Indexed OCR Text
Pages 1-20
الدِّيَّان عَلَى صَحِيحُسْلِ بِنْ الْجَاجِ لِلَافِظ عبد الرحّ بْ أَ بَكْرِ السُّمي ٨٤٩ - ٩١١ هـ حَقَقَ أَصْلَهُ، وَعَلَقْ عَلَيْهِ أَبُواسجق الجوبني الأثري دَارُابْنُ عَفان الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦م حقوق الطبع محفوظة الناشر دار ابن عفان للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية الخبر ص ب : ٢٠٧٤٥ رمز : ٣١٩٥٢ هاتف : ٨٩٨٧٥٠٦ فاكس : ٨٢٦٩٨٦٤ ۔ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج الديباج - الجزء الأول - ملزمة (١) . ٥ المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . من يهد اللَّه تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله . أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه تعالى، وأحسن الهدي هديُ محمد علي، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالةٌ ، وكل ضلالة في النار. فلا يخفى على أحدٍ ما لـ ((صحيح مسلم)) من المكانة عند جماهير المسلمين عامة، وعند أهل العلم خاصة، وكان ولا يزال محطّ اهتمام أهل العلم، وإن كان لم يخدم مثلما خدم صحيح البخاريّ، فلا يوجد له شرح حتى الآن على غرار ((فتح الباري))، يحل مشكلهُ لا سيما في الأحاديث التي صححها مسلم وعارضه فيها بعض أهل العلم، كأبي الفضل الهروي، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي علي الغساني وآخرين فلعلَّ اللَّه يقيض من أهل العلم من يقوم بهذا الأمر الجليل . والكتاب الذي أقدمه اليوم هو كتاب ((الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج)) للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه اللّه تعالى، وهو حاشية على ((الصحيح)) اعتنى فيها بضبط الألفاظ، وتفسير الغريب، وإعراب لفظ مشكل أو ذكر مبهم، ولم يتعرض للأحكام الفقهية، ولا للإجابة عن الأحاديث المتكلم فيها، إلّ نادرًا جدًّا ولم يشف، وقد سددت بعض ٦ المقدمة الإعواز في ذلك، ولم آت على ما لم يذكره لاحتياجه مني إلى وقتٍ مديد. وكذلك أكثر المصنّفُ - لا سيما في (( كتاب الإيمان)) - من نقل كلام المازري، والقاضي عياض، والنووي في مسائل الاعتقاد، ولا سيما هذا الأخير، فإن السيوطي استلَّ حاشيته كلها أو جلها من شرحه المشهور، وقد تعقبته فيما خالف فيه اعتقاد السلف، وربما تركت التنبيه على موضعٍ سبق له نظائر. ولعل الناظر فيما علقتُهُ على الكتاب يعلم حقيقة اعتقادي، وأنني وللَّه الحمدُ على مثل اعتقاد السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين كمالك، والثوري، والأوزاعيّ ، والشافعي ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل وغيرهم من أهل العلم والدين، ومنذ طلبت العلم - منذ أكثر من عشرين عامًا - لم أنتحل بدعةٌ قطُّ - بحمد الله - لا في الاعتقاد ولا في العمل، وأرجو أن يحفظني اللَّه تعالى فيما بقي من عمري، حتى ألقاه على التوحيد الخالص . وإنما قدمت بهذا، لأنَّ هناك من أشاع عني أنني أنتحل مذهب الجهمية في الصفات، فأقولُ : سميع بلا سمعٍ، وبصير بلا بصرٍ وهكذا، ولم أَبْتَلَ بمحنة في حياتي - على ما فيها من محنٍ والحمد للَّه - بمثل هذه المحنة، وواللَّه لأن أقدم فتضرب عنقي - لا يقربني ذلك من إثم - أحبّ إليّ من أن أعتقد مذهب الجهمية . وسأسرد القصة كاملةً ليرى الناسُ عزَّة الإنصاف، وغربة الحكم بالعدل . فقد طلب مني صاحبنا الصادقُ الودّ أبو محمد خالد بن حسين لبنى ٧ المقدمة حفظه الله، وهو من الداعين إلى مذهب السلف في مدينة جدة بالمملكة السعودية أن ألقي دروسًا في مصطلح الحديث في مسجد الأنوار بحيّ الصفا على بعض طلبة العلم هناك، وأجبت طلبته شاكرًا إياه ، وبعد انتهاء درس أحد الأيام جاءني من يسألني : ما تقولُ في قول عبد العزيز الكناني في (( كتاب الحيدة)) وهو يعني ما قاله المأمون لعبد العزيز: أتقولُ: سميع بسمع بصير بيصر؟ فقال عبد العزيز: لا أقول إلا بما في التنزيل. أو كما قال. فقلتُ للسائل: ما قاله عبدُ العزيز له وجةٌ، ثم رأيت بعض أهل بلدتي قد جاءوا للسلام عليَّ فانشغلت معهم وانفضَّ المجلس، ونسيتُ الأمر. ووقفنا على باب المسجد فترةً ليست بالطويلة، ونحن نهم بالانصراف قال لي أبو محمد: إن بعض إخواننا يريد أن يقرأ عليك شيئًا، فظننت أنه يريد أن يقرأ جزءً أو نحوه، فاعتذرتُ بأنني مجهدٌ ، ولعلَّ ذلك يكون في وقتٍ آخر، فاعتذر أبو محمدٍ لذلك الأخ، وركبنا السيارة وانطلقنا إلى منزل أبي محمدٍ ، فقال لي : كنت أُريد أن تعطي أخانا الفرصة ليقرأ عليك حتى تزول الشبهةُ من عنده . فقلتُ له: وأيَّ شبهة تعني ؟ فقال لي : إنه أتى بكتب لشيخ الإسلام ابن تيمية تثبت أن اعتقاد السلف أن اللَّه سميع بسمع بصير ببصر . فقلت له : ومن يقول بغير ذلك ، إن قول القائل: سميع بلا سمع بصير بلا بصرٍ هو عين التعطيل . فقال لي أبو محمد: إن صاحبنا يقول: إِنَّك تقول بذلك، فأحبّ أن ٨ المقدمة يقرأ عليك. فقلتُ له: ارجع بنا إلى المسجد. فرجعنا إلى المسجد فلم نجد صاحبنا، قلت له: انطلق بنا إلى منزله. فذهبنا إلى منزله فأخبرونا أنه لم يأت. فرجعنا إلى منزل أبي محمدٍ، واتصلنا بالهاتف ، فأخبرونا أنه لم يأت . فقلتُ لأبي محمدٍ : أخبر صاحبنا أنني أعتقد أن اللّه سميع بسمع، بصيرٌ ببصرٍ، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقدرةٍ، وذكرتُ له قول عائشة: ((سبحان من وسع سمعه الأصوات)) وكذلك حديث أبي موسى مرفوعًا: (( حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره )) ثم قلتُ لأبي محمدٍ : قد سُئلت الليلة سؤالاً، ظننتُ أن صاحبك هو الذي أرسل من يسألُ عنه، فقد جاءني هذا السائل يسألني عن قول عبد العزيز الكناني في ((كتاب الحيدة)) فقلتُ له: إن قول عبد العزيز له وجةٌ، وانقطع الكلام، فربما التبس على السامع فظنَّني أقول به، وأنا أوضح لك مرادي لتنقله إلى صاحبك . فقد ذُكر في هذا الكتاب - إن ثبت - أن عبد العزيز الكناني قال للمأمون : يا أمير المؤمنين! لك عليَّ أن أقطعه بنصٌ التنزيل - يعني ابن أبي داود - ثم قال المأمون بعد ذلك: يا عبد العزيز! أتقولُ سميع بسمع بصير ببصرٍ؟ فقال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين؟ لا أقول إلا بما في التنزيل . وليس في ((التنزيل)) ما سأل عنه المأمون . فأصبحت عبارة عبد العزيز محتملة للتعطيل، لكن لا تقضي عليه بذلك، لاحتمال أن يكون له مسلك آخر يستطيع أن يقيم به الحجة . ٩ المقدمة ويحتمل أنه لو احتج بالأحاديث، اعترض عليه بأنها أحاديث آحاد ، ويحتمل أنه تنزل مع الخصم من باب المناظرة ، فأقره على قوله ليثبت له فساده، ولا ينبغي أن تؤخذ عقائد الناس من المناظرات لهذا الاحتمال القائم، ولذلك قالوا : إن لازم المذهب ليس بمذهبٍ ومن هنا غلط الغالطون على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه إذ ظنوا أنه يغض من منصب علي بن أبي طالب، وأنه تكلّم عنه بكلام لا يليق في ((منهاج السنة النبوية)) ، وحاشا ابن تيمية أن يصدر منه هذا، وقد صرح بفضل عليٍّ وجلالته وسابقته في مواضع شتى من الكتاب، لكن شيخ الإسلام كان يردُّ على رافضيٍّ محترقٍ، لا يرى إثبات فضيلة لعلي بن أبي طالب إلَّ بالحطّ على مثل أبي بكر وعمر وطائفة من الصحابة فكان يأتي بأشياء يعيب بها أبا بكرٍ والصحابة فيردُّ عليه ابن تيمية قائلًا: لئن جاز أن يعاب أبو بكر بهذا، فلئن يعاب عليّ بكذا وكذا أولى ثم يسرد حجته، فأين غضُّ ابن تيمية من منصب عليٍّ رضي الله عنه. وحاصلُ الكلام إنني وجهت كلام عبد العزيز بما يتلاءم مع بقية عقيدته ، وهذا هو الواجبُ، إذا أتاك لفظ مشترك عن أحدٍ، فتحمله على اعتقاد قائله، فلو قرأت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مثلًا ((إن اللَّه في جهة)) فينبغي حمل كلامه على أن اللَّه في السماء ، لا على الجسمية . وانقضى ذلك اليومُ، وأنا لا أشعر بالشر، فمضى يومان، وإذا بأبي محمدٍ يخبرني أن صاحبنا اتصل بشيخنا الألباني حفظه اللَّه وسأله: ما تقولُ فيمن يقول: إن اللَّه سميع بلا سمع، بصيرٌ بلا بصرٍ؟ فقال شيخنا: هذا جهميٌّ ضالٌّ واتصل صاحبنا بشيوخ المدينة مثل الشيخ محمد أمان الجامي ، ١٠ المقدمة والشيخ فالح بن نافع الحربي، وبعض طلبة العلم هناك يخبرهم أن أبا إسحاق الحويني يقول: إن الله سميع بلا سمع بصير بلا بصر. وبدأوا يكلمون طلبة العلم في أماكن شتى، يحتسبونَ الأجر عند الله بفضيحة أخيهم في اللَّه !! وزرت المدينة النبوية في هذه الأيام وأنا لا أشعر بشيءٍ، فكان ممن زرتُهُ في بيته: الشيخ فالح بن نافع الحربي حفظه اللَّه، واستقبلني هاشًّا باشًا، وتكلَّمنا في مسائل شتى أذكر منها ما ذكره الشافعيُّ رحمه الله في بعض مناظراته: إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال، وما هو ضابط الاحتمال الذي عناه الشافعيُّ، إذ كل دليل يمكن أن يطرقه الاحتمال، وأمضينا الليلة، ولم أشعر منه بأدنى تغيّر، ولما ذهبت إلى الفندق جاءني بعض إخواننا وسألني عن حقيقة ما يُشاع عني أنني أقول: إن اللَّه سميع بلا سمع، بصيرٌ بلا بصر؟ فكذبت القول وشرحت الأمر على نحو ما ذكرتُ، فقال لي: إن فلانًا اتصل بي وأخبرني بذلك، واتصل بالشيخ محمد أمان والشيخ فالح وغيرهم يخبرهم بمقالتك، وقال لي : الحق بهؤلاء وأخبرهم حقيقة اعتقادك . فعجبتُ أشدَّ العجب، وقلت في نفسي : لماذا لم يفاتحني الشيخ فالح في هذا الأمر؟ ودارت بي الظنونُ فقلتُ: لعله لم يصدق؟ أو لعله كره أن يستقبلني بمثل هذا الكلام لضيافته إياي؟ أو لعله .... إلى آخر هذه الخطرات . ولما أصبحتُ قلتُ لأبي محمدٍ وكان يصحبني في هذه الرحلة : أريد أن ألقى المشايخ. وخرجنا إلى الجامعة الإسلامية، فلقيت الشيخ فالح الحربي ١١ المقدمة في مكتبة البخاريّ فسألته عما بلغه عني ولماذا لم يفاتحني؟ فقال لي: شعرت كأن هناك خطأ في النقل. ثم سألني عن حقيقة قولي، فشرحته على نحو ما حكيت آنفًا. فقال لي: لست وحدك الذي علقت على قول عبد العزيز الكناني بهذا القول، فقد قاله أيضًا الدكتور الفقيهي، ثم نادى موظفًا في المكتبة وقال له: ائتني بكتاب الحيدة الطبعة الجديدة، وما كنت رأيتها فجيء بها فقرأ عليَّ تعليق الدكتور الفقيهي الذي كاد أن يطابق قولي، فطلبت من الشيخ فالح أن يبلغ الشيخ محمد أمان بحقيقة الأمر، وأن يدفع عني إذا بلغه شيء فوعدني خيرًا . ثم رجعتُ إلى مصر، وعدتُ إلى المملكة بعد عدة أشهر فإذا الخبر انتشر في أرجاء المملكة، فلست ألقى فردًا أو طائفة إلا سألني عن حقيقة ما يشاعُ عني، فأشرح لهم الأمر، ووالله ما لقيت أحدًا سألني عن هذا الأمر إلا قال لي : دفعنا عنك قبل أن نسمع منك، لأننا نعلم عقيدتك من كتاباتك ودروسك، ووالله ما لقيتُ أحدًا فاتهمني قطُّ . فلله الحمد على ما أنعم . فقلتُ لأبي محمدٍ : ألم تخبر صاحبك عن حقيقة قولي ؟ ولماذا أشاع الأمر وهو خلاف الواقع؟ فحكى لي أبو محمدٍ مآسي، وأن صاحبنا أصرّ على قوله، وقال: إن يرجع أبو إسحاق عن قوله أرجع عن قولي ؟ فقال له أبو محمدٍ: كيف والرجل لم يقل شيئًا، وقد أخبرتك بقوله، فقال له صاحبنا : يقول: أنا أخطأت ورجعتُ، وحينئذٍ أرجع عن قولي !! قال أبو محمدٍ : واستشهد الرجل بأنني قلت هذا الكلام في حج (١٤١٠) ١٢ المقدمة أمام صاحبنا أبي الحارث علي حسن الحلبي حفظه اللَّه تعالى. قال أبو محمد: فسألت أبا الحارث فقال: لم يحدث شيءٌ من هذا. ووصل أمري إلى اليمن! فأرسل لي بعض إخواننا هناك يناشدني أن أسجل شريطًا أذكر فيه حقيقة الأمر، ويتولوا توزيعه على الناس . قال في رسالته : مع اعتقاده بطلان الشبهة أصلاً ، لكن الكلام مني يقطع دابر الشبهة، ولم أجبه حتى لا يتسع الخرق، وكانت ((حرب الأشرطة)) على أشدها آنذاك . ثم انتهى الأمر أن قطع أبو محمدٍ علاقته بصاحبنا وأشياعه ، لما تبين له من ظلمهم، أسأل الله أن يصل ما وهى من حبالهم. وكنت أقول لأبي محمدٍ : هب أنني أخطأت جزمًا في هذا الأمر، أفليس من حقوق الأخوة أن يترفقوا بي، وأن يصبروا في تعليمي وإيصال الحجة إليَّ، حتى إذا ناظروني وأصررتُ على خطئي أشاعوا ذلك عني، أليس هذا أدنى حقوق الأخوة، وهم يعلمون أنني بحمد اللَّه على عقيدة السلف ، إلّ في هذه بزعمهم؟ وقال لي بعضُ من لقيني: دفعنا عنك بأنك تلميذ الألباني، ولا يوجد في تلاميذه مبتدعة، وصدق واللَّه، فإن تلاميذ هذا الشيخ المبارك على اعتقاد السلف، وقد نفع الله به سائر طلاب العلم في الدُّنيا، فقلَّ أن تجد أحدًا له مساسّ بالعلم إلا وللشيخ فضل عليه دقَّ أو جلَّ فاللهم متعنا بطول حياته واختم له بالحسنى، وقد ذكرت فضل الشيخ وأثره في كتابي ((الثمر الداني في الذب عن الألباني )) وهو في ثلاثة مجلدات ، تم منه الجزء الخاص ١٣ المقدمة بترجمته ، وبقية الكتاب محاكمة بين الشيخ ومعارضيه في مسائل الحديث والفقه . هذا: وإني لأرجو أن يرجع إخواننا الذين أشاعوا عني هذا القول المغلوط إلى جادَّة الحقِّ بعد هذا البيان، والله أسألُ أن يديم توفيقهم، وأن يقيهم من عثرات اللسان، وقبح اعتقاد الجنان ، وقد أحللت كل من تكلّم فيَّ قبل هذا البيان، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب . والحمد للَّه أولاً وآخرًا ظاهرًا وباطنًا، و کتبه راجي عفو ربه الغفور أبو إسحاق الحويني الأثري حامدًا اللَّه تعالى، ومصليًا على نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم المحرم / ١٤١٦ هـ ١٤ المقدمة وصف النسختين اعتمدت في تحقيق كتاب الديباج على نسختين : الأولى: من محفوظات مكتبة البلدية بالأسكندرية برقم (٢٠٣٤د) كتبت بخط نسخ معتادٍ ، وانتهى منها ناسخها في يوم الثلاثاء سابع شهر اللَّه المحرم الحرام سنة اثنى عشرة وألف من الهجرة، وعدد أوراقها (٢٩٨) ورقة في كل ورقة وجهان، ومسطرتها (٢١) سطرًا ولم تسلم من وقوع سقط وتصحيف فيها، وهي ناقصة من أولها نحو عشر ورقات أو يزيد قليلاً . ورمزت لها بالرمز (( ب)). الثانية : وهي من محفوظات دار الكتب المصرية بالقاهرة، وكتبت بخط نسخ حسن جدًّا، ونسخها أحمد بن محمد النجاحي ، وانتهى من نسخها يوم الأربعاء تاسع محرم الحرام سنة (١١٢٤) من الهجرة. وعدد أوراقها (٢٦٧) ورقةً، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها (٢٥) سطرًا، وعلى هامشها بعض العناوين . ولم يسلم هو الآخر من وقوع سقط وتصحيف، وهو أكثر وقوعًا منه في نسخة البلدية . ورمزت لها بالرمز ((م)). . ١٥ المقدمة - ترجمة المصنف تَرْجَمَةُ المُصَنِّفِ كتب السيوطي - رحمه الله - لنفسه ترجمة في كتاب ((حسن المحاضرة)) (١٤٢/١-١٤٤) قال فيها : (( ... عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصّلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همّام الدين الهمام الخضيري الأسيوطيّ . وإنّما ذكرتُ ترجمتي في هذا الكتاب اقتداءً بالمحدّثين قَبِلي؛ فقلٌ أن ألّف أحدٌ منهم تاريخًا إلا ذكر ترجمته فيه؛ وتمّن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر الفارسيّ في تاريخ نيسابور وياقوت الحمويّ في معجم الأدباء، ولسان الدين ابن الخطيب في تاريخ غرناطة والحافظ تقيّ الدين الفاسِيّ في تاريخ مكّة والحافظ أبو الفضل بن حَجَر في قضاة مصر، وأبو شَامة في الرَّوْضَتين - وهو أوْرَعهم وأزهدهم - فأقول : أما جدّي الأعلى همّام الدين؛ فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطرق - وسيأتي ذكره في قسم الصّوفيّة - ومَنْ دونه كانوا من أهل الوجاهة والرِّياسة ، منهم من وليَ الحكم ببلده، ومنهم من وليَ الحِشبة بها ، ومنهم من كان تاجرًا في صحبة الأمير شيخون وبَنى بأسيوط مدرسة ووقف عليها أوقافًا، ومنهم من كان متموّلا؛ ولا أعلم منهم من خَدم العِلْم حِقّ الخدمة إلا والدي - وسيأتي ذكره في قسم فقهاء الشافعية - وأما نسبتنا بالخضيريّ فلا أعلم ما تكون هذه النسبة إلا الخضيرية ، محلّة ببغداد. وقد حدثني مَنْ أَثق به أنّه سمع والدي رحمه اللَّه يذْكر أن جَدّه الأعلى كان ١٦ المقدمة أعجميًّا، أو من الشّرق؛ فالظاهر أنّ النسبة إلى المحلّة المذكورة. وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهلَّ رجب سنة تسع وأربعين وثمنمائة ، ومحمِلت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب؛ رجل كان من الأولياءِ بجوار المشهد النفيسيّ، فبرّك عليّ . ونشأتُ يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثمان سنين. ثم حفظت العُمدة ومنهاج الفقه والأصول وألفيّة ابن مالك، وشرعتُ في الاشتغال بالعلم من مستهلّ سنة أربع وستين، فأخذت الفِقْه والنّحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلّامة فَرضىّ زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحيّ؛ الذي كان يقال: إنه بلَغ السنَّ العالية، وجاوز المائة بكثير - والله أعلم بذلك .. قرأتُ عليه في شرحه على المجموع . وأُجِزْت بتدريس العربيّة في مستهلّ سنة ستّ وستّين، وقد ألّفت في هذه السنة ، فكان أوّل شيء ألّفتُه شرح الاستعاذة والبسملة ، وأوقفتُ عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقينيّ ، فكتب عليه تقريظًا؛ ولازمته في الفقه إلى أن مات ، فلازمت ولده؛ فقرأت عليه من أوّل التّدريب لوالده إلى الوكالة، وسمعتُ عليه من أوّل الحاوي الصّغير إلى العدد، ومن أوّل المنهاج إلى الزّكاة، ومن أوّل التَّنبيه إلى قريب من الزّكاة، وقطعة من الرّوضة، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشيّ ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها . وأجازني بالتّدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري؛ فلما تُؤُفِّيَ سنة ثمانٍ وسبعين، لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ، فقرأتُ عليه قطعةً من المنهاج وسمعته عليه في التقسيم إلا مجالس فاتَّتْني ، وسمعتُ دُروسًا من شرح البهجة ومن حاشيته عليها ومن تفسير البيضاويّ. : ١٧ المقدمة - ترجمة المصنف ولزمت في الحديث والعربيّة شيخنا الإمام العلامة تقيّ الدين الشّبليّ الحنفيّ ، فواظبتُه أربع سنين، وكتب ليّ تقريظًا على شرح ألفيّة ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربيّة تأليفي ، وشهد لي غير مرّة بالتقدّم في العلوم بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجرَّدًا في حديث؛ فإنه أورد في حاشيته على الشّفاء حديث أبي الجمرا في الإسرا، وعَزَاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظّتِه فلم أجده، فمَرَرْتُ على الكتاب كله فلم أجده ، فاتّهمت نظري ، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده، ورأيته في معجم الصحابة لابن قائع، فجئت إلى الشيخ فأخبرته؛ فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته وأخذ القلم فضرب على لفظ ((ابن ماجه))، وكتب ((ابن قانع)) وألحق ((ابن قانع))، في الحاشية فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي واحتقاري في نفسي، فقلت : ألا تصبرون لعلكم تراجعون ! فقال: إنما قلّدت في قولي ((ابن ماجه)) البرهان الحلبيّ. ولم انفكّ عن الشيخ إلى أن مات . ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيى الدين الكافِيَجيّ أربع عشرة سنة ، فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربيّة والمعاني وغير ذلك . وكتب لي إجازة عظيمة . وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفيّ دروسًا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه وتلخيص المفتاح والعَضُد . وشرعت في التَّصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلثمائة كتاب ، سوى ما غسلته ورجعت عنه. وسافرت بحمد اللَّه تعالى الديباج - الجزء الأول - ملزمة (٢) ١٨ المقدمة إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتّكرور. ولما حججت شربت من ماء زمزم الأمور، منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقينيّ ، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. وأفتيتُ من مستهلّ سنة إحدى وسبعين؛ وعقدت إملاء الحديث من مستهلّ سنة اثنتين وسبعين . ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان ، والبديع على طريقة العرب والبلغاء؛ لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة . والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلًا عمّن هو دونهم؛ أما الفقه فلا أقول ذلك فيه؛ بل شيخي فيه أوْسَع نظرًا، وأطول باعًا . ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتّصريف ، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات - ولم آخذها عن شيخ - ودونها الطب. وأمّا علم الحساب فهو أغْسَر شئ علىّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت إلى مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلًا أحمله . وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللَّه تعالى، أقول ذلك تحدّثًا بنعمة اللَّه عليّ، لا فخرًا، وأيّ شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخر! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب ، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كلّ مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ١٩ المقدمة - ترجمة المصنف ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لَقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولي ولا بقوّتي؛ فلا حول ولا قوّة إلا باللّه، ما شاء اللّه، لا قوّة إلا باللّه . وقد كنت في مبادئ الطّلب قرأتُ شيئًا في المنطق؛ ثم ألْقَى اللَّه كراهته في قَلْبِي. وسمعت أنَّ ابنَ الصَّلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوّضني الله تعالى عنه علمَ الحديث الذي هو أشْرف العلوم . وأمَّا مشايخي في الرواية سماعًا وإجازة فكثير، أوردتهُم في المعجم الذي ٢ جمعتُهم فيه وعدّتهم نحو مائة وخمسين. ولم أكثر من سماع الرّواية الاشتغالى بما هو أهمّ؛ وهو قراءة الدّراية)) اهـ. قُلْتُ: والسيوطي يشير في آخر كلامه إلى ما ادعاه من الاجتهاد ، فقامت عليه القيامة، وقد صرح في عدة تأليف له بأنه المجدد على رأس المائة التاسعة فقال: قد أقامنا اللَّه في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما ادعى إليه اجتهادنا تجدیدًا للدین . وقال في موضع آخرٍ: ما جاء بعد السبكي مثلي ، الناس يدعون اجتهادًا واحدًا وأنا أدعي ثلاثًا . فلما ادَّعى ذلك كتبوا له سؤالًا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من هذه الأوجه ويذكر الأدلة على طريقة المجتهدين فاعتذر عن ذلك ورد السؤال، وقال: إن له أشغالًا تمنع من النظر في ذلك. وكان السيوطي إذا ضُيِّق عليه، وطُلب منه المناظرة قال: أنا لا أناظر إلَّا ٢٠ المقدمة من هو مجتهد مثلي، وليس في العصر مجتهد إلا أنا !! وقد نكت عليه أبو العباس الرملي فقال: إنه وقف على ثمانية عشر سؤالاً فقهيًّا سئل عنها الجلال السيوطي من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم متأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق !! قال الشمس الرملي - وهو ولد أبي العباس - فتأملتُ فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه، فقلت : سبحان اللَّه! رجل ادعى الاجتهاد وخفي عليه ذلك، فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلسٍ واحدٍ بكلام متين وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة . وغمط السيوطي - في غمرة دفاعه عن لقبه - حق كثير من العلماء الأكابر فقال في ((مسالك الحنفا)) معرضًا بالسخاوي: ((إني بحمد اللَّه قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك، فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف أقولُ وكيف أستدلُّ وكيف أرجح؟! أما أنت يا أخي - وفقني اللَّه وإياك - فلا يصلح لك ذلك، لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئًا من الآلات، والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلم فيه إلا لمن جمع هذه العلوم، فاقتصر على ما آتاك اللَّه وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول: ورد أو لم يرد، وصححه الحفاظ أو حسنوه أو ضعفوه، لا يحل لك الإفتاء سوى هذا القدر وخلِّ ما عدا ذلك لأهله . كذا قال !! ولا ريب أن السيوطي صاحب فنون، وظاهر من تصانيفه أنه