Indexed OCR Text
Pages 201-220
وقال : الله أكبر، ودخل في الصلاة. وهذا الشعر أيضا للنميري المذكور في زينب أخت الحجاج التي له فيها الشعر الثاني أوله . ألا من لقلب معنى غزل يحب المحلة أخت المحل ك بين العشاء وبين الأصل تراءت لنا يوم فرع الآرا وريح الخزامى وذوب العسل كأن القرنفل والزنجبيل إذا ما صفا الكوكب المعتدل يعل به برد أنيابها وقد مضى في مواضع من هذا الكتاب في أمر استتار النساء والحجاب، وفضائل المدينة ما يغني عن تكريره في هذا الباب - والحمد لله. حديث خامس وعشرون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه - أنه قال : سئل أسامة بن زيد وأنا جالس : كيف كان رسول الله - ◌َّ - يسير في حجة الوداع حين دفع من عرفة ؟ فقال : كان يسير العنّق(239)، فإذا وجد فرجة(240) نص. قال هشام : والنص : فوق العنق (241). هكذا قال يحيى : فرجة، وتابعه جماعة، منهم : أبو المصعب، وابن بكير، وسعيد بن عفير؛ وقالت طائفة منهم ابن وهب، وابن القاسم، والقعنبي : فإذا وجد فجوة، والفجوة والفرجة سواء في اللغة، وليس في هذا الحديث أكثر من 239) الغنق : نوع من السیر فیه رفق. 240) الفرجة : متسع من الأرض. 241) الموطأ رواية يحيى ص 271 - حديث (888). ~ 201 - معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة، وهو شيء يجب الوقوف عليه وامتثاله على أئمة الحاج فمن دونهم، لأن في استعجال السير إلى مزدلفة استعجال الصلاة بها؛ ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء، وتلك (242). سنتهما، فيجب أن يكون ذلك على حسب ما فعله رسول الله - عز له -؛ فمن قصر عن ذلك أو زاد، فقد أساء إذا كان عالما بما جاء في ذلك. وأما حكم الجمع بين(243) الصلاتين في المزدلفة، فقد ذكرناها في باب ابن شهاب من هذا الکتاب والحمد لله. والعَنّقُ مثِّي معروف للدواب لا يجهل، وقد يستعمل مجازا في غير الدواب. قال الشاعر : يا جارتي يا طويلة العنق أخرجتني بالصدود - عن عنق والنص ههنا كالخَبَب، وهو فوق العنق وأرفع في الحركة، وأصل النص في اللغة الرفع، يقال منه : نصصت الدابة في سيرها. قال الشاعر : ألست التي كلفتها سير ليلة من أهل منى نصا إلى أهل يثرب وقال اللهبي : يارب بيداء وليل داج قطعته بالنص والإدلاج وقال آخر : فإن الوثيقة في نصه ونص الحديث إلى أهله أي ارفعه إلى أهله وانسبه إليهم. 242) وتلك : أ، وذلك : و. 243) ما بين القوسين زيادة من و. ~ 202- وقال أبو عبيد : النص : التحريك الذي يستخرج به من الدابة أقصى سيرها. وأنشد قول الراجز : تقطع الخرق بسير نص. وأما النص في الشريعة، فما استوى من خطاب القرآن وغيره ظاهره مع باطنه، وفهم مراده من ظاهره؛ ومنهم من قال: النص ما لا يصح أن يرد عليه التخصيص ويسلم من العلل، ولهم في حدوده كلام كثير ليس هذا موضع ذكره - وبالله التوفيق. حديث سادس وعشرون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، أن عبد الله بن الأرقم كان يؤم أصحابه فحضرت الصلاة يوما، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: سمعت رسول الله - الفيوم - يقول: إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة (244). قد ذكرنا عبد الله بن الأرقم في كتابنا في الصحابة بما يغني عن ذكره ههنا، ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه، واختلف فيه عن هشام بن عروة، فرواه مالك - كما ترى، وتابعه زهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، ومحمد بن إسحاق، وشجاع بن الوليد، وحماد بن زيد، ووكيع، وأبو معاوية، والمفضل بن فضالة، ومحمد بن كناسة، كلهم رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم - كما رواه مالك. ورواه 244) الموطأ رواية يحيى ص 111 - حديث (378) - والحديث رواه النسائي عن قتيبة بن سعيد عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 323. ~ 209 - وهيب بن خالد، وأنس بن عياض، وشعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، فأدخل هؤلاء بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلا. ذكر ذلك أبو داود ورواه أيوب بن موسى، عن هشام عن أبيه أنه سمعه من عبد الله بن الأرقم - فالله أعلم. ذكر(245) عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج، عن أيوب بن موسى عن هشام بن عروة، عن عروة، قال : خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري، فأقام الصلاة ثم قال، صلوا، وذهب لحاجته؛ فلما رجع قال: إن رسول الله - مُ ◌ّ - قال: إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط(246)، فهذا الاسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث متصلة، وابن جريج وأيوب بن موسى ثقتان حافظان. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد ابن سعيد الجمال، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن كناسة، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، عن النبي - صَ لّ - قال: إذا حضرت الرجل الصلاة وأزاء الخلاء، بدأ بالخلاء. وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله ابن الأرقم أنه كان يسافر، فكان يؤذن لأصحابه ويؤمهم، فثوب بالصلاة يوما فقال: ليؤمكم أحدكم، فإني سمعت رسول الله - عَ ◌ّ - يقول: إذا أراد أحدكم أن يأتي الخلاء وأقيمت الصلاة، فليبدأ بالخلاء(247). 245) ذکر : أ، وذکر : و. 246) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي. انظر الفتح الكبير 1 / 86. 247) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 1 / 269. - 204 - وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله أبن الأرقم، قال: قال رسول الله - ات} - فذكر نحوه. ورواه أبو الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن الأرقم، ذكره ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود. في هذا الحديث من الفقه أن لا يصلي أحد وهو حاقن، واختلف الفقهاء فيمن صلى وهو حاقن : فقال ابن القاسم عن مالك : إذا شغله ذلك فصلى كذلك، فإني أحب أن يعيد في الوقت وبعده، وقال الشافعي وأبو حنيفة وعبيد الله بن الحسن يكره أن يصلي وهو حاقن، وصلاته جائزة مع ذلك إن لم يترك شيئا من فرضها. وقال الثوري : إذا خاف أن يسبقه البول قدم رجلا وانصرف. وقال الطحاوي : لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم تستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول. قال أبو عمر : أحسن شيء روي مسندا في هذا الباب، حديث عبد الله بن الأرقم وحديث عائشة، فأما حديث عبد الله بن الأرقم فقد مضى، وأما حديث عائشة، فأحسن أسانيده ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى، ومسدد(248) المعنى (249)؛ قالوا : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن أبي حرزة قال حدثنا عبد الله بن محمد - يعني ابن أبي بكر أخو القاسم بن محمد، قال : كنا عند عائشة فجيء بطعامها، فقام القاسم يصلي، فقالت: سمعت رسول الله - عليه - 248) كذا في النسختين، والذي في سنن أبي داود : ومدد، ومحمد بن عيسى - ففيهما تقديم وتأخير .. 249) أي المعنى واحد. - 205- يقول : لا يصلي أحد بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان. (250) وهذا حدیث ثابت صحيح. وأما ما روي عن الزهري، عن أنس أن رسول الله - كريز - قال: لا يصلي أحدکم وهو يدافع الأخبثين : الغائط والبول - فلا أصل له في حديث مالك، وهو موضوع الاسناد. قال أبو عمر : قد أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها(257) حاقنا فأكمل صلاته؛ وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها(252) خرج من المعنى المخوف عليه، وأجزته صلاته لذلك. وقد روى يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي - عَز - أنه قال: لا يحل لمومن أن يصلي - وهو حاقن جدا - رواه ثور ابن يزيد الشامي عن يزيد بن شريح. ورواه حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، عن النبي - ◌َّ. ومثل هذا الخبر لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث، ولو صح، كان معناه أنه إذا كان حاقنا جدا لم يتهيأ له إكمال الصلاة على وجهها - والله أعلم. 250) انظر سنن أبي داود 1 / 20 - 21. 257) صلاها : أ، صلى : و. 252) حدودما خرج : أ، حدودها فقد خرج : و. - 206 - وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : من استطاع منكم فلا يصلي وهو موجع من خلاء أو بول. وهذا والله أعلم - يدل على الاستحباب. وروى عنه أيضا أنه قال : لا يدافعن أحدكم الخبث في الصلاة، ذكره ابن المبارك، أخبرنا عمران بن حدير، عن نصر بن عاصم، عن عمر بن الخطاب، والخبر الأول عن عمر ذكره أيضا ابن المبارك عن حيوة بن شريح، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الله بن رافع الحضرمي المصري، عن عمرو بن معدي كرب سمع عمر (يقول)(253). وذكر مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال : لا يصلين أحد کم وهو ضام بین ورکیه. وقرأت علی عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أُصبغ حدثهم، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا نعيم، قال حدثنا ابن المبارك، قال : أخبرنا هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لأن أصلي وهو في ناحية من ثوبي، أحب إلي من أن أصلي وأنا أدافعه. فهؤلاء كرهوا الصلاة للحاقن، وجاءت فيه رخصة عن إبراهيم النخعي وطاوس اليماني. (254) ذكر ابن المبارك عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله عن ابراهيم قال : لا بأس به مالم يعجلك، وعن سفيان عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس قال : انا لنصره ضرا وانا لنضغطه. قال أبو عمر : الذي نقول به أنه لا ينبغي لأحد أن يفعله، فإن فعل وسلمت له صلاته أجزأت عنه وبئسما صنع. وفي قوله في هذا الحديث وغيره : إذا أراد أحدكم الغائط - ما يدلك على هروب العرب من الفحش والقذع ودناءة القول وفسولته، 253) كلمة (يقول) : ساقطة في أ، ثابتة في و. 254) ذکر : أُ، وذکر : و. - 207 - ومجانبتهم للخنا كله، فلهذا قالوا: لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمخرج والكنيف والحش والمرحاض(255)، وكل ذلك كناية وفرار عن التصريح في ذلك. لهشام بن عروة حديث سابع وعشرون مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أنه أخبره أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فقال لها رسول الله - ◌َ - قد حللت، فانكحي من شئت(256). قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب عبد ربه بن سعيد، فلا معنى لتكريره هاهنا، وأكثر رواة الموطأ ليس هذا الحديث عندهم بهذا الإسناد. وفقه هذا الحديث أن المتوفى عنها الحامل عدتها أن تضع ما في بطنها، خلاف قول من قال : عدتها آخر الأجلين، وقد بينا ذلك كله وأوضحنا القول فيه. والحجة، والحمد لله. ۔ ٠٠٠ 255) في و : زيادة (والمرفق). 256) الموطأ رواية يحيى ص 405 - حديث (1248). - 208 - حديث ثامن وعشرون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة . أنه رأى رسول الله - لتر - يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة، واضعا طرفيه على عاتقه(257). لم يختلف عن مالك في إسناد الحديث ولفظه، وكذلك رواه جماعة أصحاب هشام، كما رواه مالك بإسناده. وقد روى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة - أنه أبصر رسول الله - ◌َّ - يصلي في بيت أم سلمة ملتحفا في ثوب. ذكره ابن أبي فديك عن ابن أبي الزناد، وهذا - عندي - والله أعلم خطأ، والقول قول مالك - وكذلك رواه الناس عن هشام، كما رواه مالك، ورواية هشام أولى من رواية ابن أبي الزناد عندهم، وابن أبي الزناد (عبد الرحمان)(258) ضعيف لا يحتج به وبما خولف فيه أو انفرد به، ولو انفرد بروايته هذه، لكان الحديث مرسلا، لأن عروة لم يدرك عبد الله بن أبي أمية أخا أم سلمة، لأنه استشهد يوم الطائف، شهد مع رسول الله - عز له - المشهد، ورمي بسهم يومئذ فمات منه بعد ذلك. 257) الموطأ رواية يحيى ص 100 - حديث (314) - والحديث رواه النسائي عن قتيبة عن مالك . به، انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 287. 258) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في و، وانظر ترجمة عبد الرحمان هذا في تهذيب التهذيب 6 / 170 - 173. - 209 - وقال الأخفش : الاشتمال أن يلتف الرجل بردائه وبكسائه من رأسه إلى قدميه، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأير، فهذا هو الاشتمال. قال : وقد حدثنا عبيد الله بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال: رأيت رسول الله - الز - يصلي في ثوب واحد قد (259) خالف بين طرفيه(260)، قال: وهذا هو التوشح وهو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه الأيمن، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر، قال : فهذا (هو) (261) التوشح الذي جاء عن رسول الله - مَ ائز - أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به. وقد مضى القول في معنى هذا الحديث مستوعبا ممهدا في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا الكتاب. حديث تاسع وعشرون لهشام بن عروة مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران(262) مولى عثمان بن عفان، أن عثمان بن عفان جلس على المقاعد، فجاء المؤذن، فآذنه بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم قال : والله لأحدثنكم حديثا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال : سمعت رسول الله - رة - يقول : ما من امرئ يتوضأ فيحسن 259) قد : أ، وقد : و. 260) حديث متفق عليه. 261) كلمة (هو) ساقطة في أ، ثابتة في و - والمعنى يقتضيها. 262) حمران - بضم الحاء ويكون الميم - ابن أبان. . - 210 - وضوءه ثم يصلي الصلاة الا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها(263). قال مالك : أراه يريد هذه الآية : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين﴾(264). وحمران مولى عثمان هو حمران بن أعين بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن كعب بن سعد بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط، وهو ابن عم صهيب بن سنان، يلتقي هو وصهيب في خالد بن عبد(265) عمرو، وكان حمران من سبي عين التمر، وهو أول شبي دخل المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، سباه خالد بن الوليد، فرآه غلاما أحمر مختونا كيسا، فتوجه به إلى عثمان - رضي الله عنه - فأعتقه، ودار حمران بالبصرة مشرفة على رحبة المسجد الجامع، وكان عثمان أقطعه إياها وأقطعه أيضا أرضا على فراسخ من الأيلة فيما يلي البحر. ذكر ذلك أهل السير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حمران أحد العلماء الجلة(266) أهل الوداعة(267) والرأي والشرف بولائه ونسبه، وهو أحد الشاهدين على الوليد بن عقبة بشرب الخمر، فجلده بشهادته علي، جعل ذلك إليه عثمان، وتولى ضرب الوليد بيده عبد الله بن جعفر بأمر علي له بذلك، وكان جلده له أربعين جلدة. وهكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ وغيره، وليس فيه صفة الوضوء ثلاثا ولا اثنتين، وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة بإسناده عن 263) الموطأ رواية يحيى ص 30 - حديث (58) - والحديث أخرجه ملم من رواية اسماعيل وسفيان بن عيينة عن هشام. انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 67. 264) الآية : 114 - سورة هود. 265) كلمة (عبد) ساقطة في أ، ثابتة في و. 266) الجلة : أ، الأجلة : و. 267) الوداعة : أ، الوجاهة : و. -211- عروة، عن حمران ، عن عثمان، فذكروا فيه صفة الوضوء المضمضة، والاستنشاق، وغل الوجه، واليدين - ثلاثا، ثلاثا، واختلفوا في ألفاظه، منهم : شعبة، وأبو أسامة، وابن عيينة، وجماعة، ورواه عن عروة جماعة أيضا، منهم : أبو الزناد، وأبو الأسود، وعبد الله بن أبي بكر، وفي حديثهم أن النبي - صَلَامٍ - توضأ ثلاثا، ثلاثا. ٠٠") حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران، قال : توضأ عثمان بن عفان على المقاعد ثلاثا، ثلاثاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله - فلفل - يتوضأ، ثم قال: سمعت رسول الله - خبز - يقول: ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء ثم يصلي إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها (268). ففي هذا الحديث - والحمد لله - أن الصلاة تكفر الذنوب، وهو تأويل قول الله - عز وجل: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، على حسبما نزع به مالك - رحمه الله -؛ والقول في هذا - عندي - كالقول في حديثه - حَ لّ -: الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، فسبحان المتفضل المنعم المحسن هو الله وحده لا شريك له. وقد روى هذا الحديث - أعني حديث الوضوء عن حمران - جماعة كثيرة من الجلة ومن دونهم، منهم : عروة، وعطاء بن يزيد الليثي، وجامع بن شداد أبو صخرة، ومعبد الجهني، وشقيق(269) بن سلمة أبو وائل وأبو سلمة بن عبد الرحمان، ومشلم بن يسار، ومحمد بن كعب القرظي، وموسى بن طلحة، وزيد 268) انظر مسند الحميدي 1 / 21 - حديث (35). 269) شقيق: أ، سفيان: و - وهو تحريف. انظر ترجمة شقيق في تهذيب التهذيب 4 / 361 - .362 -212- .. ابن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ومجاهد بن جبير، ومعاذ بن عبد الرحمان، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، كلهم عن حمران، عن عثمان، عن النبي - عَ لَّم -، إلا أن ألفاظهم عن حمران مختلفة، ولكنها متقاربة المعنى. وأما قوله : لولا أن في كتاب الله، فاختلف في هذه اللفظة، فطائفة روت : لولا أنه في كتاب الله بالنون وهاء الضمير، وطائفة روت : لولا آية في كتاب الله - بالياء وتاء التأنيث، وقد روي عن عروة أن الآية قوله: ﴿إِن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾(270) - الآية، وروى آخرون كما قال مالك : ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ - الآية، وعلى هذا المعنى ينبغي أن تكون الرواية : لولا أنه - بالنون وهاء الضمير - والله أعلم. وقول مالك أراه يريد هذه الآية يحتمل الوجهين جميعا أيضا. وأما قوله : على المقاعد، فقيل : هي الدكاكين كانت عند باب دار عثمان، كانوا يجلسون عليها فسميت المقاعد - والله أعلم. وقوله : آذنه بصلاة العصر، يريد أعلمه بحضورها، ومن هذا قول الحرث ابن حلزة : آذنتنا ببينها أسماء. حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا إسحاق ابن ابراهيم بن يونس، قال حدثنا أحمد بن سليمان بن نوفل المعمري، قال حدثنا مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك البكري، عن أبيه، عن جده، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، أن النبي - ؤهم - قال: لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أحسن إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم، ثم قرأ(271): ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاکرین﴾. 1 270) الآية : 59 - سورة البقرة. 271) قرأ : أ، تلا : و. - 213 - حديث موفي ثلاثين لهشام بن عروة عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، حديثان، ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عارم، قال حدثنا معتمر، عن أبيه، قال حدثنا بكر، قال أخبرني أبو رافع، قال : كنت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة، ذكرت(272) زينب بنت أبي سلمة(273). مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة - أنها قالت، جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله - صَلّّ - فقالت: يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال : نعم إذا رأت الماء (274). هكذا روى هذا الحديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عند جماعة رواة الموطأ الا القعنبي، فإنه أرسله عن مالك عن هشام عن أبيه. وأما ابن شهاب فرواه عن عروة، فمرة أرسله ومرة جعله عن عروة عن عائشة، وقد ذكرنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب. وفي هذا الحديث دليل واضح على أن النساء يحتلمن وينزلن الماء، وذلك عندي في الأغلب لا على العموم، وذلك بين في إنكار عائشة لقول أم سليم - والله أعلم، وقد يوجد في الرجال من لا يحتلم، فكيف في النساء، وقد 272) ذكرت : أ، فذكرت : و. 273) انظر ترجمة زينب هذه في تهذيب التهذيب 12 / 421 - 422. 274) الموطأ رواية يحيى ص : 45 - حديث (114) - والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وعن اسماعيل، كلاهما عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 1 / 106. - 214 - :- قيل إن عائشة إنما قالت(275) ذلك لصغر سنها وكونها مع زوجها، والاحتلام إنما يجده النساء عند عدم الأزواج إذا فقدوا وبعدوا عنهن، وقيل : إنه قد يكون في النساء من لا يحتلم (276)، فجائز أن تكون عائشة - رضي الله عنها - من أولئك، فالله أعلم؛ وكيف كان فإن عائشة لم تنكره إلا لأنها لم تعرفه، وقد جاء عن أم سلمة في ذلك نحو ما جاء عن عائشة فيه، وقد ذكرنا هذا المعنى وما جاء فيه وفي سائر معاني هذا الخبر ممهدا (مبسوطأ)(277) في باب ابن شهاب من كتابنا هذا - والحمد لله. حديث حاد وثلاثون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله - عَ فل - قال: إنما أنا بشر(278)، وانكم تختصمون، إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ (منه شيئا)(279)، فإنما أقطع له قطعة من النار (280). 275) قالت : أ، أنكرت : و. 276) يحتلم : أ، يحتلم كثيرا - بزيادة (كثيرا) : و. 277) كلمة (مبسوطأ) ساقطة في أ، ثابتة في و. 278) في وزيادة : (مثلکم). 279) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في و، وفي التجريد كذلك. 280) الموطأ رواية يحيى ص 509 - حديث (1397) - والحديث أخرجه البخاري عن القعنبي عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 3 / 386. - 215 - هذا حديث لم يختلف عن مالك في إسناده فيما علمت، ورواه كما رواه مالك سواء عن هشام بإسناده هذا جماعة من الأئمة الحفاظ، منهم: الثوري وابن عيينة والقطان وغيرهم. وقد رواه معمر عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عن النبي - عَ ◌ّ - بمثل حديث هشام سواء، وقد روى هذا المعنى عن النبي - ◌َ ◌ّ - أبو هريرة كما روته أم سلمة. وفي هذا الحديث من الفقه أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر من الضمائر وغيرها، لأنه قال - ◌َ ◌ّ - في هذا الحديث: إنما أنا بشر، أي إني من البشر، ولا أدري باطن ما تتحاكمون فيه عندي وتختصون فيه إلي، وإنما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولون وتدلون به من الحجاج، فإذا كان الأنبياء لا يعلمون ذلك، فغير جائز أن يصح دعوى ذلك لأحد غيرهم من كاهن أو منجم، وإنما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي. وفيه أن بعض الناس أدرى بموقع الحجة وتصرف القول من بعض. قال أبو عبيد : معنى قوله ألحن بحجته - يعني أفطن لها وأجدى بها. قال أبو عبيدة : اللحن بفتح الحاء : الفطنة واللحن بالجزم : الخطأ في القول. .! وفيه أن بعض الناس أدرى بموقع الحجة وتصرف القول من بعض، قال أبو بينات على حسبما أحكمته السنة في ذلك، وفي ذلك رد وإبطال للحكم بالهوى، قال الله عز وجل: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ (281) - الآية. وقد احتج بعض أصحابنا بهذا الحديث في رد حكم القاضي بعلمه، لقوله : فأقضي له على نحو ما أسمع منه، ولم يقل على نحو ما علمت منه؛ قال : وإنما تعبدنا بالبينة والإقرار، وهو المسموع الذي قال فيه رسول الله - ◌َطّ -: إنما أقضي على نحو ما أسمع، قال: والعلة في القضاء بالبينة دون 281) الآية : 30 - سورة البقرة. ~ 216- العلم التهمة، لأنه يدعي ما لا يعلم إلا من جهته، وقد أجمعوا أن القاضي لو قتل أخاه لعلمه بأنه قتل من لم يجب قتله من المسلمين لم يرثه، وهذا لموضع التهمة: وأجمعوا على أنه لا يقضي بعلمه في الحدود. قال أبو عمر : من أفضل ما يحتج به في أن القاضي لا يقضي بعلمه، حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - صَ لّ - بعث أبا جهم على صدقة، فلاجه رجل في فريضة فوقع بينهم شجاج، فأتوا النبي - مَّم - وخبروه، فأعطاهم الأرش؛ ثم قال(282) : إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم، أرضيتم ؟ قالوا: نعم، فصعد رسول الله - عَ لَّه - (المنبر)(283) فخطب(284)، وذكر القصة وقال: أرضيتم ؟ قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون، فنزل النبي ◌َ ◌ّ فأعطاهم، ثم صعد فخطب فقال(285): أرضيتم ؟ فقالوا (286): نعم. وهذا بين لأنه لم يؤاخذهم بعلمه فيهم، ولا قضى بذلك عليهم وقد علم رضاهم. ومن حجة من ذهب إلى أن القاضي له أن يقضي بما علمه: لأن (287) البينة إنما تعلمه بما ليس عنده ليعلمه فيقضي به، وقد تكون كاذبة وواهمة وعلمه بالشيء أوكد،، وقد أجمعوا على أن له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه، فكذلك ما علم صحته، وأجمعوا أيضا على أنه إذا علم أن ما شهد به الشهود على غير ما شهدوا به، أنه ينفذ علمه في ذلك دون شهادتهم ولا يقضي. 282)، ثم قال : أ، وقال : و. 283) كلمة (المنبر) ساقطة في أ، ثابتة في و. 284) فخطب : أ، وخطب : و. 285) فقال : أ، ثم قال : و. 286) فقالوا : أ، قالوا : و. 287) كذا في النسختين، ولعل الأنب : (أن). - 217 - واحتج بعضهم بأمر رسول الله - سلطة - سودة زوجه أن تحتجب من ابن وليدة زمعة، لما علمه ورأه من شبهه بعتبة؛ وقالوا : إنما يقضي بما يسمع فيما طريقه السمع من الاقرار أو البينة، وفيما طريقه علمه(288) قضى بعلمه، ولهم في هذا الباب منازعات أكثرها تشغيب، والسلف من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه على حسب اختلاف فقهاء الأمصار في ذلك: ومما احتج به من ذهب إلى أن القاضي يقضي بعلمه مع ما قدمنا ذكره : ما رويناه من طرق عن عروة، عن مجاهد جميعا - بمعنى واحد - أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا من مكة؛ فقال عمر : إني لأعلم الناس بذلك، وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان؛ فإذا قدمت مكة، فائتني بأبي سفيان، فلما قدم مكة، أتاه المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض إلى موضع كذا، فنهض ونظر عمر فقال : يا أبا سفيان، خذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا، فقال : والله لا أفعل، فقال : والله لتفعلن؛ فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة وقال: خذه - لا أم لك - وضعه ههنا، فإنك ما علمت قديم الظلم؛ فأخذ الحجر أبو سفيان ووضعه حيث قال عمر؛ ثم ان عمر استقبل القبلة فقال : اللهم لك الحمد، إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته لي بالإسلام؛ قال : فاستقبل أبو سفيان القبلة وقال: اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر. ففي هذا الخبر قضى عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته، وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد، والشافعي، وأبو ثور - سواء عندهم علمه قبل أن يلي القضاء، أو بعد ذلك، في مصره كان أو في غير مصره، له أن يقضي في ذلك 288) علمه : أ، العلم : و. - 218 - كله عندهم بعلمه؛ لأن يقينه في ذلك أكثر من شهادة الشهود الذين لا يقطع على غيب ما شهدوا به، كما يقطع على صحة ما علموا. وقال أبو حنيفة : ما علمه قبل أن يلي القضاء أو رآه في غير مصره، لم يقض فيه بعلمه؛ وما علمه بعد أن (289) استقضى أو رآه بمصره، قضى في ذلك بعلمه، ولم يحتج في ذلك إلى غيره؛ واتفق أبو حنيفة وأصحابه - أنه لا يقضي القاضي بعلمه في شيء من الحدود لا فيما علمه قبل ولا بعد، ولا فيما رآه بمصره ولا بغير مصره. وقال الشافعي، وأبو ثور : حقوق الناس وحقوق الله سواء في ذلك، والحدود وغيرها سواء في ذلك؛ وجائز أن يقضي القاضي في ذلك كله بما علمه. وقال مالك وأصحابه : لا يقضي القاضي في شيء من ذلك كله بما علمه، حدا كان أو غير حد، لا قبل ولايته ولا بعدها؛ ولا يقضي إلا بالبينات والاقرار، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وهو قول شريح والشعبي. وفي قوله - عليه السلام - : فأقضي له على نحو ما أسمع منه - دليل على ابطال القضاء بالظن والاستحسان، وإيجاب القضاء بالظاهر؛ ألا ترى أن رسول الله - صَ لّم - قضى في المتلاعنين بظاهر أمرهما وما ادعاه كل واحد منهما ونفاه، فأحلفهما بأيمان اللعان ولم يلتفت إلى غير ذلك؛ بل قال : إن جاءت به على كذا وكذا فهو للزوج، وان جاءت به على نعت كذا وكذا، فهو للذي رميت به؛ فجاءت به على النعت المكروه، فلم يلتفت رسول الله - صَ لّه - إلى ذلك، بل أمضى حكم الله فيهما بعد أن سمع منهما، ولم يعرج على الممكن، ولا أوجب بالشبهة حكما، فهذا معنى قوله - عبد الله -: إنما أقضي على نحو ما أسمع. 289) أن : أ، ما : و. - 219 - وأما قوله - عليه السلام -: فمن قضيت له بشيءمن حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به لا يحل في الباطن حراما قد علمه الذي قضى له به، وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يحل لهم ما حرم الله عليهم؛ مثال ذلك رجل ادعى على رجل بدعوى وأقام عليه بينة زور كاذبة، فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده، وألزم المدعى عليه ما شهدوا به، فإنه لا يحل ذلك للمدعي إذا علم أنه لا شيء له عنده، وأن بينته كاذبة : إما من جهة تعمد الكذب، أو من جهة الغلط. ومما احتج به الشافعي وغيره لقضاء القاضي بعلمه : حديث عبادة وأن تقوم بالحق حيث ما كنا لا تخاف في الله لومة لائم(290). وقوله: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾(291) وحديث عائشة في قصة هند بنت أبي سفيان قوله : خذي ما يكفيك وولدك(292). وكذلك لو ثبت على رجل لرجل حق بإقرار أو بينة فادعى دفعه إليه والبراءة منه وهو صادق في دعواه، ولم يكن له بينة وجحده المدعي الدفع إليه، وحلف له عليه وقبض منه ذلك الحق مرة أخرى بقضاء قاض، فإن ذلك ممن قطع له أيضا قطعة من النار، ولا يحل له قضاء القاضي بالظاهر ما حرم الله عليه في الباطن، ومثل هذا كثير. قال الله عز وجل : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾(293) وهذه الآية في معنى هذا الحديث سواء. 290) رواه مالك في الموطأ، وأحمد في المسند، والنسائي، وابن ماجه في سننيهما. 291) الآية : 135 - سورة النساء. 292) أخرجه البخاري والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. 293) الآية : 188 - سورة البقرة. - 220 -