Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ مقدمة الكتاب سنة ألف ومائتين واثنتين وتسعين من الهجرة، المتوفى ثالث صفر سنة اثنتين وخمسين وألف وثلاث مائة، جمعها بعض تلاميذه أعني المولوي محمد چراغ الينجابي. ومنها: ما هو بأيدينا أعني ((الكوكب الدري على جامع الترمذي)) مع التعليق النفيس، وهو مجموع إفادات أفاد بها رأس الفقهاء والمحدثين في زمانه، شيخ مشایخنا، العارف الکبیر، مولانا رشید أحمد الگنگوهي ۔ قدس سره - عند درس الترمذي، جمعها تلميذه الرشيد الأديب الأريب، والمحدث الفقيه، مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - نور الله مرقده - مع تحشية نجله الرشيد، الذي هو سر أبيه، المستغني عن ذكر الألقاب والأوصاف، شیخ الحدیث مرشدنا ومولانا محمد زكريا الكاندهلوي متَّعنا الله والمسلمين بطول بقائه، وسيأتي من تراجم هؤلاء المشايخ الثلاثة في فصل مستقل. الشيخ العلامة رشيد أحمد الگنگوهي الشيخ الإمام العلامة المحدث، رشید أحمد بن هداية أحمد بن پیر بخش ابن غلام حسن بن غلام علي بن علي أكبر بن القاضي محمد أسلم الأنصاري، الحنفي، الرامفوري، ثم الكنگوهي، أحد العلماء المحققين، والفضلاء المدققين، لم يكن مثله في زمانه في الصدق والعفاف، والتوكل والتفقه والشهامة، والإقدام في المخاطر، والصلابة في الدين، والشدة في المذهب. ولد لستٌّ خلون من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائتين وألف، ببلدة گنگوه في بيت جده لأمه، ونشأ بين خؤولته، وكان أصله من رامبور، قرية جامعة من أعمال سهار نفور، وقرأ الرسائل الفارسية على خاله محمد تقي، والمختصرات في النحو والصرف على المولوي محمد بخش الرامبوري، ثم سافر إلى دلهي، وقرأ شيئاً من ١٢٢ الْكَوَكَبُ الدُّرِّي العربية على القاضي أحمد الدين الجهلمي، ثم لازم الشيخ مملوك علي النانوتوي، وقرأ عليه أكثر الكتب الدرسية، وبعضها على المفتي صدر الدين الدهلوي، وقرأ الحديث والتفسير أكثرهما على الشيخ عبد الغني، وبعضها على صنوه الكبير أحمد سعيد بن أبي سعيد العمري الدهلوي، حتى برع وفاق أقرانه في المعقول والمنقول، ورجع إلى كنكوه، وتزوّج بخديجة بنت خاله محمد تقي، ثم حفظ القرآن في سنة واحدة، ثم أخذ الطريقة على الشيخ الأجل إمداد الله بن محمد أمين العمري التهانوي، ولازمه مدة، ثم تصدر للتدريس بكنكوه، واتهموه بالثورة والخروج على الحكومة الإنكليزية سنة ست وسبعين ومائتين وألف، ثم حبسوه في السجن ستة أشهر ببلدة مظفر نكر، ولما ظهرت براءتُه أطلقوه من الأسر، فاشتغل بالدرس والإفادة زماناً يسيراً. ثم سافر إلى الحجاز بنفقة رجل من أهل رامبور سنة ثمانين ومائتين وألف، وكان شيخه إمداد الله المذكور خرج من الهند قبل ذلك نحو سنة ست وسبعين، فلقيه بمكة، وحج حجة الإسلام، ثم سافر إلى المدينة المنورة، فزار، ولقي شيخه عبد الغني، ثم رجع إلى الهند، واشتغل بالدرس والإفادة زماناً، وسافر إلى الحجاز مرة ثانية سنة أربع وتسعين في جماعة صالحة، منهم الشيخ محمد قاسم، والشيخ محمد مظهر، والشيخ يعقوب، والشيخ رفيع الدين، والشيخ محمود حسن الديوبندي، ومولانا أحمد حسن الكانبوري، وجمع آخرون، فحج عن أحد أبويه، ورحل إلى المدينة المنورة، وأقام بها عشرين يوماً، ولقي شيخه عبد الغني، ثم رجع إلى مكة، وأقام بها شهراً كاملاً، واستفاض من شیخه إمداد الله، ثم رجع إلى الهند ودرس وأفاد مدة بكنكوه، ثم سافر إلى الحجاز سنة تسع وتسعين، فحجّ عن أحد أبويه، وسار إلى مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لقي شيوخه، وعاد إلى الهند، ولازم بيته، فلم يخرج منه إلا مرة أو مرتين إلى ديوبند للنظر إلى شؤون المدرسة العربية بها. ١٢٣ مقدمة الكتاب وكان قبل سفر الحجاز في المرة الثالثة يقرئ في علوم عديدة من الفقه، والأصول، والكلام، والحديث، والتفسير، وبعد العود من الحجاز في المرة الآخرة أفرغ أوقاته لدرس الصحاح الستة، والتزم أن يدرّسها في سنة واحدة، وكان يقرئ ((جامع الترمذي)) أولاً، ويبذل جهده فيه في تحقيق المتن والإسناد، ودفع التعارض، وترجيح أحد الجانبين، وتشييد المذهب الحنفي، ثم يقرئ الكتب الأخر ((سنن أبي داود)) فصحيحي البخاري ومسلم، فالنسائي، فابن ماجه سرداً مع بحث قليل فيما يتعلق بالكتاب، ولم تكن له كثرة اشتغال بالتأليف. وكانت أوقاته موزعة، مضبوطة، يحافظ عليها صيفاً وشتاء، فإذا صلى الفجر اشتغل بالذكر والفكر في الخلوة حتى يتعالى النهار، ثم يتطوع ويقبل على الطلبة، وهم كبار العلماء والمحصلين، يدرّسهم في الفقه والحديث والتفسير، واقتصر في آخر عمره على تدريس الصحاح الستة، فلما كُفَّ بصره ترك التدريس وتوسع في الإرشاد والتحقيق، وبعد أن ينتهي من التدريس، يشتغل بكتابة الرسائل والردود، يجيب المستفتين، ولما عجز عن الكتابة لنزول الماء في عينه وكّل كتابة الرسائل وتحرير الفتاوى إلى تلميذه النجيب الشيخ محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي، وكان يحرص على أن ينتهي من كتابة الرسائل والفتاوى في يومها، فإذا انتهى من الكتابة تغذّى وانصرف يقيل ويستريح، فإذا صلى الظهر اشتغل بتلاوة القرآن من المصحف، وبعد ما كُفّ بصره كان يتلو حفظاً، ثم اشتغل بالدروس إلى العصر، وكان يجلس للعامة بين العصر والمغرب، فإذا صلى المغرب قام يتطوع، ثم ينصرف إلى البيت ويكون مع عياله ويتعشّى، فإذا صلّى العشاء - وكان يؤخر غالباً - انصرف إلى فراشه ينام ويستريح، وكان هذا دأبه على مرِّ الأيام. وكان آيةً باهرةً، ونعمةً ظاهرةً في التقوى، واتباع السنة النبوية، والعمل ١٢٤ الكَوْكَبُ الدُّرِّي بالعزيمة، والاستقامة على الشريعة، ورفض البدع ومحدثات الأمور، ومحاربتها بكل طريق، والحرص على نشر السنة، وإعلاء شعائر الإسلام، والصدع بالحق وبيان الحكم الشرعي، ثم لا يبالي بما يتقاول فيه الناس، لا يقبل تحريفاً، ولا يتحمل منكراً، ولا يعرف المحاباة ولا المداهنة في الدين، مع ما طبعه الله عليه من التواضع والرفق واللين، دائراً مع الحق حيث ما دار، يرجع عن قوله إذا تبين له الصواب، انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل ورئاسة تربية المريدين، وتزكية النفوس، والدعاء إلى الله، وإحياء السنة وإماتة البدع، وقد رزقه الله من التلاميذ والخلفاء ما يندر وجود أمثالهم في هذا العصر في الاستقامة على الدين، واتباع الشريعة الغراء، ونشر العلم النافع، وإحياء السنن، وإصلاح المسلمین، ونفع بهم خلائق لا تحصی بحد وعد. كان الشيخ معتدل القامة، متناسب الأعضاء، صدعاً في الجسم، عريض الجبهة، أزهر الجبين، أزجّ الجانبين، أنجل العينين في حباء، مستوي الأنف في شمم، کث اللحية، عريض ما بين المنكبين، له صوت عال في رفق ووضوح، دائم البشر، فصيح اللسان، جميل اللحن، وكان غاية في ذكاء الحس، ودقة الشعور، مقتصداً في حياته، متوسطاً بين الإفراط والتفريط، يحبّ النظافة والأناقة، طارحاً للتكلف، قد أرسل النفس على سجيتها. ومن كبار خلفائه: الشيخ خليل أحمد السهار نفوري، والشيخ محمود حسن الديوبندي، والشيخ عبد الرحيم الرائبوري، والشيخ حسين أحمد الفيض آبادي، ومن أشهر تلاميذه الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي، والشيخ ماجد علي المانوي، والشيخ حسين علي ألواني وآخرون. له مصنفات مختصرة قليلة، منها: ((تصفية القلوب))، و((إمداد السلوك))، و((هداية الشيعة))، و((زبدة المناسك))، و((هداية المعتدي))، و((سبيل الرشاد))، و((البراهين القاطعة ١٢٥ مقدمة الكتاب في الرد على الأنوار الساطعة)) للمولوي عبد السميع الرامفوري، طبع باسم الشيخ خليل أحمد السهار نفوري، وبعض رسائل في المسائل الخلافية والرد على البدع، وقد جمع بعض أصحابه رسائله في مجموعة، وجمعت فتاواه في ثلاثة مجلدات. وقد جمع تلميذه النجيب الشيخ محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي ما أفاد به في درسه لـ((جامع الترمذي))، وطبع باسم ((الكوكب الدري))، ودوّن ما أفاده في درس ((الجامع الصحيح))، ونشره ابنه الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي مع تعليقاته، وسماه: «لا مع الدراري)». كانت وفاته يوم الجمعة بعد الأذان لثمان خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة وألف. ترجمة الشيخ العلامة الشهير، مرجع أهل الفتوى مولانا محمد يحيى الكاندهلوي جامع هذا التعليق الأنيق هو العلامة الشهير، حافظ القرآن والحديث، مولانا محمد یحیی بن مولانا محمد إسماعيل بن غلام حسين بن حكيم كريم بخش الصديقي نسباً، والحنفي مسلكاً، والكاندهلوي وطناً. ولد في غرة محرم سنة ثمان وثمانين(١)، وكان ذلك آخر يوم من سنة سبع وثمانين، فسمي بالاسم التاريخي ((بلند أختر)) وكان كذلك، فإنه رحمه الله كان ذكيًّا فطناً من يوم ولادته، كان حفظ ربع الجزء الثلاثين من القرآن الكريم عند فطامه، وحفظ سائر القرآن إذ كان عمره سبع سنين، ومع ذلك قد قرأ الكتب الفارسية بتمامها عند عمه، والکتب العربية الابتدائية على والده، و کان والدہ۔قدس سره-قد (١) وقد وقع في ترجمته في آخر ((مقدمة اللامع)) لفظ (تسعين)) بدلاً من ((ثمانين)) غلطاً من الكاتب. ١٢٦ الكَوْكَبُ الدُّرِي أمره بعد فراغه من حفظ القرآن قبل شروعه في الكتب العربية أن يقرأ كل يوم القرآن المجيد مرة واحدة، فكان يبتدئ من بعد الفجر ويختم قبيل صلاة الظهر، وتسلسل عمله ذلك إلى ستة أشهر، وقرأ بعض الكتب الدرسية في مدرسة حسين بخش في دهلي، وأكثر كتب المعقول في المدرسة العربية التي كانت في بلدة كاندهلة، وكان العلامة الشهير مولانا يد الله السنبهلي مدرساً في تلك المدرسة، وكان ماهراً في العلوم العقلية يشار إليه بالبنان، لكنه لم يكن ماهراً في علم الأدب العربي. و کان الشیخ مولانا محمد یحیی ماهراً في کتب الأدب حافظاً لها، درس كتبها بدون النظر إلى الكتاب إلى آخر عمره، فكان الشيخ يقرأ عليه كتب المنطق، ويقرأ الشيخ الأستاذ على مولانا محمد يحيى المقامات للحريري، وبعد الفراغ من الكتب الدرسية كلها غير كتب الصحاح اشتغل بالتدريس في مدرسة والده في قرية نظام الدين بدهلي، وتجنب عن أخذ كتب الصحاح عن غير قطب الأقطاب شيخنا الكنگوهي، وكان حضرة الإمام الكنگوهي إذ ذاك تاركاً مشاغل التدريس لأعذار حدثت له في تلك الأزمنة، فلما وصل إلى حضرته الخبر من عطشى الحديث الذين فيهم القابلية التامة سيما حضرة الموصوف - نوّر الله مرقده - وألحّوا عليه بحيث لم يجد بدًّا من إسعاف مرامهم، لبّ تدريسه في شوال سنة إحدى عشرة بعد ألف وثلاث مائة، فقرأ عنده الكتب الصحاح في السنتين بغاية التدبر والإتقان، وقيّد بالكتابة فوائد تقاريره، ثم أقام عنده، وبايع على يده، واجتهد في خدمته، حتى قال الشيخ الكنگوهي: إن المولوي محمد يحيى عصاي أتوكأ عليها، وكان يكتب مكاتيبه وفتاواه إلى أن توفي القطب الكنگوهي، فتوجه إلى أجلّ خلفائه حضرة الشيخ مولانا خليل أحمد المهاجر المدني صاحب ((بذل المجهود في شرح سنن أبي داود))، فأعطاه الشيخ خليل خرقة الخلافة وعمّمه العمامة التي عمّمها سيّد الطائفة حضرة الحاج إمداد الله المهاجر المكي قائلاً بأنك جدير بهذه العمامة، ووارث لها بالحقيقة، وكنت أميناً لها إلى أن أوصلها إلى ١٢٧ مقدمة الكتاب مستحقها، ثم ناب مناب الشيخ خليل أحمد في تدريس الصحاح في المدرسة العلية الشهيرة بمظاهر علوم من سنة ثمان وعشرين إلى أن توفي رحمه الله في العاشر من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين بعد ألف وثلاث مائة في الساعة التاسعة صبيحة يوم السبت داخلاً تحت قوله پی: «المبطون شهید»، نور الله مرقده وبرد مضجعه. وكان - رحمه الله - تلاء للقرآن، بكاء في الليالي والناس نيام، فكان يتلو القرآن في الليل حتى يغلب عليه البكاء رحمه الله رحمة واسعة، وقد ذكرت ترجمته في (مقدمة أوجز المسالك)) و((اللامع))، وفي (تذكرة الخليل)) باللغة الأردية. ترجمة المحشي بركة العصر المحدث الشهير مولانا محمد زکریا لا زالت شموس فيوضه بازغة هو حافظ القرآن والحديث، حجة الله على العالمين، حضرة العلامة الشيخ محمد زكريا بن العلامة مولانا محمد یحیی (المذكور ترجمته سابقاً)، ولد لعشر خلون من رمضان سنة خمس عشرة وثلاث مائة وألف ليلة الخميس في الساعة الحادية عشرة، وأخذه والده العلامة بمعالي الأمور وهضم النفس، والانقطاع إلى العلم، والعكوف على المطالعة، وغير ذلك من فضائل الأخلاق ودقائق التربية، فنشأ على هذه الخصال الحميدة، وبدأ حروف الهجاء على الدكتور عبد الرحمن المظفر نگري من أصحاب الشيخ الجليل الكبير مولانا رشيد أحمد الكنگوهي، وحفظ القرآن على والده، وقرأ كتب الفارسية على عمه مولانا الشيخ محمد إلياس رئيس الدعوة الإسلامية، وكُتُبَ الصرف على والده، ومكث في گَنگوه إلى سنة ثمان وعشرين هجرية، ثم جاء إلى بلدة سهار نفور، وقرأ باقي الكتب الدرسية في جامعة مظاهر علوم، ثم عيّن مدرساً في الجامعة المذكورة في المحرم سنة خمس وثلاثين، ١٢٨ الكَوَكَبُ الدُّرِّي وبايع على يد الشيخ الجليل مولانا خليل أحمد - قدس الله سره -، وأجازه الشيخ الجليل في الطرق الأربعة المعروفة في ذي القعدة سنة خمس وأربعين بالمدينة المنورة، وقد حج ثلاث حجات مع الشيخ الجليل مولانا خليل أحمد قدس الله سره، ثم سافر للحج مرة رابعة بطلب من ابن عمه الحبيب الشيخ محمد يوسف، ومرة خامسة مع الشيخ إنعام الحسن أمير جماعة التبليغ وختنه العزيز. وكانت رحلته الأولى إلى الحجاز في شعبان سنة ثمان وثلاثين، والثانية كانت في شوال سنة أربع وأربعين، ومكث هناك سنة وحج الثالثة، وفي شهر الله المحرم سنة ست وأربعين رجع إلى سهارنفور، وبدأ يدرس ((سنن أبي داود))، ويضيف إليه دروساً أخرى في الحديث، ولم يزل يتدرج فيها حتى أصبح رئيس أساتذة هذه المدرسة، وانتهت إليه رئاسة تدريس الحديث أخيراً، وكان أكثر اشتغاله بتدريس ((سنن أبي داود))، ويدرس النصف الأول من ((صحيح البخاري)) في آخر السنة، وبعد وفاة الشيخ عبد اللطيف مدير المدرسة آل إليه تدريس ((الجامع الصحيح)) بكامله، فواظب عليه مدة طويلة مع ضعف بصره وأمراضه الكثيرة، ولم يعتذر عنه إلا في أول السنة الدراسية في سنة ثمان وثمانين بعد ألف وثلاثمائة. ومن منن الله تعالى عليه انهماكه في خدمة الحديث الشريف، والعكوف عليه دراسةً وتدریساً، وتصنيفاً وتأليفاً، واختلط حبه والاشتغال به بلحمه ودمه، حتى صار ذلك علماً علیه، ولقباً أشهر من اسمه، فليس الحدیث له صناعة وعلماً فحسب، بل هو ذوق و حال یعیش به ویعیش فيه. وأيضاً من مننه تعالی حب شيخه له، وإيثاره إياه، واختصاصه به، وقد حاز ثقته ورضاه، ودعواته الصالحة بحسن صحابته ووفائه وتفانيه في مرضاته، وكذلك لم يزل محبباً أثيراً عند جميع الشيوخ العظام، والمعاصرين الكبار. ١٢٩ مقدمة الكتاب وأيضاً من منن الله تعالى عليه أنه سبحانه وتعالى أغناه عن الوظائف والمرتبات والاشتغال بالتكسب، ورزقه الاعتماد عليه والتوكل وعلو الهمة، فلم يزل يدرس الحديث الشريف في المدرسة المذكورة محتسباً متطوعاً، لا يأخذ عليه أجراً. ومنها شدة اتباعه لسلفه الصالح وحبه وانتصاره لهم، وتمسكه بأهدابهم، وكراهته لمحدثات الأمور، والاشتغال بخاصة النفس وخدمة العلم والدين. ومنها علو الهمة في العبادة، وإحياء ليالي رمضان، وتلاوة القرآن، والمواساة، والضيافة، والإعانة على نوائب الحق، وحمل الأثقال، وأداء الحقوق، بارك الله تعالى في أيامه ونفعنا بأنفاسه. و کان مما أكرمه الله به أن شيخه أبدى رغبته وحرصه الشديد على وضع شرح لـ ((سنن أبي داود))، وطلب منه أن يساعده في ذلك، وأن يكون له فيه عضده الأيمن وقلمه الكاتب، وكان ذلك مبدأ سعادته وإقباله، ووسيلة وصوله إلى الكمال، فكان شيخه يرشده إلى المظانّ والمصادر العلمية التي يلتقط منها الموادّ، فيجمعها الشيخ ويعرضها على شيخه الجليل، فيأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء، ثم يملي عليه الشرح فيكتبه، وابتداء العمل فيه كان في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة وألف، فلم يزالا مكبين على إتمام هذا الشرح، منقطعين إليه لا يتخلله إلا العبادة، والفرائض الدينية، والأمور الطبيعية حتى حقّق الله سبحانه وتعالى أمنيتهما، فتمّ الشرح لثمان بقين من شعبان سنة خمس وأربعين الهجرية، في روضة من رياض الجنة في الربوع المقدسة ومهبط الوحي مدينة الرسول بَليّة، [انتهى ملخصاً ومختصراً من تقديم الشيخ العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي على ((مقدمة اللامع)) و((الأوجز))]. والله سبحانه وتعالى وفقه لتأليف عدة كتب نافعة للمسلمين، حازت قبولاً عظيماً. ١٣٠ الكَوَكَبُ الدُّرِي منها: ((أوجز المسالك شرح الموطأ للإمام مالك))، فشرحه شرحاً وافياً، فجاء الكتاب في ستة مجلدات كبار، وأعجب العلماء لا سيما العلماء المالكية، وأهل الصناعة بحسن تأليفه، وتحري الصحة، والدقة في نقل المذاهب، ورحابة الصدر في ذكر الدلائل والحجج لها، والكتاب مأثرة علمية كبيرة، قد كانت مدة تأليفه ثلاثين سنة، وعلى هذا الشرح مقدمة له علمية ضافية في علوم الحديث وما يتصل بالكتاب ومؤلفه من معلومات وفوائد قيمة(١). ومنها: تعليقه على أمالي درس الشيخ قطب الأقطاب مولانا رشيد أحمد الگنگوهي في ((جامع الصحيح)) للإمام البخاري، قد طبع ونشر مع مقدمة ضافية، وتعليقات قيمة، وتحقيقات أنيقة، سماها ((لامع الدراري على جامع البخاري)) في ثلاثة مجلدات. ومنها: هذا التعليق الأنيق على «الكوكب الدري)). ومنها: ((جزء حجة الوداع والعمرات)»، وهي رسالة صغيرة وجيزة، وموسوعة فيما يتصل بحجة النبي ◌َثّ، تغني قراءتها عن كثير مما سواها، وهي تقع في جزأين: تناول في الأول منهما حجته مَليّة، وفي الثاني عمراته وعددها وتحديدها وتفاصيلها، وما اشتملت عليه من أحكام فقهية، وبحوث تاريخية، وفوائد عملية، وتحقيقات حديثية (٢) ومنها: «الأبواب والتراجم لصحيح البخاري»، وکان المؤلف-رحمه الله-قد تناول فيه كل كتاب من كتب ((الجامع الصحيح))، وتكلم على أبوابها وتراجمها باباً (١) طبع هذا الكتاب بتحقيقنا في ١٨ مجلداً سنة ١٤٢٤ هـ من دار القلم دمشق. (٢) طبع هذا الكتاب بتحقيق ولدي الدكتور ولي الدين الندوي بأبوظبي. ١٣١ مقدمة الكتاب باباً، وترجمةً ترجمةً، فجاء الكتاب سفراً ضخماً، قد يقع في عدة أجزاء، قد طبع منه ثلاثة أجزاء: الأول والثاني والثالث، ولا يعرف قيمة هذا الكتاب، وما فتح الله به على مؤلفه من الرأي السديد والقول الصائب إلا من مارس هذه الصناعة (١). ومنها: ((كتاب خصائل النبوي)) ترجمة وشرحاً لـ(الشمائل)) للإمام الترمذي باللغة الأردية مع تحشية عربية، ومنها كتب الفضائل باللغة الأردية، ونقلت إلى عدة لغات كالإنجليزية واليابانية غير لغات الهند، وانتشرت انتشاراً واسعاً، ونفع الله بها خلائق لا يحصون، ندعو الله أن ينفعنا إيانا وطلبة العلم وأساتذة الحديث بمؤلفاته القيمة، وأن يبارك في حياته، وينفع به المسلمين ويعز به العلم والدين، وهذا آخر ما أردت إيراده ممتثلاً لأمر شيخي ومرشدي شيخ الحديث مولانا محمد زكريا الكاندهلوي متّعنا الله والمسلمين بطول بقائه، والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على نبيه سرمداً ودائماً. محمد عاقل عفى عنه يوم الجمعة ١٩/ رجب سنة ١٣٩٤ هـ (١) طبع هذا الكتاب أيضاً بتحقيق ولدي الدكتور ولي الدين الندوي بدار البشائر الإسلامية بیروت في خمسة مجلدات ضخمة. ١٣٣ مقدمة المحشي الحمد لله الذي آتانا من لدنه رحمة، فهيأ لنا من أمرنا رشداً، وأنزل لنا من أمره روحاً يحيى به قلوب السعداء، ويصير للأشقياء شهاباً رصداً، أرسل سيد الرسل بالرشد والفلاح، فالعاضون بالنواجذ على سننه هم الأحباء لله وأولياؤه، ونشر به الحكم والمعارف، فالمبلغون لمقالاته بعد سماعها هم الناضرون وجوهاً يوم القيامة وأصفياؤه، وعلى آله وصحبه وأتباعه، الذين أراد الله بهم الخير، ففقّههم في الدين والشرائع، وجعلهم أئمة وهداة يخرجون الناس من غياهب الشكوك والأوهام إلى أنوار الحجج السواطع، أفاض عليهم من العلوم اللدنية ما خلت عنه الدواوين والأسفار، وكلت دون إدراكها أذهان ذوي الألباب الذكية والأبصار، غرسهم بأيدي الكرامة، فالمقتطفون من ثمار جهدهم هم النجباء الفائزون، وجدد بهم الدين القويم، فالمتبعون لآثارهم هم السعداء الناجحون. أما بعد: فمن أعظم ما من الله به على هذه الملة البيضاء أن بعث لها مجددين مثل حضرة قطب الأقطاب، رئيس ذوي الفضل والألباب، إمام الأئمة، مقتدى الأجلة، مقدام الحكماء، مفتخر النجباء، من بأنفاسه الشذية تحيى النفوس والأرواح، وبهمته القدسية تتجلى القلوب وتتزكى الأشباح، ملأ أطباق الأرض شرقاً وغرباً بالمعارف والإيقان، ونشر في أرجاء الغبراء فوائح السنة والإحسان، أبي حنيفة الزمان، وشبلي الدوران، أمير المؤمنين في الحديث، حجة الله على العالمين، العارف بالله، شمس ١٣٤ الكَوَكَبُ الدُّرِّي العلماء، مولانا أبي مسعود رشيد أحمد الأنصاري الأيوبي الكنكوهي الحنفي الجشتي النقشبندي القادري السهروردي - قدس الله سره العزيز -، فإنه-رحمه الله تعالى - ترعرع مُجِدًّا في العلوم الدينية، وارتحل لها إلى البلدان القصيّة، وحضر حلق أفاضل مشايخ الزمان، فتفقّه وسمع، وخاض بحار العلوم وأسفار الفنون لدى الكمل من أساتذة الدوران(١). ولم يزل هذا دأبه حتى مهر في سائر العلوم، سيما علوم السنن والأحاديث النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية، فما انفكّ مرتقياً قللها الشامخة، حتى أشير إليه بالبنان، بأنه هو السابق في الميدان، وضربت إليه أكباد الإبل من کل فجِّ عميق من الهند، والسند، وآفاق الصين والخراسان، فهرعت إليه عطشى السنن، يغترفون من بحار حديثه، ويصدرون بالارتواء، فمن مستكثرٍ ومُقلَّ ومنهوم، لا يكاد ينقطع له العطش والظمأ، هذا وإن من لم تساعده المقادير لم يزل أيضاً مذعناً بجنانه، ومقرًّا بلسانه: أنه هو المتوحد في زمانه، والمتفرد في أوانه، وكيف لا؟ فإن القوة الاجتهادية، وحافظة الحديث، وملكة الاستنباط، وإجادة وجوه التطبيق بين الأحاديث المختلفة، وإظهار محاسن الارتباط بين المضامين المتنافرة، وكمال العدالة والتقدس، والتبحر في العلوم العقلية والنقلية، والبراعة في الفقه والأصول، والحيازة في الآلات والمقاصد، والارتقاء على قلل المعارف الإلهية، والاكتساب بوجوه الحضور الدائم مع الاستقامة الشرعية، لم توجد بمثابته لدی أحد في زمانه، لا منفردة ولا مجتمعة: وَلَيْسَ عَلَى الله بِمُسْتَشْكِرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. (١) أي: الزمان. ١٣٥ مقدمة المحشي والحقيقة التي لا تنكر أن الله سبحانه وتعالى قد تفضّل عليه برابطة روحانية قوية بسيد الرسل عليه أكمل الصلوات وأفضل التحيات، والفنائیة فیه، حتى صارت العلوم والمعارف تنعكس على قلبه الأطهر من مشكاته عليه السلام، فإذا خاض في بحار معاني الحديث والآيات تشاهد كأن الكلمات والجمل تصدر من حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام، وذلك فضل الله لیس یجحد. ومن هاهنا كان الحضار لمجلس التحديث يزدادون شغفاً وتوقاً لدى تكلمه وإفادته، فلم يكادوا أن يقنعوا بسكوته في تيك المجالس الذكية، وكانوا يشتاقون إلى جريانه في أساليب الكلام وتقدير السنن وتحقيق المسائل، ولعل هذا السر هو الذي أحدث وجود جذبات العمل بالسنة في تلاميذه فوق ما يوجد في عامة طلبة العلم، وكان رحمه الله تعالى يهتم جدًّا لتطبيق الأحاديث المختلفة بادي الرأي، وجُلَّ توجّهه إنما كان إلى الدراية وفقه الروايات لا سرد متون الروايات فقط، كما هو دأب عامة المحدثين في الأزمنة المتأخرة، وكانت الأنوار والبركات المعنوية والسكينة القلبية تسكب هطالة على قلوب المسترشدين والتلامذة، يشاهدها أرباب البصائر والقلوب. وكان رحمه الله تعالى في ابتداء الأمر يشتغل بتدريس الفقه والأصول والتفسير أيضاً علاوة على الحديث، ولكنه اقتصر في أواخر عمره على تدريس الحديث فقط، وكانت الأمهات الست تبتدئ عليه في أوائل شوال، وتختم إلى أواخر شعبان، فجرت هذه الوتيرة نحواً من عشرين سنة، وتخرج عليه في هذه المدة ما ينوف من ثمان مائة رجل من الفضلاء والأذكياء. ثم عاقه رحمه الله تعالى عن هذا الاشتغال تواتر الآلام والبلايا، كما هو سنة الله في المقربين، فإن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، وكذلك تكاثرت عليه ١٣٦ الكوَكَبُ الدُّرِي الفتاوى من سائر الأقطار والبلاد، وهجمت على أعتابه العلية ظمأى المعارف الروحانية، وعطشى شراب القرب والمرضاة الربانية، وقصّاد النسبة الإلهية، فأشغلته عما كان بصدده من عنفوان شبابه، فقصد أن يترك الاشتغال بالتدريس والإسماع، ورأى أن الأهم حينئذ غيره مما ذكر آنفاً، وكان سيدي الوالد حضرة مولاي وسندي وملجئي وملاذي ووسيلتي في الدارين مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - قدس الله سره العزيز - بعد فراغه عن سائر الكتب الدرسية النظامية مجتنباً عن قراءة الحديث ظنًّا منه أن الاشتغال به عند غير الماهر المتقن المتضلع بالعلوم العقلية والنقلية، المتكمل للآلات والمقاصد مقدمة لسوء الظن بالأئمة المجتهدين، بل مرادف لترك تقليد هؤلاء الکرام، شموس الهدى ومصابيح الظلام. فقد جرّب غير مرة أن أهل الزمان لم يستفيدوا بمثل هذا إلا اللعن على أوائل الأمة، والطعن عن منار الهدى والأئمة، والسب والشتم للأخلاف، والعناد والبغض بالأسلاف، فالأحرى أن لا يشتغل والحالة هذه بعلم الحديث، وحيث إنه - رحمه الله تعالى - كان قرأ سائر الفنون والكتب في مدرسة حسين بخش المرحوم الواقعة بدهلي، المشهورة إذ ذاك بحسن التعليم والتدريس وكمال النظام، فلما حان اختتام بعض السنين، أعلن أراكين المدرسة بأسامي من يعطى له حسب العادة سند الفراغ والعمامة في تلك السنة بعد الامتحان في الكتب الانتهائية، فأعلنوا اسم سيدي الوالد المرحوم في جملة من يمتحن في «صحيح البخاري))، وحيث إن سيدي الوالد المرحوم كان مصرًّا على عزمه المذكور آنفاً، فلم يحضر في شيء من كتب الحديث بالمدرسة ولا غيرها، ولم يقرأ منها إلى تلك الساعة ولا سطراً، فشدّد النكير على أراكين المدرسة على إعلان اسمه، وأبى كلَّ الإباء عن قراءة الحديث والامتحان في ١٣٧ مقدمة المحشي كتبها، وأولئك كانوا يصرون على امتحانه والقراءة لما يعرفون من ذكاوته وحفظه، وأنه إذا امتحن يعلو على أقرانه، فيصير سبباً لشهرة المدرسة بين الناس، فقالوا: إن المدة الواقعة بين الإعلان والامتحان طويلة تنوف عن خمسة أشهر، فيسهل لك فيها أن تفرغ عن قراءة ((الجامع الصحيح)) للبخاري، بل وعن سائر الصحاح الستة فلم یلق بالاً لمقترحهم. ولما رأوا أنه لا يواتيهم على مقصودهم، رفعوا الأمر إلى سيدي الجد المرحوم أعني مولاي الحافظ محمد إسماعيل - قدس الله سره العزيز-، وألحّوا عليه إلحاحاً غير معتاد، وطلبوا منه أن يأمر ولده سيدي الوالد الموما إليه آنفاً أمر إيجاب بإسعاف ما يراد، فقبل حضرة الجد المرحوم بغيتهم، وحكم على سيدي الوالد المرحوم حكماً بأنَّا بإتيان ما يطلبون، فلم يجد بدًّا عن الإسعاف، فأراد أن يشترك الامتحان بالمطالعة فقط، بدون أن يقرأ الكتاب لدى أحد من مدرسي المدرسة، ففرغ نفسه لمطالعة ((صحيح البخاري)) وحواشيه والشروح، واختلى عن الناس في حجرة ذات بابين بمسجد سلطان نظام الدين المرحوم، وكان أحد البابين ينفتح إلى المسجد، والآخر إلى الصحراء، فأما الأول فكان يغلقه على نفسه دائماً، ويفتحه للصلوات لدى تكبيرة الافتتاح، ويحضر الجماعة، ثم يغلق، ولا يأتي بالرواتب وغيرها إلا بالحجرة، وأما الثاني فكان مفتوحاً دائماً لتلاميذ الجد المرحوم، الذين كانوا موظفين بإحضار الطعام والحوائج الأخر، فكانوا يضعونها في أمكنتها المعينة، فمضى على هذه الحالة زمان طويل لا يدري أهل المحلة بوجوده هناك. ومن غرائب ما وقع في تلك الأيام، أنه جاء التلغراف من كاندهلة، طلباً لقدومہ إلیھا للنكاح، فردوه قائلین: إنه ليس بموجود هاهنا منذ مدة مدیدة، و کان- ١٣٨ الكَوْكَبُ الدُّرِّي رحمه الله تعالى - لدى مطالعة ((صحيح البخاري)) وحواشيه وشروحه، يطالع ((سيرة ابن هشام))، و((معاني الآثار)) للطحاوي، و((الهداية))، و((فتح القدير)) فاستوعبها بغاية الدقة والإمعان، فلم يأت أيام الامتحان إلا وقد فرغ من هذه الكتب جملتها، وعلق في صدره سائر المضامين المندرجة فيها بغاية الإتقان، فكان من ثمرات ذلك أن حضرة الممتحن أعني صدر الأفاضل، فخر الأكابر والأماثل، مولانا خليل أحمد الأنصاري صدر المدرسين بمظاهر علوم، وشارح أبي داود، لما امتحنه واطلع على أجوبته فرح جدًّا، وقال: إن كثيراً من علماء الزمان والمدرسين لا يقدرون أن يكتبوا مثل هذه الأجوبة، وأطرى في مدحه بين الناس جدًّا. ثم ذهب إلى أمير المؤمنين في الحديث حضرة القطب الگنگوهي قدس سره الموما إليه سابقاً، فمدح سيدي الوالد لدى حضرته، وأبدى أن حسن قابليته للعلوم الدينية حفظاً وفهماً من عجائب الزمن، فمثله لا ينهر عن الأنهار، ولا يزجر عن اغتراف البحار، فلا بدّ من فتح دورة الحديث وتدريسه له خاصة، فإنه لم يأت على أعتابك تلميذ يتوسم فيه ما يتوسم في المولوي محمد يحيى، ولم يزل يمدح ويشفعه ويُظهر كمال قابليته إلى أن رضي حضرة القطب الگنگوهي - قدس الله سره العزيز - بتدريس دورة الحديث، فشرع فيها بغاية الطمأنينة والتحقيق، فلولا نزول الماء في عيني حضرته - قدس الله سره العزيز - الذي اضطرّه إلى ختم الدورة تيك في مقدار سنتين لأدّى الأمر إلى مدة طويلة تنوف عن أربع أو خمس سنوات، ولما فاز حضرة الوالد المرحوم بمرامه الذي كان مضطرباً له منذ مدة مديدة سُرّ جدًّا، وبذل غاية جده في سائر ما يلزم لطالب العلم عموماً، ولطالب الحديث خصوصاً، فكان يقول: إنه لم يفتني شيء من روايات الصحاح الستة، وكتب الدورة عن السماع أو القراءة لدى حضرة الأستاذ قدس الله سره العزیز. ١٣٩ مقدمة المحشي وكان رحمه الله تعالى بعد الفراغ عن الدرس يكتب سائر ما يسمع من حضرة الأستاذ باللغة العربية، فهذه المجموعة المهداة إلى أرباب البصائر هي تلك المضامين التي جمعها حضرة سيدي الوالد - قدس الله سره العزيز -، حتى ينتفع بها العامة من أرباب العلم والكمال، وكان يقول: إني كنت في أيام كتابة التقريرات لا أشتغل بعمل ما ما لم أفرغ من الكتابة المذكورة، ثم كنت أعطي من طلبها من الشركاء، فيكتبون تقاريرهم بالهندية بالاستعانة منها، وهي وإن كانت قليلة الحجم والمبنى، ولكن الفطن المُمعن لن يتوقف في أنها بحر زاخر أُحْرِزَ في كُوزٍ، فاحتوت على كثير من المباحث العلية، والنكات العلمية، والفوائد العظيمة، التي خلت عنها الشروح والحواشي، ولأجل ذلك صرف عدة من فضلاء العصر مبلغاً جسيماً لاستنساخ هذه المجموعة، فاستفاد بها لدى تدريس الحديث، وكثيراً ما كنت أشتهي أن تطبع هذه التقارير فتحفظ عن الضياع، ويعم نفعها لأرباب العلم. ثم قوى هذا العزم إصرار بعض الأكابر على ذلك فوق العادة، لكنه كان يعوقني عن الإقدام إلى ذلك أن جامعها وإن كان صاحب صفات كاملة من التبحر العلمي والذكاوة، وقدرة التحرير ومهارة الأدب، وقد اهتم بكتابته جدًّا، لكنها لا تفوق عن درجة المسوّدات اللاتي لم تفز بالنظر الثاني من المؤلف، ولا تبييضها، فكنت أشتهي أن يتوجه إليه أحد من المهرة أصحاب الفن فينظر إليه ثانياً، فإن وجد فيه زيادةً أو نقصاً أزال منه ما لا بدّ من إزالته، وأصلح فيه ما يحتاج إلى ذلك، ولكني رأيت أن الكمل الذين هم أهل الفن حقيقة لا يتفرغون لذلك، فإن المشاغل قد أحاطت بهم إحاطة الهالة بالقمر، ومن ليس في درجتهم لا اعتداد بهم، وهذا الذي حيّرني وأخّرني إلى هذه المدة. ١٤٠ الكَوْكَبُ الدُّرِّي فلما رأيت أن أناساً يريدون أن يستنسخوها مني، ثم يطبعوها خفية، ووجدت أناساً طبعوا بعض الأجزاء مما استنسخوها عن نسخة نقلت عن الأصل، فمسخوها وحرّفوها وصحّفوها، فرأيت أن طبعها بالحالة الراهنة أولى وأفيد من هذه الطباعات الممسوخة، فتوكلت على الله، وشمّرت عن ساق الجد، ثم وجدت تأييدات غيبية حركتني إلى ذلك وأزعجتني، فإن تقارير بعض المجلد الثاني من الترمذي ضاعت في حياة سيدي الوالد المرحوم لغفلة بعض الناسخين، فسعى حضرته لتحصيلها، فلم يفز، ثم سعيت جدًّا فلم أصل لا إلى الأصل ولا إلى نقله، وكنا في غاية القنوط واليأس من جهتها، إذ فزت بنقل ذلك من مكتبة مولانا فتح محمد المرحوم التهانوي، نسخ من الأصل في سنة ١٣١٣ هـ، فوصل إليّ بتأييد بعض طلاب الحديث، فوجدته تأييداً غيبيًّا وأمراً إلهيًّا، حضّني على الإسراع والتعجيل، وزجرني عن التوقف والتأخير، وكذلك ظهرت محركات عديدة وتأييدات متواترة من غير ما ذكر، أفهمتني أنه قد جاء أوان طبعها، فاعتصمت بالله سبحانه، فنظرت إلى الأصل، ثم طبعتها وقدمتها للناظرين. وحيث إني لست من فرسان هذا الميدان، ولا لي فراغ من أجل تسويد ((أوجز المسالك في شرح الموطأ للإمام مالك))، والمشاغل التدريسية وغيرها مما يتعلق بالمدرسة، لم يتيسر لي النظر إلى الأصل بالإتقان والتدبر التام، فإنه يحتاج إلى ملكة قوية، وفراغ تام، فحيثما ظهر لي في بادي الرأي شيء من سبق قلم أو إجمال مخل أو غير ذلك أشرت له في الحاشية إحالة إلى أنظار أرباب الفضل والنَّهى، فيحققوا هنالك، وليصلوا إلى ما هو الصحيح المحكم بآرائهم الثاقبة، وأفكارهم الثابتة، بيد أني أصلحت بنفسي سبق قلم كان في غاية الوضوح، وزدت في بعض الأمكنة