Indexed OCR Text
Pages 41-60
أي جمعة هي؟ وقد سئل رسول الله - من - عن الساعة وقيامها، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وقد سأل عنها جبريل فقال نحو ذلك،(8) وقال الله عزوجل -: ﴿قل إنما علمها عند ربي﴾.(9) وقد أخبر رسول الله -3 38- عن شروط وعلامات تكون قبلها وقد ظهر أكثرها أو كثير منها، وقال الله عز وجل: ﴿لا تاتيكم إلا بغتة﴾.(10) وأما قوله: وما من دابة إلا وهي مصيخة، فالإصاخة الاستماع، وهو ههنا استماع حذر وإشفاق، وخشية الفجأة والبغتة؛ وأما أصل الكلمة في اللغة، فالاستماع. قال أعرابي : راعي سنين تتابعت جدبا وحديثها كالقطر يسمعه ويقول من فرح أياربا فأصاخ يرجو أن يكون حيا وقال آخر : صرخت لو يسمع الصراخا لم أرم حتى إذا أصاخا وقال أمية بن أبي الصلت : فهم عند رب ينظرون قضاءه يصيخون بالأسماع للوحي ركد (8) أخرجه مسلم، انظر الأربعين النووية بشرح الشبرخيتي ص 85. (9) الآية : 187 - سورة الأعراف. (10) نفس الآية. - 41 - وقال غيره يصف ثورا بريا يستمع صوت قانص : ويصيخ أحيانا كما استمع الــفضل لصوت ناشد والمضل: الذي قد ضل بعيره أو دابته أو شيئه، يقال منه: أضل الرجل دابته فهو مضل، وضلت البهيمة فهي ضالة؛ والناشد الطالب، يقال منه: قد نشدت ضالتي إذا ناديت فيها وطلبتها، ومنه نشدتك الله أي سألتك بالله، وأما المنشد فهو المعرف بالضالة. وقيل: هو الدال عليها، والمعنى واحد متقارب؛ ومنه قوله - 9 في لقطة مكة: لا تحل إلا لمنشد. فمن هنا يقال: أنشدت كما يقال في الشعر: أنشدت الشعر؛ ومن الأول يقال: نشدت، هذا قول جماعة من أهل اللغة. وفي هذا الحديث دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب، وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا، ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلا. وأما قوله: وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم - وهو يصلي يسأل الله شيئا - إلا آتاه الله (11) إياه، فقد اختلف في تلك الساعة على حسبما قدمنا ذكره في باب أبي الزناد من هذا الكتاب، وقول عبد اللـه بن سلام فيها أثبت شيء - إن شاء الله - ألا ترى إلى رجوع أبي هريرة إلى قوله وسكوته عندما ألزمه من الإدخال والمعارضة، بأن منتظر الصلاة في صلاة - وهو قول أبي هريرة وكعب، وقد روي بنحو قول عبد الله بن سلام أحاديث مرفوعة قد ذكرنا بعضها هناك، ومنها ما (11) آتاه الله إياه: أ، آتاه إياه : - بحذف اسم الجلالة : وي. - 42 - حدثناه خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا الصباحي، قال حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا محمد بن أبي حميد، حدثنا موسى بن وردان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -من القول: التمسوا الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس.(12) حدثنا يونس بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا عبد السلام بن حفص، عن العلاء بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -جل9: إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة، هي آخر ساعة من الجمعة. أخبرنا أحمد بن محمد - قراءة مني عليه - أن أحمد بن الفضل بن العباس حدثهم، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا ابن إدريس، وأسد بن عمرو، والمحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -حَ و: ((إن في يوم الجمعة لساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم فيسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه)». فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة. قال الله - عز وجل -: ﴿خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ، سأُرِيكم آياتي فلا تستعجلُون﴾. (13) (12) أخرجه الترمذي - ذكره السيوطي في الجامع الصغير ووضع عليه علامة الضعف (ض). انظر فيض القدير 1571589/2. (13) الآية : 37 - سورة الأنبياء. - 43 - حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال حدثنا ابن أبي فديك، قال حدثني بن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة أن الرسول -2* قال: إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مومن يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه، قال: فقدم (علينا)(14) كعب الأحبار فقال له أبو هريرة: ذكر رسول الله _رحي له ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها مومن يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه، قال كعب: صدق والذي أكرمه، إنها الساعة التي خلق الله فيها آدم والتي تقوم فيها الساعة. (15) وحدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، حدثني عمرو بن محمد العثماني، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن الثقة، (16) عن صفوان ابن سليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي -59: الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس. قال: وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحرث، عن الجلاح(17) مولى عمر بن عبد العزيز (18) - أن أبا سلمة (14) كلمة علينا ساقطة في أ. (15) رواه مالك وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. انظر فيض القدير على الجامع الصغير 463/2. (16) عن الثقة: أق ي، عن أبيه : و. (17) الجلاح: أى، اللجلاح: و، اللجلاج، والصواب ما في أي، انظر ترجمة الجلاح في تهذيب التهذيب 126/2. (18) عمر بن عبد العزيز: ا، مولى عبد العزيز باسقاط (عمربن) ق وي وهو تحريف. - 44 - حدثه عن جابر، عن رسول الله - 08- أنه قال: في الجمعة اثنتا عشر(19) ساعة، منها ساعة لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، التمسوها آخر ساعة بعد العصر. قال أبو عمر : الصحيح في هذا ما جاء عن (أبي) سلمة، (20) عن أبي هريرة، وأما عن أبي سلمة عن أبي سعيد، أو جابر - فلا - والله أعلم. حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جبير، حدثنا ابن المثنى، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني من أرسله عمرو بن أوس إلى أبي هريرة يسأله عن الساعة التي في الجمعة، فقال: (21) هي بعد العصر؛ وشعبة عن الحكم، عن ابن عباس: قوله مثله، وشعبة عن يونس بن حباب، عن عطاء، عن أبي هريرة مثله. وحدثنا أحمد، حدثنا محمد، حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عبسة، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن عباس، قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يتكلم إلى غروب الشمس. (19) اثنا : أو، اثنتا: ق ي وهي أنسب. (20) ابن سلمة : أ. بن أبي سلمة: ق وي - وهي الصواب. (21) قال: أ. فقال: ق وي، وهي أنسب. - 45 - وذكر موسى بن معاوية، عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، وطاوس، عن أبي هريرة - أنه قال: الساعة التي في الجمعة بعد العصر حتى تغيب الشمس أو بعد الصبح حتى تطلع الشمس، قال: فكان طاوس إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يكلم أحدا ولم يلتفت مشغولا بالدعاء والذكر حتى تغيب الشمس. وذكر سنيد عن حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن كثير أن طاوسا أخبره أن الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة، والتي أنزل فيها آدم، والتي لا يدعو فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجاب الله له من حين تصفر (الشمس)(22) إلى حين تغيب. فهذا ما بلغنا من الأخبار في معنى قول عبد الله بن سلام في ساعة يوم الجمعة، وذلك أثبت ما قيل في ذلك - إن شاء الله. أما(23) الآثار المخالفة لذلك والأقوال، فقد مضى ذكرها في باب أبي الزناد والحمد لله. وأما قوله: فقال كعب: هي في كل سنة مرة، فقلت: بل في كل جمعة، ثم قرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله _ مَ القرد، ففيه دليل على أن العالم قد يخطيء، وأنه ربما (24) قال على أكبر ظنه فأخطأ ظنه. وفيه أن سمع الخطأ وجب عليه إنكاره ورده على كل من سمعه منه إذا كان عنده في رده أصل صحيح - كأصل أبي هريرة في إنكاره على كعب. (22) كلمة (الشمس) ساقطة في أ. (23) وأما : أي، أما : و - وهي أنسب. (24) ربما : أي، إنما: ق و. - 46- وفيه أن على العالم إذا رد عليه قوله طلب التثبت فيه والوقوف على صحته حيث رجاه من مواضعه حتى تصح له أو يصح قول منكره فینصرف إليه. وفيه دليل على أن الواجب على كل من عرف الحق أن يذعن إليه، فأما قول أبي هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري - إلى آخر قصته معه، فهكذا في الحديث من رواية مالك: بصرة بن أبي بصرة - لم يختلف عنه في ذلك، ولا عن يزيد بن الهادي؛ وإنما جاء ذلك من يزيد لا من مالك فيما أظن - والله أعلم. وغير يزيد يقول في هذا الحديث: فلقيت أبا بصرة الغفاري، وأبو بصرة اسمه حميل بن بضرة، وقد سماه زيد بن أسلم في حديثه هذا. حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا زكرياء بن يحيى الناقد، قال حدثنا سعيد بن سليمان، عن محمد بن عبد الرحمان بن مجير، قال حدثنا زيد بن أسلم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور ليصلي فيه ثم أقبل فلقي حميل الغفاري فقال له حميل: من أين جئت؟ قال: من الطور، قال: أما إني لو لقيتك لم تأته، قال: لم؟ قال: لأني سمعت رسول الله - وَله يقول: لا تضرب(25) أكباد الإبل إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس. (25) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي - انظر فيض القدير على الجامع الصغير 904/6. - 47 - وروى القططبي قال حدثنا الدراوردي عن زيد بن أسلم عن المقبري عن أبى هريرةً أنه خرج إل الطور يصلي فيه، ثم أقبل فلقيني حميل ابن بصرة الغفاري - ثم ذكر مثله حرفا بحرف إلى آخره. (26) أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا إسماعيل بن علي اللخمي ببغداد، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عثمان بن عمر، قال حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام قال: بدأ الله خلق الأرض فخلق سبع أرضين في يومين: يوم الأحد ويوم الاثنين، وقدر فيها أقواتها في يومين: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم استوى إلى السماء فخلقهن في يومين: يوم الخميس وقضاهن في آخر يوم الجمعة، وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم على عجل، والساعة التي تقوم فيها الساعة ما خلق الله - عز وجل - من دابة إلا هي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنسان والشيطان. وحدثنا عبد الله، حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن عثمان، قال حدثنا أبو بلال الأشعري، قال حدثنا الفضيل بن سليمان، قال أخبرنا محمد بن زيد، قال حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمان قال: اجتمع أبو هريرة وعبد الله بن سلام فذكروا عن النبي -982- الساعات التي في (26) في ي زيادة (قال عبد الله بن الجارود: أبو بصرة الغفاري حميل بن بصرة، وقيل جميل بالجيم مرفوع، وقيل جميل بالجيم أيضا مفتوحة، قال ابن الجارود، فسمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : الصواب بالحاء المرفوعة ولم أثبتها في الصلب، لأنها ربما كانت طرة فأدرجها الناسخ في المتن). .- 48 - يوم الجمعة، وذكر أنه قالها، فقال عبد الله بن سلام. أنا أعلم أية ساعة هي بدأ الله عزوجل في خلق السماوات والأرض يوم الأحد، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فهي آخر ساعة من يوم الجمعة، وفي قول عبد الله بن سلام: كذب كعب (ثم قوله: صدق كعب، دليل على ما كان القوم عليه من إنكار ما يجب إنكاره، والإذعان إلى الحق والرجوع إليه - إذا بان لهم. ومعنى قوله: كذب كعب)(27) يريد غلط كعب، وقد تضع العرب أحيانا هذه اللفظة بمعنى الغلط، وقد فسرنا ذلك بالشاهد عليه في باب ابن شهاب عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمرو. وفي قول عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي، دليل على أن للعالم أن يقول: أنا أعلم كذا، وقد علمت كذا، وأنا أعلم بكذا - إذا لم يكن ذلك على سبيل الفخر والسمعة، وفي قول أبي هريرة : أخبرني بها ولا تضن علي - أي لا تبخل علي - دليل على ما كان القوم عليه من الحرص على العلم والبحث عنه، وفي مراجعة أبي هريرة لعبد الله بن سلام حين قال: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، واعتراضه عليه بأنها ساعة لا يصلى فيها، ورسول الله - لا- قد قال: لا يوافقها عبد مسلم - وهو يصلي - يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه؛ أدل دليل على إثبات المناظرة والمعارضة وطلب الحجة ومواضع الصواب، وفي إدخال عبد الله بن سلام عليه قول رسول الله -. من انتظر صلاة فهو في صلاة، وإذعان أبي هريرة إلى ذلك، دليل بين على ما كان القوم (27) ما بين القوسين ساقط في أ، وهو ثابت في باقي النسخ والمعنى يقتضيه التمهيد ج٢٣ . 49 عليه من البصر بالاحتجاج والاعتراضات والإدخال والإلتزامات في المناظرة، وهذا سبيل أهل الفقه أجمع، إلا طائفة لا تعد في العلماء أعرقوا في التقليد، وأزاحوا أنفسهم من المناظرة والتفهم، وسموا المذاكرة مناظرة جهلا منهم بالأصول التي منها ينزع أهل النظر، وإليها يفزع أولو البصر والله المستعان. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا محمد بن عبيد، قال حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام قال: قال النبي *- من انتظر الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلي، قال: أنت سمعته؟ قلت: نعم، قال: فهو كذلك. (28) وأخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا عبد الملك بن يحيى، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سنيد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: عن بعض أهل العلم: لا أعلمه إلا ابن عباس أنه قال في الساعة المستجاب فيها يوم الجمعة: هي بعد العصر، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، قال: بلى، ولكن ما(29) كان في مصلاه لم يقم منه فهو في الصلاة. (28) أخرجه أحمد في مواضيع من مسنده، وجاء من طرق أخرى. (29) ما : أي، من : و - والعبارة برمتها ساقطة في ق. - 50 - حديث ثان ليزيد بن الهادي مالك، عن يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله -23- يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحتها(30) من اعتكافه، قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر؛ وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبحتها (31) في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد؛ قال أبو سعيد، فأبصرت عيناي رسول الله حق الله ـ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.(32) قال أبو عمر : في هذا الحديث - وهو من أصح حديث يروى في هذا الباب دليل على أن الاعتكاف في رمضان سنة مسنونة، لأن رسول الله -مل* كان (30) صبحتها: أو ي، صبيحتها: ق، ومثله في التجريد، والذي في الموطأ: صبحها. (31) صبحتها: أو، وهو الذي في التجريد، صبحها: ي - وهو ما في الموطأ، صبيحتها: ق. (32) الموطأ رواية يحيى ص 217 - حديث (699) - والحديث أخرجه البخاري عن إسماعيل عن مالك به. انظر الزرقاني على الوصطا 15/2 - 51 - يعتكف في رمضان ويواظب على ذلك، وما واظب عليه فهو سنة لأمته؛ والدليل على أنه كان يعتكف في كل رمضان قوله: كان رسول الله -02- يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما - ثم ساق القصة، وهذا يدل على أنه كان يعتكف كل رمضان - والله أعلم. وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجب، وأن فاعله محمود عليه مأجور فيه، وهكذا سبيل السنن كلها ليست بواجبة فرضا، ألا ترى إلى إجماعهم على قولهم: هذا فرض، وهذا سنة، أي هذا واجب، وهذا مندوب إليه، وهذه فريضة، وهذه فضيلة. وأما قوله: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحتها من اعتكافه، فهكذا رواية يحيى: من صبحتها، وتابعه على ذلك جماعة، منهم: ابن بكير، والشافعي، وأما القعنبي، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة أيضا؛ فقالوا في هذا الحديث عن مالك: وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه. لم يقولوا من صبحتها. وقال يحيى بن يحيى، وابن بكير، والشافعي: من صبحتها. حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا مالك بن أنس، عن يزيد عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، ~ 52 - عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله _ مَلـ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي كان يخرج من صبحتها من اعتكافه - وذكر الحديث إلى آخره حرفا بحرف كرواية يحيى، إلا أنه قال في موضع: وقد رأيت هذه الليلة، وقال: (33) أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقال: رأيتني أسجد فجعل في موضع وقد قال في الموضعين، وقد أريت في موضع رأيت، وقال: فأمطرت السماء من تلك الليلة فزاد من. وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا يحيى بن أيوب؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمان، قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن مالك، عن يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله - *- يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج من صبحتها (34) من اعتكافه - وساق الحديث كرواية يحيى حرفا بحرف إلى آخره، هكذا قال ابن بكير: يخرج من صبحتها، وقال يحيى: يخرج فيها من صبحتها، وقال الشافعي: (33) أو قال، أ، وقال: ق وي و هو الأنسب. (34) صبحتها: أي، صبحها: ق و ولعلها الصواب بدليل ما بعدها. - 53 - يخرج في صبحتها، وقال القعنبي وابن القاسم وطائفة: يخرج فيها ولم يقولوا من صبحها ولا من صبحتها؛ وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك قال: ولا بأس بالاعتكاف في أول الشهر ووسطه وآخره، فمن اعتكف في أوله أو وسطه، فليخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه؛ وإن اعتكف في آخر الشهر، فلينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد مع المسلمين، ويبيت ليلة الفطر في معتكفه، ويرجع من المصلى إلى أهله، قال: وكذلك بلغني عن النبي 2َ وقال ابن القاسم: فإن خرج ليلة الفطر، فلا قضاء عليه. وقال ابن الماجشون وسحنون: يفسد اعتكافه، لأنه السنة المجتمع عليها أنه يبيت في معتكفه حتى يصبح. قال أبو عمر : لم يقل بقولهما أحد من أهل العلم فيما علمت، ولا وجه له في القياس لأن ليلة الفطر ليست بموضع اعتكاف ولا صيام ولا من شهر رمضان، ولا يصح فيها عن النبي _/®- شيء. وقد روى ابن القاسم عن مالك في المستخرجة في المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه - لا إعادة عليه. وقال مالك في الموطأ أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان: لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس. - 54- وقال الشافعي: إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر، دخل قبل الغروب، فإذا أهل (هلال)(35) شوال، فقد أتم العشر - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو عمر : قد أجمعوا في المعتكف العشر الأول أو الوسط من رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، وفي إجماعهم على ذلك ما يوهن رواية من روى: يخرج من صبحتها أو في صبحتها؛ واختلفوا في العشر الأواخر، وما أجمعوا عليه يقضي على ما اختلفوا فيه من ذلك، ويدل - والله أعلم - على تصويب رواية من روى: يخرج فيها(36) من اعتكافه - يعني بعد الغروب - والله أعلم -؛ والصحيح في تحصيل مذهب مالك: أن مقام المعتكف ليلة الفطر في معتكفه وخروجه منه إلى العيد - استحباب وفضل لا إيجاب، وليس مع من أوجب ذلك حجة من جهة النظر ولا صحيح الأثر - وبالله التوفيق. واختلف العلماء أيضا في المعتكف متى يدخل المسجد الذي يريد الاعتكاف فيه، فقال مالك، والشافعي وأبو حنيفة، وأصحابهم: إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر، دخل المسجد قبل غروب الشمس، قال مالك: وكذلك من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر، دخل معتكفه قبل (35) كلمة . (هلال) ساقطة في أ، ثابتة في ق و ي. (36) كلمة (فيها) ساقطة في ١. - 55 - غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم، وقال الشافعي: إذا قال: لله علي اعتكاف يوم، دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس - خلاف قوله في الشهر. وقال زفر والليث بن سعد : :٧ نا في الشهر وفي اليوم قبل طلوع الفجر - وهو قول أبي يوسف - لم يفرقوا بين الشهر واليوم. قال أبو عمر : ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا مدخل له في الاعتكاف إلا أن يتقدمه ويتصل به اعتكاف نهار، وذهب أولئك إلى أن الليلة تبع لليوم في كل أصل، فوجب اعتبار ذلك. وروى يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة أن النبي 2 - كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يعتكف فيه. قال أبو عمر : قد ذكرنا معاني الاعتكاف وأصول مسائله وأمهات أحكامه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب، وأجمع العلماء على أن رمضان كله موضع للاعتكاف، وأن الدهر كله موضع للاعتكاف إلا الأيام التي لا يجوز صيامها؛ وقد ذكرنا ما لهم من التنازع في الاعتكاف بغير صوم في باب ابن شهاب، عن عروة، وذكرنا اختلافهم في صيام أيام التشريق في غير موضع من (هذا)(37) الكتاب - والحمد لله. (37) كلمة (هذا) ساقطة في أ. ثابتة في ق و ي. - 56 - وأما قوله في ليلة القدر: إني رأيتها ثم أنسيتها ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. فعلى هذا أكثر العلماء أنها عندهم في الوتر من العشر الأواخر، وقد ذكرنا ما في ليلة القدر من المذاهب والآثار والاعتبار والاختيار في باب حميد الطويل من كتابنا هذا، فلا معنى لتكرير ذلك ههنا. وقد روي من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله - *- قال: التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإني قد رأيتها ونسيتها، وهي ليلة مطر وريح، وهذا نحو معنى حديث أبي سعيد الخدري في هذا الباب. أخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال حدثنا أحمد بن منظور، قال حدثنا عبد الرحمان بن شريك، عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله - مجلة التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإني قد رأيتها فنسيتها، وهي ليلة مطر وريح، أو قال: قطر وريح. قال البزار: ولا نعلم أحدا روى هذا اللفظ بهذا الحديث إلا عبد الرحمان بن شريك. وحدثنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أحمد، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الرحمان بن شريك، عن أبيه عن سماك عن جابر بن سمرة عن النبي -1902- في ليلة القدر أنها ليلة ريح ومطر. ~ 5: - قال أبو عمر : هذا معناه في ذلك العلم وذلك الوقت - والله أعلم - وأما قوله: وكان المسجد على عريش - فإنه أراد أن سقفه كان معرشا بالجريد من غير طين فوكف المسجد - يعني همطل فصار من ذلك في المسجد ماء وطين، فانصرف رسول الله - 993 وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من سجوده - على ذلك، قال الشاعر في معنى وكف : كأن أسطارها في بطن مهرقها نور يضاحك دمع الواكف الهطل وقد اختلف قول مالك في الصلاة في الطين، فمرة قال: لا يجزيه إلا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على قدر ما يمكنه، ومرة قال: يجزيه أن يوميًّ إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه إذا كان الماء قد أحاط به. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا محمد بن عمر ابن يحيى، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أنه أوما في ماء وطين. قال عمرو: وما رأيت أعلم من جابر بن زيد، قال عمرو: وأخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر ابن زيد، لأوسعهم علما عما في كتاب الله، وبه عن سفيان عن أبي بكر الهذلي قال: ذكرت لقتادة الحسن ونفرا من نحوه، فقال: ما ذكرت أحدا إلا والحسن أفقه منه إلا جابر بن زيد. .. 58- أخبرنا أبو عثمان سعيد بن نصر، وسعيد بن عثمان، قالا: حدثنا أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل، قال حدثنا عبد اللـه بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال حدثنا عمرو بن الرماح قاضي بلخ، قال أخبرني کثیر بن زياد أبو سهل، عن عمرو بن عثمان بن يعلى، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي 1982 في سفر، فأصابتنا السماء، فكانت البلة من تحتنا والسماء من فوقنا، وكان في مضيق، فحضرت الصلاة، فأمر رسول الله - **- بلالا فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله - 03- فصلى على راحلته - والقوم على رواحلهم يوميُ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق، قال حدثنا الخضر بن داود، قال حدثنا أحمد بن محمد بن هاني الأثرم، قال حدثنا شريح بن النعمان، قال حدثنا ابن الرماح عن أبي سهل كثير بن زياد البصري، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله -# - انتهى إلى مضيق - ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، وحضرت الصلاة، فأمر رسول الله -2# المؤذن فأذن أو أقام، فتقدمهم رسول الله - *- فصلى بهم على راحلته (وهم)(36) على رواحلهم يوميًّ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع، أو قال: يجعل سجوده أخفض من رکوعه. (38) وهم: ق و، والقوم - والكلمة ساقطة في أ. - 59- قال: وحدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا أبان، قال حدثنا أنس ابن سيرين، قال: أقبلت مع أنس بن مالك من الشام حتى أتينا سواء بيط (39) وحضرت الصلاة والأرض كلها غدير، فصلى على حمار يوميًّ إيماء. قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن جابر بن زيد في الذي تحضره الصلاة وهو في ماء وطين، قال: يوميّ إيماء. قال: وحدثنا سعيد بن عفير، قال حدثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية في الرجل تدركه الصلاة - وهو في ماء وطين، - قال: يصلي قائما متوجها إلى القبلة يوميّ برأسه. قال: وحدثنا منجاب بن الحرث، قال أخبرنا شريك، عن ليث، عن طاوس، قال: إذا كان ردع أو مطر فصل على الدابة. قال: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن الصلاة المكتوبة على الراحلة، فقال: لا يصلى على الراحلة في الأمن إلا في موضعين: إما في طين، وإما تطوع؛ قال: وصلاة الخوف. وذكر أبو عبد الله حديث يعلى بن أمية الذي ذكرناه في هذا الباب. وسئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل مرة أخرى عن الصلاة على الراحلة فقال: أما في الطين فنعم - يعني المكتوبة. قال أبو عمر : من أتى من الصلاة على الراحلة أو على قدميه بالإيماء من أجل الطين والماء، احتج بحديث هذا الباب عن أبي سعيد الخدري قوله: (39) ببط : اوي، بط: ق. - 60. .