Indexed OCR Text
Pages 1-20
X دَارُ الشَرِي الحرفا شَخُ سِنَ التَّمْذِيِّ للعلامة المحدّث الكبيرٌ مؤلَانَا محمّدًا أنور شَاه ابنُ مُعظم شَاه الكشميري تَصُحِيح ٠ الجزء الأوّل دَارْجَاء الْرَائِلَى ١ بيروت - لبنان X x جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى م 1425 هـ - 2004 دار إحياء التراث العربي - بيروت لبنان جميع الحقوق محفوظة في باكستان للمكتبة الحقانية جلال الدين حقاني بشاور بازار كتبخانه تلفون: 091/220493 _ موبيل: 0300/5902280 - باكستان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 الحرفِ الشَّرِيّ شَّحْ سِتَ التَّمْذِيِّ ٥ مقدمة الناشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ مقدمة الناشر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، مَن يَهدِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَوُنُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ . ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىِ تَسََّلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٥ِّ) ٧١ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا أما بعد، فيسر مؤسسة دار إحياء التراث العربي أن تقدم هذه الطبعة من كتاب ((العرف الشذي شرح سنن الترمذي)). اللهم تقبل منا هذا العمل قبولاً حسناً وأنفع به عبادك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحاب الأخيار الميامين. ٧ ترجمة الإمام الترمذي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ ترجمة الإمام الترمذيِّ - رحمه الله تعالى - قال الحافظ ابن الأثير في ((جامع الأصول))(١): هو: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ بن موسى بن الضحاك السلمي الضرير البُوغِيُّ التّزْمِذِيُّ(٢)، الحافظ المشهور، مصنِّف ((الجامع)) وكتاب ((العلل الكبير)) و((الشمائل))، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، وأحد العلماء الحفاظ الأعلام، ولد سنة تسع ومائتين، انتهى. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٣): أحد الأئمة، طاف البلاد، وسمع خلقاً من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وقد ذكروا في هذا الكتاب: روى عنه أبو حامد أحمد بن عبد الله بن داود المروزي التاجر، والهيثم بن كليب الشامي، ومحمد بن محبوب أبو العباس المحبوبي المروزي، وأحمد بن يوسف النسفي، وأبو الحارث أسد بن حمدويه، وداود بن نصر بن سهيل البزدوي، وعبد بن محمد بن محمود النسفي، ومحمود بن نمير وابنه محمد بن محمود، ومحمد بن مكي بن فوج، وأبو جعفر محمد بن سفيان بن النضر النسفيون، ومحمد بن المنذر بن سعيد الهروي، وآخرون. انتهى. وقال العلاَّمة البِقَاعِيُّ في ((الكشف)): أصله من مَرْوٍ، وانتقل جَدُّهُ منها أيام الليث بن السيار، واستوطن مدينة ((تِرْمِذَ))، وولد بها ونشأ. انتهى. وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)»: سمع الترمذي قتيبة بن سعيد، وأبا مصعب، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإسماعيل بن موسى السدي، وسُوَيْد بن نصر، وعلي بن حجر، ومحمد بن عبد الملك بن (١) ينظر ((جامع الأصول)) (١٩٣/١). (٢) وينظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٣/٢)، و(«العبر)) (٦٢/٢)، و((الوافي بالوفيات)) (٢٩٤/٤)، و ((وفيات الأعيان)) (٢٧٨/٤)، و(«البداية والنهاية)) (٦٦/١١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٨٧/٩)، و((سير أعلام النبلاء)» (٢٧٠/١٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٨٨/٣)، و((خلاصة الخزرجي)) (٣٥٥)، و((شذرات الذهب)) (٢/ ١٧٤)، و((تهذيب الكمال)) (١٢٥٥/٣)، و((تقريب التهذيب)) (١٩٨/٢)، و((الثقات)) (١٥٣/٩)، و((الإكمال)) (٣٩٦/٤). (٣) ينظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٧/٩). ٨ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي أبي الشوارب، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وطبقتهم، وتفقه في الحديث بـ ((البخاري)). قلت: وسمع الترمذي من الإمام مسلم صاحب ((الصحيح)) أيضاً، لكن لم يرو في ((جامعه)) عنه إلا حديثاً واحداً، قال الذهبي في ((التذكرة)) في ترجمة الإمام مسلم: روى عنه الترمذي حديثاً واحداً. انتهى. وقال الحافظُ العراقيّ في ((شرح الترمذي)): لم يرو المصنف في كتابه شيئاً عن مسلم صاحب ((الصحيح)) إلا هذا الحديث، يعني حديث: ((أَخْصُوا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ))(١)، وهو من رواية الأقران، فإنهما اشتركا في كثير من شيوخهما، انتهى كلام العراقي. قال الذهبي: حدَّث عن مكحول بن الفضل، ومحمد بن محمود بن عنبر، وحماد بن شاكر، وعبد بن محمد: النسفيون، والهيثم بن كليب الشاشي، وأحمد بن علي بن حسنویه، وأبي العباس المحبوبي، وخلق سواهم. قلت: وحدَّث عن الإمام البخاري أيضاً حديثين، أحدهما(٢): حديث ابن عباس في قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن ◌ِِّنَةٍ أَوْ تَرَكْتُهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥] قال: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ... )) الحديث، قال الترمذي بعد إخراجه في ((تفسير سورة الحشر)): سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديثَ انتهى، والثاني: حديث أبي سعيد: ((يَا عَلِيُّ، لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ))(٣)، قال الترمذي بعد إخراجه في مناقب عليٍّ: قد سمع محمدُ بْنُ إسماعيل مني هذا الحديث. انتهى، قال الذهبي: قال ابن حبَّان في كتاب (٤) (الثقات)): كان أبو عيسى ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، وقال أبو سعيد الإدريسي: كان أبو عيسى يضرب به المثل في الحفظ، وقال الحاكم: سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يخلِّف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والورع والزهد، بكى حتى عَمِيَ، وبقي ضريراً سنين، قال: وقيل: إن بعض المحدِّثين امتحن أبا عِيسَى بأن قرأ له أربعين حديثاً من غرائب حديثه، فأعادها من صدره، فقال: ما رأيتُ مثلك. انتهى. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٥): قال الإدريسيُّ: كان الترمذي أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف ((الجامع) و(التواريخ)) و(العلل)) تصنيفَ رجلٍ عالم مُثْقِنٍ، (٢) سيأتي تخريجه برقم (٣٣٠٢). (١) سيأتي تخريجه برقم (٦٨٧). (٣) سيأتي تخريجه برقم (٣٧٢٧). (٤) ينظر: ((الثقات)) (١٥٣/٩). (٥) ينظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٨/٩، ٣٨٩). ٩ ترجمة الإمام الترمذي كان يضرب به المثل في الحفظ، قال الإدريسي: فسمعت أبا بكر بن أحمد بن محمد بن الحارث المروزي الفقيه يقول، سمعت أحمد بن عبد الله بن داود يقول، سمعت أبا عيسى الترمذي يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمرَّ بنا ذلك الشيخُ، فسألْتُ عنه، فقالوا: فلان، فرحْتُ إليه، وأنا أظن أن الجزأين معيّ، وإنما حملْتُ معي في محملي جزأين غيرهما شبههما، فلما ظفِرْتُ، سألته السماع، فأجاب، وأخذ يقرأ من حفظه، ثم لمح، فرأى البياض في يدي، فقال: أَمَا تَسْتَحِي مني، فَقَصَصْتُ عليه القصة، وقلْتُ له: إني أحفَظُهُ كلَّه، فقال: اقرأ، فقرأته عليه على الولاء، فقال: هل استظهَرْتَ قبل أن تجيء إليَّ؟ قلت: لا، ثم قلتُ له: حدِّثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثاً من غرائب حديثه، ثم قال: هَاتِ، فقرأْتُ عليه من أوله إلى آخره، فقال: ما رأيت مثلك. انتهى. قلت: هذه القصة هكذا مذكورة في ((تذكرة الحفاظ))(١) وغيرها من كتب الرجال والتراجم، قد ذكر هذه القصة صاحب ((العَرْف الشذي)) فمسخها؛ فإنه قد زاد فيها من عند نفسه ونقص وغيِّر؛ فقال: وله مناقب في الحفظ، منها أنه سافر للحج، فلقيه بعض المحدّثين في الطريق والتمس منه التحديث، قال الشيخ: جيءً بالقلم والدواة، فالتمس الترمذيُّ، فلم يجدهما، فجلس بين يدي شيخه، وجعل يجر إصبعه على القرطاس، وأخذ الشيخ في التحديث، وروَى له قريب ستين حديثاً، فإذا وقع نظر الشيخ على القرطاس، فوجده خالياً صافياً، فغضب على الترمذي، وأخذ يقول: إنك تضيع أوقاتي، فقال الترمذي؛ حفظْتُ الأحاديث؟ فقرأ الأحاديثَ المسموعة: انتهى، فانظر كيف مسخ صورة هذه القصة بزيادة ونقص وتغيير وتبديل . وقلَّده صاحب ((الطيب الشذي))، فنقلها عنه هكذا، فالعجب من المقلَّد والمقلّد كيف اجتريا على مسخها وتحريفها، ولم يراجعا كتب الرجال. وقال فيه: قال أبو الفضل البيلماني: سمعتُ نصر بن محمد الشيركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعْتُ بك أكثرَ مما انتفعت بي، وقال العلامة الشاه عبد العزيز الدهلوي في ((بستان المحدِّثين)): ترمذي شاكر درشيد بخاري است(٢) وروش أورا آموخته(٣) واز مسلم وأبي داود وشيوخ ايشان نيز روايت (١) ينظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٥/٢). (٢) ترمذي شاكر درشيد بخاري است. عبارة فارسية بمعنى: الترمذي تلميذ رشيد البخاري. (٣) وروش أورا آموخته. عبارة فارسية بمعنى: وتعلم أسلوبه ونهجه. ١٠ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي داردور(١) بصره وكوفه وواسط وري وخراسان وحجاز سالها در طلب علم حديث بسر بردة(٢) وتصانيف بسياردرين فن شريف ازوي يادكاراست(٣) واين جامع بهترين آن كتب ست ويلكه ببعضي وجوه وحيثيات از جميع كتب حديث خوب تر واقع شده(٤) وترمذ را خليفة بخاري کفته اند وتورع وزهد بحدی داشت که فوق ان متصور نيست(٥) بخوف الهي بسیارکریه وزاري کردونا(٦) بینا شد(٧). انتھی ملخصه. قلت: أجلُّ نصانيفه وأنفعها هو كتابه ((الجامع))، وفي آخره كتاب ((العلل))، وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفَى قدرها على من وقف عليها، ومن تصانيفه. (العلل الكبير)) وهو مستغنٍ عن التوصيف، وفيه معظم النقل عن شيخه البخاري. ومنها: ((شمائلُ النبيِّ ◌َ﴿)) وهو أحسنُ الكُتُبِ المؤلِّفة في هذا الباب، كثير الميامن والبركات، وقال الشيخ عبد الحق في ((أشعة اللمعات)): وخواندن أن براي مهمات مجرب اکابراست(٨) انتھی. وله كتاب جليل في التفسير. وله من التصانيف: ((التاريخ)) و((الزهد))، و((الأسماء والكنى)) كما في ((التدريب))، (١) واز مسلم وأبي داود وشيوخ ايشان نيزراويت دارد. عبارة فارسية بمعنى: وهو يروي عن مسلم وأبي داود ومشايخها أيضاً. (٢) ور بصره وکوفه وواسط ودي وخراسان وحجاز سالها در طلب علم حديث بسر بودة، عبارة فارسية بمعنى: ولقد أقام في كل من البصرة والكوفة وواسط والري وخراسان والحجاز سنوات طلباً لعلم الحديث. (٣) وتصانيف بسياردرين فن شريف ازوي ياركاراست. عبارة فارسية بمعنى: وله مؤلفات كثيرة في هذا المجال الشريف بقيت كذكرى. (٤) واين جامع بهترين آن كتب است ويلكه ببعض وجوه وحيثيات ازجميع كتب حديث خوب ترواقع شده. عبارة فارسية بمعنى: وهذا الجامع هو أفضل تلك الكتب، بل إنه في بعض الجوانب والحيثيات قد أصبح أفضل من كل كتب الحديث. (٥) وترمذي را خليفة بخاري لفته اند وتورع وزهد بحدی داشت كه فوق آن متصور نيست، عبارة فارسية بمعنى: ولقد قالوا: إن الترمذي هو خليفة البخاري، وكان زاهداً وورعاً إلى حد لا يمكن تصور تحقق ورع وزهد فوقه . (٦) بخوف الهى بسياركريه وزاري كرد. عبارة فارسية بمعنى: ولقد بكى كثيراً خوفاً من الله وخشية من عقابه. (٧) ونابينا شد. عبارة فارسية بمعنى: حيث أصبح كفيفاً. (٨) وخواندن آن براي مهمات مجوب أكابراست. عبارة فارسية بمعنى: وقراءة ذلك الكتاب مجوب في المحن الكبار وكتاب معارك. ١١ ترجمة الإمام الترمذي ومائتين، وذكره في كتاب ((الأنساب)) في نسبة ((البُوغِيّ))(١) و(بُوغ)) بضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وبعدها غين معجمة، وهي: قرية من قرى ترمذ على ستة فراسخ منها. انتهى. وقال في ترجمة أبي جعفر بن محمد بن أحمد بن نصر الترمذي الفقيه(٢) الشافعي: قال السمعاني في نسبة الترمذي: هذه النسبة إلى مدينةٍ قديمةٍ على طرف نهر بَلْخ الذي يقال له : ((جَيْحُون))، والناس يختلفون في كيفية هذه النسبة، بعضهم يقول: بفتح التاء، وبعضهم يقول: بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك المدينة: بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديماً: كسر التاء والميم جميعاً والذي يقوله المتنوفون وأهل المعرفة بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه، هذا كله كلام السمعاني، وسألت من رآها هل هي في ناحية خوارزم أم من ناحية ما وراء النهر؟ فقال: بل هي في حساب ما وراء النهر من ذلك الجانب، انتهى كلام ابن خَلْكَانَ. وفي ((بستان المحدِّثين)): والمراد بلفظهما: ((وراء النهر)) هو: نَهْر بلخ. انتهى. وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))(٣): قال شيخنا ابن دقيق العيد: وتِزْمِذ بالكسر: هو المستفيض حتى يكون كالمتواتر، وقال مؤتمن الساجي: سمعت محمد بن عبد الله الأنصاري يقول: وهو بضم التاء. انتهى. والسُّلَمِيُّ: نسبة إلى ((بَنِي سُلَيْم)) بالتصغير قبيلة من عيلان، ذكره ابن عساكر. و((سُورَة)) بفتح السين، وسكون الواو، بعدها راء مهملةً: اسم جَدِ الترمذيّ. تنبيه: اعْلَمْ أن الإمام أبا عيسى التّرْمِذِيّ، إمامٌ مشهورٌ ثقةٌ، حافظ متقنٌّ مُتَّفَقٌ عليه، قال الحافظ في ((التَّقْرِيب)» (٤): أحد الأئمة ثقة حافظ، انتهى، وقال الحافظ أبو يَعْلَى: محمَّد بن عيسى بن سَوْرة بن شَدَّاد، الحافظ ثقة متفق عليه، له كتاب في السنن، وكلام في الجرح (١) ينظر (الأنساب)) (٤١٥/١)، و((اللباب)) (١٨٧/١، ١٨٨)، و((معجم البلدان)) (٥١٠/١)، و((لب اللباب)) (١/ ١٥٣). (٢) هو الإمام العلم، شيخ الشافعية بالعراق في وقته، أبو جعفر الترمذي، ولد سنة ٢٠١هـ، ورحل وسمع وحدث قال الدارقطني: ثقة مأمون ناسك، توفي سنة ٢٩٥هـ. ينظر ترجمته في («تاريخ بغداد)» (٣٦٥/١)، و((وفيات الأعيان)) (١٩٥/٤)، و((المنتظم)) (٨٠/٦)، و((سير أعلام النبلاء)» (٥٤٥/١٣)، و ((الوافي بالوفيات)) (٢] ٧٠)، و((طبقات ابن السبكي)) (١٨٧/٢)، و((العبر)) (١٠٣/٢)، و((طبقات الفقهاء)) ١٠٥. (٣) ينظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٤/٢). (٤) ينظر: ((تقريب التهذيب)) (١٩٨/٢). ١٢ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي والتعديل، روى عنه ابن محبوب وأجلاء بمرو، وسمعنا سننه من بعض المراوزة عن ابن محبوب عنه، وهو إمام مشهور بالأمانة والعلم والديانة. انتهى. والعجب من ابن حزم: أنه لم يعرف الترمذي، وقال: هو مجهول، فردَّ عليه المحقّقون من أهل العلم بالحديث، قَال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال))(١): محمد بن عيسى بن سَوْرة الحافظ العَلَم، أبو عيسى الترمذي صاحب ((الجامع))، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب الإيصال: إنه مجهول؛ فإنه ما عرف ولا دَرَى بوجود ((الجامع)) و((العلل)) التي له. انتهى، وقال في ((سير النبلاء))(٢) في ترجمة الحافظ ابن حزم بعد ما ذكر مناقبه ومعائبه ما لفظه: وإني أنا أميل إلى محبة أبي محمد؛ لمحبته بالحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنتُ لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البَشِعَةِ في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير مسألة، ولكن لا أكفّره ولا أضلِّله، وأرجو له العفو والمسامحة، وأخضَعُ لِفَزْط ذكائه وسعة علمه، ورأيته ذكر قول من يقول: ((أَجَلَّ المصنَّفات ((الموطأ)) فقال: بل أولى الكتب بالتعظيم ((صحيحا)) البخاري ومسلم، و ((صحيحُ ابن السَّكَّنِ))، و((منتقى ابن الجارود))، و((المنتقى)) لقاسم بن أصبغ، ثم بعدها كتاب أبي داود، وكتابُ النسائي، ومصنّف القاسم بن أصبغ، ومصنّف أبي جعفر الطحاوي، قلتُ: ما ذكر سنن ابن ماجه، ولا جامِعَ أبي عيسى الترمذي، فإنه ما رآهما ولا أُدْخِلا إلى الأندلس إلا بعد موته، انتهى ما في ((سير النبلاء)). قلت: ولم يكن عند الحافظ أبي بكر البيهقيّ - أيضاً - ((جامع الترمذي))، قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمته ما لفظه: ولم يكن عنده ((سنن النسائي))، ولا ((جامع الترمذي))، ولا ((سنن ابن ماجه))، بل كان عنده الحاكم، فأکثر عنه. انتهى. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٣): قال الخليليُّ: ثقة متفق عليه، وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادَى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال في كتاب ((الفرائض من الإيصال)): محمد بن عيسى بن سورة: مجهول، ولا يقولَنَّ قائلٌ: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ، كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصَّفَّار، وأبي العباس الأصمِّ، وغيرهم، (١) ينظر: ((ميزان الاعتدال)) (٢٨٩/٦) بتحقيقنا. (٢) ينظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠١/١٨ - ٢٠٢). (٣) ينظر ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٨/٩). ١٣ ترجمة الإمام الترمذي والعجبُ: أن الحافظ ابن الفَرَضِيِّ ذكره في كتابه: ((المؤتلف والمختلف))، ونبه على قَدْرِهِ، فكيف فاتَ ابْنَ حَزْمِ الوقوفُ عليه فيه. انتهى. فائدة: كان أبو عيسى الترمذي في آخر عمره ضريراً لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في أنه هل ولد أَكْمَهَ، أو صار ضَرِيراً بعد أن كان بصيراً، فقيل: إنه ولد أكمه، وقيل: لا. بل أَضَرَّ في آخر عمره. والحق: الثاني، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال يوسف بن أحمد البغدادي الحافظ: أَضَرَّ أبو عيسى في آخر عمره، وقال: وهذا مع الحكاية المتقدِّمة عن الترمذي . يعني: في حفظه - يَرُدُّ على من زعم أنه ولد أكمه. انتهى. قلت: ويرده أيضاً ما قال العلامة الشاه عبد العزيز في ((البستان)): تورع وزهد بحدى داشت(١) كه فوق ان متصور نيست(٢) بخوف الهي بسياركريه وزاري كردونا بيناشد(٣). ويرده - أيضاً - ما قال الحاكم عن عمر بن علك: بَكِى حتى عَمِيَ، وَبَقِيَ ضَرِيراً سنين. فائدة أخرى: قد عرفتَ أن اسم الترمذي: محمَّد، وكنيته: أبو عيسى، وقد اختار الترمذي كنيته على اسمه؛ فإنه لا يعبّر عن نفسه إلا بـ ((أبي عيسى))، وقد كره بعض العلماء التكنِّيَ بِـ ((أبي عيسى))، لما أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنَّفه))، في ((باب)) ما يكره للرجل أن يكتني بـ ((أبي عيسى))، حدثنا الفضل بن دُكَيْن، عن موسى بن علي، عن أبيه: أن رجلاً أَكْتَتَى بِأَبِي عِيسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ عِيسَى لاَ أَبَ لَهُ)). وأخرج أيضاً: حدثنا الفضل بن دُكَيْن، عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أن عمر بن الخَطَّابِ ضَرَبَ ابْنَاً لَهُ أَكْتَنَى بِأَبِي عِيسَى، فَقَالَ: ((إِنَّ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَبٌ)). وقد أجاب عنه بعضُ الأعلام: بأن الحديث الأول: مرسَلٌ والثاني: موقوف، وعلى فرض صحة الحديث المرفوع - فليس فيه النهي عن الاكتناء بأبي عيسى، بل فيه بيان الأمر الواقع بأن عيسَى لا أب له، وإنما قال رسول الله وَّر له مزاحاً، كما قال لرجل استحمله: ((إِنِّي (١) تورع وزهد بمترى داشت. عبارة فارسية بمعنى: كان ورعاً زاهداً إلى المدى. (٢) كه فوق آن متصور نيست. عبارة فارسية بمعنى: بحيث لا يتصور ورع وزهد أكبر من هذا. (٣) يخوف إلهي بسيار كريه وزادي كردونا بيناشد. عبارة فارسية بمعنى: ولقد بكى كثيراً من خشية الله وتضرع إليه كثيراً حيث أصبح كفيفاً. ١٤ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ))، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟! فقال رَسُولُ اللَّهِ وَلَّى : ((هَلْ تَلِدُ الإِبِلِ إِلاَّ النُّوقُ))، أخرجه الترمذي في ((باب المزاح))، وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا! قال: ((إنِّي لاَ أَقُولُ إِلَّ حَقًّ))(١) وقوله: ((تُدَاعِبْنَا))، يعني: تمازحنا . ويؤيد الجواز: ما أخرجه أبو داود في ((كتاب الأدب))(٢) في ((باب من يتكثّى بأبي عيسى))، من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عُمَرَ بن الخطاب ضَرَبَ ابناً له تكثَّى أبا عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسَى، فقال له عُمَرُ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ كَنَّانِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا في جَلْجَيْنَا، فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، حَتَّى هَلَكَ، وقوله ((في جَلْجَتِنَا)) أي: في عدد من أمثالنا، لا ندري ما يصنع بنا. وفي ((الإصابة في تمييز الصحابة))(٣) للحافظ ابن حجر: ذكر البغويُّ من طريق زيد بن أسلم أن المغيرة استأذن على عُمَرَ فقال: أبو عيسى، قال: من أبو عِيسَى؟! قال: المغيرة بن شعبة، قال: هَلْ لِعِيسَى من أب؟! فشهد له بعضُ الصحابة: أن رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ كَانَ يَكْنِيهِ بها، فقال: إنَّ النَّبِيَّ وَِّ غُفِرَ لَهُ، وَإِنَّا لا نَذْرِي مَا يَفْعَلُ بِنَا، وَكَنَاهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. انتهى. فأخبر المغيرة بن شعبة؛ أن رسول الله و ﴿ كناه بأبي عيسَى، وشهد له بعضُ الصحابة، فأيُّ دليل يكون أعظم من هذا للجواز؟ وأما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ففهم الكراهة من قوله وَ لّ: ((إنَّ عيسَى لاَ أَبَ لَهُ))، ولذا ضرب ابنه، وأنكر على المغيرة بن شعبة بتكنيتهما به، وتأول تَكَنِّ رَسُول الله وَل بِأَبِي عِيسَى، وقال: ما كناه به، بل إنما دعاه به بعضَ الأحيان، وهذا لا يستدلُّ به على الجواز، لأن النبي ◌َّ ربما فعل شيئاً، وإن كان خلاقُهُ أولى، ويكون هذا في حقُّه مسلوبَ الكراهة، وهذا معنى قوله: ((غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّر)). قلت: ليس في النهي عن التكني بأبي عیسی حدیثٌ مرفوعٌ متصلٌ صحيحٌ صريحٌ، فالظاهر هو الجواز، وأما أثر عُمَرَ - رضي الله عنه - فليس في حُكْم المرفوع كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (١) سيأتي تخريجه برقم (١٩٩٠). (٢) ينظر: ((سنن أبي داود)» (٢٩١/٤). (٣) ينظر: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (١٣٢/٥) برقم (٨١٧٥) ضمن ترجمة المغيرة بن شعبة. ١٥ ترجمة الإمام الترمذي فائدة أخرى: قال العلامة الشاه عبد العزيز في ((بستان المحدِّثين)): الحكيمُ الترمذيُّ صاحب ((نوادر الأصول)) غير أبي عيسى الترمذي صاحب ((الجامع)) وهو - يعني ((جامع الترمذي)) - معدود في الصحاح الستة، وأمَّا ((نوادر الأصول)) فأكثر أحاديثه ضعافٌ غَيْرُ معتبرة، وأكثر الجهال يظنون أن الحكيم الترمذي، هو: أبو عيسى الترمذي، فينسبون الأحاديث الواهية إلى أبي عيسى الترمذي، ويزعمون أنها في ((جامع الترمذي))، ثم ذكر ترجمة الحكيم الترمذيّ وترجمة كتابه «نوادر الأصول)). قلت: المشهور بـ ((الترمذيّ)) من أئمة الحديث ثلاثة: الأول: أبو عيسى الترمذيُّ، صاحب ((الجامع)). والثاني: أبو الحسن أحمد بن الحسن المشهور بالترمذي الكبير، قال الحافظ الذهبيُّ في (تذكرة الحفاظ))(١): الترمذي الكبير، هو: الحافظ العلم أبو الحسن أحمد بن الحسن بن جنيدب الترمذي، سمع يعلى بن عُبَيْدٍ، وأبا النضر، وعبد الله بن موسى، وسعيد بن أبي مريم، وطبقتهم فأكثر، وأكثر الترحال، حدَّث عنه: البخاري، وأبو عيسى الترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم، وسألوه عن العلل والرجال والفقه، وكان من أصحاب أحمد بن حنبل، وروايةُ البخاريِّ عنه عن أحمد بن حنبل في ((المغازي)) من صحيحه، توفي سنة بعض وأربعين ومائتین، انتھی. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال الحاكم: ورد نيسابور سنة إحدى وأربعين ومائتين، فحدث في ميدان الحسين، ثم حج وانصرف إلى نيسابور، فكتب عنه كافة مشائخنا، وسألوه عن علل الحديث والجرح والتعديل، وقال ابن خُزَيْمَةَ: كان أحد أوعيةِ الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) انتهى. والثالث: الحَكِيمُ الترمذيَّ(٢)، أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الزاهد الحافظ المؤذِّن، صاحب التصانيف، وهو مشهور بالحكيم الترمذي، قال الذهبي: في «تذكرة الحفاظ)) في ترجمته: روى عن أبيه، وقتيبة بن سعيد، والحسن بن عمر بن شقيق، وصالح بن (١) ينظر: ((تذكرة الحفاظ)) (٥٣٦/٢)، وينظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) (٤٧/٢)، و((سير أعلام النبلاء)» (١٥٦/١٢)، و(تهذيب الكمال)) (١٩/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٤/١)، و((تقريب التهذيب)) (١٣/١)، و ((الوافي بالوفيات)) (٣١٩/٦)، و((طبقات الحفاظ)) (٢٣٥)، و((خلاصة تهذيب الكمال)) (١١/١)، و((طبقات الحنابلة)» (١/ ٣٧). (٢) ينظر ترجمته في: ((حلية الأولياء)) (٢٣٣/١٠)، و((طبقات الصوفية)) (٢١٧)، و((سير أعلام النبلاء)» (١٣/ ٤٣٩)، و((تذكرة الحفاظ)) (٦٤٥/٢)، و((طبقات الألياء)) (٣٦٢)، و((طبقات ابن السبكي)) (٦٤٥/٢). ١٦ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي عبد الله الترمذي، ويحيى بن موسى ختُّ، وعتبة بن عبد الله المروزي، وعباد بن يعقوب الرواجني، وطبقتهم، وعني بهذا الشأن، ورحل فيه، وروى عنه يحيى بن منصور القاضي، والحسن بن علي، وعلماء نيسابور، فإنه قدمها في سنة خمس وثمانين ومائتين، قال السُّلَمِيُّ: نفوه من ترمذ بسبب تأليف كتاب ((ختم الولاية)) وكتاب ((علل الشريعة))، قالوا: زَعَمَ أن للأولياء خاتمةً، وأنه يفضل الولاية، واحتج بقوله عليه السلام: ((يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))، وقال: لو لم يكونوا أفضَلَ لما غبطوهم، فجاء إلى بَلْخ، فأكرموه؛ لموافقته إياهم في المذهب، قلت: عاش نحواً من ثمانين سنة. انتهى كلام الذهبي. وأما كتابه ((نوادر الأصول)) فقد رتبه على ثلاثمائة أصل، إلا اثنَيْ عشر، وهو الملقب بـ(سِلوة العارفين، وبستان الموحدين))، روي أنه قال: ما وضعتُ حرفاً لينقل عني، ولا لينسب إليَّ شيء منه، ولكن كان إذا اشتد عليَّ وقتي أتسلَّى به، وفي تصانيفه يَلُوحُ صُدْقُ ما يقول؛ لا سيما في هذا الكتاب، حيث لم يقدِّم خطبة ولا ترتيباً، وهي ثمان وثمانون ومائتا أصل، وقد قيل: إن الأصول ثلاثمائة وستون، وهو موجود في كتب ورثة الشرف الطوسي بالري، كذا قال القُشَيْرِيُّ في فهرست هذا الكتاب، وله مختصر على قدر ثلاثة، قاله في ((كشف الظنون)) (٢/ ٦١٥). فائدة أخرَى: اعلم أن الإمام أبا عيسى الترمذيَّ مع إمامته وجلالته في علوم الحديث، وكونه من أئمة هذا الشأن - متساهلَ في تصحيح الأحاديث وتحسينها، قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال))(١) في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال ابن مَعِينٍ: ليس بشيء، وقال الشافعي وأبو داود: رُكْنَ من أركان الكذب، وضرب أحمد على حديثه، وقال الدار قطني وغيره: متروك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مطرُف بن عبد الله المدني: رأيته وكان كثير الخصومة، لم يكن أحد من أصحابنا يأخذ عنه ... إلى قوله: وأما الترمذي فروى من حديثه: الصلح جائز بين المسلمين، وصححه؛ فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. انتهى، وقال في ترجمة يحيى بن يمان(٢) بعد ذكر حديث ابن عباس: ((إنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَخَلَ قَبْراً لَيْلاً فَاسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ)) حسنه الترمذي، مع ضعف ثلاثة فيه فلا يغير بتحتسين الترمذي. انتهى. وقال في ترجمة محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني الكوفي(٣)، قال ابن مَعِينٍ: قد (١) ينظر: ((ميزان الاعتدال)) (٤٩٣/٥). (٢) ينظر: ((ميزان الاعتدال)) (٢٣١/٧). (٣) ينظر: ((ميزان الاعتدال)) (١٠٩/٦). ١٧ ترجمة الإمام الترمذي سمعنا منه، ولم يكن بثقة، وقال مرة: كان يكذب، وقال أحمد: ما أراه يَسْوَى شيئاً، وقال النسائي: متروك، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: كذاب، ثم قال بعد ذكر حديث أبي سعيد: قال: قال رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ القُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أَعْطَي السَّائِلِينَ ... ))(١) الحديث، حسنه الترمذي، فلم يحسن، وقال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٦٣/١): روى الترمذي من حديث المنهال بن خليفة، عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: ((أن النَّبِيِّ نََّ دَخَلَ قَبْراً لَيْلاً فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٍ ... ))(٢) الحديث، قال: حديث حسن، وأنكر عليه، لأن مداره على الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس، ولم يذكر سماعاً، قال ابن القطان: ومنهال بن خليفة ضعفه ابن معين، وقال البخاري رحمه الله: فيه نظر. انتهى. قلت: عدم اعتمادهم على تصحيح الترمذي وتحسينه، إنما هو إذا تفرَّد بالتصحيح أو التحسين، وأما إذا وافقه في ذلك غيره من أئمة الحديث - فلا. فائدة أخرى: اعلم أن أبا عبد الله الحاكم أيضاً متساهلٌ في تصحيح الحديث وتحسينه، كما أن الترمذيَّ متساهلٌ فيها؛ لكنهما ليسا بمتساويين في ذلك، ففي «تخريج الهداية)): وتوثيقُ الحاكِم لا يُعَارِضُ ما ثبت في الصحيح خلافُهُ، لما عرف من تساهله، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذيٍّ، وأحياناً يكون دونه، وأما ابن خُزَيْمَةً وابن حِبَّانَ: فتصحيحهما أرجَحُ من تصحيح الحاكم بلا نزاع، فكيف تصحيح البخاري ومسلم. انتهى. فائدة أخرى: قال القاري في ((أوائل المرقاه في شرح المشكاه)): أعلى أسانيد الترمذي: ما يكون واسطتان بينه وبين النبي ◌َّ، وله حديثٌ واحدٌ في ((سنته)) بهذا الطريق، وهو: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ: الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَىْ دِينِهِ كَالْقَابِضٍ عَلَى الْجَمْرِ))(٣) فإسناده أقربُ من إسناد البخاري ومسلم وأبي داود؛ فإن لهم ثلاثيات. انتهى. قلت: ليس الأمر كما قال القاري؛ فإن الترمذي رَوَى هذا الحديث في ((جامعه)) في كتاب ((الفتن)) هكذا: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ابن ابنة السدي الكوفي، حدثنا عمر بن شَاكِرٍ، عن أنس بن مالك، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ: الصَّابِرُ فِيهِمْ (١) سيأتي تخريجه برقم (٢٩٢٦). (٢) سيأتي تخريجه برقم (١٠٥٧). (٣) سيأتي تخريجه برقم (٢٢٦٠). ٠٠٠ ١٨ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي عَلَىْ دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ)) هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، انتهى، فليس بين الترمذي وبين النبي ◌ّ# في إسناد هذا الحديث واسطتان، بل فيه ثلاث وسائط: إسماعيل بن موسى، وعمر بن شاكر، وأنس بن مالك، فهذا الحديث ثلاثي، وليس إسناده أقرَبَ مِنْ إسناد البخاري ومسلم وأبي داود؛ كما زعم القاري. فائدة أخرى: اعلم أنه ليس في ((جَامِع الترمذي)) ثلاثيٍّ غير حديث أنس المذكور، وأما في ((صحيح البخاريِّ)) فاثنان وعشرون ثلاثياً، قد أفرزها العلماء بالتأليف، كعلي القاري الهروي وغيره، قال صاحب ((كشف الظنون))(١): وتنحصِرُ الثلاثياتُ في ((صحيح البخاري)) في اثنين وعشرين حديثاً، الغالب عن مكي بن إبراهيم، وهو ممن حدثه عن التابعين، وهم في الطبقة الأولى من شيوخه، مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري، وأبي عاصم النبيل، وأبي نُعَيْم، وخَلاَّد بن يحيى، وعلي بن عباس، وعليه شَرْحٌ لطيف لمحمد شاه بن حاج حسن، المتوفى سنة تسع وثلاثين وتسعمائة. انتهى. وأما ((صحيح مسلم)) - فليس فيه ثلاثي، وكذا أبو داود والنسائي ليس فيهما أيضاً ثلاثي، وأما ابن ماجه، ففيه عدة ثلاثيات، وهذه الثلاثيات من طريق جبارة بن المُغَلّس، وأما الدارمي: فثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري؛ كذا في ((الحطة)) ص ١١٣. وقال في ((كشف الظنون))(٢): ثلاثيات الدارميِّ، هي خمسة عشر حديثاً، وقعَتْ في مسنده بسنده، انتھی؛ فلينظر. وأما مسند أحمد: فثلاثياته تزيد على ثلاثمائة حديث، وليعلم أن بيني وبين رسول الله وَل في إسناد ثلاثي الترمذي المذكور، اثنين وعشرين واسطة: (١) شيخنا السيد محمد نذير حسين. (٢) الشاه محمد إسحاق. (٣) الشاه عبد العزيز. (٤) الشاه ولي الله ... الدهلويون. (٥) الشيخ أبو طاهر المدني. (١) ينظر: ((كشف الظنون)) (٥٢٢). (٢) ينظر: ((كشف الظنون)) (٥٢٢). ١٩ ترجمة الإمام الترمذي (٦) الشيخ إبراهيم الكردي. (٧) الشيخ المزاحي. (٨) الشهاب أحمد السبلي. (٩) الشيخ النجم الغيطي. (١٠) الزين زكريا. (١١) العز عبد الرحيم. (١٢) الشيخ عمر المراغي. (١٣) الفخر بن البخاري. (١٤) عمر بن طبرزد البغدادي. (١٥) أبو الفتح عبد الملك. (١٦) أبو عامر محمود بن القاسم. (١٧) أبو محمد عبد الجبار الجراحي المروزي. (١٨) أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي. (١٩) أبو عيسى الترمذي. (٢٠) إسماعيل بن موسى الفزاري. (٢١) عمر بن شاكر. (٢٢) أنس بن مالك - رضي الله عنه، وعن جميعهم .. فائدة أخرى: اعلم أن بعض العلماء الحنفية - زعموا أن الإمام أبا عيسى الترمذيّ كان شافعيَّ المذهب، وبعضهم قالوا: إنه كان حنبلي المذهب، وهذا قولم بأفواههم، وباطلٌ ما يزعمون، والحق: أنه لم يكن شافعيًّا ولا حنبلياً، كما أنه لم يكن مالكيًّا ولا حنفياً، بل كان هو - رحمه الله تعالى - من أصحاب الحديث متبعاً للسنة عاملاً بها، مجتهداً غير مقلِّد لأحدٍ من الرجال، وهذا ظاهر لمن قرأ («جامعه» وأمعن النظر وتدبّر فيه. والعجَبُ: أنهم كيف زعموا أنه كان شافعياً أو حنبلياً؛ ألم يعلموا أنه لو كان شافعيًّا مقلِّداً للإمام الشافعي - لرجح مذهب إمامه الشافعي في جميع المواضع المختلف فيها أو أكثرها على مذهب غيره، وحماه ونصره وأيَّده كما هو شأن المقلِّدين؛ لكنه لم يفعل ذلك، بل رَدَّ في ٢٠ الجزء الأول من كتاب العرف الشذي شرح سنن الترمذي بعض المواضع من كتابه قَوْلَ الشافعي؛ ألا ترَى أنه قال في ((باب تأخير الظهر في شدَّة الحَرِّ»، بعد رواية حديث الإبراد، وقد اختار قوم من أهل العلم تأخيرَ صلاة الظهر في شدّة الحرَّ وهو: قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجداً ينتاب أهله من البعد، فأما المصلِّي وحده والذي يصلي في مسجد قومه - فالذي أُحِبُّ له ألاَّ يؤخر الصلاة في شدة الحر، ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر - هو أولى وأشبه بالاتباع. وأما ما ذهب إليه الشافعي: أن الرخصة لمن ينتابُ من البعد وللمشقة على الناس. فإن في حديث أبي ذَرِّ ما يدلُّ على خلاف ما قال الشافعيُّ، قال أبو ذر: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فِي سَفَرٍ فَأَذَّنَ بِلاَلْ بِصَلاَةِ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((يَا بِلَاَلُ، أَبْرِدْ ثُمَّ أَبْرِذِ))(١)، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعيُّ، لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنًى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد. انتهى كلام الترمذي. وأليس لهم علم بأنه قال في («باب الذي يصلي الفريضَةً، ثم يؤُمُّ الناس بعد ذلك)): والعمل على هذا عند أصحابنا الشافعيِّ وأحمد وإسحاق. انتهى. وقال في ((باب الرَّجُلُ يُسْلِمُ، وعنده عَشْرُ نسوة)): والعمل على حديث غَيْلاَن عند أصحابنا، منهم الشافعي وأحمد وإسحاق. انتهى. وقال في ((باب النهي عن المحاقلة والمزابنة)): وهو قول الشافعي وأصحابنا انتهى. قال في («باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل)): وعليه العمل عند أصحابنا، وبه يقول: أحمد وإسحاق، فأقوال الترمذي هذه تنادي بأعلى نداء أنه لم يكن شافعياً ولا حنبلياً، وتبطل قول مَنْ زَعَمَ خلاف ذلك إبطالاً بيناً. فإن قلت: فما المراد بقوله: ((أصحابنا))؟! قلت: كان أبو عيسى الترمذيُّ من أهل الحديث، وكان مذهبه مذهَبَ أهل الحديث، والمراد بقوله: ((أصحابنا)): أهل الحديث، قال القاري في ((المرقاة شرح المشكاة)) في شرح قول الترمذي في ((خارجة)» الراوي: وهو ليس بالقويِّ عند أصحابنا، أي: أهل الحديث؛ قاله الطيبي. انتهى. قلت: وهذا هو الحقُّ، وعليه يدلُّ أقوال الترمذي المذكورة. (١) سيأتي برقم (١٥٨).