Indexed OCR Text

Pages 261-280

قال أبو عمر :
في رواية ابن وهب عن مالك في هذا الحديث زيادة ليست لغيره من
الرواة عن مالك، وذلك أنه زاد في هذا الحديث ذكر الرجلين فقال : (50) إذا
غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتهما رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر
الماء؛ وهكذا قال : مشتهما - فثنى أيضا ولم يقل في شيء من الحديث أو نحو
هذا؛ وسائر الرواة قالوا في هذا الحديث كما قال يحيى.
وأما قوله : العبد المسلم أو المومن - فهو شك من المحدث - من كان
مالك أو غيره.
وقوله : مع الماء أو مع آخر قطر الماء - شك أيضا من المحدث، ولا
يجوز أن يكون ذلك شكا من النبي - مؤلف، (ولا يظن ذلك إلا جاهل
مجنون)؛(51)، ويحمل على الشك في مثل هذه الألفاظ التحري في الإتيان
بلفظ الحديث دون معناه، وهذا شيء قد اختلف فيه السلف؛ وقد ذكرنا ما جاء
عنهم في ذلك في كتاب العلم (52) - والحمد لله.
وفيه من الفقه تكفير الخطايا بالوضوء، وقد مضى القول في هذا المعنى -
ممهدا في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي.(53) - فلا
معنى لتكرير ذلك ههنا، ومعاني هذا الحديث كلها قد مضى القول فيها هناك
وبالله التوفيق.
(50) إذا : أ، فإذا : ق.
(51) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق.
(52) انظر ج 94/1 - 98.
(53) انظر التمهيد ج 44/4 - 57.
- 261 -

حديث سابع لسهيل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن
رسول الله - 2 - قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم
الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت
بينه وبين أخيه شحناء؛ فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا،(54)
أنظروا هذين حتى يصطلحا.
في هذا الحديث دليل على أن الجنة مخلوقة، وأن لها أبواباً، وقد جاء
في الآثار الصحاح أن لها(55) ثمانية أبواب.
وقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمان من هذا
الكتاب من طرق شتى، فلا وجه لإعادة ذلك ما هنا.
وفيه أن المغفرة لا تكون إلا للعبد المسلم الذي لا يشرك بالله شيئاً، قال
الله - عز وجل - : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء﴾.(56)
وفيه أن المهاجرة والعداوة والشحناء والبغضاء من الذنوب العظام،
والسيئات الجسام، وإن لم تكن في الكبائر مذكورة؛ ألا ترى أنه استثنى في
هذا الحديث غفرانها وخصها بذلك.
وقد بينا الوجه في الهجرة وما يجوز منها وما لا يجوز، وكيف المخرج
والتوبة منها في باب ابن شهاب عن أنس وغيره من هذا الكتاب.
(54) الموطأ رواية يحيى ص 653 - حديث (1643) والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي، انظر الزرقاني على الموطأ 266/4.
(55) أن لها : أ، أنها : ق.
(56) الآيتان: آية: 48 سورة النساء، وآية: 116 - من نفس السورة.
- 262 -

وفيه أن الذنوب إذا كانت بين العباد فوقعت بينهم فيها المغفرة والتجاوز
والعفو، سقطت المطالبة بها من قبل الله - عز وجل -، ألا ترى إلى قوله:
حتى يصطلحا، فإذا اصطلحا غفر لهما ذلك وغيره من صغائر ذنوبهما بأعمال
البر من الطهارة والصلاة والصيام والصدقة.
وفيه دليل على فضل يوم الاثنين والخميس على غيرهما من الأيام،
وكان رسول الله - في - يصومهما ويندب أمته إلى صيامهما، وكان يتحراهما
بالصيام؛ وأظن هذا الخبر إنما توجه إلى أمة وطائفة كانت تصومهما تأكيداً على
لزوم ذلك - والله أعلم؛ وولد رسول الله - ات3 - يوم الاثنين، ونیئ یوم
الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين - مخ لل.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر
ابن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا خالد بن عبد الله وأبو عوانة، قالا
حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله
- مَاف -: تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك
بالله شيئاً، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال : أنظروا هذين حتى
يصطلحا.
حدیث ثامن لسهیل
مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن
رسول الله - 24 - ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله - بشاة،
فحلبت فشرب حلابها؛ ثم أخرى فشر به، ثم أخرى فشر به حتى شرب
حلاب سبع شياه؛ ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله - ق -
-: 263 -

بشاة فحلبت، فشرب حلابها؛ ثم أمر بأخرى، فلم يستتمها؛ فقال
رسول الله - صَ ◌ّ - إن المومن (57) يشرب في معي واحد، والكافر
يشرب في سبعة أمعاء.(58)
هذا الحديث ظاهره العموم - والمراد به الخصوص، وهو خبر خرج على
رجل بعينه كافر ضاف رسول الله - بيع - فعرض له معه ما ذكر في هذا
الحديث، فأخبر رسول الله - مَّ عنه بأنه إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة
أمعاء؛ ولما أسلم، أكل في معي واحد؛ والمعنى في ذلك : أنه كان إذ كان
كافرا رجلا أكولا أجوف لا يقوم به شيء في أكله، فلما أسلم بورك له في
إسلامه؛ فنزع الله من جوفه ما كان فيه من الكلب والجوع وشدة القوة على
الأكل، فانصرفت حاله إلى سبع ما كان يأكل - إذ كان كافرا؛ فكأنه إذا كان
كافرا يأكل سبعة أمثال ما كان يأكل بعد ذلك إذا أسلم - والله أعلم.
وقد روي أن هذا الرجل الذي أضاف رسول الله - مخلل - وعرض له معه
ما ذكر في هذا الحديث هو: جهجاه بن سعيد الغفاري، وقد ذكرناه وذكرنا
خبره في كتاب الصحابة.(59) ومن طرق حديثه: ما حدثنا سعيد بن نصر، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قال حدثنا زيد بن الحباب، قال حدثنا موسى بن عبيدة، قال حدثنا عبيد
الله بن أبي عبد الله الأغر، عن عطاء بن يسار، عن جهجاه الغفاري أنه قدم في
نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله - صَ لّ - المغرب؛ فلما
سلم، قال : يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه؛ فلم يبق في المسجد غير رسول
(57) المسلم: أ، المومن: ق - وهو الرواية - وفي الموطأ (إن المؤمن) - بزيادة (إن).
(58) الموطأ رواية يحيى ص 661 - حديث (1673) - والحديث رواه مسلم والترمذي، انظر الزرقاني
على الموطأ 292/4.
(59) انظر الاستيعاب 268/1.
- 264 -

الله - ◌ُليٍّ وغيري، وكنت رجلا عظيما طوالا لا يقدم علي أحد: فذهب بي
رسول الله - رجّ - إلى منزله، فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي
سبعة أعنز - فأتيت عليها: ثم أتيت بصبيغ برمته. فأتيت عليها: فقالت أم أيمن :
أجاع الله من أجاع رسول الله - ◌َ ◌ّةٍ - هذه الليلة. فقال: مه يا أم أيمن، أكل
رزقه - ورزقنا على الله؛ فأصبحوا قعودا، فاجتمع هو وأصحابه - فجعل الرجل
يخبر بما أتى عليه؛ فقال جهجاه : حلبت لي سبعة أعنز، فأتيت عليها؛ وصبيغ
برمته، فأتيت عليها؛ فصلوا مع رسول الله - ◌َ ◌ّ - المغرب، فقال: ليأخذ كل
رجل منكم جليسه. فلم يبق في المسجد غير رسول الله - خيّ وغيري، وكنت
رجلا عظيما طويلا لا يقدم علي أحد، فذهب بي رسول الله - مع - إلى
منزله، فحلبت لي عنز فترويت وشبعت؛ فقالت أم أيمن : يا رسول الله، أليس
هذا ضيفنا؟ قال: بلى. فقال رسول الله - عَزّة - إنه أكل في معي مومن
الليلة، وأكل قبل ذلك في معي كافر؛ والكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمومن
يأكل في معي واحد.
قال أبو عمر :
يحتمل أن(60) الإشارة بالألف (واللام(67) في الكافر والمومن في هذا
الحديث إلى ذلك الرجل بعينه، وإنما يحملنا على هذا التأويل، لأن المعاينة -
وهي أصح علوم الحواس - تدفع أن يكون ذا(62) عموما في كل كافر ومومن؛
ومعروف(63) من كلام العرب الإتيان بلفظ العموم - والمراد به الخصوص، ألا
(60) أن الإشارة : أ، أن تكون الإشارة : ق.
(61) كلمة (واللام) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والمعنى يقتضيها.
"(62) ذا: أ، ذلك: ق.
(63) كلمة (ومعروف) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
،
- 265 -

ترى إلى قول الله - عز وجل -: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد
جمعوا لكم﴾.(64) - وهذه الإشارة في الناس إنما هي إلى رجل واحد أخبر
أصحاب محمد - الفلل - أن قريشا جمعت لهم؛ وجاء اللفظ - كما ترى - على
العموم. ومثله: ﴿تدمر كل شيء)؛(65) ﴿ ما تذر من شيء أتت
عليه﴾.(66) - ومثل هذا كثير لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وقد قيل إنه
في كل كافر، وإنه لموضع التسمية يقل أكله؛ وهذا تدفعه المشاهدة وعلم
الضرورة، فلا وجه له.
وأما قوله في هذا الإسناد : عبيد الله الأغر، فليس عبيد الله يعرف
بالأغِرِ، وإنما يعرف بالأغر أبوه - وهو عبيد الله بن سلمان الأغر، وهو عبيد الله
ابن أبي عبد الله الأغر، وأبو عبد الله الأغر اسمه سلمان - والله المستعان.
حديث تاسع لسهيل بن أبي صالح
مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أنه
قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤا به إلى رسول الله - خلّ-؛
فإذا أخذه رسول الله - لتر - قال: اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك
لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا؛ اللهم إن
إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك؛(67) وأنه دعاك
(64) الآية: 173 سورة آل عمران.
(65) الآية : 25 سورة الأحقاف.
(66) الآية : 42 سورة الذاريات.
(67) جملة (وإني عبدك ونبيك) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والرواية على إثبلتها.
- 266 -

لمكة، (وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه؛ ثم
يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر). (68)
وقد ذكر البخاري قال حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حسين بن الحسن،
عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - سجق - قال : اللهم بارك لنا
في شامنا ويمننا، قالوا وفي نجدنا؛ قال : اللهم بارك لنا في شامناً ويمننا،
قالوا : وفي نجدنا؛ قال : هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان. (69)
في هذا الحديث اختصاص الرئيس وانتخابه بأول ما يطل من الفاكهة،
إما هدية وجلالة وتعظيما ومحبة، وإما تبركا بدعائه؛ والذي يغلب على أن
ذلك إنما كان من الصحابة رضوان الله عليهم - ليدعو لهم رسول الله - زل} -
بالبركة، وسياق هذا الحديث يدل على ذلك، والمعنيان جميعا محتملان.
وأما دعاء رسول الله - حائل - فمجاب لا محالة، وقد ظن قوم أن هذا
الحديث يدل على أن المدينة أفضل من مكة، لدعاء رسول الله - ميتغ لها بمثل
دعاء إبراهيم لمكة ومثله معه؛ وهذا يحتمل لموضع دعاء رسول الله - ◌َ } ،
وموضع التضعيف في ذلك؛ إلا أنه قد جاء في مكة آثار كثيرة تدل على فضلها.
وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في الأفضل منهما، وقد بينا الصحيح من
تلك عندنا في باب خبيب بن عبد الرحمان من كتابنا هذا.(70) وقد ثبت عن
النبي - ◌َ ◌ّ أنه قال: بني الإسلام على خمس، فذكر منها حج البيت الحرام؛
وجعل الإلحاد فيه من الكبائر، وجعله قبلة الأحياء والأموات، ورضي عن عباده
فحط أوزارهم بقصد القاصد له مرة من دهره؛ وقال - ◌َ ◌ّ وهو بالحزورة - :
(68) الموطأ رواية يحيى ص 639 - حديث (1594) - والحديث رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن
مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 219/4.
(69) انظر الجامع الصحيح 126/1.
(70) انظر التمهيد ج 287/2 - 288.
~ 267 -

والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني
منك ما خرجت. وقد مضى من هذا المعنى ما يكفي في باب خبيب، (71)
وباب زيد ابن رباح، وبالله التوفيق.
وفي قول رسول الله - صَ لّ - إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات
والأرض، وقوله : إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس؛ - دليل على فضلها على
سائر ما حرمه الناس، وأن دعاء إبراهيم لمكة كان كما قال - عز وجل - عنه :
﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات﴾.(72) - الآية. ولو
كان الدعاء بالبركة في صاع المدينة ومدها يدل على فضلها على مكة، لكان
كذلك دعاء رسول الله - جل - بالبركة في الشام واليمن تفضيلا منه لهما على
مكة - وهذا لا يقوله أحد؛ وأما دعاء إبراهيم - عليه السلام - فهو معنى قول الله
- عز وجل -: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله
من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾.
ذكر الفرياني : حدثنا قيس بن الربيع، عن خصيف، عن سعيد بن جبير
ومجاهد في قوله: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم﴾. قالا :
سأل الرزق لمن آمن.
وحدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال
حدثنا إسحاق بن أبي حسان، قال حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا حاتم بن
إسماعيل، قال حدثنا حميد، عن عمار(73) الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس - في قوله : ﴿اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات). قال
كان إبراهيم يحجرها على المومنين دون الناس ومن كفر أيضا، فإني أرزقه كما
(71) المرجع السابق.
(72) الآية : 126 سورة البقرة.
(73) عن عمار : ق، بن عمار: أ - وهو تحريف، انظر ترجمة عمار الدهني في تهذيب التهذيب 406/7 -
.407
- 268 -

أرزق المومنين؛ أأخلق خلقا لا أرزقهم ؟ «أمتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب
غليظ)).(74) قال ثم قرأ ابن عباس «كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما
كان عطاء ربك محظور!)).(75)
وفي هذا الحديث من الآداب وجميل الأخلاق : إعطاء الصغير من
الولدان، وإتحافه بالطرف؛ وذلك يدل على أنه أولى بذلك من الكبير، لقلة
صبره وفرحه بذلك؛ وفي رسول الله - صحيفة إسوة حسنة في كل حال.
حديث عاشر لسهيل بن أبي صالح
- مرسل، متصل من وجوه -
مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، أن رسول الله
- عَّقٍ قال : إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا؛ يرضى لكم
أن تعبدوه ولا تشروكوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا،
وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم؛ ويسخط لكم : قيل وقال، وإضاعة
المال، وكثرة السؤال.(76)
هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا لم يذكر أبا هريرة، وتابعه ابن
وهب من رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، والقعنبي، ومطرف، وابن نافع؛
وأسنده عن ابن وهب أحمد بن صالح، والربيع بن سليمان، ذكرا فيه أبا هريرة.
(74) غليظ : أ، أليم : ق.
(75) الآية : 20 سورة الإسراء.
(76) الموطأ رواية يحيى ص 701 - حديث (1817) - والحديث أخرجه مسلم، انظر الزرقاني على الموطأ
.411/4
- 269 -

وكذلك رواه ابن بكير، وأبو المصعب، ومصعب الزبيري، وعبد الله بن
يوسف التيمي، وسعيد بن عفير، وابن القاسم، ومعن بن عيسى، وأبو قرة موسى
ابن طارق، والأويسي، وابن عبد الحكم، والحنيني. وأكثر الرواة عن مالك، عن
سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - فلفل - مسندا.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم، ومحمد بن أحمد
ابن کامل، ومحمد بن أحمد بن المسور، قالوا : حدثنا بکر بن سهل، قال حدثنا
عبد الله بن يوسف، قال حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، أن رسول الله - فلفل - قال: إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم
ثلاثا؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا،
وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم؛ ويكره لكم - قيل وقال، وإضاعة المال،
وكثرة الؤال.
والحديث مسند محفوظ لمالك وغيره عن سهيل، عن أبيه، عن أبي
هريرة؛ كذلك روه حماد بن سلمة وغيره عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن النبي - عَلّ . - وليس لهذا الحديث في الموطأ غير هذا الإسناد، وعند
مالك فيه إسناد آخر - رواه عنه عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة؛ وأخشى أن يكون هذا الإسناد غير محفوظ، وأن يكون
خطأ؛ لأن ابن أبي رواد هذا قد روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها
خطأ : أنه روى عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري - أن رسول الله - صَلّ - قال: إنما الأعمال بالنيات - الحديث. وهذا
خطأ لا شك فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث، وإنما حديث الأعمال
بالنيات عند مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن
وقاص، عن عمر - ليس له غير هذا الإسناد، وكذلك رواه الناس عن يحيى بن
سعید.
- 270-

وأما حديث ابن أبي رواد في هذا الباب، فحدثناه أحمد بن عبد الله بن
محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن قاسم، قال حدثنا مالك بن عيسى،
قال حدثنا حاجب بن سليمان، قال حدثنا ابن أبي رواد، قال حدثنا مالك بن
أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله
- عَةٍ - : يحب الله لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا؛ يحب لكم أن تعبدوا الله ولا
تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تنصحوا ولاة
الأمر؛ ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال : وكثرة السؤال، وإضاعة المال.(77)
قال أبو عمر :
أما حديث سهيل فمحفوظ، ولعل حديث أبي الزناد أن يكون له أصل -
والله أعلم.
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا يحيى بن
أيوب بن بادي؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا مطرف بن عبد الرحمان، قالا حدثنا یحیی بن عبد الله بن بکیر؛ وحدثنا
خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، حدثنا يحيى بن أيوب،
وأحمد بن حماد، قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن مالك، عن سهيل
ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - مَنز - قال: إن الله
يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا : يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا،
وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم؛ ويسخط لكم :
قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
(77) أخرجه أحمد ومسلم، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 301/2 - 302.
~ 271 -

في هذا الحديث ضروب من العلم، منها : أن الله يحب من عباده
الإخلاص في عبادته في التوحيد وسائر الأعمال كلها التي يعبد بها، وفي
الإخلاص طرح الرياء كله، لأن الرياء شرك أو ضرب من الشرك.
قال أهل العلم بالتأويل : إن قول الله - عز وجل - : ﴿فمن كان يرجو
لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (7) - نزلت
في الرياء.
ويدخل في الإخلاص أيضا التوكل على الله، وأنه لا يضر ولا ينفع، ولا
يعطي ولا يمنع على الحقيقة غيره؛ لأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما
منع، لا شريك له.
وفيه الحض على الاعتصام والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف،
وحبل الله في هذا الموضع فيه قولان، أحدهما : كتاب الله، والآخر الجماعة .
ولا جماعة إلا - يإمام. وهو - عندي - معنى متداخل متقارب، لأن كتاب الله
يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ولا تكونوا
كالذين تفرقوا واختلفوا﴾(79) - الآية. وقال: ﴿واعتصموا بحبل الله
جميعا ولا تفرقوا﴾.(80)
وروى يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة - في قوله: ﴿واعتصموا
بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) الآية - قال : حبل الله الذي أمر أن يعتصم
به : القرآن. وقال قتادة : إن الله قد كره إليكم الفرقة، وقدم إليكم فيها
وحذركموها ونهاكم عنها؛ ورضي لكم(81) بالسمع والطاعة والألفة والجماعة،
فيارضوا لأنفسكم بما رضي الله لكم. فقد ذكر لنا أن نبي الله - مشروم - كان
(78) الآية : 110 سورة الكهف.
(79) الآية : 105 سورة آل عمران.
(80) الآية : 103 من نفس السورة.
(81) ورضى الله : أ، ورضي لكم - ولعلها أنسب.
- 272 -

يقول : من فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد حلع ربقة الإسلام من
عنقه.(82)
وروى معمر، عن قتادة في قوله : ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا) -
قال : بعهد الله وأمره. وروى ابن عيينة عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل،
عن عبد الله بن مسعود: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا) - قال: القرآن.
وابن عيينة أيضاً، عن إبراهيم الهجري، (83) عن أبي الأحوص، عن عبد الله،
قال: حبل الله هو القرآن. وقيس بن الربيع، عن منصور، عن أبي وائل، عن
ابن مسعود: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾، قال: حبل الله وصراط الله
المستقيم : كتاب الله.
وأبو معاوية، عن الهجري،(83) عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال
رسول الله - ◌َز - إن هذا القرآن هو حبل الله. فهذا قول، والقول الثاني:
روى بقي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا هشيم، عن العوام بن
حوشب، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود: ﴿واعتصموا بحبل الله
جميعا﴾ . - قال : حبل الله الجماعة.
قال بقي : وحدثنا عثمان ابن أبي شيبة، قال حدثنا محمد بن الحسن
الأسدي، عن هشيم، عن العوام بن حوشب، عن الشعبي، عن عبد الله - في
قوله: (واعتصموا بحبل الله جميعاً)) - الآية. قال: الحبل الذي أيد الله به
الجماعة. قال : وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين،
عن الشعبي، عن ثابت بن قطبة، قال : قال عبد الله بن مسعود في خطبته:
أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما
تكرهون في الجماعة، خير مما تحبون في الفرقة.
(82) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي ذر، انظر الفتح الكبير 204/3.
(83) الهجري: ق، السجزى: أ - وهو تحريف، انظر ترجمة الهجري هذا في تهذيب التهذيب 164/1.
- 273 -

وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد
الرحمان بن سابط، عن عمرو بن ميمون، قال : قال عبد الله بن مسعود :
الجماعة القائل بالحق - وإن كان وحده.
وفيما أجاز لنا أبو ذر الهروي، قال حدثنا علي بن عمر بن محمد بن
سادان الشكري، قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال حدثنا عبيد الله بن
عمر، قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن ثابت بن
قطبة، قال خطبنا ابن مسعود خطبة لم يخطبنا قبلها ولا بعدها، فقال : أيها
الناس، اتقوا الله، وعليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما حبل الله الذي أمر به، وأن
ما تكرهون في الجماعة، خير مما تحبون في الفرقة؛ وأن الله - عز وجل - لم
يخلق شيئا من الدنيا، إلا جعل له نهاية فينتهي إليه؛ وأن الإسلام بدأ فثبت،
ويوشك أن ينقص ويزيد إلى يوم القيامة؛ وآية ذلك : : أن تقطعوا أرحامكم
وأن تفشو فيكم الفاقة حتى لا يخاف الغني إلا الفقر، وحتى لا يجد الفقير من
يعطف عليه؛ حتى يرى الرجل أخاه وابن عمه فقيرا لا يعطف عليه، وحتى
يقوم السائل يسأل فيما بين الجمعتين فلا يوضع في يده شيء؛ فبينما الناس
كذلك، إذ خارت الأرض خورة مثل خوار البقرة يحسب كل قوم إنما خارت
من ساحتهم ثم يكون رجوع، ثم تخور الثانية بأفلاذ كبدها؛ قيل : وما أفلاذ
كبدها ؟ قال : أمثال هذه السواري من الذهب والفضة، فمن يومئذ لا ينفع
الذهب والفضة إلى يوم القيامة، حتى لا يجد الرجل من يقبل منه ماله صدقة.
قال أبو عمر :
الظاهر في حديث سهيل هذا في قوله : ﴿ويرضى لكم أن تعتصموا
بحبل الله جميعا﴾ أنه أراد الجماعة - والله أعلم - وهو(84) أشبه بسياقة
الحدیث.
(84) وهو : أ، وهذا : ق.
- 274 -

وأما كتاب الله، فقد أمر الله - عز وجل - بالتمسك والاعتصام به في غير
ما آية وغير ما حديث، غير أن هذا الحديث المراد به - والله أعلم - الجماعة
على إمام يسمع له ويطاع، فيكون ولي من لا ولي له في النكاح، وتقديم
القضاة للعقد على الأيتام وسائر الأحكام، ويقيم الأعياد والجمعات، وتؤمن به
السبل، وينتصف به المظلوم، ويجاهد عن الأمة عدوها، ويقسم بينها فيها؛ لأن
الاختلاف والفرقة هلكة، والجماعة نجاة؛ قال ابن المبارك - رحمه الله - :
منه بعروته الوثقى لمن دانا
إن الجماعة حبل الله فاعتصوا
في ديننا رحمة منه ودنيانا
كم يرفع الله بالسلطان مظلمة
وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل
وروى شعبة عن عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن عبد
الرحمان بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، قال : سمعت رسول
الله - ◌َ ◌ّ - يقول في حديث - ذكره: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم:
إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من
ورائهم.
وهذا حديث ثابت في معنى حديث سهيل في هذا الباب وهو يفسره،
وقد رواه عن النبي - مَ ◌ّ - جماعة، منهم : جبير بن مطعم، وعبد الله بن
مسعود، وأنس بن مالك، وقد ذكرنا طرقه في كتاب العلم. (85)
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود، قال
حدثنا شعبة، عن عمر بن سليمان، قال سمعت عبد الرحمان بن أبان يحدث عن
أبيه قال : خرج زيد بن ثابت من عند مروان نصف النهار، قلت : ما بعث فيه
(85) انظر ج 213/1 - 239.
- 275 -

هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه؛ فسألته فقال : سألنا عن أشياء سمعناها من رسول
الله - صَلَّم -: سمعت رسول الله - صَ لّ - يقول: نضر الله أمرأ سمع منا حديثا
فبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه،(86)
ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر،
ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم؛ ومن كانت الدنيا نيته، فرق اللـه
عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له؛ ومن
كانت الآخرة نيته، جمع الله أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا - وهي
راغمة؛ وسألنا عن الصلاة الوسطى - وهي الظهر.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا محمد بن عمر، قال حدثنا محمد بن
إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال : سمعت
رسول الله - صَ لّ - يخطب بخيف منى فقال: نضر الله عبدا سمع مقالتي
فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه
إلى من هو أفقه منه؛ ثلاث لا يغل عليهن قلب مومن : إخلاص العلم لله،
ولزوم الجماعة، ومناصحة ولاة الأمر، فإن دعوة المسلمين من ورائهم
محيطة.(87)
ورواه عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق بإسناده مثله؛ ألا ترى أنه
د عٍَّ - دعا لمن حفظ مقالته هذه فوعاها ثم أداها تأكيدا منه في حفظها
وتبليغها، وهي قوله: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ولزوم
الجماعة، ومناصحة أولي الأمر.
(86) انظر سنن أبي داود 289/2.
(87) أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم، انظر الفتح الكبير 262/3 - 263.
- 276 -

فأما قوله :(88) ثلاث لا يغل عليهن قلب مومن، فمعناه لا يكون القلب
عليهن ومعهن غليلا أبدا - يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفاق(89) إذا أخلص
العمل لله ولزم الجماعة، وناصح أولي الأمر.
وأما قوله : فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، أو هي من ورائهم محيطة؛
فمعناه عند أهل العلم أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات
(88) ثبت في نسخة ق زيادة: (في تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري: وأما قوله - ◌َف -: ثلاث
يغْل عليهن قلب مؤمن فإني لا أعلم أني كتبته عن أحد يفصل بين معنى يغل ويغل ويغل في
ذلك، غير أني لأحفظه عن بعض محدثينا أنه حدثنا به فقال، ثلاث لا يغل عليهن. وعن بعضهم
أنه قال يغل، ولست أتقنه عن أحد منهم حفظا أنه قال يغل؛ والذي هو أولى الروايات بالصحة
- عندي في ذلك - رواية من رواه: ثلاث لا يغل عليهن بفتح الياء وكسر الغين - من قولهم:
في قلبي على فلان غل - يعني الضغن والحقد، فيكون معنى الخبر - إذا كان ذلك معناه: ثلاث
لا يحتجن قلب مومن عليهن سوءاً، ولكنه يخلص نيته فيهن، ويبالغ في أداء الواجب لله - عز
وجل - فيهن : إخلاص العمل لله، والطاعة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ! وأما رواية
الذي رواه يغل بفتح الياء وضم الغين، فإنها - إن كانت صحيحة، فلا وجه لدخول عليهن في
الكلام، بل الواجب كان أن تكون الرواية: ثلاث لا يغلهن قلب مومن؛ لأَن قول القائل فلان
يغل، إنما معناه: أنه يخون من المغنم أو من في المسلمين، أو صدقاتهم - كما قال - جل ثناؤه - في
كتابه : ﴿وما كان لنبيءٍ أَن يغل﴾ في قراءة من قرأ ذلك بفتح الياء وضم الغين - بمعنى يخون،
ولم يقل : وما كان لنيء أن يغل على المغنم؛ وفي ذلك دليل على أن رواية من روى الخبر الذي
ذكرنا عن رسول الله ◌َيفل أنه قال: ثلاث لا يغل عليهن - لامعنى لها، لوصل النبي ◌َّ قوله
لا يغل بقوله - عليهن. وأما من روى ذلك: لا يغل - بضم الياء وكسر الغين، فإنه وجه ذلك
أيضاً إلى الاغلال - وهي الخيانة من قول النمر بن تولب العكلي :
جزاء مغل بالأمانة كاذب
جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل
ومنه قول شريح: ليس على المستعير غير المغل - إذا لم يكن معلنا بالفسق والفساد، معروفا
بذلك - ضمان يعني غير الخائن؛ وقد يدخل على من وجه الخبر إلى هذا الوجه من الخلل - ما
وصفت أنه يدخل على من وجهه إلى أنه بمعنى يغل - وهي زيادة ربما يرفضها ما بعدها،
ونعتقد أنها كانت طرة فأدخلها الناسخ في الصلب.
(89) هذه إشارة من المؤلف إلى شرح معنى الحديث الذي أطال أبو جعفر الطبري في توجيهه وتقد
روایاته.
- 277 -

إمامهم - ولم يكن لهم إمام - فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام
وموضعه إماما لأنفسهم، اجتمعوا عليه ورضوه؛ فإن كل من خلفهم وأمامهم من
المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام - إذا لم يكن معلنا
بالفسق والفساد، معروفا بذلك؛(90) لأنها دعوة محيطة بهم، يجب إجابتها، ولا
يسع أحدا التخلف عنها، لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات
البين.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
إسماعيل الترمذي، وأحمد بن زهير - واللفظ للترمذي - قالا حدثنا الحميدي، قال
حدثنا سفيان، قال حدثنا عبد الملك بن عمير، عن مرة، عن عبد الرحمان بن
عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول الله - جلٍ - : نضر الله عبدا سمع
مقالتي - فذكر الحديث - وفيه ثلاث لا يغل عليهن قط مسلم، إخلاص العمل
لله، ومناصحة المسلمين ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.(97)
هكذا قال : ومناصحة المسلمين، وإنما المحفوظ في هذا الحديث خاصة
ومناصحة ولاة المسلمين، وإن كانت مناصحة المسلمين قد وردت في غير ما
حدیث.
حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن الحسين، قال حدثنا إبراهيم
ابن موسى الجوزي، قال حدثنا داود بن رشيد، قال حدثنا الوليد بن مسلم، عن
ثور بن يزيد، عن خالد بن معوان، عن عبد الرحمان بن عمرو السلمي، وحجر
الكلاعي، قالا : دخلنا على العرباض بن سارية - وهو الذي نزل فيه : ﴿ولا
على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾(92) .
(90) معلناً معروفاً بالفسق والفساد: أُ، معلنا بالفسق والفساد، معروفاً بذلك: ق ـ وهي أنسب.
(91) انظر مسند الحميدي 47/1 - حديث (88 - 89).
(92) الآية : 92 - سورة التوبة.
- 278 -

الآية، وهو مريض؛ فقلنا : إنا جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال
عرباض: إن رسول الله - عز - صلى صلاة الغداة، ثم أقبل علينا فوعظنا
بموعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛ فقال قائل : يا رسول
الله، إن هذه الموعظة مودع، فما تعهد إلينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله، والسمع
والطاعة - وإن كان عبدا حبشيا؛ فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا
كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ؛
وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.(93)
وروى الحرث الأشعري عن النبي - مَالٍ - أنه قال: آمركم بخمس أمرني
الله بهن : الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد - حدثناه قاسم بن
محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور، قال
حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا أبان، قال
حدثنا يحيى - يعني ابن أبي كثير - أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن
الحرث الأشعري حدثه أن رسول الله - عَ ◌ّم - قال: إن الله أمر يحيى بن
زكرياء بخمس كلمات يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل - أن يعملوا بهن، وأنه
كان يبطيء بهن؛(94) وأن عيسى بن مريم قال له إن الله أمرك بخمس كلمات
تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل - أن يعملوا بهن؛ فإما أن تأمرهم، وإما أن
نأمرهم؛ قال : يا أخي إنك إن تسبقني بهن، خشيت أن أعذب أو يخسف بي؛
فجمع الناس في بيت المقدس حتى امتلأ وقعد الناس على الشرف؛ فقال : إن
الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أن تعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئا، وإن(95) مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من
(93) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، انظر الفتح الكبير 464/1 - 465.
(94) بها : أ، بهن : ق - ولعلها أنسب.
(95) وإن : أ، فإن : ق.
- 279 -

خالص ماله بذهب أو ورق، فقال : هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأد إلي:
فجعل العبد يعمل ويؤدي إلى غير سيده؛ فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؛
وإن الله خلقكم ورزقكم، فلا تشركوا به شيئا؛ وآمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا
تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لعبده - ما لم يلتفت في صلاته؛ وإن الله أمركم
بالصيام، وإن مثل الصيام كمثل رجل معه صرة فيها مسك في عصابة كلهم
يعجبه أن يجد ريحها؛ وإن الصيام عند الله أطيب من ريح المسك؛ وأمركم
بالصدقة، وإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوه إلى عنقه، وقربوه
ليضربوا عنقه؛ فقال لهم : هل لكم أن أفدي نفسي منكم، فجعل يعطيهم القليل
والكثير حتى فدى نفسه منهم؛ وآمركم بذكر الله كثيرا، وإن مثل ذلك كرجل
أصابه العدو سراعا في إثره حتى أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه فيه،
وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله؛ فقال رسول الله
- مدافع -: وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة،
والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فمن فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة
الإسلام من رأسه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من حثاء جهنم؛
قال رجل: وإن صام وصلى ؟ قال : وإن صام وصلى، أدعو بدعوى الله الذي
ساکم المومنين عباد الله.(96)
قال أبو عمر :
كذا قال حثاء جهنم، وغيره يرويه : جثاء جنهم - بالجيم - وذلك كله
خطأ عند أهل العلم باللغة، وقد أنكره أبو عبيدة(97) وغيره. وقال أبو عبيد :
إنما هو من حثاء جهنم، وهو كما قال أبو عبيد.
(96) أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، والحاكم انظر الفتح الكبير
.326 - 325/1
(97) أبو عبيدة : أ، أبو عبيد: ق.
~ 280 -