَ مع الحنفية، واستدل لهم بحدیث الباب. [٢] ففي ((الدر المختار))(٣): لو اشترى لغيره نفذ عليه، إلا إذا كان المشتري صبيًّا أو محجوراً عليه فيوقف، هذا إذا لم يضفه الفضولي إلى غيره، فلو أضافه توقف، انتهى. أي: توقف البيع على رضاء من اشترى له، ولا ينفذ على المشتري كما نفذ عليه في الصورة الأولى. (١) ((الهداية)) (٦٨/٢). (٢) ((فتح القدير)) (٥٠/٧). (٣) ((الدر المختار)) مع ((رد المحتار)) (٣١٥/٧). ٨٠ الكَوَكَبْ الدُّرِّي فَقَالَ: ((ضَحِّ بِالشَّاةِ، وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ)). ثم قد يتوهم أن حكيماً حين اشترى الأضحية وسُلِّم أنه لم يكن من ماله، [١] ولا ذَكَرَ أنه إنما يشتريها له بََّ، فكيف تجزئ هذه عن أضحيته بَّ؟ فالجواب أما أولاً فإنا لا نسلم ما ذكره السائل من أنه لم يكن من ماله ولا من غير ذكره(٢)، كيف وظاهر حاله ◌َّ أنه أعطاه الدينار حين بعثه لشرائها، وأما ثانياً بعد تسليم ما ذكر فإن حكيماً حين سلم له الشاة واقتضى الدينار منه كان بينهما بيع تَعَاطِيًّا، فصارت الشاة بهذا البيع له مَثّ. قوله: (ضَحِّ بالشاة) فعلم أن أمر التضحية للغير جائز، (وتصدَّقْ بالدينار) اعلم أن أضحية الفقير تتعين بالشراء له، فليس له أن يستبدلها بغيرها، ولا ينتفع بدَرِّها وصوفها بعد ذلك، ولو فعل لَزِمَتْه قيمتُه، وأما أضحية الغني فلا تتعين بنفس الشراء له، وله أن يستبدلها بغيرها وينتفع بها وبدَرِّها ويربح فيها إن شاء، إلا أنه إذا عينها بعد ذلك ليس له الانتفاعُ بها، والنبي ◌َّة وإن لم يكن غنيًّا إلا أن الأضحية كانت واجبة [٣] عليه، وهو المعنيّ بالغناء فكان له حكم الأغنياء في وجوبها، فيتفرع عليه التفاريع المذكورة، فإن تفاوت ما بين الفقير والغني في الأحكام إنما هو منوط على وجوبها في الذمة وعدم الوجوب، ولذلك قلنا: إن الغني إذا عَيَّنَ شيئاً من ذلك للتضحية حرم له الانتفاعُ بظهره وبدَرِّه بعد ذلك؛ لأن الوجوب قد وجد وهو المدار، فلما باع [١] أي: مال النبي وَالثّل. [٢] أي: من غير ذكر أنه إنما يشتريها له هـ [٣] فقد عَدَّ الأضحيةَ من جملة الواجبات على النبي ◌ِّ الحافظُ في ((التلخيص الحبير))(١) والنووي في مبدأ ((تهذيب اللغات))(٢) وغيرهما. (١) انظر: ((التلخيص الحبير)) (١١٩/٣). (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣٨/١).