Indexed OCR Text

Pages 361-380

٢٨٣٩- الثالث: من رواية عبدالرحمن بن يزيد بن قيس النخعي عن سلمان
قال: قيل له: قد علَّمكم نبيِّكم كلَّ شيء حتى الخِراءة. قال: فقال: أجل، لقد
نهانا أن نستقبلَ القبلة بغائط (١) أو بول، أو أن نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجي
بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيعٍ أو بعظم (٢).
وفي حديث سفيان عن الأعمش ومنصور أن سلمان قال: قال له المشركون:
إنّا نرى صاحبكم يعلِّمُكم، حتى يعلّمكم الخِراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن
يستنجيَ أحدُنا بيمينه، أو يستقبل القبلة. ونهى عن الرَّوث والعظام وقال: ((لا
يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)) (٣).
٢٨٤٠ - الرابع: أخرجه مسلم من رواية أبي عثمان النهدي عنه موقوفاً عليه
قال: قال سلمان: لا تكونَنّ - إن استطعتَ- أوَّلَ من يدخلُ السوق ولا آخر من
يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. وهو مذكور في مسند
أسامة، في أول حديث من أحاديثه هكذا (٤).
وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسنداً، رواه عن أبي محمد عبدالغني
ابن سعيد الحافظ، من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: قال
رسول الله ﴾ ((لا تكن أوّلَ من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض
الشیطان وفرَّخ)).
ولم يخرجه أبو مسعود في ترجمة سلمان ولا نبّه عليه فيه، على عادته في مثل
ذلك .
(١) في مسلم ((لغائط)).
(٢) مسلم - الطهارة ٢٢٣/١ (٢٦٢). والرجيع: الروث.
(٣) مسلم ٢٢٤/١.
(٤) ينظر الحديث ٢٨٠٥.
٣٦١

:
(٩٤)
المتّفق علیه من مسند
أبي عبدالله خبّاب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد
رضي الله عنه (١)
٢٨٤١ - الحديث الأول: عن أبي عائشة مسروق بن الأجدع عن خبّاب قال:
كنت قيناً (٢) في الجاهلية، وكان لي علي العاص بن وائل السَّهميّ دين، فأتيته
أتقاضاه - ومنهم من قال: فعملْتُ العاص بن وائل سيفاً، فجئْتُه أتقاضاه، فقال:
لا أعطيك حتى تكفُرَ بمحمد، فقلت: والله لا أكفر حتى يُميتَك الله ثم تُبعثِ.
فقال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: بلى. قال: دعني حتى أموتَ وأُبعث، فسأوتي
مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوْتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا.
٧٧
إلى قوله ﴿ ... فَرْدًا (٨)﴾(٣) [سورة مريم].
٢٨٤٢- الثاني: عن أبي عبدالله قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خبّاب
نعوده وقد اكتوى سبع كيّات. زاد بعض الرواة: في بطنه. فقال: إن أصحابنا
الذين سلفوا مضَوا، ولم تنقصهم الدنيا، وإنّا أصبْنا ما لا نجد له موضعاً إلاّ
التراب، ولولا أن النبيّ وَِّ نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوتُ به. ثم أتيناه مرة أخرى
وهو يبني حائطاً له فقال: إن المسلم يؤجر في كلِّ شيء يُنْفقه، إلا في شيء يجعله
في هذا التراب. لفظ حديث البخاري (٤).
٢٨٤٣- الثالث: عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن خبّاب قال: هاجرنا مع
النبي ◌َّ نلتمس وجه الله، فوقع أجرُنا على الله، فمنّا من مات لم يأكل من أجزه
(١) المجتبى ٦٣، والتلقيح ٣٩١، والرياض ٦٤، والإصابة ٤١٦/١.
(٢) القين: الحداد.
(٣) البخاري - اليوع ٣١٧/٤ (٢٠٩١)، ومسلم - صفات المنافقين ٢١٥٣/٤ (٢٧٩٥).
(٤) البخاري- المرضى ١٠/ ١٢٧ (٥٦٧٢)، والدعوات ١١/ ١٥٠ (٦٣٥٠)، ومسلم - الذكر والدعاء ٤/ ٢٠٦٤
(٢٦٨١).
٣٦٢

شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد وترك نَمِرَةً، فكنا إذا غطّيْنا رأسَه بَدَتْ
رجلاه، وإذا غطّيْنا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله وَّهو أن نغطّيَ رأسَه وأن
نجعلَ على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنّا من أينعت له ثمرتُه، فهو يَهدِبُها (١).
قال البخاري: كان الحميدي يحتجُّ بهذا الحديث في الكفن أنه من جميع المال.
وللبخاري حديثان:
٢٨٤٤ - أحدهما: من رواية قيس بن أبي حازم عن خبّاب بن الأرتّ قال:
شكَونا إلى رسول الله وَّهِ وهو متوسّدٌ بردةً له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصرُ
لنا، ألا تدعو لنا. فقال: ((قد كان مَنْ قبلكم يؤخذُ الرجلُ فيحفر له في الأرض
فُيُجعلُ فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط
الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر
حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على
غنمه، لكنكم تستعجلون (٢)».
وفي حديث سفيان عن بيان وإسماعيل بن أبي خالد: أتيتُ رسول الله وَل
وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظلّ الكعبة وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: ألا تدعو
الله. فقعد وهو محمر وجهه فقال: ((لقد كان من قبلكم ليُمْشَطُ بأمشاط
الحديد ... )) ثم ذكره بمعناه(٣).
٢٨٤٥- الثاني: من رواية أبي(٤) معمر عبدالله بن سَخبرة قال: سألنا خبّاباً:
أكان النبي ◌َّ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلت: بأيّ شيء كنتم تعرفون
ذلك؟ قال: باضطراب لحيته (٥).
(١) البخاري- الجنائز ١٤٢/٣ (١٢٧٦)، ومسلم - الجنائز ٦٤٩/٢ (٩٤٠). ويهدبها: يجنيها
(٣) البخاري- مناقب الأنصار ٧/ ١٦٤ (٣٨٥٢).
(٢) البخاري - المناقب ٦/ ٦١٩ (٣٦١٢).
(٤) (أبي) ساقط من د.
(٥) البخاري - الأذان ٢/ ٢٣٢ (٧٤٦).
٣٦٣

ولمسلم حديث واحد
٢٨٤٦ - من رواية سعيد بن وهب الهمداني عن خبّاب قال: شكَونا إلى رسول
اللّهِ وَّ الصلاة في الرّمضاء، فلم يشكُنًا (١).
وفي حديث زهير قال: أتينا رسول الله فشكونا إليه حرَّ الرّمضاء، فلم يشكُنا.
قال زهير: قلت: لأبى إسحاق: في الظهر؟ قال: نعم. قلت: أفي تعجيلها؟ قال:
نعم(٢).
(٩٥)
المتفق علیه من مسند
عبدالله بن زَمْعَةَ بن الأسود بن عبدالمطّلب
رضي الله عنه (٣)
٢٨٤٧ - حديث واحد يجمع ثلاثة معان، فرّقها البخاري في مواضع من
کتابه، وجمعها هو ومسلم في موضع واحد:
وأخرجاه مفرقاً ومجموعاً (٤) من رواية عروة بن الزبير عن عبدالله بن زمعة أنه
سمع النبي وَ لا يخطب، وذكر الناقة والذى عقرَها، فقال رسول الله وَله: " إذ
انبعثَ أشقاها: انبعثَ لها رجلٌ عزيز عارِمٌ (٥)، منيعٌ فى رهطه، مثل أبى زمعة)).
وذكر النساءَ - وفي رواية ابن نُمير عن هشام بن عروة: ثم ذكر النساء، فوعظ
فيهنّ فقال: ((يعمَدُ أحدُكمُ فيجلدُ امرأتَه جلدَ العبد، فلعلّه يضاجِعُها من آخر
یومه» .
(١) مسلم - المساجد ٤٣٣/١ (٦١٩). والرمضاء: صلاة الظهر حين اشتداد الحرّ. ولم يشكُنا: لم يُزِنْ
: شكوانا.
(٢) مسلم ١/ ٤٣٣.
(٣) (رضي الله عنه) ليست في س. وينظر التلقيح ٣٩٥، والرياض ٢٠٣، والإصابة ٣٠٣/٢.
(٤) نهاية النسخة د.
(٥) العارم: القويّ الشرس.
٣٦٤

ثم وعظَهم في ضحكهم من الضَّرطة وقال: ((لِمَ يضحكُ أحدُكم مما يفعل؟»
وأخرج البخاري منه تعليقاً قال فيه: قال النبي وَّ: ((مثلُ أبي زمعة عمّ الزبير
ابن العوّام. )».
وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان أن النبي وَ ◌ّر قال: ((لا يجلدُ أحدُكم
امر أته جلدَ العبد ثم یجامعها في آخر الیوم» لم يزد.
وفي حديث علي بن عبدالله عن سفيان: نهى النبي ◌َّ أن يضحك الرجل ممّا
يخرجُ من الأنفس وقال: ((لِمَ يضربُ أحدُكم امرأتَه ضربَ العبد، ثم
لعلّه يعانقها))(١).
(٩٦)
المتفق علیه من حدیث
جُبير بن مُطْعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف
رضي الله عنه (٢)
ستة أحاديث:
٢٨٤٨- الحديث الأول: عن أبي مطرف سليمان بن صُرَد قال: حدَّثَني جُبير بن
مُطعم قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أمّا أنا فأُفيضُ على رأسي ثلاثاً)) وأشار بيديه
كلتيهما(٣).
وفي حديث أبي الأحوص عن أبي إسحق قال: تمارَوا في الغسل عند رسول
(١) البخاري - الأنبياء ٣٧٨/٦ (٣٣٧٧)، والتفسير ٧٠٥/٨ (٤٩٤٢)، والنكاح ٣٠٢/٩ (٥٢٠٤)، والأدب
٤٦٣/١٠ (٦٠٤٢)، ومسلم - الجنة ٢١٩١/٤ (٢٨٥٥).
(٢) ينظر التلقيح ٣٨٩، والرياض ٤٨، والإصابة ٢٢٧/١.
(٣) البخاري - الغسل ٣٦٧/١ (٢٥٤).
٣٦٥

الله وَيُّه، فقال بعض القوم: أمّا أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا. فقال رسول الله
وَالَ: ((أمّا أنا فإني أُفيض على رأسي ثلاث أكفِّ)(١).
وفي حديث شعبة عن أبي إسحق: أنّ النبي ◌َِّ ذُكر عنده الغسل من الجنابة،
فقال: ((أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثاً)(٢).
٢٨٤٩- الثاني: عن محمد بن جُبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله وَ لّه قال:
((لا يدخل الجنّةَ قاطعٌ).
زاد في رواية ابن أبي عمر، قال سفيان: يعني: قاطع رحم (٣).
٢٨٥٠- الثالث: عن محمد بن جُبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله
وَله: «لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي
الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)) (٤).
وفي حديث ابن عيينة عن الزهري قال: ((أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي
الذي يُمْحَى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْشَرُ الناسُ على عقبي، وأنا العاقب:
الذي ليس بعده نبيٌّ) (٥).
وفي حديث يونس عن الزهري: إن لي خمسة أسماء ... )) وذكر نحوه، قال:
((وأنا العاقب، الذي ليس بعده أحد)» وقد سمّاه الله (رؤوفاً رحيماً) (٦).
وفي حديث معمر قال: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده
نبيّ(٧).
وفي حديث عقيل ومعمر: الكفرة (٨).
(١) مسلم - الحيض ٢٥٨/١ (٣٢٧).
(٢) مسلم ٢٥٩/١.
(٣) البخاري - الأدب ٤١٥/١٠ (٥٩٨٤)، ومسلم - البر والصلة ١٩٨١/٤ (٢٥٥٦)، وحديث ابن أبي عمر في:
مسلم.
--
(٤) البخاري - المناقب ٥٥٤/٦ (٣٥٣٢).
(٥، ٦) مسلم - الفضائل ١٨٢٨/٤ (٢٣٥٤). وقد قال الله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة]
(٧، ٨) مسلم - السابق. أي: ((يمحو الله بي الكفرة)).
٣٦٦
:

٢٨٥١ - الرابع: عن محمد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه قال: سمعتُ رسول الله
وَ* يقرأ في المغرب بـ ((الطور)) (١).
وفي رواية محمود بن غيلان عن عبدالرازق: أن جُبير بن مطعم- وكان جاء
في أسارى بدر- قال: سمعتُ النبيَّ وَّ يقرأ في المغرب بـ ((الطور)) (٢). وزاد في
رواية إسحق بن منصور عن عبدالرازق، وذلك أوّلَ ما وقرَ الإيمانُ في قلبي(٣).
وفي رواية عبدالله بن الزُّبير الحميدي عن سفيان أن جُبيراً قال: سمعتُ النبيّ
وَُّ يقرأ في المغرب بـ ((الطور))، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ
الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلَ لاَ يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ
الْمُسَيْطِرُون﴾ [الطور] كاد قلبي أن يطير. قال سفيان: أمّا أنا فإنما سمعتُ الزُّهري
يحدِّثُ عن محمد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه: أنه سمِعَ النبيّ ◌َلَه يقرأ في المغرب
بـ ((الطور))، ولم أسمعه زاد الذي قالوا لي (٤).
زاد أبو بكر الإسماعيلي في روايته، وأخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه أيضاً
من رواية محمد بن رافع وغيره عن عبدالرزاق قال في حديثه: وكان جاء في فداء
الأسارى يوم بدر. وفي آخره من رواية عباس العنبري عن عبدالرزاق: وذلك أوّلَ
ما وقر الإيمانُ في قلبي، وهو يومئذٍ مشرك.
٢٨٥٢- الخامس: عن محمد بن جُبير عن أبيه قال: أضْلَلْتُ بعيراً لي، فذهبتُ
أطلبه يومَ عرفة، فرأيتُ النبيّ وَّ واقفاً مع الناس بعرفة، فقلتُ: هذا والله من
الحُمْسيِ، فما شأنُه هاهنا؟ وكانت قريش تُعَدُّ من الحُمْسِ. لفظ الحديث لمسلم عن
عمرو الناقد وغيره عن ابن عيينة (٥).
(١) البخاري- الأذان ٢٤٧/٢ (٧٦٥)، ومسلم - الصلاة ٣٣٨/١ (٤٦٣).
(٢) البخاري- الجهاد ١٦٨/٦ (٣٠٥٠).
(٣) البخاري - المغازي ٣٢٣/٧ (٤٠٢٣).
(٤) البخاري- التفسير ٦٠٣/٨ (٤٨٥٤).
(٥) مسلم - الحج ٨٩٤/٢ (١٢٢٠)، وإلى ((فما شأنه هاهنا)) في البخاري- الحج ٥١٥/٣ (١٦٦٤).
٣٦٧

وأخرجه أبو بكر البرقاني من حديث محمد بن أبي عمرو عن سفيان، وزاد فيه :
بعد قوله: هذا من الحُمْس : فماله خرجَ من الحرم؟ قال سفيان: يعني قريشاً.
وكانت تُسَمَّى الحُمْس، وكانت قريش لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله،
لا نخرج من الحرم. وكان سائر الناس تقف بعرفة، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ
أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس (٩٩)﴾ [سورة البقرة] قال سفيان: الأحمس: الشديد في
دينه. آخر حديث ابن أبي عمر عند البرقاني(١).
٢٨٥٣- السادس: عن محمد بن جُبير عن أبيه قال: أتتِ امرأةٌ النبيِّ وَّهِ،
فأمرها أن ترجعَ إليه، قالت: أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدْك؟ كأنها تقول الموت.
قال: ((فإن لم تجديني فأتِ أبا بكر)) (٢).
أفراد البخاري
*
٢٨٥٤ - الحديث الأول: عن محمد جُبير عن أبيه أن النبي ونَ ﴾ قال في أسارى
بدر: ((لو كان الُطعمُ بن عديٌّ حياً ثم كلَّمني في هؤلاء النتنى لتركُّهم له)) (٣) ..
٢٨٥٥ - الثاني: عن محمد بن جُبير عن أبيه: أنّه بينما هو يسير مع النبيّ ومعه
الناسُ مَفْفَله من حُنين، فَعَلِقَت الأعرابُ يسألونه، حتى اضطرّوه إلى سمُرة،
فخطفَتْ رداءه، فوقف التّبِي وَّ فقال: ((أعطوني ردائي، فلو كان لي عددُ هذه
العضاة نَعَماً لقسمْتُه بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذّاباً ولا جبانً» (٤).
(١) ينظر الفتح ٥١٦/٣.
(٢) البخاري- فضائل الصحابة ٧/ ١٧ (٣٦٥٩)، ومسلم- فضائل الصحابة ١٨٥٦/٤ (٢٣٨٦).
(٣) البخاري- فرض الخمس ٢٤٣/٦ (٣١٣٩). وكان المطعم أجار النبي وَل ـ
(٤) البخاري- الجهاد ٣٥/٦ (٢٨٢١)، وفرض الخمس ٢٥١/٦ (٣١٤٨).
٣٦٨

٢٨٥٦- الثالث: عن الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب عن جُبير بن مطعم قال:
مشيتُ أنا وعثمان بن عفان إلى النبيِ نَّه، فقلتُ: يا رسول الله، أعطيتَ بني
المطّلب وتركْتَنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال رسول الله وَله: ((إنما بنو
المطّلب وبنو هاشم شيء واحد)) (١).
وفي رواية ابن بُكير عن الليث عن عقيل: مشيتُ أنا وعثمان، فقال: يا رسول
الله، أعطيت بني المطلب- وفي رواية عن يونس. مشينا أنا وعثمان إلى النبي رَلل
فقلْنا: أعطيتَ بني المطّلب من خُمس خيبرَ وتركْتَنا. وقال البخاري: قال الليث:
حدّثني يونس، وزاد: قال جُبير: ولم يقسم النبيَّ وَّ لبني عبد شمس ولا لبني
نوفل شيئاً (٢).
وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأمّ، وأمُّهم عاتكةُ بنتُ
مُرَّةً، وكان نوفل أخاهم لأبيهم (٣).
وأخرجه أبو بكر البرقاني عن أبي بكر الإسماعيلي وغيره من حديث يونس عن
الزهري، وفيه: أنه جاء هو وعثمان إلى رسول الله وَلا يكلّمانه فيما فَسَمَ من
خُمس خيبرَ (٤) بين بني هاشم وبني عبدالمطّلب، فقالا: يا رسول الله، قسمْتَ
لإخواننا بني المطّلب بن عبد مناف ولم تُعطِنا شيئاً، وقرابتُنا منك قرابتهم، فقال
لهما رسول الله وَ له: ((إنّما أرى هاشماً والمطّلب شيئاً واحداً). قال جُبير: ولم
يقسم رسول الله 18 لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئاً.
زاد حرملة عن ابن وهب عن يونس: قال ابن شهاب: وكان أبو بكر الصدّيق
يقسِمُ الخُمس نحو قَسْم النبيّ وَ لَه، غير أنه لم يكن يعطي قرابة رسول الله وَّل كما
(١) البخاري- ٦/ ٢٤٤ (٣١٤٠).
(٢) البخاري - المناقب ٥٣٣/٦ (٣٥٠٢)، والمغازي ٤٨٤/٧ (٤٢٢٩).
(٣) البخاري ٢٤٤/٦ (٣١٤٠).
(٤) في النسائي ((حنين)).
٣٦٩

كان رسول الله (# يعطيهم- أظنه كان يزيدهم- قال ابن شهاب: وكان عمر
یعطیهم منه، وعثمان بعده.
زاد غير الإسماعيلي: بلَغَنَا أنّ الخُمس كان إلى النبيّ وَِّ من كلّ مَغْنَم غَنِمَه.
المسلمون، شهِدَه النبيَّ يَّلَّ أو غاب عنه.
وعند البرقاني أيضاً من رواية محمد بن إسحق عن الزُّهري بالإسناد قال: لما
فَسَمَ النبيّ ◌َّهِ سهم ذي القُربى من خيبرَ على بني هاشم وبني المطّلب، أنيْتُهِ أنا
وعثمان فقلتُ له: يا نبيَّ الله، هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا نُنكر فضلهم
لمكانك الذي جعلَكَ اللهُ بُه منهم، أرأيتَ إخواننا من بني المطّلب، علامَ أعطيتَهم
وتركتنا؟ وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: ((إنهم لم يفارقوني في جاهلية
ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطّلب نَفْسٌ واحدةٌ)) ثم ضربَ إحدى يديه على
الأخرى (١).
ومحمد بن إسحاق من شرط مسلم، وقد أخرج عنه في كتابه(٢).
ولمسلم حديث واحد:
٢٨٥٧- من رواية أبي إسحاق إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن جُبير بن
مُطعم قال: قال رسول الله وَله: ((لا حِلفَ في الإسلام، وأيَّما حلفٍ كان في
الجاهلية لم يزِدْه الإسلام إلاّ شدّة)) (٣).
(١) ينظر الأحاديث في النسائي - قسم الفيء ٧/ ١٣٠ (٤١٣٦، ٤١٣٧)، والمسند ٨٣٫٨١/٤.
(٢) رجال مسلم ٢/ ١٦٢.
(٣) مسلم - فضائل الصحابة ١٩٦١/٤ (٢٥٣٠).
٣٧٠

(٩٧)
المتّفق عليه من مسند أبي عبدالرحمن المسْوَر
ابن مَخْرَمَةَ بن نوفل بن عبد مناف بن زهرة
رضي الله عنه (١)
حدیثان:
٢٨٥٨ - أحدهما: من رواية ابن شهاب عن أبي الحسين علي بن الحسين أنّه
حدّثهم: أنّهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي،
لقيه المِسْوَرُ فقال له: هل لك إليّ حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا، فقال:
هل أنت مُعْطيَّ سيفَ رسول الله، فإني أخاف أن يغلبَك القومُ عليه؟ وايمُ الله،
لئن أعطتْتَنَه لا يَخْلُصُ إليهم أبداً حتى تَبْلُغَ نَفْسي.
إنّ عليّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعْتُ رسول الله
وَلَه يخطُبُ الناسَ في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذٍ محتلم، فقال: ((إنّ فاطمة
منّي، وأنا أتخوَّفُ أن تُفْتَنَ في دينها». ثم ذكر صهراً له من عبد شمس فأثنى عليه
في مصاهرته إيّه (٢). قال: ((حدَّثَنِي فصدَقني، ووعدَنِي فوفى لي. وإني لسْتُ
أحرِّمُ حلالاً، ولا أُحِلُّ حراماً، ولكن، والله لا تجتمعُ بنتُ رسول وبنتُ عدوٍّ الله
مكاناً واحداً أبداً» (٣).
وفي حديث شعيب عن الزُّهري عن علي بن الحسين أن المسور بن مخرمة قال:
إن علياً خطبَ بنت أبي جهل وعنده فاطمة ابنة رسول الله وَّهِ، فسمعَتْ بذلك
فاطمةُ، فأتتْ رسولَ اللهِ وَله فقالت: يزعمُ قومُك أنك لا تغضبُ لبناتك، وهذا
(١) (رضي الله عنه) من س. وينظر التلقيح ٤٠٠، والرياض ٢٥٧، والإصابة ٣٩٩/٣.
(٢) وهو أبو العاص بن الربيع- كما في الحديث التالي، وكان تزوّج زينب قبل البعثة، فأُسر يوم بدر، فبعثت
زینب تفديه ... ينظر الفتح ٨٥/٧.
(٣) البخاري- فرض الخمس ٢١٢/٦ (٣١١٠)، ومسلم - فضائل الصحابة ١٩٠٣/٤. (٢٤٤٩).
٣٧١

عليَّ ناكحاً ابنة أبي جهل. فقام رسول الله وَّ، فسمعتُه حين تشهَّدَ يقول: ((أما
بعد، فإني أنكحْتُ أبا العاص بن الربيع، فحدَّثَنِي فصدَقَني، وإن فاطمة بضعةٌ(١)
مني، وأنا أكره أن يسوءَها)) وفي رواية الدارمي: ((أن يفتنوها)) (٢). ((والله لا
تجتمع بنت رسول الله وبنتُ عدوِّ الله عند رجل واحد أبداً)) فترك على الخطبة (٣).
وأخرجاه بلفظ آخر في المنع من ذلك من حديث أبي محمد عبدالله بن أبي
مُليكة عن المِسوَرِ بن مَخرمة قال: سمعتُ رسول الله وَّ يقول وهو على المنبر:
((إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن يُنُكحوا ابنتَهم عليّ بن أبي طالب، فلا
آذنُ لهم، ثم لا آذنُ لهم، إلاّ أن يريدَ ابنُ أبي طالب أن يطلّقَ ابنتي وینكِحَ
ابنتَهم، فإنّما هي بَضعة منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها.)) هكذا قال(٤).
وحديث أبي الوليد عن سفيان بن عيينة مختصر: أن رسول الله وَله قال:
((فاطمةُ بضعة منّي، فمن أغضبَها أغضَبَنِي)) (٥).
وفي رواية أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي عن سفيان: ((إن فاطمة بضعة
مني، يؤذيني ما آذاها)) لم يزد (٦).
٢٨٥٩- الثاني: عن ابن أبي مليكة عن المسور قال: قسم رسول الله واله
أقبية(٧) ولم يُعْطِ مخرمة منها شيئاً. فقال مخرمة: يا بُنيّ، انطلق بنا إلى رسول
الله ◌َُّ، فانطلقت معه، فقال: أُدْخُلْ فَادْعُه لي، قال: فدعوتُه له، فخرج إليه
وعليه قَبَاءٌ منها، فقال: ((خَبَأْنا هذا لك)). فنظرَ إليه فقال: ((رضي مخرمةٍ)) (٨).
(١) في مسلم ((مضغة)).
(٢) وهي رواية مسلم ..
(٣) البخاري - فضائل الصحابة ٨٥/٧ (٣٧٢٩)، ومسلم ١٩٠٣/٤.
(٤) البخاري - النكاح ٣٢٧/٩ (٥٢٣٠)، ومسلم ١٩٠٢/٤.
(٥) البخاري ٧٨/٧ (٣٧١٤).
٠٠
(٦) مسلم ٤/ ١٩٠٣.
(٧) الأقبية جمع قباء: ثوب يلبس فوق الملابس.
(٨) البخاري- الهبة ٢٢٢/٥ (٢٥٩٩)، ومسلم- الزكاة ٧٣١/٢ (١٠٥٨).
٣٧٢

وفي رواية أبي صالح حاتم بن وردان عن أيوب: قدِمَتْ على النبيِّ أقبيةٌ،
فقال أبي مَخرمةُ: انطلق بنا إليه عسى أن يُعطينا منها شيئاً. فقام أبي على الباب،
فتكلّم، فعرفَ النبيّ وَّ صوتَه، فخرج النبيّ ◌َّۇ ومعه قباء، وهو يُریه محاسنه،
وهو يقول: ((خبأتُ هذا لك، خبأتُ هذا لك)) (١).
أفراد البخاري
٢٨٦٠ - الحديث الأول: في عمرة الحديبية والصلح:
عن عروة بن الزبير عن المسور ومروان (٢)، يصدِّق كلُّ واحد منهما حديث
صاحبه قالا: خرج النبي ◌َّ 98 زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال
النبي وَ *: ((إن خالد بن الوليد بالغميم في خيلٍ لقريش طليعةٌ، فخذوا ذات
اليمين)) فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة (٣) الجيش، فانطلق يركض
نذيراً لقريش، وسار النبي ◌ّ، حتى إذا كانوا بالثنيّة التي يُهبط عليهم منها بركت
راحلته، فقال الناس: حَلْ، حَلْ. فألحّت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت
القصواء. فقال النبي ◌َّى: ((ما خلأتِ القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسهاَ
حابس الفيل. والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلا
أعطيْتُهم إياها)). ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية،
على ثَمَدِ قليلِ الماء، يتبرّضه (٤) الناس تبرّضاً. فلم يلبث الناسُ حتى نزحوه،
وشكي إلى رسول الله وَّرِ العطشُ، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه
فیه، فوالله مازال یجیش لهم بالرِّيِّ حتی صدروا عنه.
فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاءَ الخُراعيّ في نفر من قومه من خزاعة،
(١) البخاري- الشهادات ٢٦٤/٥ (٢٦٥٧)، ومسلم ٧٣٢/٢.
(٢) ابن الحكم.
(٣) القترة: الغبار.
(٤) الثمد: الحفرة الصغيرة. ويتبرّضه الناس: يأخذون منه قليلاً.
٣٧٣

وكانوا عَيْبةَ نُصح (١) رسول الله وَّر من أهل تهامة، فقال: إني تركْتُ كعيبَ بن
لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطافيل (٢)، وهم
مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله وَطلو: ((إنّا لم نجىء لقتال أحد،
ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نَهِكَتْهم الحرب وأضرَّتْ بهم، فإن شاءوا
مادَدْتُهم مُدّةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهرْ فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل
فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا (٣)، وإن هم أبَوا فوالذي نفسي بيده لأُقاتلَتّهم
على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي (٤)، ولُنْفِذَنَّ اللهُ أمره)» فقال بديل: سأبلّغُهم ما
تقول. فقال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وقد سمعناه يقول قولاً، فإن شئتم
أن أعرضه عليكم فعلتُ: فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء من
وقال ذوو الرأي منهم: هاتِ ما سمِعْتَه يقول قال: سمِعْتُه يقول كذا وكذا.
فحدَّثَهم بما قال النبي ◌َّ.
فقام عروة بن مسعودٍ فقال: أي قومٍ، ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو
لستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستُم تعلمون
أني استنفرْتُ أهل عكاظ، فلمّا بلّحوا(٥) عليَّ جْتُكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟
قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رُشد، اقبلوها ودعوني آته.
قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يُكلِّم النبي ◌َِّ. فقال النبي ◌َّ نحواً من قوله لبديل؛
فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيتَ إن استأصلتَ أمرَ قومك، هل سمعتَ
بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً،
وإني لأرى أشواباً (٦) من الناس خليقاً أن يفرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر:
(١) عيبة نصح: موضع نصح.
(٢) العوذ: النوق. والمطافيل: ذوات الأطفال، فهي ذوات لبن.
(٣) جَمّوا: استراحوا
(٤) السالفة: صفحة العنق. وهو كناية عن الموت.
(٥) بلَّحوا: امتنعوا.
:
(٦) الأشواب: الأخلاط.
٣٧٤

امصُصْ بَظَرَ اللات، أنحن نَفِرُّ عنه وندعه؟. فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
فقال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌّ كانت لك عندي(١) ولم أجْزِك بها لأجبتُك.
قال: وجعل يكلِّم النبي وَ﴿، فكلّما كلّمه كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم
على رأس النبي وَّر ومعه السيف، وعليه المغْفَر (٢) فكلّما أهوى عروة بيده إلى
لحية النبي وَّ﴿ ضرب يَدَهُ بِنَعْلِ السيف وقال: أخْر يدك عن لحية رسول الله وَّهِ،
فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدَرُ،
ألستُ أسعى في غدرتك(٣)؟ وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ
أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي وَلّ: ((أمّا الإسلام فأقبلُ وأمّا المالُ فلسْتُ
منه في شيء)).
ثم إن عروة جعل يرٌمُّقُ أصحابَ النبيِِّ بعينه. قال: فوالله ما تنخَّمَ رسول
الله وَ الهَ نُخامةً إلاّ وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم
ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتلون على وضوئه، وإذا تكلّم (٤) خفضوا
أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدْتُ على الملوك،
ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قطُّ يعظّمه أصحابُه ما
يعظّم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخّمَ نُخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم
فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّاً كادوا يقتتلون على
وَضوئه، وإذا تكلّم (٥) خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً
له، وإنه قد عرض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقبلوها.
فقال رجل من بني كنانة (٦): دعوني آتّه. فقالوا: انته. فلما أشرف على النبي
(١) وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه كان دفع لعروة عشرة نوق في دية تحمّلها. الفتح ٥/ ٣٤٠.
(٢) (وعليه المغفر) ساقطة من ج.
(٣) وكان عروة يسعي لإصلاح ما عمل المغيرة. الفتح ٣٤١/٥.
(٥،٤) في البخاري، «تكلّمو)).
(٦) في الفتح ٥/ ٣٤٢ أنه الحُليس، أو علقمة.
٣٧٥

وَّهُ وأصحابه قال رسول الله وَّاله: «هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون الْبُدْنَ،
فابعثوها له (١) )) فُبُعثت له، واستقبله الناس يُلُّون. فلمّا رأى ذلك قال: سبحان
الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيتُ
الْبُدْنَ قد قُلّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت.
فقام رجل منهم يقال له مِکرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: انته. فلما
أشرف عليهم قال النبي وَّ: ((هذا مِكرَز، وهو رجلٌ فاجرٌ» فجعل يكلِّم النبي
﴿َّله، فبينما هو يكلّمه جاء سُهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن
عكرمة: أنه لما جاء سُهيل بن عمرو قال النبيُّ وَّ: ((قد سهُلَ لكم من أمركم)) .
قال معمر: قال الزُّهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب
بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ◌ُّلِ الكاتب (٢)، فقال النبي ◌َّ: ((أُكْتُبْ: بسم الله
الرحمن الرحيم)» فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب:
باسمك اللهمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلاّ: بسم الله
الرحمن الرحيم. فقال النبي وَّر: ((اكتب: باسمك اللهمّ). ثم قال: ((هذا ما.
قاضى عليه محمد رسول الله)) فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنك رسولُ الله ما
صدَدْناك عن البيت، ولا قاتلْناك، ولكن اكتب: محمد بن عبدالله. فقال النبي
وَله: ((والله إني لرسول الله وإن كذّبْتُموني. اكتب: محمد بن عبدالله)) قال
الزَّهري: وذلك لقوله: ((لا يسألوني خُطَّةٌ يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهم.
إياها)) قال النبي وَّهِ: ((على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به)) قال سهيل:
والله لا تتحدَّثُ العرب أنّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب ..
فقال سهيل: وعلى ألاّ يأتيك منّا رجل- وإن كان على دينك - إلا ردَدْتَه إلينا.
قال المسلمون: سبحان الله ! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مُسلماً؟ .
(١) ابعثوها: أثيروها.
(٢) وهو علي رضي الله عنه.
٣٧٦

فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده،
وقد خرجَ من أسفل مكّة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا
محمد أوّلُ من أقاضيك عليه أن تَرُدَّه إليّ. فقال النبي ◌َّ: ((إنّا لم نقضِ الكتابَ
بعد)) قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيءٍ أبداً. قال النبي ◌َّ: ((فأجِرَه لي)) (١)
قال: ما أنا بمجيره لك. قال: ((بلى فافعل)) (٢) قال: ما أنا بفاعل. قال مِكرزٌ: بل
قد أجرناه لك (٣). قال أبو جندل: أيْ معشرَ المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد
جئتُ مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّبَ عذاباً شديداً في الله.
قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ◌َّهِ فقلت: ألسْتَ نبيَّ الله حقّاً؟
قال: ((بلى)) قلْتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنًا على الباطل؟ قال: ((بلى)). قلت: فلِمَ
نُعْطَى الدنيّة في ديننا إذاً؟ قال: ((إنّي رسول الله، ولسْتُ أعصيه، وهو ناصري»
قلتُ: أو ليسَ كنتَ تُحدِّثْنَا أَنا سنأتي البيت فنطوفُ به؟ قال: ((بلى. فأخبرتك أنا
نأتيه العام؟)) قلت: لا. قال ((فإنك آتيه ومطوِّفٌ به)) قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا
أبا بكر، أليس هذا نبيَّ الله حقاً؟ قال: بلى. قلْتُ: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنًا على
الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نُعْطَى الدّنّة في ديننا إذاً؟ قال: أيّها الرجلُ، إنّه
لرسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصِرُهُ، فاستمسك بغَرْزِهِ، فوالله إنه على
الحقّ. قلت: أليس كان يحدثُّنا أنّا سنأتي البيتَ ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك
أنك تأتيه العامَ؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوِّفٌ به: قال الزهري: قال عمر:
فعملْتُ لذلك أعمالاً (٤).
قال: فلمّا فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله وَالو لأصحابه: ((قوموا،
فانحروا ثم احلقوا)» قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ، حتى قال ذلك ثلاث مرات.
فلما لم يقمّ منهم أحدٌ، دخل على أمّ سلمة، فذكر لها ما لقِيَ من الناس، فقالت
(١) في البخاري ((فأجزء). وذكر في الفتح ٣٤٥/٥ رواية الحميدي هذه.
(٢) سقط من س ((فافعل)).
(٣) ولم يقبل سهيل إجارة مكرز في ابنه أبي جندل.
(٤) أي ذهب وجاء وسأل، طالباً كشف ما خفي.
٣٧٧

أمّ سلمة: يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلّمْ أحداً منهم كلمة حتى
تنحرَ بُدْنَك، وتدعوَ حالقَك فيحلِقَك. فخرج فلم يكلِّمْ أحداً منهم حتى فعل
ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقَه فحَلَقه. فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل
بعضُهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً.
ثم جاءَه نساء مؤمناتٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَات ... ﴾ حتى بلغ: ﴿ ... بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾ [الممتحنة] فطلّق عمرُ يومئذ
امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى
صفوان بن أمية .
ثم رجع النبي ( 39 إلى المدينة، فجاء أبو بصير- رجل من قريش- وهو مسلم،
فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلین،
فخرجا به حتى بلغا ذا الحُليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد
الرجلين: والله إني لأرى سيفَك هذا يافلان جيداً، فاستلَّه الآخرُ فقال :.
أجل، والله إنه لجيّد، لقد جرَّبْتُ به ثم جرَّبْتُ به، ثم جرِّتُ. فقال: أبو بصير :.
أرني أنظر إليه، فأمكّنَه منه، فضربه حتى برَد، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينة، فدخل
المسجد يعدو. فقال رسول الله وَ﴿ حين رآه: ((لقد رأى هذا ذُعراً)) فلما انتهى إلى
ء
النبي ◌َّر قال: قُتِلَ- والله- صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي
الله، قد أوفى الله ذِمَّتَك، قد رَدَدْتَني إليهم، ثم أنجاني اللّهُ منهم. قال النبي ◌َّ:
(ويل أمِّه، مِسْعَرَ حربٍ، لو كان لَه أحدٌ) (١) فلما سمعَ ذلك عرف أنه سيرده
إليهم.
فخرج حتى أتى سيفَ البحر (٢)، ويُقلتُ منهم أبو جندل بن سهيل، فلحِقٌ.
بأبي بصير، فجعل لا يخرُج من قريش رجلٌ قد أسلمَ إلا لحِقَ بأبي بصير، حتى
اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلّ
(١) مسعر حرب: موقدها، والمعنى: لو كان له من ينصره. قيل: هو إيحاء له بالفرار.
(٢) السّيف: الساحل.
٣٧٨

اعترضوا لهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي وَلا تُناشده
اللهَ والرحِمَ لما أرسلَ، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبيّ ◌َّ إليهم، فأنزل الله عزّ
وجلّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم ... ﴾ حتى بلغ: ﴿ ... حَمِيَّةَ
الْجَاهِليَّةِ ( !! )﴾ [سورة الفتح] وكانت حميّتُهم أنّهم لم يُقِرُّوا أنه نسبيُّ الله، ولم
يُقِرُّوا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وحالوا بينهم وبين البيت (١).
وقال عقيل عن الزُّهري: قال عروة: فأخبرَتْني عائشة أن رسول الله وَّه كان
يمتحنُهنّ. وبلَغَنا أنّه لما أنزلَ الله تعالى أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفقوا على من
هاجرَ من أزواجهم، وحكمَ على المسلمين ألاّ يُمسكوا بعِصَم الكوافر، أن عمر
طلَّقَ امرأتين: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوّج قريبةَ معاويةُ،
وتزوَّجَ الأخرى أبو جهم. فلما أبى الكفار أن يُقُرُّوا بأداء ما أنفقَ المسلمون على
أزواجهم، أنزل الله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَي الْكُفَّارٍ فَعَاقَبْتُم ١١)﴾
[الممتحنة] والعقاب: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار. فأمر أن
يُعْطَى من ذهب له زوجٌ من المسلمين ما أنفق من صداق النساء الكفّار اللائي
هاجرْن، وما نعلم أحداً من المهاجرات ارتدّت بعد إيمانها. وبلَغَنا أن أبا بصير بن
أَسيد الثَّقَفِيَ قَدِمَ على النبي ◌َطِّ مؤمناً مهاجراً في المدّة، فكتب الأخنس بن شُريق
إلى النبي ◌ٍَّ﴾ يسأله أبا بصير ... فذكر الحديث (٢).
وفي حديث يحيى بن بكير: أن عروة سمع مروان والمسور يُخبران عن أصحاب
رسول الله وَل قالا: لما كاتبَ سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل على
النبي ◌ُّ: أن لا يأتيك منا أحد- وإن كان على دينك- إلا رَدَدْتَه إلينا، وخلّيتَ
بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتَعضوا منه، وأبى سهيلٌ إلاّ ذلك، فكاتبه
النبيّ وَّ على ذلك، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل. ولم يأتِه أحدٌ من
الرّجال إلا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلماً.
(١) الحديث بطوله في البخاري - الشروط ٣٢٩/٥-٣٣٣ (٢٧٣١).
(٢) البخاري ٣٣٣/٥ (٢٧٣٣).
٣٧٩

وجاءت المؤمناتُ مهاجرات، وكانت أمُّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط تمن خرج
إلى رسول الله وَّ يومئذٍ وهي عاتِقٌ"(١)، فجاء أهلها يسألون النبي وَل أن يُرجَعها
إليهم، فلم يَرْجِعِها إليهم لما أنزل الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَانِهِن ..... وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَ﴾ (٢).
قال عُروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله وَالأر كان يمتحنهنّ بهذه الآية
الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَاسْتَحِنُوهُن ... ﴾ إلى:
﴿ .. ◌َغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط منهنّ قال لها
رسول الله وَّهُ: (قد بايعْتُك)) كلاماً يكلّمها به. والله ما مَسَّتْ يدُه يدَ امرأةٍ قطُّ في
المبايعة، وما بايعَهُنّ إلاّ بقوله (٣).
وحديث محمود بن غيلان مختصر من حديث المسور وحده: أن رسول الله
وَ ل﴿ نحرَ قبل أن يخلق، وأمر بذلك أصحابه (٤).
وفي حديث ابن أخي الزهري عن عمه: أنه سمع مروان والمسور يخبران خبراً
من خبر الرسول (4* في غزوة الحديبية، فذكر نحو حديث ابن بُكير، ولم يقل:
عن أصحاب رسول الله وَيقر (٥).
وفي حديث سفيان الذي ثبّتَه فيه معمر، عن الزهري: أن المسور بن مخرمة
ومروان- يزيد أحدهما على صاحبه قالا: خرج النبي ◌ُّل في بضع عشرة مائة من
أصحاب النبي وَّل، فلما أتى ذا الحليفة قلّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة،
وبعث عيناً له من خزاعة، وسار النبي وَّر، حتى كان بغدير الأشطاط تلقّاه عينه
فقال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، هم مقاتلوك
وصادّوك عن البيت ومانعوك. فقال: ((أشيروا أيها الناس عليّ. أترَون أن أميلَ
(١) العاتق: الشابّة.
(٢) البخاري ٣١٢/٥ (٢٧١١).
(٣) السابق (٢٧١٣).
(٤) البخاري - المحصر ٤/ ١٠ (١٨١١).
(٥) البخاري - المغاري ٤٥٣/٧ (٤١٨٠).
٣٨٠