Indexed OCR Text

Pages 121-140

وفيه دليل على أن إظهار الإنسان ما يأتيه من الفواحش حمقٍ لا
يفعله إلا المجانين، وأنه ليس من شأن ذوي العقول كشف ما واقعه
من الحدود والاعتراف به عند السلطان وغيره؛ وإنما من شأنها الستر
على أنفسهم والتوبة من ذنوبهم، وكما يلزمهم الستر على غيرهم،
فكذلك يلزمهم الستر على أنفسهم، وسنذكر في هذا الباب والباب الذي
بعده في الستر - أحاديث يستدل بها الناظر في كتابنا على صحة هذا
إن شاء الله.
وفيه دليل على أن حد الثيب غير حد البكر في الزنى، ولهذا ما سأل
رسول الله - 992: أبكر هو أم ثيب؟ ولا خلاف بين علماء المسلمين أن
حد البكر في الزنى غير حد الثيب، وأن حد البكر الجلد وحده؛ وحد
الثيب الرجم وحده، إلا أن من أهل العلم من رأى على الثيب الجلد
والرجم جميعا وهم قليل؛ روي ذلك عن علي وعبادة، وتعلق به داود
وأصحابه، والجمهور على أن الثيب يرجم ولا يجلد، وقد ذكرنا
الاختلاف في ذلك في باب ابن شهاب عن عبيد الله؛ وأما أهل البدع من
الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيبا كان أو
غير ثيب، وإنما حد الزناة عندهم الجلد - الثيب (83) وغير الثيب سواء
عندهم؛ وقولهم في ذلك خلاف سنة رسول الله -3 98- وخلاف سبيل
المومنين؛ فقد رجم رسول الله _ لـ والخلفاء بعده، وعلماء المسلمين
في أقطار الأرض متفقون على ذلك من أهل الرأي والحديث، وهم أهل
الحق - وبالله التوفيق.
(83) والثيب: أ. الثيب: ق وي - ولعلها أنسب
- 121 -

وأما قوله : إن رجلا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق، فهذا
الرجل هو ماعز الأسلمي، لا يختلف أهل العلم في ذلك، وقد تقدم من
رواية يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه
ماعز بن مالك الأسلمي، وهو معروف عند العلماء، محفوظ لا
يختلفون فيه.
أخبرنا قاسم بن محمد، حدثنا خالد بن سعد، حدثنا أحمد بن
عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر، حدثنا عبيد
الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس قال: أتى رسول الله -2 1- ماعز بن مالك فاعترف
مرتين، فقال: اذهبوا به ثم ردوه، فاعترف مرتين حتى اعترف أربعا،
فقال: اذهبوا به فارجموه. (84)
قال ابن سنجر : وحدثنا عارم، قال حدثنا أبو عوانة، عن سماك
ابن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله _ 3 9ـ
قال لماعز: ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال وقعت على جارية
بني فلان؟ قال: نعم؛ قال: فشهد على نفسه أربع شهادات، أو أقر
أربع مرات؛ قال: فأمر النبي ◌َّ- برجمه. وفي الباب بعد هذا في قصة
هزال بيان ذلك أيضا.
حدثنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا
الطحاوي، قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا عبد
(84) حديث متفق عليه، انظر منتقى الأخبار بشرح نيل الأوطار 110/7.
- 122-

المجيد، عن ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد
الله يقول: رجم رسول الله -- رجلا من أسلم ورجلا من اليهود
وامرأة.
حدثنا عبد الرحمان بن عبد الله بن خالد، قال حدثنا عبد الصمد
ابن عبد الرحمان المروزي، قال حدثنا عبد الله بن الحسين، قال حدثنا
الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال حدثنا
عبد الله بن لهيعة، قال حدثنا أبو الزبير، قال: سألت جابر بن عبد
الله: هل رجم رسول الله - لو؟ قال: رجم رجلا من أسلم، ورجلا
من اليهود وامرأة، وقال لليهودي: نحن نحكم عليكم اليوم.
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الرحمان بن إسماعيل أبو
عيسى الأسوائي، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال حدثنا
سفيان بن وكيع بن الجراح الرواسي، حدثني أبي، عن إسرائيل، عن
جابر، عن عامر الشعبي، عن عبد الرحمان بن أبزى عن أبي بكر
الصديق أن ماعزا أمر على نفسه بالزنى عند رسول الله - 4- ثلاث
مرات، فقال له النبي -: إن أقررت الرابعة، أقمت عليك الحد؛ فأقر
عنده الرابعة، فأمر به فحبس، ثم سأل عنه فذكروا خيرا، فرجم.
وليس في هذا الحديث حجة من أجل جابر الجعفي، وإنما ذكرناه
ليعرف؛ وقد أجمعوا على أنه يكتب حديثه، واختلفوا في الاحتجاج به؛
وكان يحيى وعبد الرحمان لا يحدثان عنه، وكان أحمد وابن معين
يضعفاته، وشهد له بالصدق والحفظ: الثوري وشعبة ووكيع، وزهير
- 123 -

ابن معاوية، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء، فلا تشكو أن جابر
الجعفي ثقة.(85)
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، (قال حدثنا محمد بن معاوية،
قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان، قال حدثنا هشام بن عمار)، (86)
قال حدثنا عبد الحميد، قال حدثنا الأوزاعي، قال أخبرني عثمان بن
أبي سودة، قال حدثني من سمع عبادة بن الصامت يقول: قال
رسول الله - محلى- إن الله ليستر العبد من الذنب ما لم يخرقه، قالوا:
وكيف يخرقه يا رسول الله؟ قال: يحدث به الناس.
وأما قوله: إن الاخر زنى - فالرواية بكسر الخاء، وهو الصواب.
ومعناه أن الرذل الدني زنى، كأنه يدعو على نفسه ويعيبها بما نزل
به من مواقعة الزنى. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: (87) السؤال اخر
كسب الرجل، أي أرذل کسب الرجل.
وقال الأخفش: كنى عن نفسه فكسر الخاء، وهذا إنما يكون لمن
حدث عن نفسه بقبيح يكره أن ينسب ذلك إلى نفسه.
(85) هو أبو عبد الله جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 46/2-51.
(86) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في باقي النسخ - والمعنى يقتضيه.
(87) الذي في النهاية: ومنه: الحديث (المسألة اخر كسب المرء) انظر (أخر) ج 1 /29.
- 124 -

حديث رابع ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال:
بلغني أن رسول الله - قَلو قال: لرجل من أسلم يقال له هزال،
(ياهزال)(88) لو سترته بردائك لكان خيرا لك.(89) قال يحيى بن
سعيد: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن
هزال الأسلمي، فقال يزيد: هزال جدي، وهذا الحديث حق.(90)
وهذا الحديث لا خلاف في إسناده في الموطأ على الإرسال كما ترى،
وهو يستند من طرق صحاح :
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا مطلب بن شعيب، قال حدثني عبد الله بن صالح، قال حدثني
الليث، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن نعيم، عن جده هزال؛ وعن
· محمد بن المنكدر، عن هزال - أنه أمر ماعز الأسلمي أن يأتي رسول
الله ـ فيخبره بحدثه، فأتاه ماعز فأخبره بحدثه فأعرض عنه
مرارا - وهو يردد(91) ذلك على رسول الله رَله؛ فبعث إلى قومه
فسألهم: أبه جنة؟ فقالوا: لا، فسأل عنه: أثيب أم بكر؟ قالوا: ثيب؛
فأمر به فرجم، ثم قال: يا هزال، لو سترته بردائك كان خيرا لك.
(88) كلمة (ياهزال) ساقطة في أو، ثابتة في ق ي - وهي الرواية.
(89) الموطأ رواية يحيى ص590 - حديث (1494).
(90) المصدر السابق.
(91) یرد: أ. يردد: وي.
- 125 -

وأخبرنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن .
وضاح، قال حدثنا موسى بن معاوية، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا
هشام بن سعد، قال حدثني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه أن ماعز
ابن مالك كان في حجر أبيه هزال؛ فلما فجر، قال له: أبي، لو أتيت
رسول الله _ للد فأخبرته؛ فلهذا قال رسول الله - *- لهزال حين
لقيه: يا هزال، لو سترته بردائك كان خيراً لك.
حدثنا عبد الرحمان بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن محمد البغادي
بكير بمكة، حدثنا محمد بن يونس الكريمي، قال حدثنا الربيع بن
يحيى الأشناني، قال حدثنا شعبة عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
المنكدر، عن ابن هزال، عن أبيه أن رسول الله - *- قال: لو سترته
بردائك كان خيرا لك.
قال أبو عمر:
هذا الحديث - وإن كنا ذكرناه من رواية الكريمي، فإنه محفوظ
عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن ابن لهزال، عن هزال؛
وعن يحيى بن سعيد عن يزيد بن نعيم بن هزال من وجوه، وقد
ذكرنا الحكم في معاني هذا الحديث في مواضع سلفت من كتابنا -
والحمد لله.
وقد رويت آثار عن النبي _ * في فضل الستر على المسلم أذكر
منها ما حضرني ذكره بعون الله :
- 126 -

حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا محمد بن الفضل عارم، قال حدثنا
أبو عوانة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وربما
قال عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله -نَلهـ من نفس عن مسلم
كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة؛ ومن يسر
على مسلم، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم، ستر
الله عليه في الدنيا والآخرة؛ والله في عون العبد ما كان العبد في عون
أخيه.(92)
حدثنا أحمد بن عمر، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
محمد بن فطيس، قال حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال حدثنا
إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن محمد
ابن واسع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
ر ◌َ له: من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة
من كرب الآخرة؛ ومن ستر أخاه، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال حدثنا ابن وهب،
عن عمرو بن الحرث، عن أبيه، عن مولى لخارجة، حدثه عن أبي
صياد الأسود الأنصاري - وكان عريفهم - أن رجلا قدم فحل بباب
(92) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة. انظر الفتح الكبير 243/3.
- 127 -

مسلمة بن مخلد، واستأذن فأذن له، وقال: (93) حل، قال: لا ولكن
أرسل معي إلى عقبة ابن عامر؛ فأرسل معه أبا صياد، فدخلوا على
عقبة، فرحب به؛ فقال الرجل لعقبة: هل تذكر مجلسا كنا فيه عند
رسول الله - 0# فقال رسول الله - مح لل: من ستر عورة مومن كانت
له كموؤدة أحياها؟ (94) قال عقبة: نعم، (لعمري) (95) إني لحاضر ذلك
وسمعته منه، فكبر الرجل وقال: لهذا ارتحلت ورجع.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري، قال حدثنا أبو الوليد
الطيالسي، قال حدثنا همام بن يحيى، قال حدثنا إسحاق بن أبي
طلحة، قال حدثنا شيبة الحضرمي، قال: شهدت عروة بن الزبير
يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة قالت: قال رسول الله _ حَد ..
ثلاث كنت حالفا عليهن، ولو حلفت على الرابعة، رجوت أن لا إثم؛ لا
يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، قال: وسهام
الإسلام الصلاة والصيام والصدقة، ولا يحب رجل قوما إلا جاء
معهم يوم القيامة؛ ولا يتولى الله عبد في الدنيا يوليه غيره يوم القيامة،
والرابعة: لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة. (96) هكذا
(93) فقال: أ، وقال: ق ي - وهي الأنسب.
(94) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس - المصدر السابق 197/3.
(95) كلمة (لعمري) ساقطة في أ.
(96) أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان.
انظر فيض القدير على الجامع الصغير 297/3_298.
- 128 -

قال شيبة الحضرمي، وإنما هو شيبة الحضري؛ وكذلك رواه عفان عن
همام، ذكر ابن أبي شيبة، قال حدثنا عفان، قال حدثنا همام، قال
سمعت إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال حدثني شيبة الحضري
أنه شهد عروة يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة عن النبي - صَ ل و.
قال: لا يجعل الله رجلا له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ـــ وذکر
الحديث سواء إلى آخره بمعناه، وزاد فقال عمر بن عبد العزيز: إذا
سمعتم بمثل هذا الحديث عن مثل عروة، عن عائشة عن النبي -
صَعَلَاللَّه
فاحفظوه.
حدثنا خلف بن القاسم بن سهل بن محمد بن أسود الحافظ، قال
حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر غندر، قال حدثنا يحيى بن محمد
ابن صاعد، قال حدثنا الحسين بن الحسن، حدثنا يحيى بن سليم، (97)
حدثنا إسماعيل بن كثير، قال: سمعت مجاهدا يقول: إن الملائكة مع
ابن آدم، فإذا ذكر أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مثله، وإذا
ذكره بشر، قالت الملائكة: ابن آدم المستور عورته أربع على نفسك،
واحمد الله الذي ستر عورتك.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عفان، قال
حدثنا وهيب، قال حدثنا سهيل، (98) عن أبيه عن أبي هريرة عن
(97) منيم أ. سليمان وي - ولعل الصواب سليم، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 11/ 226_227.
(98) سهيل أي . .نا،٠ - والصواب سهيل - واسمه ذكوان انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
.261_263 /4
التمهيدج ٢٣ *
129 ..

النبي -مخلل- قال: لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله
يوم القيامة.(99)
حدثنا محمد بن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم، قالا حدثنا محمد بن
معاوية، قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال حدثنا أبو
الوليد الطيالسي، قال حدثنا الليث بن سعد، قال حدثني إبراهيم بن
نشيط الخولاني، عن كعب بن علقمة، عن دخين أبي الهيثم كاتب
عقبة، قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانا يشربون الخمر - وأنا
داع لهم الشرط فيأخذونهم؛ قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال:
يفعل ذلك بهم شهرا، ثم جاء دخين إلى عقبة فقال: إني نهيتهم فلم
ينتهوا، وإني داع لهم الشرط؛ فقال له عقبة: ويحك، لا تفعل، فإني
سمعت رسول الله - 903 يقول: من ستر على مومن عورة فكأنما
استحيا موؤودة.(100)
وهذا الحديث رواه ابن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن كعب بن
علقمة، عن كثير مولى عقبة بن عامر، عن عقبة بن عامر - أن رسول
الله ◌ُ لـ قال: من رأى عورة فسترها كان كمن استحيا موؤودة من
قبرها.(107)
(99) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، انظر الفتح الكبير 364/3.
(100) أخرجه الطبراني في الأوسط، انظر فيض القدير على الجامع الصغير 148/6.
(101) أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والحاكم. انظر فيض القدير 129/6.
~ 130 -

حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله - : من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله
عنه كربة من كرب الآخرة؛ ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا
والآخرة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة؛ والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيها
علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة؛ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت
الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه (بينهم)(102) إلا نزلت عليهم
السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن
عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه.(103)
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا
أحمد بن الحسن الصباحي، قال حدثنا يحيى بن ورد بن عبد الله،
حدثني أبي، حدثنا عدي، (104) عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن
ابن عباس أن عمار بن ياسر أخذ سارقا فقال: ألا أستره لعل الله
يسترني.
(102) كلمة (بينهم) ساقطة في ١.
(103) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه وأبو داود. انظر الفتح الكبير 243/3.
(104) عبدة: أ، عبدي: ق وي - وهي الصواب، انظر ترجمة عدي هذا في تهذيب التهذيب
.170_169/7
- 131 -

حديث خامس ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب - أنه قال: ما
صلى رسول الله - محللة- الظهر والعصر يوم الخندق حتى غابت
الشمس.(105)
وهذا يستند من حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري،
وحديث جابر، وبعضها أتم معنى من بعض، وقد يجوز أن يكون هذا
النسيان وارد شغل عظيم.
روى هشام عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سدعة، عن جابر قال:
جعل عمر بن الخطاب يسب كفار قريش يوم الخندق ويقول:
يارسول الله، والله ما صليت العصر حتى غابت الشمس أو كادت
تغيب؛ فقال رسول الله -وَله: والله ما صليتها، ونزلنا معه إلى
بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا معه؛ فصلى العصر بعدما غمربت
الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
وأما قوله - *- يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة
العصر حتى غربت الشمس - فقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب زيد
ابن أسلم، وذكرنا حديث أبي سعيد الخدري، وحديث ابن مسعود في
باب مرسل زيد أيضا، وفي حديثهما أن رسول الله -من - شغل يومئذ
عن أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي حديث جابر:
(105) الموطأ رواية يحيى ص 126 - حديث (43).
- 132 -

العصر وحدها وفي مرسل سعيد: الظهر والعصر، والمعنى في ذلك كله
سواء - والحمد لله.
قرأت على عبد الله بن محمد بن يوسف، أن محمد بن أحمد بن
يحيى حدثهم، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، قال حدثنا أحمد
ابن عبد الجبار، قال حدثنا يونس بن بكير، قال حدثنا هشام بن
سنبر، (106) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان،
عن جابر بن عبد الله، قال: جعل عمر بن الخطاب يسب كفار قريش
يوم الخندق ويقول: يارسول الله، ما صليت العصر حتى كادت
الشمس تغيب، فقال رسول الله - مل *: والله ما صليتها؛ فنزلنا معه
إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا معه، فصلى العصر بعدما غربت
الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، وقد تقدم القول في معاني هذا
الحديث في باب زيد بن أسلم.
(106) سنبر: أق، شنبر: ي، منبر: و- والصواب سنبر، بالسين المهملة، انظر ترجمة هشام بن سنبر هذا
في تهذيب التهذيب 43/11_45.
- 133 -

حديث سادس ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال:
صلى رسول الله -- بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا نحو
بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين.(107)
٠
هكذا هذا الحديث في الموطأ عن مالك، عن يحيى بن سعيد مرسلا.
ورواه محمد بن خالد بن عثمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله - مَالله - بعد أن
قدم المدينة ستة عشر شهرا - نحو بيت المقدس حتى حولت القبلة قبل
بدر بشهرين. انفرد به عن محمد بن خالد بن عثمة - عبد الرحمان
ابن خالد بن نجيح، وعبد الرحمان ضعيف لا يحتج به.
وفي هذا الحديث بيان النسخ في أحكام الله - عزوجل - وهو باب
يستغني عن القول فيه، لاتفاق أهل الحق عليه؛ وقد أتينا بلمع من
علله في مواضع من كتابنا - والحمد لله.
وذكرنا نسخ الصلاة إلى الكعبة وكيف كان الوجه في ذلك، وكثيرا
من معاني استقبال القبلة في باب ابن شهاب عن عروة، وفي باب عبد
الله بن دينار، فأغنى عن ذكر ذلك ههنا، وهذا الحديث ومثله أصل في
علم الخبر وحفظ السير، وقد روى معناه مسندا من وجوه من حديث
البراء وغيره، ولم يختلف العلماء في أن رسول الله -مَ ال ـ إذ قدم
(107) الموطأ رواية يحيى ص 132 - حديث (460).
- 134 -

المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل سبعة عشر، وقيل
ثمانية عشر؛ وإنما اختلفوا في صلاته بمكة، فقالت طائفة كانت إلى
الكعبة، وقال آخرون: كانت إلى بيت المقدس؛ وقد ذكرنا ما روي في
ذلك وقيل به في باب ابن شهاب، عن عروة من هذا الكتاب في باب
صلاة جبريل بالنبي 282- بمكة حين فرض الصلاة، وذكرنا بعض
ذلك أيضا مع حكم من صلى إلى غير القبلة مجتهدا وغير مجتهد في
باب عبد الله بن دينار.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن
علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم، قال حدثنا إسحاق، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن البراء
ابن عازب، قال: قدم رسول الله - في المدينة، فصلى نحو بيت
المقدس ستة عشر شهرا، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان
صلى مع النبي -2002 على قوم من الأنصار فقال: أشهد أن رسول الله
- ◌َلله - قد وجه إلى الكعبة، فانصرفوا.(108)
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا سنيد، قال حدثنا وكيع عن إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما قدم النبي - عليه السلام - المدينة،
صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان
(108) انظر سنن النسائي 60/2_71.
- 135 -

يجب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في
السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾(109) - فوجه نحو الكعبة - وكان
يحب ذلك.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو الأحوص، قال حدثنا أبو إسحاق،
عن البراء قال: صليت مع النبي - قَ و إلى بيت المقدس ستة عشر
شهرا، فلما أنزلت هذه الآية في القبلة: ﴿فولوا وجوهكم
شطره﴾،(110) قال: فنزلت بعدما صلى النبي -2 99؛ فانطلق رجل من
القوم، فمر بناس من الأنصار - وهم يصلون - فحدثهم الحديث،
فولوا وجوههم.
وقد روى هذا الحديث - شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية -
وهو أتمهم له سياقة - عن أبي إسحاق، عن البراء مثله. وقد ذكرنا
تاريخ تحويل القبلة إلى الكعبة، والاختلاف في ذلك في باب ابن شهاب
عن عروة - والحمد لله.
(109) الآية: 144- سورة البقرة.
(110) الآيتان: 150،144.
- 136 -

حديث سابع ليحيى بن سعيد
مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول:
سمعت أبا هريرة يقول: اختتن إبراهيم -813$- بالقدوم - وهو ابن
مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.(111)
مثل هذا لا يكون رأيا، وقد تابع مالكا على توقيف هذا الحديث
جماعة عن يحيى بن سعيد، منهم: يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن
مسهر.
ورواه الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله - لل﴿: اختتن إبراهيم وهو ابن
عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
١
وروي مسندا من غير رواية يحيى بن سعيد من وجوه، منها: ما
ذكره ابن بكير، عن الليث، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن رسول الله -بل قال: اختتن إبراهيم حين بلغ ثمانين سنة،
واختتن بقدوم.
(111) هكذا ثبت هذا الحديث في سائر نسخ التمهيد، ومثله في التجريد ص 212، والذي في الموطأ رواية
يحيى ص 660 - حديث (1667): (عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم أول الناس
ضيف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب؛ فقال:
يارب ما هذا؟ فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وقار يا إبراهيم، فقال: يارب زدني وقارا﴾ هذا لفظ ما
في الموطأ من رواية سعيد بن المسيب موقوفا، وهو غير ما أثبته ابن عبد البرعنه في التمهيد
والتجريد معا، نعم ذكر ابن حجر في الفتح 200/7- أنه وقع في الموطأ مرفوعا عن أبي هريرة،
وعند ابن حبان مرفوعا: إن إبراهيم اختتن - وهو ابن مائة وعشرين سنة، ولم نقف على هذه
الرواية في موطأ يحيى التي شرح عليها المؤلف، ولعلها ثبتت كذلك في بعض النسخ - والله أعلم
بحقيقة الحال.
- 137 -

قال (112) ابن بكير: وحدثني بمثلها عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة، عن النبي رَله ..
وروى يحيى القطان، عن ابن عجلان سمع أباه (سمع أبا) (113)
هريرة عن النبي -12- مثله.
ورواه المغيرة بن عبد الرحمان، وورقاء بن عمر اليشكري، عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي -ٍقَلّ إلا أن حديث أبي
الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا: أن إبراهيم اختتن بعدما
مر عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم.
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، حدثنا عبيد الله (114) بن
محمد بن أبي غالب بمصر، حدثنا محمد بن محمد بن بدر، حدثنا
رزق الله بن موسى، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا ورقاء بن عمر
عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي -ولو قال: اختتن
إبراهيم بعدما مر عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم.
وذكر (115) المروزي حديث الأوزاعي عن أبي الوليد أحمد بن عبد
الرحمان، قال حدثنا الوليد، قال أخبرني أبو عمرو - يعني الأوزاعي،
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال
.
(112) وقال: أ، قال: ق وي - ولعلها أنسب.
(113) ما بين القوسين ساقط في أ.
(114) عبيد الله: أ، عبد الله: ق و.
(115) وذکر: أ. ذکر: ق و ي.
- 138 -

رسول الله - الجهل: اختتن إبراهيم - وهو ابن عشرين ومائة سنةٍ، ثم
عاش بعد ذلك ثمانين سنة ..
قال: وحدثنا أبو قدامة، قال حدثنا يحيى، عن يحيى بن سعيد عن
سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: اختتن إبراهيم - وهو
ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال: وحدثنا همام، قال حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: اختتن إبراهيم بالقدوم -
وهو ابن عشرين ومائة سنة. قال سعيد: وهو أول من اختتن، وأول
من أضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم الأظفار، وأول
من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال:
وقار، قال: ياربي زدني وقارا.
قال: وحدثنا أبو كامل، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثني
عمارة، قال حدثني عكرمة، قال: أوحى الله إلى إبراهيم إنك قد أكملت
الإسلام إلا بضعة منك فألقها، فقدم يختن نفسه بالفأس، فصرف
بصره عن عورته أن ينظر إليها. قال عكرمة: واختتن إبراهيم وهو ابن
ثمانين سنة، قال: ولم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون.
قال أبو عمر :
هكذا قال عكرمة في إبراهيم إنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وقد
قاله المسيب بن رافع، كذلك ذكر المروزي، قال حدثنا محمد بن
- 139 -

الصباح، قال حدثنا جرير، عن مغيرة، (116) عن المسيب بن رافع: أوحى
الله إلى إبراهيم أن تطهر فتوضأ، فأوحى الله إليه أن تطهر، فاغتسل؛
فأوحى الله إليه أن تطهر فاختتن بالقدوم - بعد ثمانين سنة. وهذا
هو المحفوظ في حديث عجلان وحديث الأعرج، عن أبي هريرة، عن
النبي - 2 99؛ وقد مضى القول في الختان في باب سعيد بن أبي سعيد،
وتقصينا هنالك ما للعلماء في ذلك.
وفي هذا الحديث دليل على جواز القول في سير الأنبياء والصالحين،
وفي معنى ذلك الحديث عن الماضين وأيام الناس جملة - وبالله
التوفيق.
قرأت على أبي عمر أحمد بن محمد بن أحمد - أن أبا عبد الله
محمد بن عيسى حدثهم، قال: سأل رجل يحيى بن أيوب بن بادي
العلاف - ونحن عنده - عن ختان النبي _ مر؛ فقال: (117) قد طلبت
ذلك عند أكثر من لقيت ممن كتبت عنه، فلم أجده حتى أتيت محمد
ابن أيبي السري العسقلاني في سفرتي الثانية، فسألته عنه عند
توديعي له - منصرفا، فقال: حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن
عطاء الخرساني، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي
*- يوم سابعه - وجعل له مأدبة، وسماه محمدا؛ وقد قيل: إن
النبي - - ولد مختونا - فالله أعلم، وقد ذكرنا ما للعلماء في هذا
(116) مغيرة: أ، معمر: وي - وهو تحريف، انظر ترجمة المغيرة بن مقسم هذا في تهذيب التهذيب
.271_269/10
(117) قال: أ، فقال: ق وي - ولعلها أنسب.
- 140 -