Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ترجمة الإمام الترمذي
وقال بعض الحنفية في تعليقه على ((جامع الترمذي)): أما مذاهب أرباب الصَّحَاح .
فقيل: إن البخاري شافعيٍّ، ولكن الحق أن البخاري مجتهدٌ، وأما مسلم: فلا أعلم مذهبه
بالتحقيق، وما ابن ماجه - فلعله شافعي، والترمذي شافعي، وأما أبو داود والنسائي: فالمشهور
أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما حنبليان، وقد شحنت كتب الحنابلة بروايات أبي داود عن
أحمد. انتهى كلامه.
قلت: كما أن البخاري - رحمه الله تعالى - كان متبعاً للسنة عاملاً بها، مجتهداً غير مقلِّد
لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كذلك مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلُّهم
كانوا متبعين للسنة عاملين بها، مجتهدين غير مقلّدين لأحد.
وأما الاستدلالُ على أن الحَقَّ أن أبا داود والنسائي حنبليَّان؛ بدليل أن كتب الحنابلة
مشحونة بروايات أبي داود عن أحمد - فباطل جداً؛ لأنه لو سُلُّم أن كتب الحنابلة مشحونة
برواية أبي داود، فلا يستلزم كونه حنبلياً، فضلاً أن يكونا حنبليين؛ ألا ترى أن كتب الحنفية
مشحونة ومملوءة بروايات الإمام أبي يوسُفَ وبروايات الإمام محمَّد، ومع ذلك لم يكونا
حنفيين مقلْدَيْن للإمام أبي حنيفة.
واعلم: أن هذا البعض قد ادعى أن الإمام أبي داود والنسائيٍّ كانا حنبليين، يعني:
مقلْدَيْنٍ للإمام أحمد بن حنبل مطلقاً من غير تقييد، ثم تنبَّه فتنزَّل فقال في موضع آخر من
تعليقه على ((الترمذي)) ما لفظه: يحيى بن سعيدٍ حنفيٍّ مذهباً؛ كما في ((تاريخ ابن خَلِّكان))، إلا
أن تقليد السلف كان التقليد في الاجتهاديات، التي لم يثبت فيها المرفوع والموقوف، لا
كتقليدنا، وهذا ظني. انتهى.
قلت: لم يثبت أيضاً بدليل صحيح كونُ الإمام أبي داود والنسائي مقلّديْنٍ للإمام أحمد بن
حنبل في الاجتهاديات، وإنما هو ظن من هذا البعض، وإن الظن لا يُغْنِي من الحق شيئاً،
وقوله: وأما ابن ماجه. فلعلَّه شافعيَّ يدلُّ على أنه لم يكُنْ عند هذا البعض دليلٌ على كون ابن
ماجه شافعياً، قال بعض الحنفية في ((مقدِّمة شرح لـ((صحيح مسلم)))، نقلا عن ((توجيه النظر))
ما لفظه: قال بعض البارعين في عِلْم الأثر: أما البخاريُّ وأبو داود: فإمامان في الفقه، وكانا
من أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خُزَيْمة وأبو يَعْلَى البَزَّار
ونحوهم: فهم على مذهب أهل الحديث؛ ليسوا مقلِّدين لواحدٍ بعينه من العلماء، ولا هُمْ من
الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل يميلون إلى قول أئمَّة الحديث؛ كالشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي عُبَيْد وأمثالهم، وهم إلى مذهب أهل الحجاز أميلُ منهم إلى مذاهب أهل

٢٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
العراق، وأما أبو داود الطيالسي - فأقدم من هؤلاء كلِّهم من طبقة يحيى بن سعيد القَطَّان،
ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام
أحمد، وهؤلاء كلَّهم لا يألون جهداً في اتباع السنة، غير أن منهم من يميل إلى مذهب
العراقيين؛ كوكيع ويحيى بن سعيد، ومنهم: من يميل إلى مذهب المدنيين؛ كعبد الرحمن بن
مهدي، وأما الدارقطني: فإنه كان يميل إلى مذهب الشافعي، إلا أن له اجتهاداً، وكان من أئمة
الحديث والسنة، ولم يكن حاله كحال أحد من كبار المحدِّثين، ممن جاء على أثره، فالتزم
التقليدَ في عامَّة الأقوال، إلا في قليل منها مما يعدُّ ويحصَرُ؛ فإن الدارقطنَّ كان أقوَىُ في
الاجتهاد منه، وكان أفقه وأعلَمَ منه. انتهى. ثم قال: والظاهر: أن أبا داود أقربُ إلى الحنبلية؛
فإن کتب الحنابلة مشحونة بروایاته عن أحمد.
نقله عن ((العرف الشذي)) وقد عرفت جوابه.
فإن قلتَ: فإذا لم يكن الإمامُ البخاريُّ شافعيًّا مقلِّداً للإمام الشافعيِّ؛ فلم عدوه من
الشافعية؟ ولم ذكره أهل الطبقات الشافعية في طبقاتهم؟(١).
قلت: قال العلامة: الشاه ولي الله الدهلويُّ في ((حجة الله البالغة)) (١٢٢/١): وكان
أصحابُ الحديث قد يُنْسَبُ إلى أحد المذاهب؛ لكثرة موافقته له؛ كالنسائي والبيهقي، ينسبان
إلى الشافعي. انتهى بلفظه، وقال في رسالته: ((الإنصاف)): ومعنى انتسابه إلى الشافعي: أنه
جرى على طريقته في الاجتهاد واستقراء الأدلّة، وترتيب بعضها على بعض، وافق اجتهاده
اجتهاده، وإذا خالف أحياناً لم يبال بالمخالفة، ولم يخرج عن طريقته إلا في مسائل، وذلك لا
يقدَحُ في دخوله في مذهب الشافعي، ومن هذا القبيل محمد بن إسماعيل البخاري؛ فإنه معدودٌ
في ((طبقات الشافعية)) للشيخ تاج الدين السبكي، وقال: إنه تفقه بالْحُمَيْدِي، والحُمَيْدِيُّ تفقَّه
بالشافعي. انتهى بلفظه. وقال العلامة الشيخ إسماعيل العَجْلُوني في كتابه ((الفوائد الدراري»:
تنبيه: تقدَّم آنفاً من أخذ البخاري عن الكرابيسي والزعفراني وأبي ثور - أن يكون شافعياً، وقد
(١) بل ذكره الشافعية في ((طبقاتهم))، وإنما نسبوه إلى الشافعي، لأن البخاري أخذ عن أصحاب الشافعي:
الحميدي، والزعفراني، والكرابيسي، وأبي ثور. وروى عن الأخيرين مسائل عن الشافعي، ولهذا ذكره
العبادي وغيره في ((طبقات الشافعية)). وأما البخاري، فقد ذكر الشافعيّ في ((صحيحه)) في موضعين: في
الركاز، والعرايا، وإنما لم يرو عنه في ((الصحيح))؛ لأنه أدرك أقرانه، والمحدث إنما يطلب العلو ما أمكن.
وبعد، فدعوى أن الشافعية لم يذكروه في ((طبقاتهم)) غير مسلمة، وقد أحسن المصنف (رحمه الله) الرد
عليها. ينظر: ((طبقات الشافعية)) لابن السبكي (٢/٢)، و((طبقات الفقهاء)) للعبادي ص ٥٣، و((طبقات ابن
قاضي شهبة)) (١/ ٨٣).

٢٣
ترجمة الإمام الترمذي
اختلف في مذهبه، فقيل: إنه شافعي المذهب، وجرى عليه التاج السبكيُّ في ((طبقاته))(١)،
فقال: وذكره أبو عاصم في ((طبقات الشافعية))، وقال: إنه سمع من الكرابيسي وأبي ثور
والزعفراني، وتفقَّه على الْحُمَيْدِيِّ، وكلُّهم من أصحاب الشافعي. انتهى، وقيل: إنه حنبلي،
وذكره أبو الحسن بن العراقي في أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وأسند عن البخاري أنه قال:
دخلتُ بغداد ثمان مرات، وفي كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخِرَ ما ودَّعته: يا أبا
عبد الله، أتترك العِلْمَ والنَّاسَ، وتصير إلى خراسان؟! فقال البخاري: فأنا الآن أَذْكُرُ قوله،
وقال: وقيل: كان مجتهداً مطلقاً، واختاره السخاويُّ، قال: وأميل بكونه مجتهداً، صرح به
تَقِيُّ الدين بن تيمية، فقال: إنه إمام في الفقه من أَهْلِ الاجتهاد، انتهى.
(١) ينظر: ((طبقات ابن السبكي)) (٢١٢/٢)، و((طبقات ابن قاضي شبهة)) (٨٣/١)، و((طبقات العبادي)) ص
(٥٣). وذكره هو الشافعي رضي الله عنه في (صحيحه)) في موضعين: في الركاز والعرايا، ولم يرو عنه في
((الصحيح)) لأنه أدرك أقرانه، والمحدث إنما يطلب العلو ما أمكن.

٢٤
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
في فضائل جامع الترمذيِّ ومحاسنه
قال الحافظ الذهبيُّ في ((تذكرة الحفاظ))، عن أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي،
قال: قال أبو عيسى الترمذي: صنفتُ هذا الكتاب فعرضتُهُ على علماء الحجاز، فَرَضُوا به،
وعرضْتُهُ على علماء العراق، فرضوا به، وعرضْتُهُ على علماء خراسان، فَرَضُوا به، ومن كان
في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبيٍّ يتكلّم. انتهى.
قال الحافظ ابن الأثير في ((جامع الأصول)»(١): كتابه الصحيح أحسنُ الكتب وأكثرها
فائدة، وأحسنها ترتيباً وأقلّها تكراراً، وفيه ما لي في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال،
وتبيين أحوال(٢) الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهرويُّ: كتاب أبي عيسى الترمذيِّ - عندنا - أفيد من
كتاب البخاري ومسلم، قيل: ولِمَ ذلك؟! قال: كان كتابُهُمَا لا يصلُ إلى الفائدة منهما مَنْ لا
يكون من أهل المعرفة التامَّة، وهذا كتاب قد شَرَحَ أحاديثه وبيَّنها، فَيَصِلُ إلى الفائدة كلُّ أحد
من الناس من الفقهاء والمحدِّثين وغيرهما. انتهى.
وقال السُّيُوطِيُّ في ((قوت المغتذي)): قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيْد:
الذي عندي أن الأقرب إلى التحقيق، والأحرَى على واضح الطريق؛ أن يقال: إن كتاب
الترمذيّ يضمن الحديث مصنفاً على الأبواب، وهو علم برأسه، والفقه علم ثان، وعِلَلُ
الحديث يشتمل على بيان الصحيح. من السقيم وما بينهما من المراتب علم ثالث، والأسماء
والكنَى رابع، والتعديل والتجريح خامس، ومن أدرك النبي وَ لّ ممن لم يدركه ومن أسند عنه
في كتابه سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث سابع، هذه علومه المجملة، وأما التفصيلية
فمتعدِّية، وبالجملة: فمنفعته كثيرة، وفوائده غزيرة، انتهى.
قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: ومما لم يذكره ما تضمَّنه من الشذوذ وهو نوع
ثامن، ومن الموقوف وهو تاسع، ومن المدرج وهو عاشر، وهذه الأنواع مما يكثِّر فوائده،
وأما ما يقل فيه وجوده من الوَفَيَاتِ، والتنبيه على معرفة الطبقات، أو ما يجري مجرى ذلك .
فداخل فيما أشار إليه من فوائده التفصيلية. انتهى.
(١) ينظر: ((جامع الأصول)) (١٩٣/١).
(٢) في ((جامع الأصول)): أنواع.

٢٥
في فضائل جامع الترمذي ومحاسنه
وقال فيه: قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((أول شرح(١) الترمذي)): اعلموا - أنار الله
أفئدتكم - أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، و((الموطأ)) هو الأول، وعليهما
بنى الجميع؛ كالقشيري والترمذي، وليس في قدر كتاب أبي عيسَى مثله حلاوة مَقْطَعَ، ونفاسةَ
منزع، وعذوبة مسرع، وفيه أربعة عشر علماً على فوائد: صنّف وذلك أقرب إلى العمل،
وأسنَدَ وصَخَّحَ، وأسقَمَ، وعدَّد الطرق، وجرَّح، وعدَّل، وأسمَّى، وأكْنَى، وَوَصَلَ، وَقَطَعَ،
وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم
في تأويله.
وكلٌّ من هذه العلوم أَضْلٌ في بابه، وفرد في نصابه؛ فالقارىء له لا يزال في رياض
مونقه؛ وعلوم متدفقة. انتهى.
وقال الشيخ إبراهيم البيجوريُّ في ((المواهب اللدنية، على الشمائل المحمدية))(٢):
وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية، والمذاهب السلفية والخلفية؛ فهو
كاف للمجتهدين، مُغْنٍ للمقلدين. انتهى.
وقال العلامة الشاه ولي الله محدث الهند في ((حجة الله البالغة)): وكان أوسَعَهُمْ علماً
عندي وأنفعهم تصنيفاً، وأشهرهم ذكراً - رجالٌ أربعة متقاربون في العصر:
أولهم: أبو عبد الله البخاري: وكان غرضه تجريد الأحاديث الصِّحاح المستفيضة
المتصلة من غيرها، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه الصحيح، ووفى بما
شرط، ولعمري، إنه نال من الشهرة والقبول درجَةً لا يُرَامُ فوقها.
وثانيهم: مسلم النيسابوريُّ: توخّى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدِّثين المتصلة
المرفوعة مما يستنبط منها السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، وتسهيل الاستنباط منها فرتب
ترتيباً جيداً، وجمع طرق كُلِّ حديث في موضع واحد؛ ليتضح اختلاف المتون؛ وتشغُّبُ
الأسانيد أصرح ما يكون.
وثالثهم: أبو داود السجستاني: وكان همه جمع الأحاديث التي استدلَّ بها الفقهاء،
ودارت فيهم وبَنَى عليها الأحكامَ عُلَمَاءُ الأمصار، فصنف سننه، وجمع فيها الصحيح
والحسن، واللين الصالح للعمل، قال أبو داود: ما ذكرتُ في كتابي حديثاً أجمع الناس على
(١) ينظر: ((عارضة الأحوذي)) (٥/١).
(٢) ينظر: ((المواهب اللدنية)) ص (٥).

٠
٢٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
تركه، وما كان منها ضعيفاً صرح بضعفه، وما كان فيه علَّة بيَّنها بوجه الخائض في هذا الشأن،
وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب.
ورابعهم: أبو عيسى الترمذي: وكأنه استحسَنَ طريقة الشيخَيْن، حيث بيَّنا وما أبهما،
وطريقة أبي داود حيثُ جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين، وزاد عليهما بيان
مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتاباً جامعاً، واختصر طرق الحديث
اختصاراً لطيفاً، فذكر واحداً وأومأ إلى ما عداه؛ وبيَّن ليكون الطالب على بصيرة، فيعرف ما
يصلح للاعتبار عما دونه، وذكر أنه مستفيضٌ أو غريب، وذكر مذاهبَ الصحابة وفقهاء
الأمصار، وسمَّى من يحتاج إلى التسمية، وكَثَّى من يحتاج إلى الكنية، ولم يدع خفاء، هو من
رجال العلم؛ ولذلك يقال: إنه كافٍ للمجتهد، مغنٍ للمقلد. انتهى.
وقال العلامة الشاه عبد العزيز في ((بستان المحدثين)): تصانيف الترمذي في هذا الفن
كثيرة، وأحسنها هذا الجامعُ؛ بل هو أحسَنُ من جميع كتب الحديث من وجوه:
الأول: من جهة حُسْن الترتيب وعدم التكرار.
والثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكلِّ أَحَدٍ من أهل المذاهب.
والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح والحسن، والضعيف والغريب،
والمعلل.
والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم، والفوائد الأخرى المتعلّقة بعلم
الرجال. انتهى.
وقال الحافظ قُطْبُ الدين القَسْطَلاَّنِيُّ: [من الوافر]
وَيُرْءُ المَزْءِ مِنْ أَلَمِ الكُلُومِ
أَحَادِيثُ الرَّسُولِ جَلاَ الهُمُومِ
وَعَرِّفْ بِالصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ
فَلاَ تَبْغِ بِهَا أَبَداً بَدِيلاً
لِعِلْمِ الشّزْعِ مُغْنٍ عَنْ عُلُومِ
فَأَضْحَى رَوْضُهُ عَطِرَ الشَّمِيمِ
وَمِنْ عِلَلٍ وَمِنْ فِقْهِ قَوِيمِ
وَمِنْ ذَكْرِ الكُنَى لِصَدٍ فِهِيمٍ
وَمِنْ فَرْقٍ وَمِنْ جَمْعٍ فَهِيمٍ
وَأَنَّ الثُّزْمِذِيِّ لَقَدْ تَصَدَّى
غَدَا خَضِراً نَضِيراً فِي المَعَانِي
فَمِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيلِ حَوَاهُ
وَمِنْ أَثَرٍ وَمِنْ أَسْمَاءِ قَوْمٍ
وَمِنْ نَسْخِ وَمُشْتَبِهِ الأَسَامِي

٢٧
في فضائل جامع الترمذي ومحاسنه
وَمِنْ قَوْلِ الصِّحَابِ وَتَابِعِيهِمْ
وَمِنْ نَقْلٍ إِلَى الفُقَهَاءِ يُعْزَىُ
وَمِنْ طَبَقَاتِ أَعْصَارٍ تَقَضَّتْ
وَقَسَّمَ مَا رَوَى حَسَناً صَخيحاً
فَفَاقَ مُصَنَّفَاتِ النَّاسِ قِدْماً
وَجَاءَ كَأَنَّهُ بَدْرٌ تَلاَلاً
فَنَافِسْ فِي أَقْتِبَاسٍ مِنْ نَفِيسٍ
فَإِنَّ الحَقَّ أَبْلَجُ لَيْسَ يَخْفَى
وَفَضْلُ الْعِلْمِ يَظْهَرُ حِينَ يَأْتِي
فَقَارِي الْعِلْمِ يَرْقَى للثُّرَيًّا
وَلَيْسَ الْعِلْمِ يَنْفَعُ مَنْ حَواهُ
كِتَابُ التِّزْمِذِيِّ غَدَا كِتَاباً
وَإِسْنَادِي لَهُ فِي الْعَصْرِ يَغْلُو
فَرَبِّي اللَّهَ أَحْمَدُ كُلَّ حِيٍ
وَصَلُ مَدَىُ الزَّمَانِ عَلَى رَسُولٍ
وقال بعضهم: [من الوافر]
كِتَابُ التزمِذِيِّ رِيَّاضُ عِلْمِ
بِهِ الآثَارُ وَاضِحَةٌ أبِينَثْ
فَأَعْلَاَهَا الصِّحَاحُ وَقَدْ أَنَّارَتْ
وَمِنْ حَسَنٍ يَلِيهَا أَوْ غَرِيبٍ
فَعَلَّلَهُ أَبُو عِيسَى مُبِيناً
وَطَرَّزَهُ بِآثَارَ صِحَاحٍ
مِنَ العُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ قِدْماً
فَجَاءَ كِتَابُهُ عِلْقاً نَفِيساً
بِحِلُّ أَوْ بِتَخرِيمٍ عَمِيمٍ
وَمِنْ مَعْنَى بَدِيعٍ مُسْتَقِيمٍ
وَمِنْ حَلِّ لِمُنْعَقِدٍ عَقِيمٍ
غَرِيباً فَأَرْتَضَاهُ ذَوُو الفُهُومِ
وَرَاقَ فَكَانَ كَالْعِقْدِ النَّظِيمِ
يُنِيرُ غَيَاهِبَ الجِهْلِ العَظِيمِ
بِأَنْفَاسِ وَدَعْ قَوْلَ الخُصُومِ
طَلاَوَتُهُ عَلَى الذِّهْنِ السَّلِيمِ
عَنِ الأَزْوَاحِ مَأْلُوفُ الجُسُومِ
وَيَبْقَى بِالثَّرَىْ أَثَرُ الرُّسُومِ
بِلاَ عَمَلٍ يُعِينُ عَلَىُ القُدُومِ
يُعَطُرُ نَشْرُهُ مَرَّ النَّسِيمِ
أُسَاوِي فِيهِ ذَا سِنْ قَدِيم
عَلَى إِيلاَءِ إِفْضَالٍ عَمِيمٍ
يَفُوحُ لِذِكْرِهِ أَرَجُ النَّسيمِ
جَلَتْ أَزْهَارُهُ زُهْرَ النَّجُومِ
بِأَلْقَاب أُقِيمَتُ كَالرُّسُومٍ
نُجُومٌ للْخُصُوصِ وَلِلْعُمُومِ
وَقَدْ بَانَ الصَّحِيحُ مِنَ السَّقِيمِ
مَعَالِمَهُ لِطُلاَّبِ العُلُومِ
تَخَيَّرَهَا أُوَلُوِ النَّظَرِ السَّلِيمِ
وَأَهْلِ الفَضْلِ وَالنَّهْجِ القَوِيمِ
تَنَافَسُ فِيهِ أَرْبَابُ العُلُومِ

٢٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُ نَفِيسَ عِلْمٍ
كَتَبْنَاهُ رَوَيْنَاهُ لِنُرَوَى
وَغَاصَ الْفِكْرُ فِي بَخرِ المَعَانِي
فَأَخْرَجْ جَوْهَراً يَلْتَاحُ نَوْراً
لِيَضْعَدَ بِالمَعَانِي لِلْمَعَالِي
مَحَلُ الْعِلْم لاَ يَأْوَي تُرَاباً
فَمَنْ قَرَأَ العُلُّومَ وَمَنْ رَوّاهَا
فَإِنَّ الرُّوحَ تَأْلَفُ كُلَّ رُوحٍ
تُحَلَّى مِنْ عَقَائِدِهِ عُقُوداً
وَتُذْرِكُ نَفْسُهُ أَسْنَىْ ضِيَاءٍ
وَيَخْيَا جِسْمُهُ أَحْلَى لِذَاذِ
جَزَى الرَّحْمُنِ خَيْراً بَعْدَ خَيْرٍ
وَأَلْحَقَهُ بِصَالِحٍ مَنْ حَوَاهُ
وَكَانَ سَمِيُّهُ فِيهِ شَفِيعاً
صَلاَةُ اللَّهِ تُورِثُهُ عَلاَءَ
يُفِيدُ نفُوسَهُمْ أَسْنَى الرُّسُومِ
مِنَ التَّسْنِيمِ فِي دَارِ النَّعِيمِ
فَأَذْرَكَ كُلَّ مَعْنَى مُسْتَقِيمٍ
فَقَلَّدَ عِقْدُهُ أَهْلَ الفُهُومِ
بِسَغدٍ بَعْدَ تَوْدِيعِ الجَسُومِ
وَلاَ يَبْلَى عَلَىُ الزَّمَنِ القَدِيمِ
لِتَنْقُلَهُ إِلَى المَعْنَى المُقِيمِ
وَريحاً مِنْهُ عَاطِرَةَ النَّسِيمِ
مُنَظّمَةً بِيَاقُوتٍ وتُومٍ
مِنَ الْعِلْمِ النَّفِيس لَدَى الْعَلِيمِ
مُحَيَّاهُ عَلَى الخَيْرِ الجَسِيمِ
أَبَا عِيسَى عَلَى الْفِعْلِ الكَرِيمِ
مُصَنَّفُهُ مِنَ الجُمَلِ العَظِيمِ
مُحَمَّدٌ الْمُسَمَّى بالرَّحِيمِ
فَإِنَّ لِذِكْرِهِ أَزْكّى النَّسِيمِ

٢٩
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحِيمِ
أخبرنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن أبي سهل الهروي
الكروخي في العشر الأول من ذي الحجة سنة ٥٤٧ سبع وأربعين وخمسمائة، بمكة شرفها الله
حمداً لمنعم الآلاء العظام ومالك زمام الأنام على ما وفقنا لشرح معاني الآثار، وحل مشكل
الأخبار، وألهمنا اختيار ميزان الاعتدال، صادفين عما قيل أو قال وهدانا لما هو عمدة القاري ومشكاة
الساري، وفي فيض فتح من الباري، ونور قلوبنا بنور الهداية، وشرح صدورنا بفيض نصّ الرسالة،
والصلاة والسلام على من أرسله شافياً لجميع السقام، وسبباً للفوز والسعادة يوم القيام، وأطلعه على
ما شاء من الأمور العظام، وعلى آله وأصحابه الغرر الكرام، الذين حازو النعم الجسام، وهم نجوم
الاهتداء وسبب الفلاح، بأيهم أردنا الاقتداء سيما الخلفاء البررة والبركاة الذين هم كالأصول الأربعة
وتبعهم إلى يوم الدين.
وبَعد: فيقول العبد المفتقر إلى رحمة الله المقتدر، وفقه الله لامتثال الأمر والانتهاء عن المنكر،
المدعو بمحمد جراغ وقاه الله عما زاغ، حاكياً عن لسان الشيخ العلامة الحبر ألفهامة مولانا أُستاذنا
سيدي محمد أنورشاه كان الله مولاه، أنا الشيخ محمود الدهر وفريد العصر مولانا محمود حسن، أنا
الشيخ قاسم العلوم والخيرات مولانا محمد قاسم النانوتوي، أنا الشيخ الشاه عبد الغني الدهلوي طيب
الله ثراه، أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق الدهلوي، وقال مولانا ومرشدنا محمود
حسن مد ظله العالي حصل في الإجازة من مرشدنا مولانا رشيد أحمد کتگوهي المرحوم، أنا الشيخ
الشاه عبد الغني الدهلوي رحمه الله، تعالى أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق، وأيضاً
قال: حصل لي الإجازة من مولانا أحمد علي السهار نفوري ومولانا محمد مظهر النانوتوي رحمه الله
ومولانا عبد الرحمن الباني بتي وقال مولانا أحمد علي ومن بعده: أخبرنا الشيخ المشتهر في الآفاق
الشاه محمد إسحاق رحمه الله تعالى، قال: حصل لي الإجازة والسماعة والقراءة من الشيخ الأجل
والحبر الأبجل، الذي فاق بين الأقران بالتميز، أعني الشيخ عبد العزيز رحمه الله، وحصل له الإجازة
والقراءة والسماعة عن والده الشيخ ولي الله بن الشاه عبد الرحيم الدهلوي، أنا الشيخ أبو الطاهر
المدني، أنا الشيخ والدي إبراهيم الكروي عن الشيخ المزاحي عن الشهاب أحمد السبكي عن الشيخ
النجم الغيطي عن الزين زكريا عن العز عبد الرحيم عن الشيخ معمر المراغي عن الفخر بن البخاري
عن عمر بن طبرزد والبغدادي رحمه الله، أنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم .. إلخ،
للسند وليعلم أن منا إلى صاحب الشريعة * قطعات الأولى منا إلى الشاه محمد إسحاق وهي غير
مذكورة في الكتاب، والثانية من الشاه محمد إسحاق إلى عمر بن طبرزد والبغدادي وهي مذكورة في
الكتاب قبل التسمية لكونها سائرة في بعض البلاد لا في بعض، والثالثة من البغدادي إلى الإمام

٣٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
وأنا أسمع، قال: أنا القاضي الزاهد أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزدي رحمه الله
قراءة عليه، وأنا أسمع في ربيع الأول من سنة اثنين وثمانين وأربعمائة، قال الكروخي:
الترمذي وهي مذكورة في الكتاب بعد التسمية لاشتهارها في أكثر البلاد، والرابعة من المصنف إلى
نص الرسالة والر ومتكفلها الإمام المصنف.
قوله: (حصل لي الإجازة والقراءة والسماعة إلخ) واعلم أن القراءة على قسمين: أحدهما: أن
تقرأ على الشيخ وهو يسم،ع وثانيهما: أن يقرأ غيرك على الشيخ وأنت تسمع، ويقال في الثاني: قراءة
عليه وأنا أسمع. والسماعة أيضاً على قسمين: السماعة على الشيخ وهي أن يقرأ التلميذ ويسمع
الشيخ، ويعبر عنها بأخبرنا فلان إلخ، والسماعة من الشيخ، وهي أن يقرأ الشيخ ويسمع التلميذ،
ويعبر عنها بحدثنا فلان إلخ، وأما الإجازة في هذا الزمان أن يقرأ التلميذ على شيخه كتاباً كاملاً ثم بعد
الختم يطلب الإجازة بكتابة السند المتعارف فيما بيننا أو غيره، وأما في المتقدمين فكانت بأن يكتب
التلميذ الأحاديث ويعرضها بحضرة شيخه أو يعرضها بحضرته بدون الكتابة فيجيزه الشيخ بالكتابة أو
غيرها، وأما التحديث والإخبار فليس بينهما فرق لغة، وفرق المحدثون بينهما كما حررنا، وقيل إن
الراوي مخير بين التعبير بحدثنا موضع أخبرنا وبالعكس لأنه إذا قرأ على الشيخ وأجازه به كان كأنه
أخبره به كما إذا سمعت واقعة وعرضتها على أحد فأخبرك بها أيضاً حتى وثقت بها تقول بعد ذلك :
أخبرني بها فلان، فهذا هو الوجه لمن خير بينهما، وقيل: إنه ليس بمخير بل يستعمل كل واحد منهما
في موضعه مع تسليم الطائفتين التساوي في القبول والقوة، قال مسلم صاحب الصحيح ومن تبعه: إن
التحديث أقوى من الإخبار، وقال مالك بن أنس بالعكس ويقولان بقبولهما في التمسك الاحتجاج،
والفرق في المراتب.
قوله: (أبو الطاهر المدني) إذا كان منسوباً إلى مدينة الرسول، فيقال: مدني بلا ياء قبل النون،
وإذا نسب إلى مدينة آخر كمدينة منصور (بغداد)، يقال: مديني بالياء قبل النون، والمنسوب عند النحاة
كالمشتق في العمل والاشتمال على الذات والصفة.
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) شرع الإمام المصنف رحمه الله في كتابه بالتسمية ولم يذكر الحمد
اقتداء بكتب النبي ◌َّر، وأما حديث (كل أمر ذي بال لم يبدء: إلخ) فمضطرب فإن في بعض ألفاظ
(بحمد الله) وفي بعضها (بذكر الله)، وفي بعضها (ببسم الله) وقال الشيخ تاج الدين السبكي إن الحديث
يبلغ مرتبة الحسن وفي سنده قرة وهو مختلف فيه، وأما على تقدير ثبوته فيدل على الابتداء بذكر الله لا
بخصوص الحمد الله، وأما ما قال المصنفون من الجمع بين بسم الله والحمد لله بالابتداء الحقيقي
والمجازي فليس بمراد، وتدل أقاويلهم على تعدد الحديث، والحال أن الحديث واحد واختلفت الألفاظ.
قوله: (عبد الملك بن أبي القاسم إلخ) لفظ الابن إذا وقع بين العلمين المتناسقين يسقط التنوين
من العلم الأول، ويسقط الهمزة من الابن في الكتابة أيضاً، ولا يكون الابن مضافاً إليه للعلم الأول،
وأما إذا وقع في ابتداء السطر لا يسقط الهمزة.

٣١
مقدمة المؤلف
وأخبرنا الشيخ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي بن إبراهيم الترياقي، والشيخ أبو بكر
أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الغورجي رحمهما الله قراءة عليهما، وأنا
قوله: (الهروي الكروخي) صفته لأبي الفتح الضابطة إن الصفات والأحوال إنما تكون للراوي لا
لأبيه أو جده إلا عند النقل، كما في يحيى بن سعيد القطان أن القطان صفة سعيد على قول.
قوله: (في العشر الأول) عادة العرب أنهم يعتبرون الليالي في التواريخ ولذلك، أتى بالعشر
بدون التاء.
قوله: (الأزدي) نسبة إلى بني أزد - بسكون الزاي - المعجمة اسم قبيلة، وقد يبدل الزاي
بالسين، فيقال بني أسد، فإذن يلتبس الأسدي المنسوب إلى هذه القبيلة بالمنسوب إلى بني أسد قبيلة
أخرى، فقيل في رفع اللبس أن المنسوب إلى بني أزد يستعمل باللام، فيقال: بني أسد والمنسوب إلى
بني أسد بلا لام، فيقال: بني أسد، أقول: هذا إذا لم يكن معه ياء نسبة وإن كانت فلا فرق بينهما،
فلا يرتفع الالتباس إلا بأن المنسوب إلى بني أزد يقرأ أَسْدياً بسكون الوسط، والمنسوب إلى بني أسد
يقرأ أسَدَيّاً بفتح الوسط، وبمعرفة أسماء الآباء والأجداد والتلامذة والمشايخ بالاستقراء.
قوله: (وأنا أسمع) وإنما زاد هذا لأنه لم يكن قارئاً بل القارىء غيره، وكان هذا سامياً فكان
اسمه مكتوباً في الطبقة، والطبقة في إصطلاح المحدثين ثبت يكون فيه أسماء شركاء الجماعة، ويكتبه
كل واحد من الشركاء ليكون سنداً عند التحديث بالأحاديث التي أخذها من ذلك الشيخ مع هؤلاء
الشركاء .
قوله: (المروزي والمرزباني) قال علماء اللغة: إن مرو نسب إليه الشخص فيقال: مروزي بزيادة
(ز) أو كما في النسبة إلى الزّي يقال: رازي، وأما إذا نسب إليه غير الشخص يقال: مروى، ومرزبان
لفظ فارسي يقال له دهقان ومرز اسم بنت.
قوله: (فأقر به الشيخ الثقة) المراد بالشيخ هو المحبوبي كما في ثبت ابن عابدين، وهذه العبارة
ليست في النسخ المعتبرة كما قال مولانا مد ظله العالي، وأما على تقدير وجودها في الكتاب فمرادها
أن الشيخ المحبوبي نسخ الكتاب وكان علم من قبله بالصدور، فإذا صار العلم بالكتاب فاحتاج تلامذة
الشيخ المحبوبي إلى أن يقر المحبوبي بكتابه وصحته، فلذا قال تلميذ المحبوبي: أقر الشيخ المحبوبي
بهذا الكتاب لتوثيق الكتاب.
قوله: (قال أبو عيسى إلخ) قد ورد النهي عن التكني بهذه الكنية، ولعل المصنف رحمه الله
حمله على خلاف الأولى، لكنه بعيد عن شأن المصنف، ولم يتعرض أحد إلى هذا، وعندي العذر
من جانب المصنف أن مغيرة بن شعبة ره تكنى بأبي عيسى بإجازة النبي ◌َّر، واسم المصنف
محمد بن عيسى الترمذي، وترمذ بلدة على ساحل جيحون وهو النهر الذي يضاف إليه ما وراء النهر،
وأما النهران جيحان وسيحان ففي بلدة الشام، وعمر المصنف رحمه الله سبعون سنة، وارتحل إلى دار
البقاء سنة ٢٧٩ مائتين وتسعة وسبعين من الهجرة النبوية كما قيل:

٣٢
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
أسمع في ربيع الآخر من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، قالوا: أنا أبو محمد عبد الجبار بن
محمد بن عبد الله بن أبي الجراح الجراحي المروزي المرزباني قراءة عليه، أنا أبو العباس
عطر مداه وعمره في مين
الترمذي محمد ذوزين
وله مناقب غير عديدة، منها ما قال شيخه البخاري: استفدت منك ما لم تستفد مني، وأقول:
لست احصل هذا القول، فإن الترمذي وإن كان من جبال الحديث ولكن البخاري كان شمس سماء
هذا الفن، ولعله مراده أنه أخذ منه العلم مثل ما لم يأخذ غيره، فإن التلميذ كما يحتاج إلى الاستفادة
من الشيخ كذلك يكون الشيخ محتاجاً إلى إفادته وإفشاءه علم الدين، ويحتاج إلى تلميذ ذكي والله
أعلم، وله مناقب في الحفظ منها أنه سافر للحج فلقيه بعض المحدثين في الطريق والتمس منه
التحديث، قال الشيخ: جيء بالقلم والدواة، فالتمس الترمذي فلم يجدهما فجلس بين يدي شيخه
وجعل يجر أصبعه على القرطاس، وأخذ الشيخ في التحديث، وروى له قريب ستين حديثاً، فإذن وقع
نظر الشيخ على القرطاس فوجده خالياً صافياً فغضب على الترمذي وأخذ يقول إنك تضيع أوقاتي،
فقال الترمذي: حفظت الأحاديث فقرأ الأحاديث المسموعة عنه عنده، وله مناقب أخر وأما مرتبة كتاب
المصنف رحمه الله، فأول مراتب الصحاح مرتبة البخاري، والثانية مرتبة مسلم، والثالث مرتبة أبي
داود، والرابع مرتبة النسائي، والخامس مرتبة الترمذي، وهذا المذكور من الترتيب هو المشهور،
وعندي أن مرتبة النسائي أي كتابه أعلى من كتاب أبي داود، فيكون النسائي في المرتبة الثالثة لما قال
النسائي: ما أخرجت في الصغرى صحيح، وقال أبو داود ما أخرجت في كتابي صالح للعمل فيعم
الحسن والصحيح، ومرتبة الترمذي في المرتبة الخامسة حتى قال الحافظ سراج الدين القزويني
الحنفي: إن في الترمذي ثلاثة أحاديث موضوعة، لكن المحدثين لم يسلموا حكم وضعه، نعم قبلوا
ضعفها أشد الضعف، ولو التفت إلى أن الترمذي يحكم على أكثر الأحاديث من الصحة والحسن
والضعف فيكون أعلى من أبي داود، لكن أبا داود أعلى من الترمذي بحسب الإجمال وإن لم يحكم
على كل واحد من الأحاديث، وأما ابن ماجه فقالت جماعة من المحدثين إن ابن ماجة ليس بداخل في
الصحاح لا شتماله على قريب من اثنين وعشرين حديثاً موضوعاً، فعلى هذا السادس من الصحاح
الستة موطأ مالك بن أنس إلا أنه رأى مكتوباً على ابن ماجه صحيح ابن ماجه بقلم علاء الدين
المغلطائي الحنفي وهو معاصر ابن تيمية ومن حفاظ الحديث.
واعلم أن المؤلفات على أنواع كما ذكر الشاه عبد العزيز رحمه الله في العجالة النافعة: الجامع
الذي يحتوي على ثمانية أشياء وهي هذه سير وآداب وتفسير وعقائد وفتن وأحكام وأشراط ومناقب،
والجامع هو الترمذي والبخاري، وأما صحيح مسلم فليس بجامع لقلة التفسير فيه،
والسنن هي التي فيها الأحكام فقط على ترتيب أبواب الفقه، والسنن أبو داود والنسائي وابن
ماجه، ويسمى الترمذي أيضاً سنناً تغليباً، وكذلك إطلاق الصحاح الستة على هذه المعهودة لأن
الصحيح صحيح البخاري ومسلم وباقيتها السنن، والمسند الذي يذكر فيها الأحاديث من الصحابة

٣٣
مقدمة المؤلف
محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي، فأقر به الشيخ الثقة الأمين .
بحسب رعاية ترتيبهم بدون الترتيب في أبواب الفقه، مثلاً يذكر أولاً الأحاديث المروية عن أبي بكر ثم
عن عمر ثم عن عثمان وهكذا،
والمعجم الذي يذكر فيه أحاديث الشيوخ مرتبة كالترتيب في المسند.
والجزء الذي يحتوي على أحاديث مسألة واحدة معينة كجزء القراءة للبخاري، وجزء رفع اليدين
له، والمفرد: الذي يحتوي على أحاديث شخص واحد مثل أحاديث أبي هريرة أو حذيفة، والغريبة:
التي فيها تفردات تلميذ واحد من شيوخه ولم تكن مروية عن غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وأنواع
أخر، مثل المستخرج، والمستدرك.
أما شرط أرباب الصحاح فاشترط البخاري الإتقان وكثرة الملازمة للشيخ، واشترط مسلم الإتقان
فقط، ولا يشترط ثبوت اللقاء أو كثرة الملازمة، بل يكتفي بالمعاصرة بين الراوي والمروي عنه، وهو
مذهب الجمهور في التمسك.
واشترط أبو داود كثرة الملازمة فقط، ولم يشترط الترمذي شيئاً منهما، والمراد بهذه الشروط
أنهم يكتفون بهذه الشروط ويأتون بما يكون بشرط أعلى من شرطه أيضاً، وبسبب اعتبار كثرة الملازمة
وقلتها يقال: إن فلاناً ضعيف في حق فلان وإن كانا ثقتين في أنفسهما، فعلم أن الضعف على
قسمين: ضعف في نفسه، وضعف في غيره.
وأما مذهب أرباب الستة الصحاح فقيل: إن البخاري شافعي لأنه تلميذ الحميدي وهو تلميذ
الشافعي .
أقول: لو كان المراد على هذا لقيل: إنه حنفي لأنه تلميذ إسحاق بن راهويه، وأما غيره من
شيوخه فمفيدون، وإسحاق من أساتذته الكبار، وإسحاق من خاصة تلامذة ابن المبارك، وهو من
خاصة تلامذة أبي حنيفة، ولكن الحق أن البخاري مجتهد، وكثيراً ما يكون اجتهاده موافق الأحناف إلا
أنه وافق في المسائل المشهورة بين أهل العصر الإمام الشافعي، مثل: القراءة خلف الإمام، ورفع
اليدين، والجهر بآمين.
ويظهر هذا لمن يتتبع صحيحه، ولله در ما قال القاضي أبو زيد الدبوسي: ولمسألة يختلف فيها
كبار الصحابة يعوذ فهمها ويصعب الخروج منها، وإن المسائل مختلفة فيما بين المجتهدين، وهي
تحت الحديث ويساعده تعامل السلف ويكون السلف الصالح مختلفين فيها لا يمكن الاتفاق على
أحدها إلى قيام القيام.
وأما مسلم فلا أعلم مذهبه بالتحقيق، وأما ابن ماجه فلعله شافعي، والترمذي شافعي، وأما أبو
داود والنسائي والمشهور أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما حنبليان، وقد شحنت كتب الحنابلة
بروايات أبي داود عن أحمد، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

1

٣٥
١ - كتاب الطهارة
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
١ - كتاب: الطهارة
عن رسول الله وعلاقته
١ - بَابُ: مَا جَاءَ لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ
١ - حدَّتنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدَّثنا أبُو عَوَانَة، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، ح، وحدَّثنا هَنَّادٌ،
[١] أبواب الطهارة عن رسول الله وَله
قال الحافظ بدر الدين العيني الحنفي: ومن مصطلحات أرباب الحديث التعبير بالكتاب إذا كانت
تحته أحاديث أنواع مختلفة، ولك التعبير بالأبواب، وبالباب إذا كانت الأحاديث من نوع واحد، وقول
الترمذي: أبواب الطهارة ترجمة، ويظهر فقه المحدث من ترجمته، كما قيل: فقه البخاري في
تراجمه، وله محملان :
أحدهما: أن مسائل فقه المختارة عنده تظهر من تراجمه، وثانيهما: أن ذكاءه يظهر من تراجمه،
والبخاري سابق الغايات في وضع التراجم، فإنه قد تحيرت العقلاء فيها، وسهل التراجم تراجم
الترمذي، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي، واقتفى النسائي في تراجمه أثر شيخه البخاري،
وبعض تراجمها متحدة حرفاً حرفاً، ومستبعد - والله أعلم - سيما إذا كان النسائي من تلامذة البخاري،
وما وضع مسلم بنفسه التراجم.
قوله: (عن رسول الله ◌َّلية: إلخ) كان المحدثون المتقدمون يخلطون بين المرفوعات والأثار،
وأول من ميز بينهما الإمام أحمد بن حنبل وتبعه المتأخرون.
وقال الترمذي: عن رسول الله مشيراً إلى أن الورادة ههنا مرفوعات لا آثار.
والمرفوع: ما أسند إلى النبي وَلّ فعلاً أو قولاً أو تقريراً.
قوله: (ح وحدثنا الخ) ح يسمى تحويلاً، والاختلاف في القراءة فإن المغاربة يقرؤون تحويل
والمشارقة يقرؤون ح بالمد أو القصر.
قال سيبويه: إن أسماء حروف التهجي إن كانت مركبة في الكلام فممدودة، كما قال محمد في
قصيدة البردة: (ع)

٣٦
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
حذَّثنا وَكِيعٌ، عن إِسْرَائِيلَ، عن سِمَاكٍ، عن مُصْعَبٍ بن سَعْدٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ ◌َِّّلـ
قال: ((لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ ظُهُورٍ،
لولا التشهد كانت لاءه نعم
وإن كانت منفردة فمقصورة کما يقال في حین التعداد: با، تا، ثا.
أقول: إن هذه الضابطة ليست بأسماء حروف التهجي بل في ذلك كلمة ثنائية تكون في آخرها
ألف. واعلم أن التحويل على قسمين: أحدهما: اجتماع الطرق المتعددة من الأسفل، ويسمى الراوي
المشترك مداراً ومخرجاً، وهذا التحويل كثير، ثانيهما: افتراق الطريق الواحد من الأسفل إلى طرق
كثيرة، والتحويل بكلا قسميه قد يكون بطريقين وقد يكون بأزيد منهما.
(ف) ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها أنهم يبدؤون السند من الأول أي الأعلى بالعنعنة ثم
في الأسفل بالإخبار والتحديث؛ لأن التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين فاحتاج
المحدثون إلى التصريح بالسماع، ولا يقبل حديث المدلس إلا عند التصريح بالسماع أو ما يدل عليه.
والتدليس على أنواع:
أحدها: أن يسقط الراوي اسم شيخه لغرض من الأغراض ويروي عن شيخ شيخه بعن كي لا
يكون كاذباً، وثانيهما: تدليس التسوية وهو حذف الرواة الضعفاء من بين السند ورواية الحديث بطريق
ثقاته بالعنعنة كتدليس وليد بن مسلم عن الأوزاعي كما سيجيء. وثالثها: أن يذكر الراوي اسم شيخه
إن كانت المشهورة كنيته، أو يذكر كنيته إن كان المشهور اسمه ولا يسقط بهذا عدالته ولا ضيق في
هذا، وأما القسمان الأولان فقبيحان، وقال شعبة: إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة، ومن ثم
قالوا: السند الذي فيه شعبة بريء عن التدليس وإن كان بالعنعنة والجمهور إلى قبح التدليس، ولكنه لا
يسقط به العدالة، وإذا صرح بالسماع أو ما حاذاه يقبل الحديث، ومن عادة المحدثين ضم المتن
لأقرب الطرق المتعددة، ومن عادتهم أيضاً ضم متن الحديث للسند العالي، والمصنف راعى العادة
الثانية كما يدل عليه قوله: قال هناد في حديثه: إلا بطهور إلخ، فعلم أن المذكور ليس متن هناد، وأما
وجه اختياره العادة الثانية على الأولى فعلى ما قيل: سئل ابن المبارك: ما يشتهي قلبه؟ قال: سند عالٍ
وبیت خالٍ .
قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور إلخ) القبول على قسمين: أحدهما: كون الشيء متجمعاً بجميع
الأركان والشرائط .
وثانيهما: وقوعه في حيز مرضاة الله، وقال ابن دقيق العيد: إن القبول مشترك في المعنيين ولا
قرينة على المعنى الأول، وأما الثاني فغير معلوم بغير الله تعالى فلا نعلم ما في حديث الباب، وأقول:
إن المراد هو الأول بقرينة الإجماع على عدم صحة الصلاة بدون الطهور، وعدم القبول هو الرد سواء
كان لذا أو لهذا، ونسب إلى مالك بن أنس عدم الإعادة على من صلى بلا وضوء، وليست هذه النسبة

٣٧
١ - كتاب الطهارة
وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)) .
صحيحة، ولعل وجه النسبة الاشتهار على الألسنة عدم اشتراط طهارة الثوب والمكان عند مالك
رحمه الله فقاسوا عليهما طهور البدن أيضاً، واعلم أن قول: لا تقبل صلاة بالتنوين مثل لا رجل في
الدار، بمعنى (نيست ھیج مردي ورخانه) ومعنى لا رجل في الدار بالفتح (نيست مردوخانه) ومعنى ما
من رجل في الدار (نيت هيج إزمري مردي وخانه) فعلى هذا معنى لا تقبل صلاة بلا طهور (قبول نمى
شود سبح غازي بغير طهور وباكى) فعلم أن كل فرد صلاة موقوف على الطهور، واختلفوا في صلاة
الجنازة وسجدة التلاوة في اشتراط الوضوء لهما فقال بعض: لا يشترط الوضوء لصلاة الجنازة، وأما
الإمام الشافعي فليس بقائل بما قالوا، ولعل وجه ما قالوا: إن قال الشافعي بالجنازة على الغائب،
ويقول: إنها دعاء كسائر الأدعية، فزعم أنها دعاء كسائر الأدعية في عدم وجوب التوضئ أيضاً،
والإمام البخاري موافق لنا في اشتراط الوضوء للجنازة، وأما سجدة التلاوة فقال الشعبي والبخاري: لا
يشترط التوضئ، كما أخرج البخاري عن ابن عمر: ((أنه كان يسجد على غير وضوء» الخ وفي نسخة
البخاري الأصيلي: ((كان ابن عمر يسجد على وضوء)) وقال خدام البخاري: إن الأول أصح وأما الأئمة
الأربعة فقائلون بوجوب التوضئ في سجدة التلاوة لأنها - أي: السجدة - أخص مدارج الصلاة فيشترط
لها كما اشترط لها، وأما فاقد الطهورين فرواية عن أبي حنيفة إنه يتشبه بالمصلين، أي يركع ويسجد
بلا قراءة، قال مالك: لا يصلي الآن، وقال أحمد بن حنبل: يصلي الآن، ولا يقضي، وللشافعية
وجوه أربعة، أحدها: القضاء فقط، وثانيها: الأداء فقط، وثالثها: الأداء في الحال ثم القضاء بعده،
ورابعها: وجوب الأداء واستحباب القضاء.
(ف) من مصطلحات فقهاءنا التعبير بالقول عما قال المشائخ وبالرواية عما قال الأئمة، وعند
الشافعية قول الإمام رواية وأقوال المشائخ وجوه، لنا في التشبه بالمصلين لفاقد الطهورين القياس
المستنبط من الإجماعين، أحدهما: من أفسد الصوم أو حاضت المرأة في نهار رمضان أو طهرت أو
بلغ الصبي يجب عليهم الإمساك في بقية النهار، وهل هذا إلا تشبه بالصائمين، والإجماع الثاني: أن
من أفسد حجة يجب عليه المضي على الأركان ثم يقضي وليس المضي على الأركان إلا تشبه
بالمصلين فلما ثبت التشبه في الصوم والحج نعديه إلى الصلاة، وكذا اكتفاء بعض السلف بالتكبيرة في
التحام القتال من هذا، واعترض الخصم علينا في قولنا: البناء على الصلاة لمن أحدث فيها بحديث
الباب، فالجواب: أولاً: إن المشي في الصلاة ليس بصلاة كالإياب والذهاب في صلاة الخوف ليس
بصلاة، بل فعل في الصلاة ، وثانياً: بأن البناء روي مرفوعاً عن عائشة، ولكن الصواب عند أرباب
الحديث الإرسال، والإرسال مقبول سيما إذا كان مؤيداً بفتيا الصحابة، فيكون حجة قطعاً، ومن
الفتاوى استخلاف عمر وعلي رضوان الله عليهما.
قوله: (ولا صدقة من غلول الخ) الغلول في اللغة: سرقة الإبل، وفي اصطلاح الفقهاء: سرقة
مال الغنيمة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل مال خبيث، قال في الدر المختار: إن التصدق بالمال الحرام
ثم رجاء الثواب منه حرام وكفر، وفرَّق البعض بين الحرام لعينه ولغيره، ومنهم العلامة التفتازاني،

٣٨
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال هَنَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: ((إلاَّ بِطُهور)) .
قَالَ أَبُو عِيَسى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ في هذا الباب وَأَحْسَنُ.
وفِي الباب عن أَبِي المَلِيح، عن أَبِيهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَس. وَأَبُو المَلِيحِ بْنُ أُسَامَةً
اسْمُهُ: عَامِرٌ، ويقال: زَيْدُ بْنُ أَسَامَةَ بنِ عُمَيْرِ الهُذَلِيُّ.
٢ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الطُّهُورِ
٢ - حدّثنا إسحاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عِيسَى القَزّاز، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ
أَنَسٍ، حَ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ:
أقول: ينبغي الفرق بين الحرام الظني والقطعي، لا في لعينه ولغيره، قال ابن قيم في بدائع الفوائد:
من اجتمع عنده مال حرام فتصدق يثاب عليه، وفي الهداية: من اجتمع عنده مال حرام سبيله التصدق
وقع التعارض بين الدر والهداية، أقول في دفع التعارض إن ها هنا شيئان:
أحدهما : ائتمار أمر الشارع والثواب عليه.
والثاني: التصدق بمال خبيث، والرجاء من نفس المال بدون لحاظ رجاء الثواب من امتثال
الشارع، فالثواب إنما يكون على ائتمار الشارع، وأما رجاء الثواب من نفس المال فحرام، بل ينبغي
لمتصدق الحرام أن يزعم بتصدق المال تخليص رقبته ولا يرجو الثواب منه، بل يرجوه من ائتمار أمر
الشارع، وأخرج الدارقطني في أواخر الكتاب: أن أبا حنيفة رحمه الله سئل عن هذا فاستدل بما روى
أبو داود من قصة الشاة والتصدق بها .
قوله: (هذا الحديث أصح) لا يلزم من قوله هذا أن يكون صحيحاً في نفسه، بل مراده بالأصح
والأحسن أعلى الحديث في هذا الباب وإن لم يكن حسناً عند المحدثين، ومن عادة الترمذي إخراجه
الأحاديث التي لم يخرجها غيره للاطلاع على ذخيرة الحديث، فمراده أنه أعلى الأحاديث التي لم
يخرجها أرباب الصحاح، كذلك قال بعض حفاظ الحديث في عادة الترمذي هذه.
قوله: (وفي الباب عن ابن مليح رحمه الله الخ) المراد بذكره ههنا هو أبو أبي المليح لا أبو
المليح نفسه، لأن الراوي أبوه، واعلم أن الترمذي مع كونه جامعاً ذخيرة الحديث فيه قليلة بخلاف
غيره من أرباب الصحاح إلا أنه يكافئه يذكر: وفي الباب عن فلان وعن فلان الخ، وصنف ابن حجر
العسقلاني في استخراج ما ذكر الترمذي في الباب وسماه: ((اللباب فيما قال الترمذي وفي الباب)) ولكنه
غير مطبوع، والأسهل لاستخراج أحاديثه المراجعة إلى مسند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
(٢) باب ما جاء في فضل الطهور
لفظة ((أو)) قد يكون لشك الراوي، وقد يكون للتنويع، وإذا كان للشك من الراوي فيقرء بعده
لفظ ((قال)»، ويعرف ذلك بالذوق.

٣٩
١ - كتاب الطهارة
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ المُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ
خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَظْرِ المَاءِ، أَوْ نَحوَ هَذَا، وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ
مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ فَظْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ
الذُّنُوبِ)).
واعلم أن المصنف أخرج حديث الباب مختصراً، وفي غيره: ((وإذا مسح الرأس خرجت كل
خطيئته سمعها بأذنيه)) الخ فدل على أن الأذنين في حكم الرأس، ودل على عدم ضرورة تجديد الماء
لمسح الأذنين كما هو مذهب أبي حنيفة.
قوله: (يخرج نقياً من الذنوب الخ) قال المتأخرون: الحسنات مكفرات السيئات الصغائر، وقال
المتقدمون: يفوض الأمر إلى الله بلا تقييد بالصغائر والكبائر، وتمسك المتأخرون بما سيأتي ((ما لم
يغش الكبائر)) وأقول: التحقيق أن لا يقيد بالصغائر، ويتمشى على ألفاظ الأحاديث لغة، وفي اللغة:
الذنوب العيوب والخطايا ما ليس بصواب، والمعصية (نافر ماني والسيئة برائي)، فالمعاصي في أعلى
مراتب الإثم ودونها السيئات ودونها الخطايا، ودونها الذنوب، وأشكل الحديث بأنه يدل على خروج
الذنوب، والخروج يقتضي أن يكون الشيء الخارج ذا جرم، والذنوب أخواتها من المعاني، فالأصوب
التفويض إلى الله تعالى، ومن أراد أن يقع في التكلفات، فيرجع إلى ما قال الصوفية بأن وراء هذا
العالم المشاهد عالماً يسمى بعالم الأمثال، وراءه عالم الأدوات، وفي عالم الأمثال صور كل شيء في
هذا العالم من الأجسام والمعاني، وفي عالم الأرواح أرواح كل شيء كما قالوا:
آسمان وآفتاب ویکراست
رأابري وآب ويكراست
وقالوا: إن عالم الأمثال متصرف في هذا العالم المشاهد وألطف منه، وعالم الأرواح متصرف
في عالم الأمثال وألطف منه، وليس عالم الأمثال هو دار الآخرة بل موجود الآن، وقالوا: من يذهب
في عالم الْأَمْثَالِ أو الأرواح لا يتميز بين أشياء عالم الشهادة وأشياء عالم الأمثال، وأما الروح فعند أهل
الإسلام جسم لطيف على شكل كل ذي ذلك الروح واحتجوا على هذا أي جسمية الروح بما ورد في
الأحاديث، كما في حديث البراء بن عازب ((فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول)) الخ أخرجه
أحمد في مسنده، وصاحب المشكاة ص١٣٤، وفيه: ((فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء،
فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن)) وأحاديث
أخر دالة على جسمية الروح، ونقل قاضي زاده في تهافت الفلاسفة أن الغزالي قائل بتجرد الروح
وكذلك نسب إلى القاضي أبي زيد الدبوسي الحنفي.
فأقول: أولاً: إن خلافهما لا يكفي، فإنا نتمسك بنصوص الشريعة من القرآن والحديث.
وثانياً: بأن نقل المذهب متعسر، فما لم أر عبارة القاضي أبي زيد لا أنسب إليه هذا الخلاف،
وأما الغزالي فقال تلميذه أبو بكر بن العربي: إن الأستاذ غمس في الفلسفة، ثم ضرب بيده وسعى
للخروج فلم يسعف بمرامه، والمتقدمون من علماء الإسلام يريدون بالتجرد عدم الكثافة يظهر ذلك من

٤٠
الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ،
تفسير سورة الإخلاص للحافظ ابن تيمية رحمه الله، ثم اختلف الصوفية بعد اتفاقهم على مادية الروح
في أنه كالبدن للثياب، أو أعضاءه سارية في أعضاء الجسد المشاهد، وقال الشيخ الأكبر في
الفصوص: الروح يتشكل بأشكال مختلفة، وقال الجهلاء الفلاسفة: إن الروح مجرد، وتشبثوا بأوهام
بما هي أوهن من بيت العنكبوت، منها ما قال الفارابي: إن الروح محل التصور والتصديق وهما
معنيان مجردان، ومحل المجرد مجرد، وهذا كما ترى لأنه لم لا يجوز أن يكون تعلق التصور
والتصديق بالروح كتعلق النفس الناطقة بالبدن المادي؟
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) الحسن والصحيح متقابلان في المشهور، لأن الصحيح ما
اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ويكون سالماً عن العلة والشذوذ والنكارة، والحسن الذي
يكون رواته أقل اتفاقاً من رواة الصحيح وأقل ضبطاً من رواته، فكيف جمع المصنف بين المتنافيين
فالأجوبة عديدة، منهاما قال الحافظ ابن حجر: بتقدير كلمته ((أو)) وعلى تقدير ((أو)) يكون الحاصل هذا
الحديث حسن أو صحيح، أي تردد الترمذي في الحسن والصحة، أو يقال: بتقدير الواو أي حسن
وصحيح، والحسن باعتبار طريق، والصحة باعتبار طريق آخر، لكنه ليس بشاف، فإن هذا التردد من
الترمذي بعيد، وأما تقدير الواو فلا يجري في جميع المواضع، ومنها ما قال الحافظ عماد الدين ابن
كثير: إن الحسن الصحيح مرتبة بين الحسن والصحيح، كالحلو الحامض لكنه أيضاً غير صحيح، لأنه
يأتي بأحاديث الصحيحين ويحكم عليها بالحسن الصحيح، والحق ما قال ابن دقيق العيد في الاقتراح:
بأنهما متبائنان مفهوماً، ومتصادقان مصداقاً، وبينهما عموم وخصوص مصداقاً كالظاهر والنص،
وسيأتي بعض كلام على هذا عن قريب.
مقدمة
واعلم أن الصحيح عندي على أربعة أقسام :
أحدها: أن يكون رواته ثقات وعدولاً ويساعده تعامل السلف.
والثاني: أن يصححه إمام من أئمة الحديث بخصوصه.
والثالث: أن يخرجه من التزم الصحة في كتابه مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن السكن،
وصحيح ابن حبان، والنسائي، وإن لم يحكم عليه بخصوصه بالصّحة.
والرابع: أن يكون الرواة سالمين عن الجرح، ويكونون ثقات فعندي المرتبة الأولى أعلى مراتب
الصحيح.
والتواتر عندي أيضاً على أربعة أقسام:
أحدها : تواتر الإسناد: وهو أن يروي الحديث جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، وكذلك
يكون في القرون الثلاثة وهذا التواتر تواتر المحدثين.