Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
٦ - كتاب الصوم
رَوَاهُ مالِكٌ وغَيْرُ واحِدٍ، عن يحيى بنِ سَعِيدٍ عن عمرة مُرْسَلاً، وَرَوَاهُ الأوْزَاعِيُّ وسُفْيانَ
الثَّوْرِيِّ وغيرُ واحدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائِشَةَ.
والعَمَلُ على هذا الحديثِ عِنْدَ بعْضٍ أَهلِ العلمِ يقُولُونَ: إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يَعْتَكِفَ صلّى
الفَجْرَ ثم دَخَلَ في مُعْتَكَفِهِ. وهو قَوْلُ أَحمدَ وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا أرادَ أَنْ
يَعْتَكِفَ فَلْتَغِبْ لهُ الشمسُ منَ الْلِيْلَةِ التي يُريدُ أنْ يعْتَكِفَ فيها مِنَ الغَدِ، وقد قَعَدَ في مُعْتَكَفِه
وهو قولُ سُفْيَانَ الثَّوْريِّ ومالِك بن أنَّسٍ.
٧٢ - بابُ: مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ
٧٩٢ - حدَّثنا هارُونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمانَ، عن هِشَام بنِ
عُزْوَةَ، عن أبيهِ، عن عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهَ يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ
وَيَقُولُ: ((تَحرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)) .
وفي البابِ، عن عُمَرَ، وأَبَيِّ، وجابِرِ بنِ سَمُرَةً، وجابِرِ بنِ عبدِ الله، وابنٍ عُمَرَ،
(٧٢) باب ما جاء في ليلة القدر
واعلم أن في ليلة القدر أقوالاً، والجمهور إلى أنها في رمضان، ثم قيل: دائرة، وقيل: متعينة
ثم أرجاها العشر الأواخر، وأرجاها الأوتار، وأرجاها الحادية والعشرون، أو الثالثة والعشرون، أو
الخامسة والعشرون، أو السابعة والعشرون، وأرجاها السابعة والعشرون، وفي رواية مشهورة عن أبي
حنيفة أنّها دائرة في السنة كلها، وله حديث أخرجه الطحاوي ص(٥٣)، ج (٢) قال ابن مسعود: ((من
قام السنة كلها وجد ليلة القدر إلخ))، وفي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة، وقول صاحبيه: إنها في
رمضان كما في فتاوي قاضي خان، ثم قيل: دائرة، وقيل: متعينة، وقال الشيخ عمر النسفي في
منظومته :
دائرة وعيناها فادر
وليلة القدر بكل الشهر
ويؤيد هذا القول ما في معاني الآثار ص(٤٩)، ج(٢) عن ابن مسعود قال: هي في كل رمضان
إلخ، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون مراده في كل رمضان إلى يوم القيامة إلخ، وعلى الأول تكون
رمضان غير منصرف والكل للإجزاء، وعلى الثاني يكون رمضان منصرفاً فإنه إذا نكر صُرِفَ ويكون
الكل للإفراد، وقال الشيخ الأكبر: إني رأيتها في خارج رمضان مراراً كما قال أبو حنيفة، وفي
الصحيحين وغيرهما: ((أنه عليه الصلاة والسلام أتى المسجد ليعين ليلة القدر للناس فرأى رجلين
يتنازعان فرفع علمه بسبب نزاعهما))، وأقول: لا يدل الروايات على أن الذي رفع كان علم رمضان
الذي خرج فيه عليه الصلاة والسلام، أو علم كل رمضان إلى يوم القيامة.
قوله: (يجاور إلخ) واعلم أن من لغة المدينة المجاورة بمعنى الاعتكاف، والبيع بمعنى الإجارة،

٢٠٢
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
والفَلَتَانِ بنِ عاصِم، وأَنَسٍ، وأَبي سَعيدٍ، وعبدِ الله بنٍ أُنَيْسِ الزُّبيريِّ، وأبي بَكْرَةً، وابنٍ
عِبَّاسٍ، وبِلاَّلٍ، وعُبَّادَةَ بنِ الصَّامِتِ.
قال أبو عيسى: حديثُ عَائِشَةً حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقَوْلُها: (يُجاوِرُ): يَعْني يعْتَكِفُ
وأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عن النبيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخِرِ في كلِّ وِثْرٍ)).
وَرُوِيَ عن النبيّ ◌ََّ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، أَنَّها لَيْلَةُ إحدى وعِشْرِينَ، ولَيْلَةُ ثلاثٍ وعِشْرِينَ،
وخَمْسٍ وعِشْرينَ، وسَبْعٍ وعِشْرينَ، وتِسْعٍ وعشرينَ، وآخِرُ ليْلَةٍ منْ رَمضانَ.
قال أبو عيسى: قالَ الشافِعيُّ: كأَنَّ هذا عِنْدي. والله أعلمُ أَنَّ النبيَّ ◌ََّ كانَ يجيبُ على
نَحْوِ ما يُسْأَلُ عنهُ. يُقالُ لهُ: فَلْتَمِسُها فِي لَيْلَةٍ كَذَا فِيقُولُ: الْتَمِسُوها في لَيْلَةِ كذَا.
قالَ الشافعيُّ: وَأَقْوَى الرّوَاياتِ عِنْدِي فيها لَيْلَةُ إِحْدى وعِشْرِينَ.
قال أبو عيسى: وقد رُوِيّ عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ أَنَّهُ كانَ يَخلِفُ أنَّها ليْلَةُ سبْعِ وعِشْرِينَ
ويقُولُ: أخبرنا رسولُ اللهِ وَّ بِعِلاَمَتِهَا فَعَدَدْنا وحَفِظُنَا.
ورُوِيّ عن أبي قِلاَبَةَ أنَّهُ قال: ليلةُ القَدْرِ تَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأواخِرِ، حدَّثنا بِذَلكَ عَبْدُ بنُ
حُمَيْدٍ، أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، عنْ مَعْمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلاَبَةَ بهذا.
٧٩٣ - حدّثنا واصِلُ بنُ عبدِ الأعْلَى الكُوفِيُّ، حدَّثنا أَبُو بِكْرٍ، عن عاصم، عن زَرِّ قالَ:
قُلْتُ: لأُبيِّ بنِ كَعْبٍ: أَنِّي عَلِمْتَ، أبا المُنْذِرِ! أَنَّها ليْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ؟ قالَ: بَلى، أخْبَرَنا
رسولُ اللهِ وَّرَ: ((أنها ليلةٌ، صَبِيحَتُها تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لها شعاعٌ)). فَعدَذنا وحَفِظُنا والله لَقَدْ
عَلِمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنَّها في رَمضَانَ، وأنّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرينَ، ولكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَكِلُوا .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٩٤ - حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةً، حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، حدَّثنا عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ قال:
حَدَّثَني أبي قالَ: ذُكِرَتْ ليْلَةُ القَدْر عِنْدَ أَبِي بِكْرَةَ فقالَ: ما أنا مُلْتَمِسُها، لِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ
والمعاملة بمعنى المساقاة، والمخابرة بمعنى المزارعة، وفي رواية في فتح الباري: ((ليلة القدر رُفِعَتْ،
أقول: مرادها أن علمها اليقيني مرفوع لا الليلة نفسها.
قوله: (بعلامتها إلخ) مذكورة في الحديث اللاحق لكن معرفة قلة أشعة الشمس لا يمكن لكل
أحد، وروى السيد نعمان الدين الآلوسي في مواعظه العربية رواية ضعفها وهي: أن من علامة ليلة
القدر أن يعذب ويحلوا الماء المالح، وأن تسجد الشجرات.

٢٠٣
٦ - كتاب الصوم
رسولِ الله وَّ، إلاّ في العَشْرِ الأواخِرِ، فإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((التْمِسُوها في تِسْعِ يَبْقَيْنَ، أوْ في
سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أوْ في خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ في ثلاثٍ أَواخِرٍ لِيْلَةٍ». قالَ: وكانَ أبو بَكْرَةَ يُصَلِي في
العِشَّرِينَ منْ رَمضَانَ كَصَلاتِه في سائِرِ السَّنَةِ، فإِذَا دَخَلَ العَشْرُ اجْتَهدَ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٣ - بابٌ: مِنْهُ
٧٩٥ - حدَّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا سُفْيَانُ، عن أبي إسحاقَ، عن
هُبَيْرَةً بن يَرِيم، عن عليٍّ أَنَّ النبيَّ رَِّ كانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رمَضَانَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٩٦ - حدَّثنا قُتَيْبةُ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زِيادٍ، عن الحَسنِ بنِ عُبَيْدِ الله، عن إبراهيمَ،
عن الأسْوَدِ، عن عائِشَةً قالت: كانَ رسولُ اللهِ وَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأواخِرِ ما لا يَجْتَهِدُ في
غَيْرِها .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٧٤ - بابُ: مَا جَاءَ في الصَّوْمِ في الشِّتَاءِ
٧٩٧ - حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، حدَّثنا سُفْيانُ، عَنْ أبي إسحاقَ،
قوله: (تسع يبقين إلخ) لو كان الشهر تسعة وعشرين يوماً فلا إشكال فإن المذكورات في حديث
الباب تكون أوتاراً، فإن تسعاً يبقين ليلة الحادية والعشرين، وسبع يبقين ليلة ثالثة وعشرين وهكذا،
وأما لو كان الشهر ثلاثين يوماً فيلزم طلب ليلة القدر في الأشفاع منتخبة، ولا يقول بانتخاب الأشفاع
أُحَدٌ فذكروا معاذير، قيل: يمكن أن يقال: إن المذكور في حديث الباب حكم شهر تسعة وعشرين،
وأقول له: إن النكتة أن أكثر رمضان في عهده عليه الصلاة والسلام كان تسعة وعشرين يوماً(١). وقيل:
يؤخذ الشهر تسعة وعشرين، وإن كان ثلاثين فإن كونه ثلاثين غير معلوم فيؤخذ بالجزم، وأقول: في
لفظ حديث الباب، أنه يؤخذ من تسع يبقين جميع الليالي مما بعد تسع بقت أشفاعاً وأوتاراً وكذلك
يؤخذ في سبع يبقين جميع الليالي أشفاعاً وأوتاراً بعدها، وهكذا فإن مطمح نظر الشريعة أن يقيموا
عشرة رمضان الآخرة أو تسع ليال أو سبع ليالي أو خمس ليالي؛ وهكذا، وأيضاً لفظ ((يبقين)) جمع
المؤنثات الغائبات لا المفردة الواحدة، ولكن في بعض الألفاظ ((تاسعة تبقى)) و((سابعة تبقى)) وهكذا.
(١) على هامش الأصل تعليق: في شرح المواهب اللدنية للقسطلاني عن ابن مسعود: (صمت معه عشر سنين تسعة منها تسعة
وعشرون يوماً) وسنده ضعيف.

٢٠٤
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
عن نُمَيرِ بنِ غَريبٍ، عن عامِرٍ بنِ مَسْعُودٍ، عنِ النّبِيِّ نََّ قالَ: ((الغَنيمَةُ البارِدَةُ الصَّوْمُ في
الشِّتَاءِ».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ مُرسلٌ. عامِرُ بنُ مَسْعُودٍ لَمْ يُدْرِكِ النبيَّ ◌َِّ، وهُوَ والِدُ
إبراهيمَ بنِ عامِرِ القُرَشِيِّ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ.
٧٥ - بابُ: ما جَاءَ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البَقَرَة: الآية، ١٨٤]
٧٩٨ - حدَّثْنَا قُتَيْبةُ، حدَّثنا بكْرُ بنُ مُضَرَ، عن عَمْروِ بنِ الحَارثِ، عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن
الأشجُّ، عن يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، عن سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى
(٧٥) باب ما جاء في ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾
المشهور أن هذه الآية كانت في حق رمضان ثم نسخت، وتمسكوا بحديث الباب وهو حديث
الصحيحين ولكنه أثر سلمة بن أكوع، وقال بعض المفسرين: إن الآية محكمة، ويقولون بتقدير ((لا))
أي ((لا يطيقونه)) إلخ، ولكني لا أقبل تقدير ((لا)) فإن مثل هذا التقدير لا أصل له ولا ضابطة، وضابطة
تقديرها أن يكون مثبتاً ولم تكن فيه طلائع جواب القسم من التأكيد وغيره كما قالوا في:
لله يبقى على الأيام ذو حيد
أي لا يبقى، وعندي لا احتياج إلى تقدير ((لا)) في هذا بل يذكر المثبت أي سياق القسم ويراد به
المنفي بصورة الإنكار، وأما منشأ ما قال أوساط المفسرين من تقدير ((لا)) فهو قول بعض المفسرين: إن
في الطاقة مشقة وكلفة ما يطيقه معتبرة، يعني: لا يطلق لفظ الطاقة إلا فيما يكون شاقاً فيكون مراد الآية:
أن الفدية على من يطيق الصوم لكنه بمشقة وحمل كلفة فما أدركوا كلام ذلك البعض، وقالوا بتقدير ((لا))
في الآية، وأما المفسرون الذين يُعتمد عليهم فيقولون: إن الآية على ظاهرها وإنما هي واردة في حق
صوم البيض وعاشوراء وكان فيه خيرة بين الفدية والصوم لمن يقدر أيضاً على الصوم ثم نسخ فرضية هذا
الصوم وفرض رمضان، وأقول: إن حق المراد هو هذا، أي هذه الآية كانت في البيض وعاشوراء لا في
رمضان، وأيضاً لوقلنا: إنها في رمضان يلزم التكرار في الآية وأشكل التكرار على أهل المقالة الأولى،
وأيضاً ألفاظ القرآن تشير إلى ما قلت فإن الأيام المعدودات المذكورة في الآية تصدق على الأيام البيض
فإن المعدودات تكون بمعنى البضع، ولأن أياماً جمع قلة وغير معرَّف باللام فلا يصدق على صوم
الشهر، وأما حال رمضان في القرآن ففي آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
إلخ، ويفيد حديث أبي داود ص (٨٣) عن معاذ أهل المقالة الثانية، فإن فيه تصريح أن ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلخ في الأيام البيض بأن رسول الله وَّر كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر
ويصوم صوم عاشوراء فأنزل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلِضِيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلخ، ثم أقول: إن حديث
سلمة ومعاذ موقوف، ومعاذ أعلم من سلمة فيكون الترجيح له على سلمة بن أكوع، وإن قيل: إن حديث
سلمة حديث الصحيحين وحديث معاذ حديث السنن، قلت: لا ينبغي الجمود على هذا بعد صحة

٢٠٥
٦ - كتاب الصوم
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: الآية، ١٨٤] كانَ مَنْ أرادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ، حتى
نَزَلَتَ الآيَةُ التي بَعْدَها فَنَسَخَتْها.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، ويَزِيدُ هُوَ ابنُ أبي عُبَيْد، مَوْلَى
سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ .
٧٦ - بابُ: مَنْ أَكلَ ثمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَراً
٧٩٩ - حدَّثنا قُتَيْبةُ، حذَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ، عن زيدٍ بن أسْلَمَ، عن محمدِ بنِ
المُنْكَدِرِ، عن محمدِ بنِ كَعْبِ أَنَّهُ قال: أتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ في رمَضَانَ وهُوَ يُريدُ سَفَراً، وقد
رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتْهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعا بِطَعامٍ فَأَكلَ فقُلْتُ لهُ: سُنَّةٌ؟ قالَ: سُنَّةٌ، ثمَّ رَكِبَ.
٨٠٠ - حدّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَزْيَم، حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ
قال: حَدَّثَنِي زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ، قال: حَدَّثَني محمدُ بنُ المُتْكَدِرِ، عن محمدِ بنِ كَعْبٍ قال: أَتَيْتُ
أَنَسَ بنَ مالِكِ في رَمَضَانَ فَذَكَّرَ، نَحْوَهُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، ومحمدُ بنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ أَبي كَثِيرٍ، هو مَدِينِيِّ ثِقَةٌ،
الحديثين، وأقول أيضاً: إن حديث معاذ أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الصيام إلا أن البخاري اختصر
في المتن أشد الاختصار وما في أبي داود مفصل.
(ف) واعلم أن نسخ آيات القرآن ففي عرف المتقدمين كان لفظ النسخ يطلق على تخصيص العام
وتقييد المطلق وتأويل الظاهر، وأما المتأخرون فقصروا للنسخ على ما لا يبقى مشروعاً فإطلاق النسخ
على آيات القرآن في عرف المتقدمين كثير، وأما المتأخرون فقال السيوطي في الإتقان: إن المنسوخ
إحدى وعشرون آية، وقّله الشاه ولي الله - رحمه الله - فقال في الفوز الكبير: إن المنسوخ ستة آيات،
وقال الشاه ولي الله: إن آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلخ في حق صدقة الفطر
ولا نسخ.
(٧٦) باب ما جاء في من أكل ثم خرج يريد سفراً
قال أبو حنيفة: لا يجوز إفطار صوم يوم خروجه من البيت، وحديث الباب يخالفه، والجواب
عنه كما قالوا: إن أنس بن مالك لعله صام وأفطر في التبريز لا يوم خرج من بيته، والتبريز أن يخرج
الناس خارج البلدة قبل السفر يقضي حوائجه من البلدة من يريد السفر، والتبريز عادة العرب معروفة
فإذن إفطار أنس كان في السفر وفي غير صوم يوم خروجه.
قوله: (سنة إلخ) ربما يطلق الصحابي لفظ السنة على شيء لا يكون مرفوعاً، ثم حديث الباب
أخرج أبو حاتم في علله وفيه لفظ: ((ليس بسنة)) إلخ فتعارض ما في الترمذي وما في علله، ولا يمكن
دعوی سهو نسخ الکاتب کما يدل عليه كلام صاحب تلخيص علله.

٢٠٦
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وهُو أخُو إسماعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ وعَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ، هُوَ ابنُ نَجيحِ، والِدُ عليٍّ بنِ عَبدِ اللهِ
المَدِينِيِّ. وكانَ يَحيى بنُ مَعِين يُضَعِّفُهُ.
وقد ذَهَبَ بعْضُ أهْلِ العِلم إلى هذا الحَدِيثِ وقالوا: لِلْمُسافِرِ أَنْ يُفْطِرَ في بَيْتِهِ قَبْلَ أنْ
يَخْرُجَ، وليس لهُ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلاَةَ حتَّى يَخْرُجَ مِنْ جِدَارِ المَدِينَةِ أوِ القَرْيَةِ، وهُوَ قَوْلُ إسحاقَ بنِ
إِبراهِيمَ الحنظلِيِّ.
٧٧ - بابُ: مَا جَاءَ في تُحْفَةِ الصَّائِمِ
٨٠١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةً، عن سعدِ بنِ طَرِيفٍ، عن عُمَيْرِ بنِ
مَأْمُونٍ، عنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَال رَسولُ اللهِ وَرَ: ((تُحْفَةُ الصَّائِمِ الدُّهْنُ والِمِجْمَرُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ ليْسَ إِسْنَادُهُ بِذاكَ لا نَعْرِفُهُ إلَّ مِنْ حديثٍ سَعْدٍ بِنِ
طَريف. وسَعْدٌ بن طَرِيف يُضَعَّفُ ويُقَالُ: عُمَيْرُ بنُ مأُمُومٍ أَيْضاً.
٧٨ - بابُ: ما جَاءَ في الفِطْرِ والأضْحَى مَتى يكُونُ
٨٠٢ - حدَّثنا يَحيى بنُ موسى، حذَّثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن مَعْمَرٍ، عن محمدِ بنِ
المُنْكَدِرِ، عن عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((الفِظْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، والأضْحِى يَوْمَ
يُضَحِّي النَّاسُ)) .
قال أبو عيسى: سأَلْتُ محمداً قُلْتُ لهُ: محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ مِنْ عائشةَ؟ قال: نَعَمْ،
يُقُولُ في حَديثِهِ: سَمِعْتُ عائِشَةَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ مِنْ هذا الوجهِ.
٧٩ - بابُ: مَا جَاءَ في الاعْتِكافِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ
٨٠٣ - حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِي قال: أنْبأَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عن
أَنَسٍ بنِ مالِكِ قالَ: كانَ النبيُّ ◌َّهِ يَعْتَكِفُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمَ يَعتَكِفُ عاماً.
فلمَّا كانَ في العَامِ المُقْبِلِ اعتكَفَ عِشْرِينَ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديث أَنَسٍ بن مالك.
واخْتَلَفَ أَهْلُ العلم في المُعْتَكِفِ إِذَا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ على ما نَوَى، فقالَ بَعْضُ
أَهلِ العِلم إذَا نَقَضَ اعْتِكَّافَهُ وَجَبَ عليهِ الفَضَاءُ، واخْتَجُوا بالحَدِيثِ: أَنَّ النبيَّ ◌َُّ خَرَجَ مِنَ
اعْتِكَافِهِ فَاعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ.

٢٠٧
٦ - كتاب الصوم
وقالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ أَو شَيْءٌ أَوْجَبَهُ على نَفْسِهِ وكانَ مُتَطَوِّعاً
فَخَرَجَ فَلَيْسَ عليهِ أَنْ يَقْضِيَ، إِلاَّ أنْ يُحبَّ ذلكَ اخْتِيَاراً مِنْهُ ولا يَجِبُ ذلكَ عليهِ. وهُوَ قَوْلُ
الشَّافَعِيِّ .
قالَ الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ عَمَلٍ لَكَ أن لا تَدْخُلَ فِيهِ، فإِذَا دَخَلْتَ فيهِ فَخَرَجْتَ مِنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ
أَنْ تَقْضِيَ إلاَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ. وفي البابِ عن أَبِي هُرَيْرَةً.
٨٠ - بابُ: المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لَحَاجَتِهِ أَمْ لا؟
٨٠٤ - حدَّثنا أَبو مُصْعَبِ المدنيُّ قِرَاءَةً، عن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةً
وعَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ أَنْها قالَتْ: كانَ رسولُ الله ◌َّةِ إِذَا اعْتَكَفَّ أدْنَى إِليَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا
يَدْخُلُ البَيْتَ إلا لِحَاجَةِ الإنْسَانِ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَالِكِ، عن ابنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً وعَمرةً، عن عَائِشَةَ ورواه بعضهم عن مالكِ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةً،
عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ والصحيح عن عروة وعمرة، عن عائشة.
٨٠٥ - حدَّثْنَا ذَلِكَ قُتَيْبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ بن سعد، عن ابن شهاب، عن عُروة وعَمْرَة،
عن عائشة والعملُ على هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلم، إذَا اغْتَكَفَ الرَّجُلُ، أن لا يخرج من اعتكافه إلا
لحاجة الإنسان، واجتمعوا على هذا أنه يخرَّجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لِلْغَائِطِ والْبَوْلِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلم في عِيَادَةِ المرِيضِ وشُهُودِ الجُمُعَةِ والجَنَازَةِ للمُعْتَكِفِ، فَرَأَى بَعْضُ
أَهلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّرَ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَعُودَ المرِيضَ ويُشَيِّعَ الجَنَازَةَ وَيَشْهَدَ الجُمُعَةَ إذا
(٨٠) باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟ (١)
لا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة شرعية أو طبعية، وفي كتبنا أنه إذا أراد الخروج
للجمعة فينبغي له أن يخرج في وقت يسع أربع ركعات في جامع المسجد، وأما لو خرج قبله فلا فساد
وأما إذا خرج من المسجد بدون حاجة شرعية أو طبعية فيفسد الاعتكاف، ويروى عن أبي يوسف في
هذه الصورة أنه لا يفسد إلا إذا بقي خارج المسجد أكثر اليوم، ويروى عنه أن المعتكف لو استثنى
الخروج لجنازة أو عيادة مريض ينفذ استثناؤه.
قوله: (أن يعود المريض إلخ) لا يجوز تشيع الجنازة وعيادة المريض عندنا وتجوز العيادة إذا
(١) العنوان في السنن: (باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه) وهو أوضح، أو يقول: إذا خرج لحاجته.

٢٠٨
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وهو قولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وابنِ المُبَاركِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ شَيْئاً مِنْ
هذَا وَرَأَوْا للمُعْتَكِفِ إذَا كانَ في مِصْرٍ يُجَمَّعُ فيهِ، أنْ لا يَعْتَكِفَ إلاَّ فِي مَسْجِدِ الجَامِعِ؛ لأنَّهُم
كَرِهُوا الخُرُوجَ لَهُ مِنْ مُعْتَكْفِهِ إلى الجُمُعَةِ، ولَمْ يَرَوْا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الجُمُعَةَ فقالوا: لا يَغْتَكِفُ إلاَّ
في مَسْجِدِ الجَامِعِ حتَّى لا يَحْتَاجَ إلى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ قضاءِ حاجةِ الإنسانِ؛ لأن
خُرُوجِهُ لِغَيْرِ حاجةَ الإنْسَانِ قَطْعٌ عِنْدَهُمْ للاعتِكَافِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكِ والشَّافِعِيِّ.
وقالَ أحمدُ: لاَ يَعُودُ المَرِيضَ ولاَ يَتْبَعُ الجَنَازَةَ على حَدِيثِ عَائِشَةً. وقال إسحاقُ: إنِ
اشْتَرَطَ ذلكَ فَلَهُ أنْ يَتْبَعَ الجَنَازَةَ ويَعُودَ المَرِيضَ.
٨١ - بابُ: مَا جَاءَ في قِيَامٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ
٨٠٦ - حدَّثنا هَنَّادٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ الفُضَيْلِ، عن دَاوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن الوَلِيدِ بنِ
عَبْدِ الرحمنِ الجُرَشِيِّ، عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن أَبي ذَرَّ قال: صُمْنَا مَعَ رَسولِ اللهِوَِّ فَلَمْ يُصَلُ
بِنَا حتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ فقامَ بِنَا حتَى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا في السادِسَةِ وقَامَ بِنَا
وقعت في طريق خرج فيه لحاجته الطبعية، وأما إذا ذهب للخلاء وله إليه طريقان طويل وقصير فتردد
ابن عابدين في أنه يمشي في الطريق القصير أو يجوز له المشي في الطويل.
قوله: (مصر يجمع فيه إلخ) يدل على أن المصر شرط لإقامة الجمعة عند بعض السلف
(٨١) باب ما جاء في قيام شهر رمضان
أي التراويح، لم يقل أحد من الأئمة الأربعة بأقل من عشرين ركعة في التراويح، وإليه جمهور
الصحابة رضوان الله عنهم، وقال مالك بن أنس: بستة وثلاثين ركعة فإن تعامل أهل المدينة أنهم كانوا
يركعون أربع ركعات انفراداً في الترويحة، وأما أهل مكة فكانوا يطوفون بالبيت في الترويحات، ثم إن
حديث: ((يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن)) فيه تصريح أنه حال رمضان، فإن السائل سأل
عن حال رمضان وغيره كما عند الترمذي ومسلم ص(٢٥٤)، ولا مناص من تسليم أن تراويحهم لَّلامُ
كانت ثمانية ركعات ولم يثبت في رواية من الروايات أنه عمليَّل صلى التراويح والتهجد على حدة في
رمضان بل طول التراويح، وبين التراويح والتهجد في عهدهمالتَّلا لم يكن فرق في الركعات بل في
الوقت والصفة أي التراويح تكون بالجماعة في المسجد بخلاف التهجد، وإن الشروع في التراويح
يكون في أول الليل وفي التهجد في آخر الليل نعم ثبت عن بعض التابعين الجمع بين التراويح والتهجد
في رمضان، ثم مأخوذ الأئمة الأربعة من عشرين ركعة هو عمل الفاروق الأعظم، وأما النبي ◌َّ فصح
عنه ثمان ركعات، وأما عشرون ركعة فهو عنهمالَّلهُ بسند ضعيف وعلى ضعفه اتفاق(١)، وأما فعل
(١) على هامش الأصل تعليق: ووجه الضعف أن في سنده إبراهيم بن أبي شيبة جد أبي بكر بن أبي شيبة.

٢٠٩
٦ - كتاب الصوم
في الخَامِسَةِ حتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا له: يا رسولَ الله! لو نفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ:
الفاروق فقد تلقاه الأمة بالقبول واستقر أمر التراويح في السنة الثانية في عهد عمر رضي الله كما في تاريخ
الخلفاء وتاريخ ابن أثير وطبقات ابن سعد، وفي طبقات ابن سعد زيادة أنه كتب عمر رضيُبه في بلاد
الإسلام: أن يصلوا التراويح، وقال ابن همام: إن ثمانية ركعات سنة مؤكدة وثنتي عشر ركعة مستحبة،
وما قال بهذا أحد، أقول: إن سنة الخلفاء الراشدين أيضاً تكون سنة الشريعة لما في الأصول أن السنة
سنة الخلفاء وسنته الَّثَلا، وقد صح في الحديث: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين))
فيكون فعل الفاروق الأعظم أيضاً سنة، ثم قيل: إن شروع التراويح أول الليل من سنة عمر رظ له،
وأقول: إنه من سنة النبي و ل# كما يدل حديث الباب وحديث عائشة وجابر وزيد، ثم هل يجب بلوغ
عشرين ركعة إلى صاحب الشريعة أم يكفي فعل عمر ولا يطلب رفعه إلى صاحب الشريعة؟ ففي التاتار
خانية: سأل أبو يوسف أبا حنيفة: أن إعلان عمر بعشرين ركعة هل كان له عهد منهم لسَّلامُ؟ قال أبو
حنيفة ما كان عمر مبتدعاً، أي لعله يكون له عهد فدل على أن عشرين ركعة لا بد من أن يكون لها
أصل منه غالَّل وإن لم يبلغنا بالإسناد القوي، وعندي أنه يمكن أن يكون عمر تظلشبه نقل عشراً إلى
عشرين بتخفيف القراءة وتضعيف الركعات، وليعلم أن التراويح في عهد عمر رضيالله تروى بخمس
صفات، أربعة منها ثابتة بالأسانيد القوية، منها أنه صلى إحدى عشرة ركعة، ومنها أنه صلى ثلاث
عشرة ركعة، ومنها إحدى وعشرين ركعة، ومنها ثلاث وعشرون ركعة، وأما إحدى وأربعون ركعة
فسيجيء الكلام فيه، وأما الأولى والثانية والرابعة فمذكورة في موطأ مالك ص(٤٠)، واستقر الأمر
على عشرين ركعة، ثم الصفة الأولى ففيها تكون التراويح ثمان ركعات وثلاث ركعات الوتر، وفي
الثانية عشر ركعات تراويح وثلاث ركعات الوتر، وأما الصفة الثالثة فظاهرها يضرنا في مسألة الوتر بأنها
تشير إلى أن الوتر ركعة، فأقول: لعل التراويح فيها كانت ثماني عشرة ركعة لثبوت الوتر عن الفاروق
ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، ويؤيد ما قلت ما في قيام الليل لمحمد بن نصر: أن معاذ بن الحارث
القارئ صلى ثمانية عشر شفعاً، وزعم الناس أنه صلى ستة وثلاثين ركعة وزعموا أن شفعاً تمييز،
وأقول: إنه حال لا تميز، وأنه صلى ثمانية عشر ركعة شفعاً شفعاً، وفي البخاري وموطأ مالك؛ قال
عمر: والتي تنامون عنها خير مما تقومون إلخ، وكذلك في موطأ مالك: نعم البدعة هذه إلخ، فقال
الحافظ: إن مراد عمر أن الأفضل التراويح آخر الليل، وأقول: إنّه عَلَُّلُ كان يصلي التراويح أول
الليل، نعم أطالها أحياناً إلى آخر الليل حتى خافوا الفلاح؛ أي السحر، فإذن قول عمر نصرالله يخالف
فعله غلَّلُ في الصحيحين، وقال الطيبي شارح المشكاة: إن قول عمر رَّه عمل به أهل مكة، أي
كانوا يصلون التراويح آخر الليل، وأقول: إن مراد قول عمر ◌ُله إنكم اخترتم النوم آخر الليل ولو
كنتم أطلتم التراويح إلى آخر الليل لكان أولى وأفضل، ويشرعون من أول الليل ولا كلفة في هذا
الشرح أصلاً، ولا يتوهم أن مراد عمر أن يأتوا بالتهجد أيضاً فإنه لم يثبت عنه ◌ّالَّلهُ، ولا عن
الصحابة جمعهم بين التراويح والتهجد، وأما ما في موطأ مالك: ((أن عمر رَظُّه كان يصلي التراويح
آخر الليل)» فمراده أنه إذا لم يصل مع الجماعة أول الليل، ذا والله أعلم. وأما ما في بعض الروايات

٢١٠
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
(إنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ). ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَى بَقِيَ ثَلاَثْ مِنَ
الشهْرِ، وصَلَّى بِنَا فيَ الثَّالِئَةِ، وَدَعَا أَهْلَهُ ونِسَاءَهُ فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الفَلاَحَ، قُلْتُ لَهُ: ومَا
الفَلاَحُ؟ قالَ: ((السُّحورُ)) .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
واخْتَلَفَ أَهْلُ العِلم في قِيَامِ رَمَضَانَ، فَرَأَىَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً مَعَ
الوِتْرِ، وهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، والغَمَلُ على هذَا عِنْدَهُمْ بِالمَدِنَّةِ.
وأَكْثَرُ أهْلِ العِلمِ على ما رُوِيَ عن عمر وعَلِيٍّ وغَيْرِهِمَا مِنْ أَصحابِ النّبِيِّ ◌َّ عِشْرِينَ
رَكْعَةً، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وابنِ المُبَارَكِ والشَّافِعِيِّ .
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: وهَكَذَا أدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكَّةَ، يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وقال أحْمَدُ: رُوِيّ
فِي هَذَا أَلْوانٌ ولم يُقْضَ فيهِ بَشيءٍ وقال إسحاقُ: بل نخْتَارُ إِحْدَى وأرْبَعِينَ رَكْعَةً عَلَى ما رُوِيَ
عن أَبِيِّ بنِ كَعْبٍ.
واخْتَارَ ابنُ المَبارَكِ وأحْمَدُ وإِسْحَاقُ الصَّلاةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
مثل ما في النسائي: (ثم لم يقم بنا حتى ارتحل)) إلخ فلا يؤخذ بظاهره، فإن تراويحهىالتَّلُ ثبت في
عدة رمضان لا في رمضان واحد وهو المفهوم الخارج من الأحاديث.
قوله: (على ما روي عن أبي بن كعب إلخ) أقول: لا يصح ظاهر عبارة الترمذي هذه أصلاً،
اللهم إلا أن يتأول فيه بأنه يذكر مبنى من قال بعشرين ركعة، وأما وجه عدم استقامة قوله فهو أن
أبي بن كعب كان إمام الناس في عهد عمر رضيُه، وكذلك كان إمام النسوان تميم الداري، وكان
معاذ بن الحارث أيضاً إمامهم في ما بعد عهد خلافة عمر رضيُبه، وأما إمامته في عهد خلافته فمترددة
فيها ولم أجد في ذخيرة الحديث رواية لا ضعيفة ولا قوية لتدل على صلاة أبي بن كعب إحدى
وأربعين ركعة، وما مر حافظ من حفاظ الحديث على كلام الترمذي هذا لنعلم ما يقول فيه.
قوله: (مع الإمام إلخ) اختلف الحنفية في أن الأفضل التراويح في البيت، أو في المسجد
فمتقدمونا إلى أفضلية التراويح في البيت، وقال الطحاوي في معاني الآثار ص (٢٠٦) ج(١): وذلك
هو الصحيح الصواب، وكان عمر أيضاً يصلي في البيت كما في موطأ مالك ص (٤٠): ((خرجت مع
عمر فوجدنا الناس إلخ)) فدل على أن عمر رْزُبُه لم يكن شريكاً فيهم، وأتى الطحاوي بآثار السلف
على هذا، وثبت أن أكثر حفاظ القرآن من السلف كانوا يصلون التراويح في البيوت، وقال متأخرون:
ويأتي كل واحد في المسجد فإن الناس لعلهم يتركون التراويح في هذه الصورة لضعف التدين، لأنه إذا
ابتلي ببليتين يختار أهونهما، وكذا ينبغي في هذا الزمان فإن الفتيا تختلف باختلاف الأزمنة.

٢١١
٦ - كتاب الصوم
واخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ إذَا كَنَ قَارِئاً. وفي الباب عن عائشةَ والْنعمان بنِ
بشيرٍ وابنٍ عباسٍ.
٨٢ - بابُ: مَا جَاءَ في فَضْلٍ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً
٨٠٧ - حدَّثْنا مَنَّدٌ، حدَّثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ أبي سُلَيمَانَ، عن عَطاءِ،
عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهَ وَّهِ: ((من فطّرَ صائِماً كانَ لهُ مِثْلُ أجرِهٍ غَيْرَ أنَّهُ
لا يَنْقُصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شيئاً».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨٣ - بابُ: التَّرْغِيبِ في قِيَامِ رَمَضانَ وما جَاءَ فِيهِ مِنْ الفَضْلِ
٨٠٨ - حدَّثنا عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َّهَ يُرَغْبُ في قِيَامِ رَمَضانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمْ
بِعزِيمةٍ ويقول: ((مَنْ قَامَ رَمَضانَ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . . فَتُوُفِّيَ
رسولُ اللهِ وَّه والأمْرُ عَلَى ذلِكَ ثُمَّ كانَ الأمرُ كَذَلِكَ في خِلافَةِ أبي بَكْرٍ، وصَدْراً مِنْ خِلافَةِ
عُمَر عَلَى ذلِكَ .
وفي البابِ عنْ عَائِشَةَ. وقَدْ رُوِيَ هذا الحديثُ أيضاً عنْ الزُّهْرِيِّ، عنْ عُزْوَةً، عنْ
عائِشَةً .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

٢١٢
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّ
٧ - ڪتاب: الحج
ـيلالـ
رسيلا
عن رسول الله
١ - بابُ: مَا جَاءَ في حُزْمَةِ مَكَّةَ
٨٠٩ - حدَّثْنَا قُتَيْبةُ، حذَّثنا اللَّيثُ بنُ سَعدٍ، عن سَعِيدٍ بنِ أبي سَعيدِ المَقْبُرِيِّ، عن أبي
شُرَيْحِ العَدَويّ، أنهُ قالَ لعَمْروِ بنِ سَعِيدٍ وهو يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكةً: ائذَنْ لي أيها الأميرُ!
[٧] كتاب الحج
الحج في اللغة: قصد الشيء العظيم الفخيم، قيل: إنه فُرض في السنة السادسة بعد الهجرة،
وقيل: في السنة التاسعة، ويرد على أهل المقالة الأولى: ((أنه ◌ّالَّله لم يحج حين وجب عليه في
السادسة)، ولهم أن يقولوا: لأنه لا يجب الأداء في الفور.
(١) باب ما جاء في حرم مكة(١)
قال الحجازيون: إن المدينة حرماً مثل حرم مكة، وأما حكم الجزاء في حرم المدينة؛ فقيل:
جزاء صيد مثل جزاء صيد حرم مكة، وقيل: إن الرجل يسلب ثيابه، وقال أبو حنيفة: ليس حرم
المدينة مثل حرم مكة، وأما حرم مكة ففيه مسألتان:
أحدهما: قطع شجرة حرم مكة، والضابطة عند أبي حنيفة أن لزوم الجزاء إنما هو بقطع شجرة
نابتة بنفسها لا منبتة ولا من جنس المنبتة، ولا تكون جافة ولا منكسرة، ولا إذخراً ولا حشيشاً.
وثانيتهما: إن الملتجئ بالحرم إن جنى في ما دون النفس في خارج الحرم والتجأ بالحرم فلا
يأمنه الحرم لأن الأطراف جارية بمنزلة الأموال فيقتص بخلاف الحدود، كمن سرق ثم التجأ بالحرم،
وأما الذي قتل النفس خارج الحرم ثم لجأ إليه فلا يتعرض له ولا يرزق الماء والطعام ليلجأ إلى
الخروج، وإن فعل شيئاً من ذلك في الحرم يقام عليه بقتل نفس لا يعيذه الحرم، ويتعرض له حديث
الباب لأبي حنيفة في هذه المسألة.
(١) عنوان الباب في السنن بلفظ: (ما جاء في حرمة مكة).

٢١٣
٧ - كتاب الحج
أُحَدُثْكَ قَوْلاً قامَ بِهِ رسولُ اللهِ وَِّ، الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ
عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بهِ: أنهُ حَمِدَ الله وأثنى عليهِ ثُمَّ قالَ: ((إنَّ مَكَةَ حَرَّمَهَا الله تعالى ولم يُحَرِّمْهَا
النَّاسُ، ولا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دماً أَو يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً، فإِنْ
أَحَدٌ تَرَخّصَ بقِتَالِ رسولِ الله ◌ِنَّهِ فِيهَا فَقُولُوا لهُ: إنَّ الله أذِنَ لرسولِهِ فَ ﴿ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وإنما
أَذِنَ لي فيه سَاعةً مِنْ النَّهَارِ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمْسِ ولْيُبَلِّغْ الشَّاهدُ
الغَائبَ)). فَقِيلَ لأبي شُرَيح: ما قالَ لكَ عَمْروٌ؟ قالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ يا أبا شُرَيحٍ! إنَّ
الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِياً ولا فَارّاً بِدَمٍ ولا فَارّاً بِخَرْبَةٍ .
قال أبو عيسى: ويُزْوَى (ولا فارّاً بِخَزْيةٍ). قال: وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةً وابنِ عبَّاسٍ.
قال أبو عيسى: حديثُ أبي شُرَيح حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو شُرَيْحِ الخُزَاعِيُّ اسمُهُ:
خُوَيلِدُ بنُ عَمْروٍ وهو العَدَوِيُّ، وهو الكْعْبِيُّ. ومَعْنَى قَوْلِهِ: (ولا فارّاً بِخَرْبَةٍ)؛ يَعْنِي الجِنَايَةِ،
يقولُ: مَنْ جَنَى جِنَايَةً أَوْ أَصَابَ دَماً ثم لَجأَ إِلى الحَرَمِ فإِنَّهُ يُقَامُ عَليهِ الحَدُّ.
قوله: (ساعة من نهار إلخ) في مسند أحمد أن تلك الساعة من الصبح إلى العصر.
قوله: (عادتها حرمتها إلخ) هذه الحرمة إلى أبد الآباد.
قوله: (عمرو بن سعيد إلخ) لا يتمسك بقوله هذا فإنه عامل يزيد ويزيد فاسق بلا ريب، وفي
شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري: روي عن أحمد بن حنبل أن يزيد كافر، وكان عمرو بن سعيد
جمع العساكر ليكرّ على ابن الزبير، معاوناً ليزيد على عبد الله بن الزبير وفي تذكرة ابن سعيد هذا أن
رجلاً اشتراه النبي ◌َّ من جده وأعتقه، وكان لهذا المعتق حفيد فدعاه عمرو بن سعيد وسأله: لمن
أنت المولى؟ قال: أنا مولى رسول الله وَلّ فقام عليه عمرو بسوطه وضربه ثم دعاه بعد مدة، وسأله
كما كان سأل، فأجاب بما كان أجاب، فقام عليه بالسوط فإذا كان حال هذا الرجل هذا فكيف يستدل
بقوله .
قوله: (أنا أعلم منك إلخ) كلامه هذا كاذب لأن أبا شريح يروي خطبته عليَّلامُ لفظاً لفظاً وأنه
صحابي، وكيف يبلغ عمرو بن سعيد مرتبته فلا يمكن الاحتجاج بقوله.
قوله: (عاصياً إلخ) لم يكن عبد الله بن الزبير عاصياً - عياذاً بالله - ولا فاراً بدم ولا فاراً
بخربة، والخربة سرقة الإبل ثم استعمل في الجناية مطلقاً.

٢١٤
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
٢ - بابُ: مَا جَاءَ في ثَوابِ الحَجِّ والعُمرةِ
٨١٠ - حدَّتنا قُتَيْبةُ وأبو سَعِيدِ الأشَجُّ، قالا: حدَّثنا أبو خَالِدِ الأخْمَرُ، عنْ عَمْروِ بنِ
قَيْسٍ، عنْ عَاصِم، عنْ شَقيقٍ، عن عبدِ الله بن مسعود قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَالَ: «تابِعُوا بَيْنَ
الحَجِّ والعُمْرَةِ فَإِنْهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيْرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذهَبِ والفِضةِ.
ولَيْسَ للحَجَّةِ المبرُورَةِ ثَوَابٌ إلاَّ الجَنََّ)).
قال: وفي البابِ عنْ عُمَرَ وعامِرٍ بنِ رَبِيعَةَ وأبي هُرَيْرَةً وعبدِ الله بنِ حُبْشِيٍّ وأمِّ سَلَمَةَ
وجَابِ .
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ.
٨١١ - حدَّثنا ابنُ أبي عُمَر، حدَّثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن منصُورٍ، عن أبي حَازِمِ، عنْ
أبي هُرَيْرَةً قالَ: قَالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لهُ ما تقَدَّمَ مِنْ ذَنِّهِ».
قال أبو عيسى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأبو حَازِمٍ كُوفِيٍّ وهُو
الأشْجَعِيُّ واسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ .
٣ - بابُ: مَا جَاءَ في التَّغْلِيظِ في تَرْكِ الحَجِّ
٨١٢ - حدَّثنا محمدُ بنُ يَخيى القُطَعِيُّ البَصْرِيُّ، حدَّثنا مسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حدَّثنَا هِلاَلُ بنُ
(٢) باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة
قال صاحب البحر: إن الحج مكفر السيئات والكبائر أيضاً ظنّاً، الكير الزق، والكور موضع إيقاد
الفحم، وقيل: بالعكس، وقيل: لا فرق.
قوله: (الحج المبرور إلخ) قالوا: إن الحج المبرور هو السالم عن الجنايات.
قوله: (ولم يرفث إلخ) الكلام الفحش في حضور النسوان.
قوله: (حديث حسن إلخ) حسِّن الترمذي رحمه الله حديث إبراهيم بن يزيد وهو متكلم فيه عند
الأكثر، ولذا قيل: إن تحسين الترمذي ليّن ولعله يحسن الحديث نظراً إلى متابعاته وشواهده، وحديث
الباب تنهى عن الفسق في الحج، والحال أن الفسق منهي عنه في كل حال، والوجه أن في الحج زيادة
تأكيد في النهي عن الفسق، والفسق الفتق وفي الإصلاح المعاصي.
(ف) التاء في الراحلة ليست تاء التأنيث بل تاء النقل، وقال ابن قتيبة إمام اللغة وغريب
الحديث: إن الراحلة لا يستعمل إلا في الأنثى.
(٥) باب ما جاء: كم فرض الحج
اتفقوا على أن الفرض حجة واحدة في العمر.

٢١٥
٧ - كتاب الحج
عبدِالله، مَوْلَى رَبِيعَةَ بنِ عَمْروِ بنِ مسْلِمِ البَاهِلِيِّ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، عنْ الحَارِثِ،
عِنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّهِ: ((مَنَّ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةُ تُبَلُّغُه إِلى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ فلا
عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتِ يَهُودِيَّاً أو نَصْرَانِيّاً. وذَلِكَ أنَّ الله يقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ
مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عِمرَان، الآية: ٩٧].
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ هَذا الوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مقَالٌ،
وِهلالُ بنُ عبدِ الله مَجْهُولٌ، والحَارِثُ يُضَغَّفُ في الحَديثِ .
٤ - بابُ: مَا جَاءَ في إيجابِ الحَجِّ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ
٨١٣ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى، حدَّثنا وكِيعٌ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يَزِيدَ، عن مُحمدِ بنِ
عَبَّادِ بنِ جَعْفَرٍ، عن ابنِ عُمَر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ نَّ فقالَ: يا رسولَ الله! ما يُوجِبُ
الحَجَّ؟ قال: ((الزَّادُ والرَّاحِلَةُ)) .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، والعملُ عليهِ عِنْدَ أهلِ العلم؛ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَلَكَ
زَاداً ورَاحِلَةٌ وَجَبَ عليهِ الحَجُّ.
وإبراهيمُ هو ابن يَزِيدَ الخَوْزِيُّ، المَكْيُّ وقد تَكلَّمَ فيهِ بَعْضُ أهلِ العلمِ مِنْ قَبِلِ حِفْظِهِ .
٥ - بابُ: ما جَاءَ كَمْ فُرِضَ الحُّ؟
٨١٤ - حدَّثنا أَبو سَعيدٍ الأشَجُّ، حدَّثْنا مَنْصُورُ بنُ وَزْدَان، عن عَليٍّ بنِ عَبْدِ الأَعْلَى، عن
أبيهِ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن عليٍّ بنِ أبي طَالِبٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ
أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عِمرَان: الآية، ٩٧] قالُوا: يا رسولَ الله! أَفِي كلِّ عام؟ فَسَكَتَ فَقالوا:
يا رسولَ الله في كلٌّ عَام؟ قالَ: ((لا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعمْ لَوَجَبَتْ)). فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة، الآية: ١٠١].
قال: وفي البابِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةً.
قوله: (البختري إلخ) بفتح الباء وبالخاء المعجمة، وأما البحتري بضم الباء وبالحاء المهملة
فشاعر إسلامي مشهور.
قوله: (لو قلت: نعم لوجب إلخ) وليعلم أن الفرض والحرام يثبت بالحديث أيضاً كما يدل
حديث الباب بل يثبتان بالقياس أيضاً، وأما التعريف بأنه ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه فهو ما ثبت
بالكتاب، وليس هذا تعريف ما ثبت بالحديث أو القياس.

٢١٦
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: حديثُ عليٍّ حديثٌ حسنٌ غريبٌ. واسْمُ أبي البَخْتَرِيِّ: سعيدُ بنُ أَبي
عِمْرَانَ وهُوَ سَعيدُ بنُ فَيْرُوزَ.
٦ - باب: ما جَاءَ كَمْ حَجَّ النبيُّ وَلِّ؟
٨١٥ - حدَّثنا عَبدُ الله بنُ أَبي زِيادِ الكوفي، حدَّثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ، عن سُفْيَانَ، عن
جَعْفَرِ بنِ مُحمدٍ، عن أبيه، عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله، أَنَّ النبيَّ وََّ حَبَّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حُجَّتَيْنِ قَبْلَ
أنْ يُهَاجِرَ، وحَجَّةً بَعْدَمَا هاجَرَ، ومَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ ثلاثةٌ وسِتِينَ بَدَنَةً. وجاءَ عليٍّ مِنَ الْيَمَنِ
بِبَقِيَّتِها فيها جَمَلٌ لأبي جَهْلٍ، في أنْفِه بُرَةٌ منْ فِضَّةٍ فَنَحَرَها رسول اللهِوَلَ وَأَمَرَ رسولُ اللهِوَهُ
مِنْ كلِّ بَدَنَةٍ بِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثٍ سُفْيَانَ. لا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَديثٍ زَيْدِ بنِ
حُبَابٍ ورَأيْتُ عَبْدَ الله بنَ عبدِ الرحمْنِ رَوَى هذا الحَديثَ في كُتُبِهِ عن عبْدِ الله بنِ أبي زِیادٍ.
قال: وسأَلْتُ مُحمداً عن هذا فَلَمْ يَعْرِفُهُ مِنْ حَديثِ الثَّوْرِيِّ، عن جَعْفَرٍ، عن أبيهِ، عن
(٦) باب ما جاء كم حج النبي ◌َّ-؟
حجتهم الَّلر بعد الهجرة إلى المدينة واحدة، وأما قبل الهجرة وبعد النبوة فواحدة أيضاً وأما قبل
النبوة فالحج ثابتة بدون تعيين العدد، كما يقول صحابي: إن النبي وَّ رأيته قبل البعثة قائماً بعرفات
حين كنت أطلب ناقة لي فقدت، ولعل عملهمالتَّلُ هذا كان عملاً بفطرته، فإنه كانت قريش يحجون
كل عام، وكانوا يقفون بمبزدلفة ولا يخرجون إلى عرفات، وكان سائر العرب يذهب إلى عرفات.
قوله: (معها عمرة إلخ) رواية الباب عن جابر تدل صراحة على كونه عملَلها قارناً وهذا يفيدنا
عن قريب.
وقوله: (ثلاثة وستين بدنة إلخ) وسرُّ هذا ما ذكروا أن عمرهم ليَِّلُ كان ثلاثة وستين سنة، وكان
علي رَبُّه جاء بسبع وثلاثين إبلاً من اليمن وذبح منها علي رَظُله ثنتين وثلاثين بدنة، وقيل: إن عمره
في ذلك الحين كان ثنتين وثلاثين سنة وخمسة منها ذبحها النبي وَّر، وكان كل إبل تسعى إلى
النبي ◌ّ# ليذبحه، وهذا من المعجزات، وفي رواية أبي داود أنهعُالَّل ذبح خمسة إبل، وتعرض
المحدثون إلى إعلالها، وعندي لا تعل، بل يقال: إنه ◌ُالَّل ذبح ثلاثة وستين في مجلس، وخمسة
في مجلس آخر فلا تنافي.
قوله: (فشرب من مرقها إلخ) هذا يدل صراحة على أنه عملَلاَ كان قارناً لأنه لا يجوز للمُهدي
أن يأكل من دم الجناية، ويفيدنا هذا في أن دم القرآن والتمتع دم شكر، ويجوز له أكله لا دم جبر كما
قال الشافعي، وقال: إنه لا يجوز له أن يأكل من دم الجبر.

٢١٧
٧ - كتاب الحج
جَابٍ، عنِ النبيِّ وَّهِ، ورَأَيْتُهُ لَمْ يَعُدَّ هذا الحَديثَ مَحْفُوظاً، وقال: إِنَّمَا يُرْوَى عنِ الثَّوْرِيِّ، عن
أبي إسحاقَ، عن مُجَاهِدٍ، مرسلاً.
حذَّثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، حدَّثنا حَبَّانُ بنُ هِلاَلٍ، حدَّثنا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادَةُ قال: قُلْتُ
لأَنَسٍ بِنِ مالِكِ: كُمْ حَجَّ النبيُّ ◌َّهِ؟ قالَ: حَجَّة وَاحِدَةً، واعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةً في ذِي
القَعْدَةِ وعُمْرَةُ الحُدَيْبِيَّةِ وعُمْرَةٌ معَ حَجَّتِهِ وعُمْرةُ الجِعرَّانَةِ إِذْ قَسمَ غِنِيمَةَ حُنَيْنٍ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وحَبَّنُ بنُ هِلاَلٍ هو أبو حَبيب البَصْرِيُّ، هو
جَليلٌ ثِقَةٌ وثَّقَهُ يَحيى بنُ سعيدِ القَطّانُ.
٧ - بابُ: ماجَاءَ كَمْ اعْتَمَرَ النبيُّ وَل
٨١٦ - حدَّثْنَا قُتَيْبةُ، حدَّثنا دَاوُد بن عبد الرَّحْمُن العطّار، عن عَمْرٍو بن دِينَار، عنْ
عِكْرِمَةً، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيُّ وَِّ اعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَّةِ وعُمْرةَ الثَّانِيَةِ منْ قابِلِ
وَعُمْرَةَ القَضَاءِ فِي ذِي القَعْدَةِ وعُمْرةَ الثّالِثَةِ منَ الجِعِرَّانَةِ والرَّابِعَةَ التي مَعَ حَجَّتِهِ .
قال: وفي البابٍ عن أنَسٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ وابنِ عُمَر.
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عبَّاسِ حديثٌ حسنٌ غريبٌ وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هذا الحَديثَ عنْ
عَمْروِ بنِ دِينَارٍ، عن عِكْرِمَةَ أَنَّ النبيَّ وَِّ اغْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.
قوله: (أربع عمرة إلخ) ثلاث عمرات كانت في ذي القعدة مع إحرامها وأفعالها، وأما عمرة
حجة الوداع فكان إحرامها في ذي القعدة وأفعالها في ذي الحجة.
(٧) باب ما جاء كم اعتمر النبي ◌َّ؟
خرج النبي ◌ّ معتمراً عام الحديبية فأحصر عنها فذبح الهدي ثمة وحلق وأحل، ثم قال
الأحناف: من أحرم بالعمرة فأحصر يهدي ويذبح ويقضي عاماً مقبلاً، وقال الحجازيون: لا قضاء في
العذر السماوي إذا أحصر به، وأما ما مر من الشافعي من أن الحج والعمرة يلزم بالشروع ولو نفلاً
فذلك حكمه إذا شرع فيهما، ثم قال العراقيون: إن عمرة القضاء إنما سميت بعمرة القضاء لأنها قضاء
ما حل عنها عاماً ماضياً، وقال الحجازيون: إن التسمية بعمرة القضاء إنما هي لوقوع القضاء أي الصلح
فيها، فالقضاء بمعنى المصالحة، ويفيدهم ما في البخاري: أنه عُلََّلُ قاضاهم، إلخ، أي صالحهم.
قوله: (عمرة القصاص إلخ) الصحيح عمرة القضاء وكانت في السنة السابعة .
قوله: (الجعرانة إلخ) هذه العمرة وقعت بعد الرجوع من حنين في السنة الثامنة، فالتام من
العمرات ثلاثة، ولم يخرج النبي ◌َّ في السنة التاسعة، بل جعل أبا بكر رَضْلُله أمير موسم الحج.

٢١٨
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال: حدَّثنا بِذَلِكَ سعيدُ بنُ عبدِ الرَّحمُن المخزُومِيُّ، حدَّثنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن
عَمْروٍ بنِ دِنَارٍ، عن عِكْرَمِةَ، عنِ النبيِّ ◌ََّ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
٨ - بابُ: ما جَاءَ: من أيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ النبيُّ وَّل
٨١٧ - حدّثنا ابنُ أَبِي عُمَر، حدَّثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عنْ جَعْفَرِ بنِ مُحمَّدٍ، عنْ أبيهِ،
عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله قالَ: لَمَا أَرادَ النبيُّ رَّ الحَجَّ أذْنَ في النّاسِ فَاجْتَمَعُوا فَلَمّا أتَى البَيْدَاءَ
أُخْرَمَ .
قال: وفي البابِ عنِ ابنِ عُمَرَ وأَنَسٍ والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةً.
قال أبو عيسى: حديثُ جَابِرِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(٨) باب ما جاء من أي موضع أحرم النبي وَّ؟
واعلم أن حقيقة الإحرام عندنا ليست النية فقط، بل يجب بها مع ضم القول أو الفعل، وهو أن
يسوق الهدي هدي القران أو التمتع أو دم الجزاء فإذا لحقه صار محرماً، وأما القول فهي التلبية ولا
يجب في التلبية ذكر الحج أو العمرة فإذن يجوز للقارن أن يذكر الحج أو العمرة أو كلاهما لا يذكرهما
في تلبية، وليحفظ هذا التعميم فإنه يفيدنا، ثم السنة في صيغة التلبية ما هو في الحديث وهو هذا:
((لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) ويسن الوقف في
هذه المواضع الأربعة، ويكفي في التلبية كلُّ ذكرٍ مُشعرٍ بالتعظيم ولا يتأدى به السنة، وأما حقيقة
الإحرام عند الشافعية فمترددة فيها ومضطربة لا يمكن تحديدها كما أقرَّ به الشيخ عز الدين بن
عبد السلام ملك العلماء الشافعي صاحب الشرح على أبي داود في ثلاثين مجلداً، ثم الحج فرائضه
عندنا ثلاثة؛ وقوف عرفة، والطواف، وهما ركنان، والإحرام وهذا شرط، وأما الواجبات فكثيرة تزيد
على عشرين وسائرها سنن وآداب، وأما عند الشافعية فالفرائض خمسة تلك الثلاثة مع وقوف مزدلفة،
والسعي بين الصفا والمروة، وأقروا بالواجبات في الحج وأنكروها في الصلاة.
قوله: (أحرم بالبيداء إلخ) قال العراقيون: يلبي بعد ركعتي الطواف في الفور في ذلك الموضع،
وقال الحجازيون: يلبي عند الركوب، والروايات مختلفة، حديث الباب للحجازيين، ولنا ما في الباب
عن ابن عمر رظلُّته، ولنا ما في أبي داود ص (٢٤٦) قال ابن عباس: أيم اللّه أوجب في مصلاه وأهلَّ
حين استقلت به الناقة وأهلَّ حين أشرف على البيداء. إلخ، فحديث ابن عباس يفيد زيادة العلم وهو
مثبت، فإن بعض الروايات تدل على أنه لبى في مصلاه، وبعضها على أنه لبى حين ركب الناقة،
وبعضها على أنه لبى حين جاء على شرف البيداء فنقول: إنه ◌ّالَّله حين لبى في مصلاه رآه بعض
الصحابة، ثم البعض الآخرون حين استقلت الناقة، ثم حين جاء على البيداء، وفي هذا رووه أكثرهم
بل جميعهم وقال الواقدي: كان الصحابة قريب سبعين ألفاً، والبيداء موضع مرتفع على ستة أميال من
مدينة في طريق مكة، وفي سند حديث الباب خصيف، وهو متكلم فيه، ولعله من رواة الحسان.

٢١٩
٧ - كتاب الحج
٨١٨ - حدَّثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعيدٍ، حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْماعيلَ، عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ
سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمرَ، عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: البَيْدَاءُ التي يَكْذِبُونَ فيها على رسولِ اللهِوَرَ،
واللهَأَ مَا أهَلّ رسولُ اللهِ وَلَهَ إلاّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ، مِنْ عِنْدِ الشَّجْرةِ.
قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٩ - بابُ: مَا جَاءَ مَتى أحْرَمَ النبيُّ وَّ؟
٨١٩ - حدَّتنا قُتَيْبةُ، حدَّثنا عبدُ السَّلاَم بنُ حَرْبٍ، عنْ خُصَيْفٍ، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ،
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النبيَّ وَِّ أهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَةِ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُ أَحَداً رَوَاهُ غَيْرَ عَبْدِ السَّلاَمِ بنِ
حَرْبٍ، وهُوَ الَّذِي يَسْتَجِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ أنْ يُخْرِمَ الرّجُلُ فِي دُبُرِ الصّلاَةِ.
١٠ - بابُ: مَا جَاءَ في إفْرَادِ الحَجّ
٨٢٠ - حدَّنا أَبُو مُصْعَبٍ قِراءَةً، عن مالِكِ بنِ أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القَاسِمِ، عن
قوله: (الشجرة إلخ) اسم بالغلبة لذي الحليفة على قريب من ستة أميال من المدينة، وأما اسمها
اليوم فبير علي، وليس هذا علي رَظُه أمير المؤمنين بل هذا علي آخر بدوي.
(١٠) باب ما جاء في إفراد الحج
واعلم أن الحج والإحرام على أقسام كثيرة مذكورة في الفقه أحدها العمرة فقط، وثانيها الحج
فقط، وثالثها الحج ثم العمرة بعده، وهذه الصورة صورة إفراد الحج، وأما القران فله أيضاً أقسام،
والقران أن يحرم للحج والعمرة من الميقات وهذا أعلى، ولو أدخل العمرة على الحج في القرآن فهو
مكروه، وقسم آخر للقران وهو أن يدخل الحج على العمرة، ثم إحرام العمرة وإحلالها يدخلان في
إحرام الحج وإحلاله للقارن اتفاقاً، ثم قالت الشافعية بتداخل الأفعال أيضاً، أي تداخل السعي
والطواف أيضاً، فلم يبق إلا النية وقالوا: إن تعدد السعي للقارن بدعة، وتعدد السعي للقارن واجب
عندنا، وكذلك الطواف ولكنهم لم يحكموا بالبدعة على تعدد الطواف.
واختلف في أن عمرة القارن تصح قبل أشهر الحج أم لا؟ والقوي الصحة، وأما المتمتع فيشترط
فيه أن تكون العمرة في أشهر الحج، ثم التمتع إما أن يكون بسوق الهدي أو بغيره فإن كان متمتعاً
بسوق الهدي فلا يتحلل في الوسط بل يوم النحر، وإن كان متمتعاً بغير سوق الهدي فيستحل بعد أداء
أفعال العمرة ثم يهل إهلال الحج، وظاهر الهداية وعامة كتبنا أن التحلل في الوسط واجب، ولكن في
مبسوط شيخ الإسلام خواهر زاده أن التحلل لمن لم يسق الهدي جائز لا واجب، وأقسام أخر للحج،
وهاهنا معركة الآراء وهو أن التمتع والقران والإفراد كلها عبادات علينا، والخلاف في الأفضلية

٢٢٠
الجزء الثاني من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
فالأفضل عند الشافعي ومالك الإفراد ثم التمتع ثم القران، وقال أحمد: الأفضل التمتع بغير سوق
الهدي ثم الإفراد ثم القران، وقال أبو حنيفة: الأفضل القران ثم التمتع ثم الإفراد ثم هاهنا اختلاف في
أن الإفراد الفاضل من القران هو الإفراد بالحج محض أو الإفراد بالحج ثم العمرة، ويسمى هذا إفراداً
في الاصطلاح، وأما الإفراد الذي يكون فيه الحج والعمرة في سفرين فنص محمد في موطئه على أن
هذا الإفراد أفضل من القران، فإنه قال: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندنا، ثم لمصنفينا كلام في
أن هذا المذكور هو مختار محمد فقط أو هو قول شيخيه أيضاً، ومبنى الاختلاف في الأفضلية
الاختلاف في حجته ◌ّالََّلُ فقال الشافعي ومالك: إنه ◌َالَلُ كان مفرداً. وقال أبو حنيفة: إنه كان
قارناً، وقال أحمد بن حنبل: إنه ظلَّلا كان قارناً إلا أنه تمنى التمتع بغير سوق الهدي لما في
الصحيحين: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي))، وأما أتباع الشافعي فقالوا:
إنه ◌َالَّلاةُ كان قارنا، مآلاً أي أفرد بالحج أولاً ثم قارن لرد زعم الجاهلية من أن العمرة في أشهر
الحج من أفجر الفجور، وسيأتي كلامنا في هذا إن شاء الله تعالى، وإنما قال الشافعية: بأنه ظلَلِ كان
قارناً لأنه لا يمكن لهم إنكاره بسبب وفور الروايات، وإنما قالوا بالتداخل أي إدخاله عمليَّلة العمرة
على الحج، والحال أن الروايات الدالة على قرانه ◌َالَل آبية عن هذا أشد إباءٍ، والعجب من الحافظ
أنه قال بإدخاله ◌ّالتَّ العمرة على الحج وقرانه في المآل لا من بدء الإحرام، وأغمض عن كثير من
الروايات، ومثل هذا عن مثل هذا الجبال بعيد، ثم للشافعية فيما بينهم اختلاف في أن الإفراد الأفضل
على القران هو الحج الواحد أو الحج وبعده العمرة، ولعلهم يفضلون القسم الثاني من الإفراد، ثم
حجتهم لَّل مختلفة فيما بين الصحابة فإن بعضهم يقول: إنه فعاليَّلُ كان قارناً، وبعضهم: أنه متمتع،
وبعضهم: أنه مفرد، بل اختلف الرواة على صحابي واحد مثل عائشة، فإنها تقول في حديث الباب:
إنه أفرد بالحج وفي بعض الروايات عنها تصريح القران أنه ظلَّل اعتمر مع حجته، وكذلك اختلف
على جابر وغيره، وأسانيد كلها صحاح وحسان وصنف الطحاوي في حجتهم التَّلِ أزيد من ورقة كما
في منهاج النووي شرح مسلم ص (٣٨٦) نقلاً عن القاضي عياض، وتكلم في معاني الآثار في عدة
أوراق، وذهل الحافظ في إدراك مراده في معاني الآثار فإنه نسب إلى الطحاوي بأنه قائل
بإدخاله عمليََّلّ العمرة على الحج كما تقول الشافعية، وأقول: إن هذه النسبة خلاف الواقع وخلاف
تصريح الطحاوي بأنه عمليَّل كان قارناً من أول الأمر، نعم لكلام الطحاوي قطعتان الأولى في الجمع
بين روايات الصحابة في حجتهم لِّل وقال فيه بإدخال، والقطعة الثانية في تحقيق إحرامه عَ لَّلُ في
الواقع وصرح في هذه القطعة بأنه ملل كان قارناً من أول الإحرام وبدء الأمر، ثم قال علماء
المذاهب الأربعة منهم الشيخ ابن همام والحافظ ابن حجر وابن قيم وبعض الموالك: إن التمتع
المذكور في آية ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْعُبْرَةِ إِلَى الَّخْ﴾ [البقرة: ١٩٦] تمتع لغوي أي تحصيل النفع وهو أداء الأمرين
في سفر واحد، وهذا أعم من التمتع المصطلح والقران المصطلح، وقال البعض: إن التمتع الذي نسبه
بعض الصحابة إلى النبي ◌َّر في الأحاديث أيضاً تمتع لغوي، وفي التفسير المظهري للقاضي ثناء الله