Indexed OCR Text
Pages 101-120
قال أبو عمر : لم يختلف رواة الموطأ في إسناد هذا الحديث، وانفرد عبد الله بن محمد ابن ربيعة القدامي : عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - وَج٣ - قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء . - ولم يتابع عليه. وحديث الزهري محفوظ عند جماعة من أصحابه وإن اختلفوا في إسناده. وروى هذا الحديث ابن عيينة، وخارجة، والمسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - بمعنى حديث مالك، وقالوا كلهم في آخره : إنما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال. والمعنى الذي له خرج رسول الله - ◌َجو - إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم : أن رجلين منهم تشاجرا، كذا رواه أسد بن موسى عن المسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال : كان بين رجلين من الأنصار شيء، فانطلق إليهما رسول الله - في - ليصلح بينهما - فذكر(12) الحديث. وقال خارجة عن أبي حازم، عن سهل بن سعد : كان بين بني عمرو بن عوف - شيء بالمدينة، فاستبوا وتراموا بالحجارة؛ فبلغ ذلك رسول الله - على - فانطلق يصلح بينهم . - والصلاة التي شهدها رسول الله - تع عندهم: صلاة العصر، والمؤذن بلال. كذلك ذكر جمهور الرواة لهذا الحديث عن أبي حازم في الصلاة أنها العصر، والمؤذن أنه بلال : حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبد الله بن روح، قال حدثنا عثمان بن عمر؛ وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا يونس بن محمد، قالا (12) فذكر : أ، وذکر : ق. - 101 - حدثنا حماد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله - رائع أتى بني عمرو بن عوف في لحاء كان بينهم، فحضرت صلاة العصر، فقال بلال لأبي بكر أأقيم الصلاة فتصلي بالناس ؟ قال : نعم. فأقام بلال وتقدم أبو بكر، فجاء رسول الله - رفعٍ - يفرق الصفوف - وصفق القوم؛ وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت؛ فلما أكثروا التصفيق، التفت؛ فإذا هو برسول الله - ◌َ ةٍ يفرق الصفوف، فتأخر أبو بكر - وأومأ إليه أن مكانك، فتأخر - وتقدم النبي - وَ اتز - فصلى بهم؛ فلما قضى صلاته، قال : يا أبا بكر، مالك إذ أومأت إليك لم تقم ؟ قال : ما كان لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله - صَلّ. قال: يا قوم، ما بالكم إذا نابكم أمر صفقتم ؟ سبحوا فإنما التصفيق للنساء. في هذا الحديث من الفقه : أن الصلاة إذا خشي فوات وقتها، لم ينتظر الإمام - من كان - فاضلا كان أو مفضولا. وفيه أن الإقامة إلى المؤذن هو أولى بها، وهذا موضع اختلف العلماء فيه : فذهب(13) قوم إلى أن من أذن فهو يقيم، ورووا فيه حديثا عن النبي - وَ ق2 - باسناد فيه لين، يدور على الإفريقي عبد الرحمان بن زياد. وقال مالك وجماعة غيره من العلماء : لا بأس بأذان مؤذن وإقامة غيره. واستحب الشافعي أن يقيم المؤذن، فإن أقام غيره، فلا بأس بذلك عنده. وفي حديث عبد الله بن زيد ما يدل على أنه لا بأس(14) بإقامة غير المؤذن، وهو أحسن إسنادا من حديث الإفريقي. وفيه أنه لا بأس بتخلل الصفوف ودفع الناس والتخلص بينهم للرجل الذي تليق به الصلاة في الصف الأول حتى يصل إليه، ومن شأن الصف الأول أن يكون فيه أهل الفضل والعلم بحدود الصلاة، لقوله - عَطفل - : ليلني منكم أهل (13) فذهب قوم إلى أن : أ، وقال قوم من : ق. (14) لا بأس بإقامة: أ، لا بأس بذلك عنده بإقامة: ق. - 102- الأحلام والنهى . - يريد ليحفظوا عنه، ويعوا ما يكون منه في صلاته؛ وكذلك ينبغي أن يكون في الصف من يصلح للاستخلاف إن ناب الإمام شيء في صلاته ممن يعرف إرقاعها وإصلاحها. وفيه : أن التصفيق لا تفسد به صلاة الرجال إن فعلوه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة، ولكن قيل لهم شأن الرجال في مثل هذه الحال التسبيح. وفيه : أن أبا بكر كان لا يلتفت في صلاته، ثم التفت إذ أكثر الناس للتصفيق. وفيه : أن الالتفات لا يفسد الصلاة، لأنه لو أفسدها لأمره رسول الله - عَّة - بإعادتها، ولقال له: قد أفسدت صلاتك بالتفاتك؛ لأنه ◌َفخ - إنما بعث آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر، ومعلما شرائع الدين - وقد بلغ كل ما أمر به - مَت؛ وما أقر عليه مما رآه، فهو في حكم ما أباحه قولا وعملا. وقد جاءت في النهي عن الالتفات في الصلاة - أحاديث محملها عند أهل(15) العلم على ما وصفت لك؛ وأجمع العلماء على أن الالتفات في الصلاة مكروه. وقال رسول الله - ◌َ -: الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد. وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا کان یسیرا. وقال أبو ثور : إذا التفت ببدنه كله أفسد صلاته. وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه أو يساره في الصلاة حتى يعرفه فليس له صلاة. وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن علي، قال حدثنا محمد بن قاسم بن محمد، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان مطين، قال حدثنا موسى بن زياد، قال حدثنا الوليد بن مسلم، عن (15) أهل العلم : أ، العلماء : ق. ~ 103 - الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، قال : سئل ابن عمر: أكان رسول الله - ◌َجع - يلتفت في الصلاة ؟ قال: لا. ولا في غير الصلاة. وفيه : أن الإشارة في الصلاة باليد وبالعين وبغير ذلك لا بأس بذلك : حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا زكرياء بن يحيى السنجري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس، أن النبي - ◌َ ق - كان يشير في الصلاة. وفيه : أن رفع اليدين حمدا وشكرا ودعاء في الصلاة لا يضر بها شيء من ذلك کله. وفيه : دليل على جواز الاستخلاف في الصلاة إذا أحدث الإمام أو منعه مانع من تمام صلاته، لأن الإمام إذا أحدث كان أولى بالاستخلاف(16)، وكان ذلك منه أجوز من تأخر أبي بكر - رضي الله عنه - من غير حدث؛ لأن المحدث لا يجوزله أن يتمادى في تلك الصلاة. وقد كان لأبي بكر أن يتمادى لولا موضع فضيلة رسول الله - جافة، التقدم بين يديه بغير إذنه - الز، وقد كان يجوز له أن يثبت ويتمادى، لإشارة رسول الله - عَّة - أن امكث مكانك؛ وليس كذلك المحدث، ولهذا يستخلف عند جمهور العلماء: وقد ذكرنا ما في هذه المسألة من الاختلاف في باب إسماعيل بن أبي حکیم - والحمد لله. وأما استئخار أبي بكر عن إمامته، وتقدم - رسول الله - فل - إلى مكانه، وصلاته في موضع أبي بكر - ما كان بقي عليه؛ فهذا موضع خصوص عند جهور العلماء، لا أعلم بينهم أن إمامين في صلاة واحدة من غير عذر حدث يقطع صلاه الإمام - ويوجب الاستخلاف لا يجوز. وفي اجماعهم على هذا، دليل على خصوص هذا الموضع، لفضل رسول الله - في، ولأنه لا نظير له في (16) باستخلاف : أ، باستخلافه : ق. - 104 - ذلك؛ ولأن الله عز وجل قد أمرهم أن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى والأمور كلها؛ ألا ترى إلى قول أبي بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - اتا، أو يصلي بين يدي رسول الله - . وفضيلة الصلاة خلف رسول الله - ◌َافحم لا يجهلها مسلم، ولا يلحقها أحد؛ وأما سائر الناس، فلا ضرورةبهم إلى ذلك، لأن الأول والثاني سواء - ما لم يكن عذر؛ ولو صلى أبو بكر(17) بهم تمام الصلاة لجاز، لقول رسول الله - لا} - : ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ وفي هذا دليل على أنه لولا أنه أمره، ما قال له : ما منعك أن تثبت. وفي هذا(18) ما يدلك على أنهم قد كانوا عرفوا منه ما يدل على خصوصه في ذلك - والله أعلم، وموضع الخصوص من هذا الحديث، هو استئخار الإمام لغيره من غير حدث يقطع عليه صلاته؛ وأمالو تأخر بعد حدث(79) وقدم غيره، لم يكن بذلك بأس؛ بل في هذا الحديث دليل عليه، للعلة التي ذكرنا؛ فكذلك كل علة تمنع من تماديه في صلاته. وقد روى عيسى عن ابن القاسم في رجل أم قوما، فصلى بهم ركعة، ثم أحدث فخرج وقدم رجلا؛ ثم توضأ وانصرف فأخرج الذي قدمه وتقدم؛ هل تجزئ عنهم صلاتهم ؟ فقال: قد جاء الحديث عن النبي - صَل أنه جاء وأبو بكر يصلي بالناس، فسبح الناس بأبي بكر، فتأخر وتقدم رسول الله - ◌َّ؛ فأرى أن يصلي بهم بقية صلاتهم ثم يجلسون حتى يتم هو لنفسه، ثم يسلم ويسلمون. قال عيسى: قلت لابن القاسم : فلو ذكر قبيح ما صنع بعد أن صلى ركعة، قال : يخرج ويقدم الذي أخرج؛ قلت : فإن لم يجده، قال فليقدم غيره ممن أدرك الصلاة كلها. (17) أبو بكر بهم : أ، بهم أبو بكر: ق. (18) هذا : أ، ذلك : ق. (19) حدث : أ، حدثه : ق. -105- وفيه : أن التصفيق لا يجوز في الصلاة لمن نابه شيء فيها، ولكن يسبح؛ وهذا ما لا خلاف فيه للرجال. وأما النساء، فإن العلماء اختلفوا في ذلك : فذهب مالك وأصحابه إلى أن التسبيح للرجال والنساء جميعا، لقوله - خلاق : من نابه شيء في صلاته فليسبح - ولم يخص رجالا من نساء، وتأولوا قول النبي - وَّةِ: إنما التصفيق للنساء، - أي إنما التصفيق من فعل النساء، قال ذلك على جهة(20) الذم؛ ثم قال: من نابه شيء في صلاته فليسبح. وهذا على العموم للرجال والنساء، هذه حجة من ذهب هذا المذهب. وقال آخرون منهم : الشافعي، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، والحسن بن حي، وجماعة : من نابه من الرجال شيء في صلاته سبح، ومن نابها من النساء شيء في صلاتها صفقت إن شاءت؛ لأن رسول الله - من - قد فرق بين حكم النساء والرجال في ذلك : فقال : التصفيق للنساء، ومن نابه شيء في صلاته - يعنى منكم أيها الرجال فليسبح. واحتج بحديث أبي هريرة : التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ففرق بين حكم الرجال والنساء. وكذلك رواه جماعة في حديث سهل بن سعد هذا،(21) قال الأوزاعي: إذا نادته أمه - وهو في الصلاة سبح، فإن التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء سنة. حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عمرو بن عون، قال أخبرنا حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال : كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي - ع - فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر؛ فقال لبلال : إذا حضرت صلاة العصر ولم آتك، فمر أبا بكر فليصل بالناس؛ فلما حضرت صلاة (20) جهة : أ، وجه : ق. (21) هذا قال الأوزاعي : إذا نادته أمه: أ، ههنا وذكر قول الأوزاعي: إذا نابه أمر: ق. - 106 - العصر، أذن بلال، ثم أقام؛ ثم أمر(22) بلال أبابكر، فتقدم(23).وذكر الحديث، وقال في آخره : إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبح الرجال وليصفق النساء. فهذا قاطع في موضع الخلاف يرفع الإشكال. وكذلك رواه ابن عجلان وغيره جماعة(24) قد ذكرنا بعضهم في هذا الباب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - بمعنى حديث حماد بن زيد هذا. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر ابن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد- أن النبي- مَ اإ قال: من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال. وهذا المعنى محفوظ من حديث أبي هريرة، عن النبي - معرفة، رواه عن أبي هريرة - جماعة من أصحابه، منهم: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وأبو صالح السمان، وأبو سلمة، وأبو نضرة، وغيرهم. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحامد بن يحيى؛ وأخبرنا عبد اللـه ابن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قالوا : حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله - وَطفلٍ -: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء.(25) وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا محمود بن خالد، قال حدثنا الوليد عن عيسى بن أيوب، قال(26) قوله: (22) ثم أمر بلال أبا بكر فتقدم : أ، ثم أمر أبو بكر فتقدم : ق. (23) انظر سنن أبي داود 216/1. (24) وغيره جماعة : أ، وغيره وجماعة : ق. (25) سنن أبي داود 215/1. (26) كلمة (قال) ساقطة في ق. - 107 - التصفيح للنساء، تضرب المرأة بأصبعين من يمينها على كفها الشمال.(27) وقال بعض أهل العلم: إنما كره التسبيح للنساء، وأبيح لهن التصفيق من أجل أن صوت المرأة رخيم في أكثر النساء، وربما شغلت بصوتها الرجال المصلين معها. وفي هذا الحديث دليل على جواز الفتح على الإمام، لقوله - سَفي: من نابه شيء في صلاته فليسبح. فإذا جاز التسبيح، جازت التلاوة . . حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، حدثنا عبد الحميد بن أحمد، حدثنا الخضر بن داود، قال حدثنا أبو بكر الأثرم، قال حدثنا قبيصة بن عقبة، قال حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، قال : سمعت الحسن يقول : إن أهل الكوفة يقولون لا يفتح على الإمام وما بأس به، أليس الرجل يقول : سبحان الله. قال أبو عمر : ذكر الطحاوي أن الثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، كانوا يقولون : لا يفتح على الإمام، وقالوا : بإن فتح عليه لم تفسد صلاته؛ وروى الكرخي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يكرهون الفتح على الإمام. قال أبو عمر : قد روى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمان السلمي، عن علي . رحمه الله - قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه - ولا مخالف له من الصحابة؛ وأصل هذا الباب قوله - جَاع - : إذا نابكم شيء في صلاتكم - فسبحوا، فلما كان تسبيحه لما ينويه مباحا، كان فتحه على الإمام أحرى أن يكون مباحا؛ وقد (27) أخرجه أبو داود في السنن 216/1 - وذكره المؤلف بمعناه. - 108 - كان أبو حنيفة يقول: إذا كان التسبيح جوابا، قطع الصلاة؛ وإن كان من مرور إنسان بين يديه، لم يقطع. وقال أبو يوسف : لا يقطع - وإن كان جوابا - وهو الصحيح، لقوله - عَيّةٍ -: من نابه شيء في صلاته فليسبح. وجائز أن يسبح من سلم عليه - وهو في الصلاة على عموم هذا الحديث، وأجمع العلماء على أن من سلم عليه - وهو يصلي - لا يرد كلاما؛ وكذلك أجمعوا على أن من رد إشارة أجزأه - ولا شيء عليه؛ ثبت عن النبي - ق2 - من حديث ابن عمر، عن صهيب، أن النبي - مجّ - كان يصلي - والأنصار يدخلون يسلمون عليه، وكان يرد إشارة؛ ومن سلم عليه - وهو في الصلاة فلم يرد إشارة، رد إذا فرغ منها كلاما؛ وأحب إلى أهل العلم أن يشير بيده إلى من سلم عليه، وقد كره قوم السلام على المصلي، وأجازه الأكثر من العلماء على حكم ما ذكرنا - وبالله توفیقنا. حازم بي حدیث خامس مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - تغ - جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا؛ فقام رجل فقال : يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ◌َ -: هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ فقال : ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله - 2 - : إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا، فقال : ما أجد شيئا؛ قال : التمس - ولو خاتما من حديد(28)، فالتمس فلم يجد شيئا؛ فقال له رسول الله - جاف - : هل معك من (28) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق وعليه الرواية. - 109 - القرآن شيء ؟ قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا - لسور -(29) سماها؛ فقال رسول الله - صَل ـ: قد أنكحتكها بما معك من القرآن.(30) روى هذا الحديث عن أبي حازم عن سهل - جماعة، (31) وأحسنهم كلهم(32) له سياقة مالك - رحمه الله؛ وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند في قوله - عز وجل - : ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾.(33) - الآية. والموهوبة خص بها رسول الله - حائل - وحده دون سائر أمته - الغ -، قال الله - عز وجل -: ﴿خالصة لك من دون المومنين، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾.(34) - يعني من الصداق، فلا بد لكل مسلم من صداق(35) - قل أو أكثر على حسبما للعلماء في ذلك من التحديد في قليله دون كثيره - على ما نورده في هذا الباب - إن شاء الله. وخص النبي - څ ۔ بأن الموهوبة له جائزة دون صداق. وفي القياس أن كل ما يجوز البدل منه والعوض جازت هبته، إلا أن الله - عز وجل - حرم الأبضاع من النساء إلا بالمهور - وهي الصدقات المعلومات، قال الله - عز وجل -: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة).(36) (29) كذا في أ ومثله في نسخ الموطأ المطبوعة، والذي في ق: وسورة كذا سماها - بإسقاط - لفظ (لسور)، ومثله في التجريد. (30) الموطأ رواية يحيى ص 357 - حديث (1107)، والحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، والترمذي من طريق إسحاق وعبد الله بن نافع، ثلاثتهم عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 130/3. (31) كذا في نسخة أ، وفي ق : جماعة كثير - بزيادة (كثير). (32) كلمة (كلهم) ساقطة في ق. (33) الآية 50 - سورة الأحزاب. (34) نفس الآية. (35) صداق : أُ، الصداق : ق. (36) الآية : 4 سورة النساء. - 110- قال أبو عبيدة - يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرضها الله من ذلك دون خير حكومة، قال : وما أخذ بالحكام فلا يقال له نحلة؛ وقد قيل إن المخاطب بهذه الآية الآباء، لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم التي فرضها الله لهن؛ وقال الله - عز وجل -: ﴿والمحصنات من المومنات(37) والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾(38) - يعني مهورهن. وقال في الإماء : ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن﴾(39) - يعني مهورهن. وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق، وأن الموهوبة لا تحل لأحد غير النبي - عَ لَهُ .. واختلفوا في عقد النكاح بلفظ الهبة - مثل أن يقول الرجل (الرجل) :(40) قد وهبت لك(41) ابنتي أو وليتي - وسمى صداقا أو لم يسم - فقال الشافعي : لا يصح النكاح بلفظ الهبة، ولا ينعقد حتى يقول : قد أنكحتك أو زوجتك. وممن أبطال النكاح بلفظ الهبة : ربيعة، والشافعي، ومالك - على اختلاف عنه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وغيرهم. وذهبت طائفة من أصحاب مالك أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة، لأنه لفظ يصح للتمليك، والاعتبار فيه بالمعنى لا باللفظ. وقال ابن القاسم عن مالك: لا تحل الهبة لأحد بعد النبي - عَلي، قال : وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح، إنما وهبها له ليحضنها أو ليكفلها، فلا أرى بذلك بأسا. (37) صدر الآية ساقط في أ، ثابت في ق. (38) الآية : 5 سورة المائدة. (39) الآية : 25 سورة النساء. (40) كلمة (للرجل) ساقطة في أ، ثابتة في ق. (41) وهبت لك : أ، وهبتك : ق. -١١١ - قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته - وهو يريد إنكاحها - فلا أحفظه عن مالك، وهو - عندي - جائز كالبيع. قال مالك : من قال أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا، فهو بيع. وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين، وقالوا : إذا قال رجل لرجل : قد وهبت لك ابنتي على دينار - جاز، وكان نكاحا صحيحا - قياسا على البيع. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والحسن بن حي: ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا كان أشهد عليه، ولها المهر المسمى إن كان سمى؛ وإن كان لم يسم لها مهرا، فلها مهر مثلها. ومما احتج به أصحاب أبي حنيفة في هذا : أن الطلاق يقع بالتصريح وبالكناية، قالوا : فكذلك النكاح؛ والذي خص به رسول الله - بغ - تعري البضع من العوض، لا النكاح بلفظ الهبة. قال أبو عمر : الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح، كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال، مع ما ورد به التنزيل المحكم في الموهوبة أنها للنبي - ورق - خالصة دون المومنين؛ فلما لم تصح الهبة في ذلك، لم يصح بلفظها نكاح؛ هذا هو الصحيح في النظر - والله أعلم. ومن جهة النظر أيضا : أن النكاح مفتقر إلى التصريح، لتقع الشهادة عليه - وهو ضد الطلاق، فكيف يقاس عليه ؟ وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله : قد أبحت لك، وقد أحللت لك، فكذلك الهبة؛ وقال رسول الله - عَّ - : استحللتم فروجهن بكلمة الله - بمعنى القرآن، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ. الهبة، وإنما فيه التزويج والنكاح؛ وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إيطال بعض خصوصية النبي - الز - والله أعلم. وفي هذا الحديث أيضا من الفقه : إجازة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد اختلف في ذلك العلماء : فكرهه قوم - منهم: أبو حنيفة وأصحابه، وأجازه = 112- آخرون - منهم : مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد؛ والحجة في جواز ذلك : حديث هذا الباب، وحديث أبي سعيد الخدري عن النبي - عمان - أنه بعث سرية فنزلوا بحي، فسألوهم القرى أو الشراء فلم يفعلوا؛ فلدغ سيد الحي، فقالوا لهم : هل فيكم من راق ؟ فقالوا : لا - حتى تجعلوا لنا على ذلك جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من غنم، فأتاهم رجل منهم فقرأ عليه فاتحة الكتاب فبرأ، فذبحوا وشووا وأكلوا؛ فلما قدموا على رسول الله - مميزٍ - ذكروا ذلك له، فقال : ومن أين علمت أنها رقية ؟ من أخذ برقية باطل، فلقد أخذت برقية حق، اضربوا لي فيها بسهم.(42) رواه أبو المتوكل الناجي، وسليمان بن قنة، وأبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري؛ وروى الشعبي عن خارجة بن الصلت، عن عمه، عن النبي - سجق - مثله. وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله : حديث سعد بن طريف،(43) عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - وَاجٍ - قال: معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة باليتيم، وأغلظهم على المسكين. وحديث علي بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن أبي جرهم، عن أبي هريرة، قال : قلت : يا رسول الله، ما تقول في المعلمین ؟ قال : درهمهم حرام، وقوتهم سحت، وکلامهم رياء. وحديث المغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي،(44) عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت - أنه علم رجلا من أهل الصفة، فأهدى له قوسا، فقال له رسول الله - ◌َال - إن سرك أن يطوقك الله طوقا من نار فاقبله (45). (42) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع بلفظ : من أين علمتم أنها رقية ؟ احسنتم، وأضربوا لي معكم بسهم، انظر ج 238/2. (43) هو سعد بن طريّف، الاسكافي الحذاء الحنظلي الكوفي، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب .473/3 (44) هو أبو عمرو عبادة بن نسي - بضم النون وفتح السين المهملة الخفيفة وتشديد الياء - الشامي الأردني قاضي طبرية، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 13/5. (45) رواه أحمد في منده 315/5. - 119- وروي من حديث أبي بن كعب عن النبي - على - مثله. وهذه الأحاديث منكرة، لا يصح شيء منها(46) عند أهل العلم بالنقل. وسعد بن طريف متروك الحديث، وأبو جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو حماد ابن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم، وانما رواه عن أبي المهزم وهو متروك أيضا، وهو حديث لا أصل له. وإما المغيرة بن زياد، فمعروف بحمل العلم، ولكنه له مناكر هذا منها(47). وأما حديث القوس، فمعروف عند أهل العلم، لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي، عن أبيه عن أبي ابن كعب وهو منقطع، وليس في هذا الباب حديث يجب به حجة من جهة النقل - والله أعلم. واحتجوا أيضا بقوله - ◌َ الله -: اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثرو(48). وهذا يحتمل التأويل، وكذلك حديث عبادة وأبي يحتمل التأويل أيضا؛ لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا، ونحو هذا. واختلف الفقهاء أيضا في حكم المصلي بأجرة : فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم بالناس فقال : أرجو أن لا یکون به بأس إن کان به بأس فعلیه. وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه وهو أشد كراهية له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك، ولا بأس بالصلاة خلفه. (46) شيء منها : أ، منها شيئا : ق. (47) هذا منها : أ، منها هذا : ق. (48) أخرجه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما وعبد الرزاق في الجامع، والبيهقي في الشعب من حديث عبد الرحمان بن شبل. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 64/2. - 114- وذكر الوليد بن مزيد(49)، عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما فأخذ عليه أجرا، فقال: لاصلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه، وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد، وفي هذه المسألة اعتلالات يطول ذكرها. وفيه أيضا من الفقه أن الصداق : كل ما وقع عليه اسم شيء مما يصح تملكه قل أو كثر، لأن النبي - مياه - لم يقل له التمس ربع دينار فصاعدا، ولا عشرة دراهم فصاعدا؛ ألا ترى إلى قوله : هل عندك من شيء تصدقها ؟ ثم قال : التمس ولو خاتما من حديد. فقال أصحابنا : يريد بقوله: التمس شيئا، وهل عندك من شيء : أي من شيء تقدمه إليها من صداقها، لأن عادتهم جرت بأن يقدموا من الصداق بعضه. وقال الشافعي وأصحابه: يريد شيئا تصدقها إياه، فيقتضي أن كل شيء وجده مما يكون ثمنا لشيء، جاز أن يكون صداقا قل أو كثر؛ وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب حميد من هذا الكتاب(50). وأما اختلاف العلماء في مبلغ أقل الصداق، فذهب مالك وأصحابه إلى أن النكاح لا یکون بأقل من ربع دینار ذهبا، أو ثلاثة دراهم کیلا من ورق، أو قيمة ذلك من العروض قياسا على قطع اليد ؛ لأنه عضو يستباح بمقدر من المال، فأشبه قطع اليد ؛ ولم يكن بد من التقدير في ذلك، لأن الله شرط عدم الطول في نكاح الإماء، وقلما يعدم الإنسان ما يتمول أو يتملك. وقد ذكرنا الحجة لهذا القول في باب حميد الطويل من هذا الكتاب(51). وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم قياسا أيضا على ما تقطع اليد فيه عندهم، واحتجوا بحديث يروى عن جابر، عن (49) هو أبو العباس الوليد بن مزيد العذري البيروتي، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 150/11 .151 . (50) انظر ج 186/2 - 189. (51) المرجع السابق. - 115- النبي - مَائَةٍ - أنه قال : لا صداق أقل من عشرة دراهم. وهو حديث لا يثبت. وروي عن الشعبي عن علي مثله، ولا يصح أيضا عن علي. وقال ابن شبرمة : أقل المهر خمسة دراهم - يعني كيلا، وفي ذلك تقطع اليد عنده أيضا. وروي عن النخعي ثلاثة أقاويل، أحدها : أنه كره(52) أن يتزوج بأقل من أربعين درهما، وروي عنه أنه قال: أكره أن يكون مثل مهر البغي، ولكن العشرة والعشرون. وكان سعيد بن جبير يستحب أن يكون المهر خمسين درهما. وقال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، وعطاء، وعمرو بن دينار، والشافعي، ومسلم بن خالد الزنجي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، والليث بن سعد، والحسن بن حي، والطبري، وداود: يجوز النكاح بقليل المال وكثيره، إلا أن الحسن يعجبه أن لا يكون أقل من دينار أو عشرة دراهم، ويجيزه بدرهم. وقال الأوزاعي : كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض، قال(53) والصداق ما تراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير. وقال الشافعي : كل ما كان ثمنا لشيء أو أجرة، جاز أن يكون صداقا. وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا لحلت (54). أخبرنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن شعبان، حدثنا عمران بن موسى بن زكرياء، حدثنا خشيش بن أصرم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت. (52) کره : أُ، يكره : ق. (53) كلمة (قال) ساقطة في أ، ثابتة في ق. (54) لحلت: أ، حلت : ق. - 116- قال أبو عمر : أجمع العلماء على أن لا توقيت ولا تحديد في أكثر الصداق، وذكر الله تعالى الصداق في كتابه ولم يحد في أكثره ولا في أقله حدا؛ ولو كان الحد مما يحتاج في ذلك إليه، البينه رسول الله - ◌َجاهز، إذ هو المبين عن الله مراده - مَاف؛ - وقد قال - وَالّ -: التمس ولو خاتما من حديد. والحدود لا تصح إلا بكتاب الله، أو سنة ثابتة لا معارض لها، أو إجماع يجب التسليم له ؛ هذه جملة ما احتج به من ذهب هذا المذهب. وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما يصدقه الرجل امرأته لا يملك شيئا منه، وأنه للمرأة دونه؛ ألا ترى إلى قوله: إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك. وفي هذا ما يدل على أن الصداق لو كان جارية ووطئها الزوج حد، لأنه وطئ ملك غيره، وهذا موضع اختلف فيه السلف والآثار. وأما فقهاء الأمصار، فعلى ما ذكرت لك - وهو الصحيح؛ لقول الله - عز وجل -: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك، فأولئك هم العادون﴾.(55) ومن وطئ جارية قد أمهرها زوجته وملكتها عليه ببضعها، فلم يطأ ملك یمین وتعدی. واختلف الفقهاء في المهر المسمى : هل تستحق المرأة جميعه بالعقد أم لا ؟ فالظاهر من مذهب مالك، أنه لا تستحق بالعقد إلا نصفه؛ وأما الصداق إذا كان شيئا بعينه فهلك ثم طلق قبل الدخول، لم يكن له عليها شيء؛ وأنه لو سلم وطلق قبل الدخول، أخذ نصفه ناميا أو ناقصا؛ والنماء والنقصان بينهما وقد روي عن مالك، وقال به طائفة من أصحابه : أنها تستحق المهر كله بالعقد؛ (55) الآية : 5 سورة المعارج. - j7 - واستدل قائل ذلك بالموت قبل الدخول، وبوجوب الزكاة في الماشية نفسها عليه؛ وأنه لا يقال للزوج أغرم عليها الزكاة ثم تدخل، وبأنه لو كانت بينهما لم تجب عليها في أربعين شاة أو خمس ذود زكاة؛ فلما أوجبوا عليها الزكاة في ذلك، علم أنها كلها على ملكها؛ وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته - وكان معينا في غير ذمة الزوج وهلك قبل الدخول، كان منها، وكان له أن يدخل بها بغير شيء؛ وبأنها لو كان الصداق أباها، عتق عليها عقب العقد قبل الدخول بلا خلاف. واحتجوا أيضا بقول الله - عز وجل -: ﴿وآتّوا النساء صدقاتهن نحلة﴾. فأمر بتسليم الصداق إليها، فوجب ملكه لها؛ وشبهوا سقوطه بالطلاق قبل الدخول بعد وجوبه، وثبوته بالبائع يرجع إليه عين ملكه عند فلس المبتاع منه؛ ولهم في ذلك ضروب من الكلام يكفي منه ما ذكرنا - وهو عينه، وعليه مداره - والحمد لله. وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد، وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد على ما بينا في باب عبد الله بن دينار(56) - والحمد لله. وفيه أيضا دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء : فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يكون القرآن ولا تعليم القرآن مهرا - وهو قول الليث. وحجة من ذهب هذا المذهب : أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، لذكر الله الطول في النكاح - والطول المال، والقرآن ليس بمال. وقال الله - عز وجل -: (أن تبتغوا بأموالكم﴾.(57) _ والقرآن ليس بمال، ولأن التعليم من المعلم والمتعلم يختلف ولا يكاد يضبطه، فأشبه الشيء المجهول؛ قالوا: ومعنى ما روي عن النبي - ◌َئل - أنه قال: قد (56) انظرج 113/17 - 115. (57) الآية : 24 سورة النساء. - 118 - أنكحتكها بما معك من القرآن .. فإنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأصله، لا على أنه مهر؛ وإنما زوجه إياها، لكونه من أهل القرآن؛ كما روى أنس أن النبي - ◌َّف - زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، والمهر مسكوت عنه، لأنه معهود معلوم أنه لا بد منه : أخبرنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، وإسحاق(58) بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم، فقالت : أتزوج بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان ؟ ! إن أسلمت، تزوجت بك؛ قال : فأسلم أبو طلحة، فتزوجها على إسلامه . - يريد لما أسلم، استحل نكاحها وسكت عن المهر؛ وكان أحمد بن حنبل يكره النكاح على القرآن. وقال الشافعي وأصحابه : جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه مهرا، قال : فإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف أجر التعليم . - هذه رواية المدني عنه. وذكر الربيع عنه في البويطي أنه إن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف مهر مثلها، لأن تعليم النصف لا يوقف على حده؛ قال : فإن وقف عليه جعل امرأة تعلمها. ومن الحجة لمذهب الشافعي في ذلك : أن الحديث الثابت ورد بأن رسول الله - ◌َ ة -زوج ذلك الرجل تلك المرأة على تعليمه إياها سوراسماها، ولأن(59) تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه، فجاز أن يكون صداقا؛ قالوا :، ولا (58) إسحاق بن عبد الله: أ، إسماعيل بن عبد الله: ق، والصواب ما في نسخة أ، انظر ترجمة إسحاق هذا في تهذيب التهذيب 239/1 - 240. (59) ولان : أُ، لان: ق. - 119- وجه لقول من قال : إن ذلك كان من أجل حرمة القرآن، ومن أجل كونه من أهل القرآن؛ لأن في الحديث ما يبطل هذا التأويل، لأنه قال : التمس شيئا، ثم قال له : التمس ولو خاتما من حديد، ثم قال له : هل معك من القرآن شيء ؟ فقال : سورة كذا، فقال : قد زوجتكها بما معك من القرآن . - أي بأن تعلمها تلك السورة من القرآن. قال أبو عمر : دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصح، وتأويل الشافعي على ما ذكرنا في هذا الباب محتمل؛ فأما دعوى الخصوص، فضعيف لا وجه له، ولا دليل عليه؛ وأكثر أهل العلم لا يجيزون ما قال الشافعي. وأولى ما قيل به في هذا الباب : قول مالك ومن تابعه - إن شاء الله، والله الموفق للصواب. وقد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن عمر بن لبابة، قال : أخبرنا مالك بن علي القرشي، عن يحيى بن يحيى، أن يحيى بن مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي - واتم - أن ينكح بما معه من القرآن - أن ذلك في أجرته على تعليمها ما معه. حديث سادس لأبي حازم مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله - ◌َظ٣ - أتي بَشراب فشرب منه - وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ؛ فقال للغلام : أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال : لا - والله - 120-