Indexed OCR Text

Pages 281-300

والعرق الظالم : أن ينطلق الرجل إلى أرض غيره فيغرسها.
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا أيوب،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي - ◌َ ◌ّ - قال: من
أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق.(419)
ولعروة عن سعيد بن زيد حديث آخر أيضا في أبيه زيد بن عمرو بن
نفيل أنه يبعث أمة وحده.
حدثنا محمد بن ابراهيم، وأحمد بن قاسم، قالا حدثنا محمد بن معاوية،
قال حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، قال حدثنا خلف بن هشام،
عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر أن
النبي - ◌َات - قال: من أحيى أرضا ميتةٍ فهي له، وما أكلت العافية(420) فهو له
صدقة.(421)
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبد
الله بن عمرو بن محمد(422) العثماني بالمدينة، قال حدثني أبي، قال حدثنا
عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري، عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة،
عن هشام بن عروة، عن عبيد الله بن أبي رافع الأنصاري، أنه أخبره عن جابر
ابن عبد الله أن رسول الله - مَ افل - قال: من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما
أكلت العافية منها فهو له صدقة.
419) انظر سنن أبي داود 2 / 158.
420) العافية : كل طالب رزق - آدميا أو غيره، ويأتي شرحه للمؤلف.
421) أخرجه أحمد والنسائي وعبد الرزاق، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 6 / 39.
422) بن محمد بن عمر: أ، بن عمرو بن محمد: وي - ولم أقف على الوجه الصحيح فيه.
~ 281 -

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة،
عن أبي رافع، عن جابر، قال: قال رسول الله - جميع -: من أحيا أرضا ميتة فله
فيها أجر، وما أكلت العافية كان له فيها صدقة.
قال أبو عمر :
ليس في حديث جابر هذا فهي له وإنما فيه فله فيها أجر، وهما عندي
حديثان عند هشام، أحدهما عن أبيه، والآخر عن عبيد الله بن أبي رافع،
ولفظهما مختلف، فهما حديثان والله أعلم.
وأما لفظ حديث سعيد بن زيد، فعلى لفظ حديث مالك، وهو لهشام،
عن أبيه. وقد روى هذا الخبر يحيى بن عروة، عن أبيه - مثله عن رجل - لم
يسمه من الصحابة، فصار الحديث مسندا من هذه الرواية أيضا وفيه زيادة هي
تفسير لمعنى الحديث - إن شاء الله.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى
ابن عروة بن الزبير، عن أبيه - أن رسول الله - عمان - قال: من أحيا أرضا ميتة
فهي له، وليس لعرق ظالم حق.(423)
- قال عروة : ولقد حدثني الذي حدثني هذا الحديث - أن رجلين اختصا
إلى رسول الله - منطقة - غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب
الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال : فلقد رأيتها وإنها
لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها.
423) انظر سنن أبي داود 2 / 159.
- 282-

قال أبو داود : وحدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، قال حدثنا وهب بن
جرير، عن أبيه، عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه، إلا أنه قال فكان الذي حدثني
هذا الحديث، فقال الرجل من أصحاب النبي - ◌َ - وأكثر ظني أنه أبو سعيد
الخدري، فأنا رأيت الرجل يضرب في أصول النخل.
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا أحمد بن عبدة الآملي، قال حدثنا عبد الله بن عثمان، قال
حدثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن
عروة، قال: أشهد أن رسول الله - مصطفى - قضى أن الأرض أرض الله، والعباد
عباد الله، ومن أحيا مواتا فهو أحق به، جاءنا بهذا عن النبي - 24َ - الذين
جاءوا بالصلوات عنه.(424)
وأخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال أخبرنا مسلمة بن قاسم، حدثنا جعفر
ابن محمد بن الحسن بن سعيد الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو
داود الطيالسي، قال حدثنا زمعة بن صالح، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،
قالت: قال رسول الله - ◌َ -: العباد عباد الله والبلاد بلاد الله، فمن أحيا
من موات الأرض شيئا فهو له، وليس لعرق ظالم حق.(425)
قال أبو عمر :
هذا الاختلاف عن عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث
. عنه الإرسال كما روى مالك ومن تابعه، وهو أيضا صحيح مند - على ما
424) المصدر السابق 2 / 158 - 159.
425) أخرجه البيهقي، انظر فيض القدير 4 / 372 - 373.
- 283 -

أوردنا - والحمد لله، وهو حديث متلقى بالقبول عند فقهاء الأمصار وغيرهم .
وإن اختلفوا في بعض معانيه. وقد روي هذا الحديث بمثل لفظ حديث مالك
من حديث عمرو بن عوف عن النبي - جية ..
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحدثنا عبيد بن
محمد، قال حدثنا عبد الله بن مسرور، قال حدثنا عيسى بن مسكين، قال
حدثنا ابن سنجر، قالا حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا كثير بن عبد الله -
وهو ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله - حالة -
يقول : من أحيا مواتا من الأرض في غير حق مسلم فهو له، وليس لعرق ظالم
حق.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن ابراهيم بن الحداد، حدثنا بهلول
ابن إسحاق بن بهلول الأنباري - بالأنبار، قال حدثنا اسماعيل بن أبي أويس، قال
حدثنا كثير، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله - حائل - قال : من أحيا مواتا
من الأرضِ في غير حق مسلم فهو له، وليس لعرق ظالم حق.
وأما قوله : وليس لعرق ظالم حق، فقد فسره هشام بن عروة، ومالك بن
أنس بما لا أعلم فيه لغيرهما خلافا :
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن السرح، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني مالك، قال :
قال هشام : العرق الظالم : أن يغرس الرجل في أرض غيره(426) ليستحقها
بذلك. قال مالك : العرق الظالم كلما أخذ واحتفر وغرس في غير حق. (427)
12! كذا في النسختين : أو، وفي ي (يستحقها).
42) انظر سنن أبي داود 2 / 159.
- 284 -

قال أبو عمر :
لم يختلف فيما ذكره مالك من الأعيان المغصوبات، وكذلك عند مالك :
من غصب أرضا فزرعها أو اكتراها، أو غصب دارا فسكنها، أو أكراها ثم استحقها
ربها : أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء. واختلف قوله إذا
غصبها فلم يسكنها، ولم يزرع الأرض وعطلها، فالمشهور من مذهبه : أنه ليس
عليه فيما لم يسكن ولم يكر ولم يزرع شيء، وقد روي عنه أن عليه كراء ذلك
كله واختاره الوقار - وهو مذهب الشافعي، ومن حجته: قوله - مد ◌ّ -: ليس
لعرق ظالم حق.
وأما العروض والحيوان والثياب، فليس هذا الباب موضع ذكر شيء من
ذلك.
قال أبو عمر :
أجمع العلماء على أن ما عرف ملكا لمالك غير منقطع، أنه لا يجوز
إحياؤه وملكه لأحد غير أربابه، إلا أنهم اختلفوا في إحياء الأرض الموات بغير
أمر السلطان؛ فذهب الكوفيون إلى أنها إنما تحيى بأمر الإمام، وسواء عندهم في
ذلك ما قرب من العمران وما بعد، وهذا قول أبي حنيفة؛ وقال مالك : أما ما
كان قريبا من العمران - وإن لم يكن مملوكا فلا يجاز ولا يعمر إلا بإذن
الإمام؛ وأماما كان في فيافي الأرض فلك أن تحييه بغير إذن الإمام، قال :
والإحياء في ميت الأرض : شق الأنهار، وحفر الآبار، والبناء، وغرس الشجر،
والحرث، فما فعل من هذا كله، فهو إحياء له هذا قول مالك، وابن القاسم.
وقال أشهب : ولو نزل قوم أرضا من أرض البرية فجعلوا يرعون ما
حولها، فذلك إحياء وهم أحق بها من غيرهم ما أقاموا عليها.
قال ابن القاسم : ولا يعرف مالك التحجير إحياء، ولا ما قيل من حجر
أرضا وتركها ثلاث سنين، فإن أحياها، وإلا فهي لمن أحياها، لا يعرف ذلك
- 285 -

مالك. قال مالك : ومن أحيا أرضا ثم تركها حتى دثرت وطال الزمان وهلكت
الأشجار وتهدمت الآبار، وعادت كأول مرة ثم أحياها غيره، فهي لمحييها آخرا،
بخلاف ما ملك بخطة أو شراء.
وقال المزني عن الشافعي : بلاد المسلمين شيئان، عامر، وموات، فالعامر
لأهله، وكل(428) ما أصلح به العامرون من طريق، وفناء، ومسيل ماء، وغيره،
فهو كالعامر في أن لا يملك على أهله إلا بإذنهم.
والموات شيئان : موات قد كان عامرا لأهله معروفا في الإسلام، ثم
ذهبت عمارته فصار مواتا، فذلك كالعامر لأهله لا يملك إلا بإذنهم، والموات
الثاني ما لم يملكه أحد في الإسلام يعرف ولا عمارة ملك في الجاهلية إذا لم
يملك، فذلك الموات الذي قال رسول الله - ◌َ ◌ّم -: من أحيا أرضا ميتة فهي
له، ومن أحيا مواتا فهو له. قال: والإحياء ما عرفه الناس إحياء لمثل
المحيى(429) إن كان مسكنا فبان يبنى بناء مثله أو ما يقرب. قال : وأقل
عمارة الأرض : الزرع فيها، والبئر يحفر، ونحو ذلك، قال : ومن اقتطع أرضا
وتحجرها فلم يعمرها، رأيت للسلطان أن يقول له : إن أحييتها، والا خلينا
بينها وبين من يحييها، فإن تأجله رأيت أن يفعل.
قال أبو عمر :
من رأى التحجير إحياء، فحجته ما رواه شعبة وغيره من أصحاب قتادة،
عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول - جاف - قال: من أحاط حائطا على
أرض فهي له، والحسن عندهم لم يسمع من سمرة، وإنما هي فيما زعموا صحيحة،
إلا أنهم لم يختلفوا أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، لأنه وقف على
ذلك، فقال : سمعته من سمرة.
428) وكما : أ، وكل ما : وي - وهي أنسب.
429) لمثل المحيا: أي، بمثل الاحياء : و.
- 286 -

وقد روى الترمذي عن البخاري أن سماع الحسن من سمرة صحيح، وقد
ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر وابن عيينة عن ابن شهاب عن سالم عن ابن
عمر قال : كان الناس يتحجرون على عهد عمر في الأرض التي ليست لأحد،
فقال عمر : من أحيا أرضا فهي له.
وأما قوله في حديث جابر: وما أكلت العافية فهو له صدقة، فالعافية
والعوافي سباع الوحش والطير والدواب.
وأما قوله في حديث عروة، وأنها لنخل عم، فالعم : التامة الكاملة.
حديث رابع وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله - فاتح - كان
يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته
أهل. (430)
لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد
روي معناه مسندا من حديث ابن عمر وأنس من وجوه ثابتة :
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا محمد بن يحيى بن
عمر، قال حدثنا علي بن حرب الطائي، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابراهيم
ابن ميسرة ومحمد بن المنكدر سمعا أنس بن مالك يقول : صليت مع
النبي - مَ ◌ّ - بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين.
وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرنا عيسى بن ابراهيم عن ابن وهب، قال أخبرني يونس عن
430) الموطأ رواية يحيى ص 227 - حديث (736).
-. 287 -

ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول
الله - على - يركب راحلته بذي الحليفة ثم يصلي حين تستوي به قائمة.(431)
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال أخبرنا ابن
جريج عن محمد بن المنكدر، عن أنس، قال: صلى رسول الله - وَاجٍ - الظهر
بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى
أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به أهل.(432)
قال : وحدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا روح، قال حدثنا أشعث، عن
الحسن، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - سجق - صلى الظهر ثم ركب
راحلته، فلما علا جبل البيداء أهل.(433)
قال : وحدثنا ابن بشار، قال حدثنا وهب بن جرير، قال حدثنا أبي،
قال : سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد بن
أبي وقاص، قالت: قال سعد: كان رسول الله - خال - إذا أخذ طريق الفرع
أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على البيداء .
في حديث مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر، قال :
لم أر رسول الله - جلّ - يهل حتى انبعثت به راحلته.(434) وقد ذكرنا هذا
الخبر بتمامه وما فيه من المعاني في باب سعيد المقبري، وذكرنا الاختلاف في
موضع إهلاله - ◌َّم - وما جاء في ذلك في معنى الإهلال من جهة اللغة
والشريعة، ومهدنا كله في باب موسى بن عقبة، وغير ما باب من هذا الكتاب،
والحمد لله.
431) انظر السنن الصغرى للنسائي 5 / 163.
432) أخرجه أبو داود في سننه 1 / 411.
433) المصدر السابق.
434) نفس المصدر.
- 288

حديث خامس وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن رسول الله - جلّ - لم
يعتمر إلا ثلاثا، إحداهن في شوال، واثنتين في ذي القعدة.(435)
وهذا حديث مرسل أيضا عند جميع الرواة عن مالك، وقد روي مسندا
عن عائشة :
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا محمد بن بكر قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال حدثنا داود بن عبد
الرحمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - عطر - اعتمر.
عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. ورواه هكذا مندا عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة - يزيد بن سنان الزهاوي، ومسلم بن خالد الزنجي، وليس
هؤلاء ممن يذكر مع مالك في صحة النقل.
وحدثنا عمر بن حسين، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال : دخلت
أنا وعروة بن الزبير المسجد، وإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة، فسألناه :
كم اعتمر النبي - ◌َّ - ؟ فقال: أربعا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد
عليه، فقال عروة : يا أم المومنين، أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمان ؟
قالت: ما (436) يقول؟ قال: يقول اعتمر رسول الله - مَاللّ - أربع عمر،
435) الموطأ رواية يحيى ص 234 - تحديث (763).
(436) ما يقول : أي، وما يقول: و.
- 289 -
التمهيد ج٢٢

إحداهن في رجب، قالت : يرحم الله أبا عبد الرحمان، ما اعتمر رسول
الله - ◌ُرِّ - (غمرة)(437) إلا وهو شاهده، وما اعتمر فى رجب قط
قال أبو عمر :
روي عن جماعة من السلف، منهم : ابن عباس، وعائشة، وإليه ذهب ابن
عيينة، والزهري، وجماعة أن رسول الله - والله - اعتمر أربع عمر، ثلاث
مفترقات، وواحدة مع حجته، وهذا على مذهب من جعله قارنا أو متمتعا؛ وأما
من جعله مفردا في حجته، فهو ينفي أن تكون عمره إلا ثلاثا.
وقد ذكرنا الآثار في القرآن والتمتع والإفراد في باب ابن شهاب من هذا
الكتاب، وأما ابن شهاب وهو أعلم الناس بالسير عندهم، فكان يقول : إن رسول
الله - ◌َ ◌ّ - اعتمر ثلاثا : كلهن في ذي القعدة.
حدثنا عمر بن حسين، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا ابراهيم بن المنذر الخزامي، قال حدثنا محمد بن فليح، عن
موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: اعتمر رسول الله - ◌َ ◌ّ - ثلاث عمر،
اعتمر من الجحفة عام الحديبية، فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست،
واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة من سنة سبع آمنا هو وأصحابه، ثم اعتمر
الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة.
حدثنا ابراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى، قال حدثنا
محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال حدثنا محمد بن معمر،
قال حدثنا أشهل بن بكار، قال حدثنا وهيب، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم،
عن سعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وأبي الزبير، عن جابر أن النبي - عائلية -
437) كلمة (عمرة) زيادة من وي.
- 290 -

اعتمر ثلاث عمر كلها في ذي القعدة، إحداهن زمن الحديبية، والأخرى في
صلح قريش، والأخرى مرجعه من الطائف زمن حنين من الجعرانة.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يزيد بن هارون، عن زكرياء،(438)
عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: اعتمر رسول الله - ط ◌ّ - ثلاث عمر.
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد، قال
حدثنا مسدد، قال حدثنا الحجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - أن
النبي - عَّ - اعتمر ثلاث عمر في ذي القعدة كل ذلك يلبي حتى يستلم
الحجر.
قال أبو عمر :
قد ذكرنا في باب عبد الرحمان بن حرملة من هذا الكتاب ما العلماء من
المذاهب في العمرة ووجوبها، وهل يعتمر في السنة أكثر من مرة، فلا معنى
لذكر شيء من ذلك ههنا، وسيأتي زيادة في باب عمرة رسول الله - عز له - عند
ذكر بلاغات مالك إن شاء الله. وفي اعتمار رسول الله - عَ لزه - في شوال وذي
القعدة أوضح الدلائل على رد قول من كره العمرة في أشهر الحج، على أني لا
أعرف أحدا كره ذلك إلا من لا يعد خلافا فيه لشذوذه في ذلك، وقد شبه عليه
بقول عمر - رضي الله عنه - : افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج
أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج، وهذا إنما أراد به عمر ندب
438) زكرياء عن أبي إسحاق: أي، زكرياء بن أبي إسحاق: و- وهو تحريف، ويعني بزكرياء
ابن أبي زائدة، وبأبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله.
انظر ترجمة زكرياء في تهذيب التهذيب 3 / 329، وارجع إليه كذلك في ترجمة أبي
إسحاق السبيعي ج 8 / 63.
- 291 -

الناس إلى افراد الحج وكراهية التمتع، فإذا أفرد الإنسان الحج وأتم عليه خرج
من شهوره، وجازت له العمرة عند عمر وغيره؛ وقد بينا هذا المعنى في باب
عبد الرحمان بن حرملة، ولم يختلف العلماء في جواز العمرة في شهور الحج
في شوال وذى القعدة وذى الحجة لمن تمتع وإن لم يتمتع، وفي إجماعهم على
ما وصفنا دليل على أن معنى قول عمر عندهم ما ذكرنا، أو على أنهم تركوه
ونبذوه ولم يلتفتوا إليه؛ لأن رسول الله - عَليه - كانت عمره في شهور الحج،
وقد صح عن عمر أنه أذن لعمر بن أبي سلمة أن يعتمر في شوال، فصار ما
وصفنا إجماعا صحيحا والحمد لله.
وقال أهل العلم: إن عمر رسول الله - عَ ◌ّ - (في شوال وذي القعدة إنما
كانت ليقطع بذلك ما كان عليه المشركون من إنكار العمرة في شهور
الحج)(439) ولهذا ما فسخ أصحابه حجتهم بأمره في عمرة، ولهذا ما أعمرت
عائشة من التنعيم في ذي الحجة، كل ذلك دفع لما كان المشركون عليه من
كراهيتهم العمرة في أشهر الحج، ألا ترى إلى ما روى من قولهم : إذا دخل صفر
حلت العمرة لمن اعتمر، وقد ذكرنا هذا الخبر بتمامه في باب ابن شهاب
- والحمد لله.
حديث سادس وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أن رسول الله - زلاق -
قال : إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء.(440)
هذا الحديث غير حديث هشام، عن فاطمة، عن أسماء - المتقدم ذكره في
هذا الخبر، ولفظهما مختلف وإن كان المعنى متقاربا. وهكذا هذا الحديث في
439) ما بين القوسين زيادة من وي.
440) الموطأ رواية يحيى ص 674 - حديث (1716).
- 292 -

الموطأ مرسلا إلا عند معن بن عيسى، فإنه رواه مسندا في الموطأ عن مالك عن
هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ وزعم الجوهري أنه لم يسنده في الموطأ غير معن،
وقد أسنده عن مالك عبد الله بن وهب في غير الموطأ، وقد رواه جماعة من
أصحاب هشام، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مسندا - كما رواه ابن وهب عن
مالك: فأما رواية ابن وهب، فحدثنا عبد الرحمان بن يحيى، حدثنا علي بن
محمد، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا سحنون.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا سحنون وأبو الطاهر، قالا حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن
نافع، عن ابن عمر - أن رسول الله - ◌َ ◌ّةٍ - قال: الحمى من فيح جهنم،
فأطفئوها بالماء.
قال ابن وهب : وسمعت مالكا يحدث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، عن النبي - صَل ◌ّ - مثله. هكذا عطفه ابن وهب على حديث مالك، عن
نافع، عن ابن عمر، ولفظ حديث ابن عمر: فأطفئوها، ولفظ حديث هشام :
فأبردوها، وهذا يدلك على ما قدمنا ذكره (في هذا الكتاب)(441) أن جماعة من
العلماء يجيزون الحديث بالمعاني - وبالله التوفيق.
ومن رواية من أسنده عن هشام : ما حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى
المقري، قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة، قال حدثنا البغوي، قال
حدثنا علي بن الجعد، قال حدثنا زهير بن معاوية، وحدثنا أحمد بن قاسم بن
عبد الرحمان البزار، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا محمد بن يحيى
المروزي، قال حدثنا عاصم بن علي، قال حدثنا أبو خيثمة - يعني زهير بن
معاوية، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : قال رسول
الله - ◌َّ -: إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء.
441) جملة (في هذا الكتاب) ساقطة في أ. ثابتة في وي.
- 298 -

وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - صَ لّ - قال: إن الحمى من فيح
جهنم، فأبردوها بالماء.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد بن
اسماعيل، قال حدثنا أحمد بن الحسن الصباحي، قال حدثنا يعقوب بن ابراهيم
الدورقي، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمان الطفاوي، قال حدثنا هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - صَ لّ - قال: إن الحمى من فيح
جهنم، فأبردوها بالماء.
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في حديث هشام بن عروة، عن
فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر - من هذا الكتاب - والحمد لله
کثیرا.
حديث سابع وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله - ◌َالفحم - قال :
تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.(442)
لم يختلف عن مالك - فيما علمت - في إرسال هذا الحديث، وقد رواه
أنس بن عياض أبو ضمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا المعنى
يتصل أيضا من حديث نافع، وعبد الله(443) بن دينار، عن ابن عمر.
442) الموطأ رواية يحيى ص 217 - حديث (700) - والحديث أخرجه أحمد والبخاري ومسلم
والترمذي.
443) وعبد الله بن دينار: أ ي، وابن كثير: و - وهو تحريف.
انظر ترجمة عبد الله بن دينار العدوي - في تهذيب التهذيب 5 / 201.
- 294 -

ومن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن رجلا أتى النبي - صلّ -
فقال: إني رأيت ليلة القدر ليلة كذا وكذا، فقال رسول الله - تع الى -: أرى
رؤياكم قد تواطأت فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها. وعروة قد
أدرك ابن عمر.
وقد روي هذا المعنى أيضا من حديث الفلتان الجرمي، وأبي سعيد
الخدري، عن النبي - ◌َجّ - رواه الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد
الخدري، قال: قال رسول الله - صَ لّ -: يا أيها الناس، إني أبينت لي ليلة
القدر، فخرجت أحدثكم بها، فجاء رجلان يختصمان ومعهما الشيطان فنسيتها،
فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة، والتمسوها في
السابعة، والتمسوها في الخامسة. (444)
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر
ابن حماد، قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن سريع، عن الجريري، عن أبي
نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ◌َ ◌ّ - بمعناه مختصرا.
وحدثنا عبد الوارث، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حسين بن علي،
عن زائدة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الفلتان، أن رسول الله - صَلّ -
قال : من كان منكم ملتمسا ليلة القدر، فليلتمسها في العشر الأواخر.
قال أبو عمر :
الفلتان هذا هو الفلتان بن عاصم الجرمي - خال كليب (الجرمي)(445) وهو
راويته، وقد مضى القول في معنى هذا الحديث مبوطا منهبا في باب حميد
الطويل والحمد لله.
444) أخرجه أحمد ومسلم، انظر الفنح الكبير 3 / 382.
445) كليب - وهو أ. كليب الجرمي - بزيادة (الجرمي): وي.
~ 295 -

حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق الجوهري،
قال حدثنا محمد بن جعفر بن أعين، قال حدثنا علي بن (446) الجعد، قال حدثنا
المسعودي، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، أن النبي - مَلهم - قال : التمسوا
ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، قال : فقال رجل لمحارب بن دثار:
إن هذا الحديث ثبت، قال : وما يمنعه أن يكون ثبتا - وهو عن ابن عمر عن
النبي - ب) -
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن يحيى بن عمر، قال
حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي يعفور (447) عن مسلم
عن مسروق قال: سمعت عائشة تقول: كان النبي - ص ٣ - إذا دخلت العشر
الأواخر من رمضان شد المئزر وأحيا الليل وأيقظ أهله.
حديث ثامن وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : كان بالمدينة رجلان
أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد، فقال: أيهما جاء أول، عمل عمَلّه،
فجاء الذي يلحد، فلحد لرسول الله - صَ لٍ ... (448)
لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد رواه حماد بن سلمة،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
446) علي بن الجعد : أي، محمد بن الجعد : و- وهو تحريف.
انظر ترجمة علي بن الجعد في تهذيب التهذيب 7 / 289.
447) أبي يعفور: أي، أبي يعقوب: و- وهو تحريف.
انظر ترجمة أبي يعفور في تهذيب التهذيب 6 / 225.
448) الموطأ رواية يحيى ص 154 - حديث (546).
- 296 -

أخبرني أحمد بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا
علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام
ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما مات رسول الله - عَل لَّم - قالوا: أين
ندفنه ؟ قال أبو بكر : في المكان الذي مات فيه، قالت : وكان في المدينة
قباران أحدهما يلحد، والآخر يشق ويضرح، فبعثوا إليهما وقالوا : اللهم خر
الرسولك، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله - صَلّ - يقال:(449) إن الذي كان
يلحد أبو طلحة والذي كان يشق أبو عبيدة - فالله أعلم.
وفي هذا الحديث من المعاني أن اللحد - إن شاء الله - أفضل من الشق،
لأنه الذي اختاره الله لنبيه - ◌َ ◌ّ؛ وفيه دلالة على أن الشق واللحد مباح
ذلك كله؛ ومما يدل على فضل اللحد قوله - عليه -: اللحد لنا والشق لغيرنا.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال حدثنا حكام
ابن سلم الرازي، قال سمعت علي بن عبد الأعلى - يذكر عن أبيه، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - بائع - اللحد لنا والشق
لغيرنا.(450)
وذكره أبو داود عن اسحاق بن اسماعيل، عن حكام بن سلم بإسناده
مثله.(451)
:
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال
حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن جرير، عن
النبي - صَل ◌ّ - قال: اللحد لنا والشق لغيرنا.
449) يقال : أ، فقال : وي.
450) أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
451) انظر سنن أبي داود 2 / 190.
- 297 -

وقد روي من حديث عائشة، وابن عمر، وسعد، وجابر - أن النبي - مخ لل -
ألحد له لحدا وأنه قال : اللحد لنا والشق لغيرنا.
وروى عثمان بن زفر، قال سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه - أنه
قال: الذي ألحد قبر رسول الله - ولو - أبو طلحة الأنصاري، والذي ألقى
المنطقة تحته شقران مولاه، قال جعفر: وأخبرني ابن أبي رافع قال : سمعت
مشقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - عز لة - في القبر.
حديث تاسع وأربعون لهشام بن عروة
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أنه قال : سئل رسول
الله - ◌َّ - فقيل له : يا رسول الله، إن ناسا من أهل البادية يأتوننا
بلحمان ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا، فقال رسول
الله - صَلَّم -: سموا الله عليها ثم كلوا.(452)
لم يختلف عن مالك - فيما علمت - في إرسال هذا الحديث، وقد أسنده
جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن السكن، قال حدثنا
محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا محمد بن عبيد الله، قال
حدثنا أسامة بن حفص المدني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن قوما
قالوا للنبي - مَ ◌ّم -: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم
لا ؟ فقال : سموا الله ثم كلوا. قال: وكانوا حديثي العهد بالكفر، قال
البخاري : تابعه علي عن الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي.(453)
452) الموطأ رواية يحيى ص 326 - حديث (1048).
453) انظر صحيح البخاري 3 / 206.
- 298 -

قال أبو عمر :
روى هذا الحديث مرسلا - كما رواه مالك - جماعة، منهم : ابن عيينة،
ويحيى بن سعيد القطان، ورواه مندا - جماعة، منهم هؤلاء الذين ذكر
البخاري، وغيرهم.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، فالا حدثنا قاسم بن أصبغ
(قال حدثنا ابن وضاح)، (454) قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد
الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، أن
قوما قالوا : يا رسول الله، إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم
لا ؟ قال : سموا أنتم عليه وكلوا، وكانوا حديث عهد بالكفر.
وحدثنا محمد بن ابراهيم وابراهيم بن شاكر قالا حدثنا محمد بن أحمد
ابن يحيى، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال
حدثنا حوثرة بن محمد، قال حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة - فذكره.
في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سى الله
عليه أم لا، أنه لابأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى، والمومن لا يظن به
إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك
من تعمد ترك التسمية ونحوه، وقد قيل في معنى هذا الحديث أن
النبي - خّ - إنما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه : أولا
تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾.(455) وهذا قول ضعيف لا دليل على
صحته، ولا يعرف وجه ما قال قائله. وفي الحديث نفسه ما يرده، لأنه أمرهم
فيه بتسمية الله على الأكل، فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدل
٠
454) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في وي - والند يقتضي ذلك.
455) الآية : 121 ـ ـورة الأنعام.
- 299 -

أيضا على بطلان ذلك القول : أن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل باديتها
إليهم أشير بالذكر في ذلك الحديث. ولا يختلف العلماء أن قوله - عز وجل :
﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، نزل في سورة الأنعام بمكة،
وأن الأنعام مكية، فهذا يوضح لك أن الآية قد كانت نزلت عليه بخلاف ظن
من ظن ذلك - والله أعلم.
وقد أجمع العلماء على أن التسمية على الأكل إنما معناها التبرك لا
مدخل فيها للزكاة بوجه من الوجوه، لأن الميت لا تدركه ذكاة.
وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست
بواجبة بهذا الحديث، وقالوا: لو كانت التسمية واجبة فرضا على الذبيحة لما
أمرهم رسول الله - والله - بأكل لحم ذبحته الأعراب بالبادية، إذ ممكن أن
يسموا، وممكن أن لا يسموا الله لجهلهم؛ ولو كان الأصل ألا يؤكل من ذبائح المسلمين
إلا ما صحت التسمية عليه، لم يجز استباحة شيء من ذلك إلا بيقين من التسمية،
إذ الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، وإذ الشك والإمكان لا يستباح به المحرمات؛
قالوا : وأما قول الله - عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾،
فإنما خرج على تحريم الميتة، وتحريم ما ذبح للنصب وأهل به لغير
الله؛ وفي ذلك نزلت الآية حين خاصم(456) المشركون النبي - 12 - في ذلك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن غالب التمتام، قال حدثنا أمية بن بسطام العيشي؛(457) وأخبرنا عبد
الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عثمان .
ابن أبي شيبة، قال حدثنا عمران بن عيينة، قال حدثنا عطاء بن السائب، عن
456) خاصم به المشركون : أ، خاصم المشركون - بإسقاط (به): وي - ولعلها أنسب.
457) العيشي : أي، العبسي : و- وهو تحریف.
انظر ترجمة العيشي في تهذيب التهذيب 1 / 370.
- 300 -