Indexed OCR Text

Pages 41-60

قال أبو يوسف : يعقوب بن المبارك - هكذا وجدته في كتابي عن أبي
يعقوب الكاغذي.(27)
وحدثناه يحيى بن زكرياء، عن يعقوب الدورقي، فلم يجز به أبا سعيد
الخدري، قال : وحدثناه إسحاق بن أبي إسرائيل، قال حدثنا حماد بن زيد، عن
أبي الصهباء، عن سعيد بن جبير، عن أبي سعيد الخدري - موقوفاً.
وروى شعبة عن الأعمش، عن صالح بن خباب، عن حصين بن عقبة، عن
سلمان قال : ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان.
وروى الحكم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود - مثله. ومن ههنا اتخذ
القائل(28) قوله :
وما شيء إذا فكرت فيه أحق بطول سجن من لسان
ومن الآداب أيضاً والسنن في هذا الحديث : الحض على بر الجار
وإكرامه، لقوله - تع الى -: ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. وقد
ثبت عن النبي - عَ لَّم - من حديث مالك وغيره: أنه قال: ما زال جبريل
يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. (29) والله - عز وجل - قد أوصى بالجار
ذي القربى والجار الجنب، قالوا : الجار ذو القربى جارك من قرابتك، والجار
الجنب قالوا : الجار المجانب؛ وقالوا : الجار من غير قرابتك من قوم آخرين.
وروى الأوزاعي عن الزهري قال : جاء رجل يشكو جاره، فأمر النبي -
وَفع - منادياً ينادي : ألا إن أربعين داراً جار، فلا يدخل الجنة من خاف جاره
(27) الكاغذي - بفتح أوله والغين المعجمة وفي أخره ذال معجمة - سبة إلى عمل الكاغذ الذي
یکتب عليه وبيعه، وینسب إليه جماعة.
انظر اللباب في تهذيب الانساب 76/3.
(28) هو الحسين بن محمد التجيبي القرطبي، انظر معجم الأدباء 159/15.
(29) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة، انظر الترغيب
والترهيب 360/3 - 361.
٠
- 41 -
:

بوائقه.(30) قال الزهري: أربعين داراً يميناً وشمالاً، وبين يديه ومن خلفه - ذكره
سنيد، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي؛ قال سنيد: وأخبرنا حجاج، عن ابن
أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن النبي - مَ ◌ٍّ - قال:
والله لا يومن، والله لا يومن، والله لا يومن - قالها ثلاثا، قالوا : وما ذاك
يارسول الله؟ قال: الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟
قال : شره.(31)
وفيه الحض على إكرام الضيف وإجازته، وفي ذلك دليل على أن
الضيافة ليست بواجبة، وأنها مستحبة مندوب إليها غير مفترضة، لقوله جائزته،
والجوائز لا تجب فرضاً، لأنها إتحاف الضيف بأطيب ما يقدر عليه من الطعام.
قال ابن وهب : وسمعت مالكا يقول في تفسير جائزته : يوم وليلة.
قال : یحسن ضيافته ویکرمه.
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن
عامر، قال: رسول الله ◌َفي: لا خير فيمن لا يضيف. (32) رواه ابن وهب
وقتيبة، والوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة.
وروى أبو توبة الربيع بن نافع، عن بقية، عن الأوزاعي - أنه قال له :
يا أبا عمرو، الضيف ينزل بنا فنطعمه الزيتون والكامخ، وعندنا ما هو أفضل
منه : العسل والسمن؛ فقال: إنما يفعل هذا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
(30) أخرجه الطبراني - المصدر السابق 353/3.
(31) رواه أحمد والبخاري ومسلم - نفس المصدر 352/3.
(32).رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح - خلا ابن لهيعة نفس المصدر 374/3.
~ 42-

قال أبو عمر :
لا أعلم خلافا بين العلماء في مدح مضيف الضيف وحمده والثناء بذلك
عليه، وكلهم يندب إلى ذلك، ويجعله من مكارم الأخلاق وسنن المرسلين؛ لأنه
ثبت أن إبراهيم - عليه السلام - أول من ضيف الضيف، وحض رسول الله - ◌َا}
- على الضيافة وندب إليها؛ واختلف العلماء في وجوبها فرضا، فمنهم من أوجبها،
ومنهم من لم يوجبها؛ وكل من لم يوجبها يندب إليها، ويستحبها؛ وممن
أوجبها : الليث بن سعد، قال ابن وهب : سألت الليث عن عبد مملوك تمر به
فيقدم إليك طعاما لا تدري هل أمره سيده أم لا ؟ فقال الليث : الضيافة حق
واجب، وأرجو أن لا يكون به بأس.
وقال مالك : لا تجوز هبة العبد المأذون له ولا دعوته ولا عاريته، ولا
يجوز له إخراج شيء من ماله بغير عوض إلا أن يأذن له سيده، وهو قول
الشافعي والحسن بن حي، وقال الليث : لا بأس بضيافته.
وقد روى الربيع عن الشافعي أنه قال الضيافة على أهل البادية
والحاضرة حق واجب في مكارم الأخلاق. وقال مالك : ليس على أهل الحضر
ضيافة.
وقال سحنون : إنما الضيافة على أهل القرى، وأما الحضر : فالفندق ينزل
فيه المسافر.
ومن حجة من ذهب هذا المذهب : ما حدثناه عبد الله بن محمد بن
يوسف، قال حدثنا الحسن بن إسماعيل، قال حدثنا بكر بن محمد بن العلاء
القشيري القاضي، قال حدثنا أبو مسلم الكشي، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن
- 43-

أخي عبد الرزاق، قال حدثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - شرائح -: الضيافة على أهل الوبر وليست
على أهل المدر.(33)
قال أبو عمر :
هذا حديث لا يصح، وإبراهيم بن(34) أخي عبد الرزاق متروك الحديث،
منسوب إلى الكذب؛ وهذا مما انفرد به ونسب إلى وضعه، ومما احتج به بعض
من ذهب مذهب الليث في الضيافة، حديث شعبة عن منصور، عن الشعبي، عن
المقدام أبي(35) كريمة، قال: قال رسول الله - شرائح - : ليلة الضيف حق واجب
على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فإنه دين إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه.(36)
وروى الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛
قال : قلنا : يا رسول الله، إنك تبعثنا، فنمر بقوم لا يقروننا، فما ترى ؟ فقال لنا
رسول الله - وَّة -: إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن
لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي(37) (لهم). (38) حدثناه محمد بن
خليفة، قال حدثنا محمد بن الحسين (الآجري بمكة)(39) قال حدثنا موسى بن
هارون، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث - فذكره.
(33) أخرجه القطاعي من حديث ابن عمر - ذكره السيوطي في الجامع الصغير ووضع عليه علامة
الضعف (ض)، انظر فيض القدير على الجامع الصغير 261/4.
(34) ابن أخي عبد الرزاق أ، ابن عبد الله بن أخي عبد الرزاق : ق.
(35) أبي كريمة: أ، بن أبي كريمة ق . وهو تحريف، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
.287/10
(36) رواه أبو داود وابن ماجه، انظر الترغيب والترهيب 371/3.
(37) كلمة (لهم) ساقطة في أ، ثابتة في ق - والرواية على إثباتها.
(38) أخرجه أبو داود في السنن 308/2.
(39) ما بين القوسين ساقط - في أ، ثابت في ق.
- 44 -

وروى عبد الرحمان بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب،
أن رسول الله - مُ ◌ّ - قال: أيما رجل أضاف قوما فلم يقروه، كان له أن
يعقبهم(39 ) بمثل قراه.(40)
وروى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، عن
النبي - ٣ - مثله.
وروى المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن خالد، عن النبي - مَ ◌ّ - مثله -
(سواء).(47)
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا
علي بن عبد الله بن أبي مطر، حدثنا محمد بن علي بن مروان، حدثنا سليمان
ابن حرب أبو أيوب، حدثنا الوليد، حدثنا جرير بن عثمان الرحبي، عن عبد
الرحمان بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب الكندي، عن رسول
الله - عَّ - قال: من نزل بقوم فعليهم أن يقروه. فاحتج بهذه الآثار من ذهب
مذهب الليث في وجوب الضيافة، واحتجوا أيضا بما روي في تأويل قوله - عز
وجل - ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ (42). قال
مجاهد : ذلك في الضيافة : إذا لم يضف، فقد رخص له أن يقول فيه. ذكره
وكيع، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال ابن جريج عن مجاهد : نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من
الأرض فلم يضفه، فنزلت ﴿إلا من ظلم﴾، ذكر أنه لم يضفه - لا يزيد على
(39) مكرر - عقبهم - مشددا ويخففا، وأعقبهم: إذا أخذ منهم عقبى وعقبة - وهو عوض ما حرموه من
القرى، انظر النهاية (عقب).
(40) أخرجه أبو داود والحاكم - وقال صحيح الإسناد.
انظر الترغيب والترهيب 371/3.
(41) كلمة سواء ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(42) الآية 14٢٠ ـ ـ رة النساء.
- 45 -

ذلك، قالوا : فهذه الآية تدل على أن ذلك ظلم، والظلم ممنوع منه، فدل على
وجوب الضيافة. واحتج الآخرون بحديث سعيد بن أبي سعيد هذا عن أبي
شريح الكعبي العدوي، عن النبي - مَّ المذكور في أول هذا الباب.
وقد رواه الليث عن سعيد بن أبي سعيد - كما رواه مالك سواء، وفيه
دليل على أن الضيافة إكرام وبر وفضيلة لا فريضة؛ ومما يدل على ذلك -
أيضا : ما رواه(43) عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال : حدثنا المقداد بن الأسود،
قال : جئت أنا وصاحب لي قد كادت تذهب أبصارنا وأسماعنا من الجوع،
فجعلنا نتعرض للناس، فلم يضفنا أحد؛ فأتينا النبي - مَافِ - فقلنا: يا رسول
الله، أصابنا جوع شديد، فتعرضنا للناس، فلم يضفنا أحد فأتيناك؛ فذهب بنا
إلى منزله - وعنده أربعة أعنز، فقال: يا مقداد، أحلبهن وجزئ اللبن لكل
اثنين (44) جزءاً.
ففي هذا الحديث : أن المقداد وصاحبه قد استضافا فلم يضافا - ولم
يأمرهما النبي - مخلل - أن يأخذا ممن استضافا قدر ضيافتهما مع شدة حاجتهما؛
فدل ذلك أن الضيافة غير واجبة جملة، أوكانت واجبة في بعض الأوقات
فنسخت. وأهل العلم يأمرون بالضيافة، ويندبون إليها ويستحبونها، وهي عندهم
على أهل البوادي آكد.(45) وقولهم(46) ليس على أهل الحضر ضيافة، يدل على
تأكيد سنتها على أهل البادية، ومنهم من سوى بين البادية والحاضرة في ذلك؛
وأما اختلافهم في إيجابها فرضا، فعلى ما تقدم ذكره؛ وأما الآية، فقد مضى عن
مجاهد فيها في هذا الباب - ما ذكرنا.
(43) رواه : أ، روى : ق.
(44) أخرجه مسلم والترمذي، انظر ذخائر المواريث 116/3.
(45) آكد : أ، أُوكد : ق.
(46) قولهم : أ، وقوله : ق.
- 46-

وقال سعيد عن قتادة في قوله : ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول إلا من ظلم﴾ - الآية، قال : عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو
على من ظلمه.
وقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير ((إلا من ظلم)) قال: إلا من أثر
ما قيل له، فلم يقل هؤلاء إن الآية نزلت في الضيافة ولا في قولهم شيء يدل
على أن الآية (47) لم تنزل في الضيافة.
وقال الطحاوي : الضيافة من كرامة الضيف على حديث أبي شريح
الكعبي. وفيه دليل على انتفاء وجوبها، قال : وجائز أن تكون كانت واجبة
عند الحاجة إليها لقلة عدد أهل الإسلام في ذلك الوقت، وتباعد أوطانهم؛ وأما
اليوم فقد عم الإسلام وتقارب أهله في الجوار. قال : وفي حديث أبي شريح
جائزته يوم وليلة، قال : والجائزة منحة، والمنحة إنما تكون عن اختيار، لا عن
وجوب وبالله التوفيق.
ومما يدل على أن الضيافة ليست بواجبة فرضا: قول رسول الله - خال -
من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يومن بالله واليوم
الآخر، فيلكرم ضيفه. وقد أجمعوا أن إكرام الجار ليس بفرض، فكذلك الضيف؛
وفي هذا الحديث وما كان مثله، دليل على أن الضيافة من مكارم الأخلاق في
الحاضرة والبادية؛ ويجوز أن يحتج بهذا من سوى بين الضيافة في البادية
والحاضرة، إلا أن أكثر الآثار في تأكيدها إنما وردت في قوم مسافرين منعوها؛
ومما يدل على أنها ليست بواجبة - فرضا: ما حدثنا عبد الله بن محمد بن
يوسف، حدثنا الحسن بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن عاصم، حدثنا جعفر بن
محمد القلانسي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سفيان - وهو الثوري - عن أبي
(47) إن الآية : أ، انها : ق.
-47 -

إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال : قلت : يا رسول الله، إني مررت
برجل فلم يضفني، ولم يقرني، أفاجازيه ؟ قال : لا، بل اقره.
حدثنا يونس بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر
ابن محمد القريابي، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال
حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمان، عن
أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - افتح ۔: حق الضيف ثلاث ليال،
وما سوى ذلك فهو صدقة.(48)
وروى أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - جائز - مثله.
وروى شريك عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مطرب، قال : سمعت عمر
ابن الخطاب يقول : إكرام الضيف يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فإن أصابه
بعد ذلك مرض أو مطر فهو دین علیه.
قال أبو عمر :
ينبغي له أن يتنزه عما كان من الضيافة صدقة، كما ينبغي له التنزه عن
الصدقة، وليست صدقة التطوع بمحرمة على أحد، إلا أن السؤال مكروه على ما
بينا فيما سلف من هذا الكتاب - والحمد لله.
حدثنا عبد الله، حدثنا الحسن، حدثنا محمد بن أحمد بن جابر، حدثنا
إسحاق بن أحمد القطان، حدثا أحمد بن منصور، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا
أبو عامر الجزار، عن نافع، قال : كان ابن عمر إذا قدم مكة، نزل على أصهاره،
فيأتيه طعامه من عند دار خالد بن أسيد، فيأكل من طعامهم ثلاثة أيام، ثم
يقول : احبسوا عنا صدقتكم، ويقول لنافع: انفق من عندك (الآن).(49) وقوله
(48) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، انظر الترغيب والترهيب للمنذري 370/3.
(49) كلمة (الآن) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
- 18-

- عَّاق - : لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه: يريد أن يقيم عنده حتى
يحرجه، والثواء : الإقامة.
قال عنترة :
طال الثواء على رسوم المنزل(50)
وقال الحرث بن حلزة :
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء (57)
وقال كثير :
أريد الثواء عندها وأظنها إذا ما أطلنا عندها المكث ملت(52)
وقوله يحرجه أي يضيق عليه بإقامته عنده حتى يحرج وتضيق نفسه،
هذا لا يحل له.
حديث ثان لسعيد بن أبي سعيد
مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله
واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها. (53)
(50) انظر الديوان ص 118.
(51) انظر المعلقات العشر ص 162.
(52) انظر الشعر والشعراء للمرزباني 422/1.
(53) الموطأ رواية يحيى ص : 694 - حديث (1790) - والحديث أخرجه مسلم عن يحيى وأبو داود
عن القعنبي والنفيلي - ثلاثتهم عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 392/4.
- 49 -
سوبر

هكذا رواه جماعة الرواة للموطأ عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن أبي هريرة. ورواه بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد بن أبي
سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة؛ وكان سعيد بن أبي سعيد - فيما يقولون - قد
سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه - عن أبي هريرة. كذا قال ابن معين وغيره
فجعلها كلها أحيانا عن أبي هريرة.
قال أبو عمر :
في هذا الحديث من الفقه أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر هذه المسافة
فما فوقها إلا مع ذي محرم أو زوج، وقد اختلفت ألفاظ أحاديث هذا الباب في
مقدار المسافة، وسنذكر ذلك والمعنى فيه في آخر هذا الباب إن شاء الله.
واختلف الفقهاء من هذا المعنى في ذي المحرم للمرأة هل هو من السبيل
الذي ذكر الله في الحج أم لا ؟ فقالت طائفة : المحرم من السبيل الذي
قال(54) الله عز وجل: ((من استطاع إليه سبيلا)(55)، فمن لم يكن لها من النساء
ذو محرم فتخرج معه، فليست ممن استطاع إلى الحج سبيلا ؛ لنهي رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها، وممن ذهب إلى
هذا: إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل،
إسحاق، وأبو ثور.
وقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل هل يكون محرما
لأم امرأته يخرجها إلى الحج (56) ؟ فقال: أما في حجة الفريضة، فأرجو، لأنها
(54) قال الله تعالى : أ، الذي ذكر الله : ق.
(55) الآية : 97 - سورة الأنعام.
(56) الحج قال : أ، الحج أم لا قال : ق.
~ 50-

تخرج إليها مع النساء، ومع كل من أمنته؛ وأما في غيرها، فلا؛ وكأنه ذهب إلى
أنه لم يذكر في القرآن.
قال أبو عمر :
يعني في قول الله عز وجل: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا
لبعولتهن﴾(57) - الآية كلها. قال الأثرم: قيل لأحمد : فيحج الرجل بأخت
امرأته ؟ قال : لا لأنها ليست منه بمحرم، لأنها قد تحل له؛ قيل له : فالأخ من
الرضاعة يكون محرما ؟ قال : نعم؛ قيل له : فيكون الصبي محرما ؟ قال : لا
حتى يحتلم، لأنه لا يقوم بنفسه، فكيف تخرج معه امرأة في سفر؟ لا حتى
يحتلم وتجب عليه الحدود، أو يبلغ خمس عشرة سنة.
وقال آخرون : جائز للمرأة أن تحج حجة الفريضة إذا كانت مع ثقات
من ثقات المسلمات والمسلمين، فأما مالك، والشافعي، فقالا : تخرج مع جماعة
النساء.
قال الشافعي : وإذا خرجت مع حرة مسلمة ثقة فلا شيء عليها.
وقال الأوزاعي : تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلما تصعد عليه وتنزل، ولا
يقربها رجل إلا أن يأخذ برأس البعير، وتضع رجلها على ذراعه.
وقال ابن سيرين : تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به ..
وروى أيوب عن محمد أنه كان إذا سئل عن المرأة لم تحج - وليس لها
محرم ؟
(57) الآية : 31 - سورة النور.
- 51-

فربما قال : ﴿إنما المومنون إخوة ﴾. (58) ويقول: رب من ليس
بمحرم أوثق من محرم . - ذكره عبد الرزاق، عن معمر، وابن التيمي، عن أيوب،
عن ابن سيرين.
قال أبو عمر :
ليس المحرم عند هؤلاء من شرائط الاستطاعة، ومن حجتهم : الإجماع في
الرجل يكون معه الزاد والراحلة - وفيه الاستطاعة، ولم يمنعه فساد طريق ولا
غيره : أن الحج عليه واجب؛ قالوا : فكذلك المرأة، لأن الخطاب واحد، والمرأة
من الناس.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على صحة ما ذهب إليه مالك، والشافعي،
وأصحابها في تقدير المسافة التي يجوز فيها للمسافر قصر الصلاة وتحديدها؛
لأنهم قالوا : لا تقصر الصلاة في مسافة أقل من يوم وليلة، وقدروا ذلك بثمانية
وأربعين ميلا - وهي أربعة برد؛ وهو قول ابن عباس، وابن عمر؛ والأصل في
ذلك حديث أبي هريرة - هذا عن النبي - عَج٣ - بما ذكرنا ، واستدلوا من هذا
الحديث بأن كل -فر يكون دون يوم وليلة، فليس بسفر حقيقة، وأن حكم من
سافر حكم الحاضر؛ لأن في هذا الحديث دليلا على إباحة السفر للمرأة فيما
دون هذا المقدار مع غير ذي محرم، فكان ذلك في حكم خروج المرأة في
حوائجها إلى السوق، وما قرب من المواضع المأمون عليها فيها في البادية
والحاضرة: وأما اليوم والليلة فظعن وسه وإيصال يكون فيه الانفراد، وتعترض
فيه الأحوال، فكان في حكم الأسفار الطوال، لأن كل ما زاد عن اليوم والليلة
من المدة في نوع اليوم والليلة وفي حكمها - والله أعلم.
(58) الآية : 10 - سورة الحجرات.
~ 52 -

وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب، واختلفت فيه الآثار : فقال مالك،
والشافعي : ما ذكرنا عنهما؛ وهو قول ابن عباس، وابن عمر - على ما وصفنا؛
وبه قال أحمد، وإسحاق؛ وحجتهم الاستدلال بحديث هذا الباب على حسبما
اجتلبنا،(59) وهو حديث مالك المذكور عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي
هريرة، عن النبي - عَّ .. وكذلك رواه ابن أبي ذئب - بمعنى رواية مالك في
تحديد مسيرة يوم وليلة، وربما قال ميرة يوم فما فوقه. إلا أنه قال فيه عن
سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه - كما قال بشر بن عمر عن مالك.
وكذلك رواه شيبان عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن
أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ◌َّ - مثله على اختلاف عن سهيل في ذلك.
وقد روي هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن أبي سعيد، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله - وافر - : لا تسافر امرأة بريدا إلا مع زوج أو
ذي محرم.(60)
ورواه ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن
رسول الله يرفع - قال: لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم - لم يقل يوما ولا
غيره، والألفاظ عن سهيل في هذا الحديث مضطربة لا تقوم بها حجة من
روایته.
وقالت طائفة : لا تقصر الصلاة إلا في مسيرة يومين، وكل سفر يكون
دون ليلتين، فللمرأة أن تسافر بغير محرم. هذا قول الحسن البصري والزهري،
ومن حجتهم ما رواه شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة مولى
زياد، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله - شرائح - يقول: لا تسافر
المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم.
(59) اجتلبنا : أ ، ذكرنا: ق.
(60). أخرجه أبو داود والحاكم، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 398/6.
- 53 -.

ورواه مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قزعة، عن أبي سعيد، عن
النبي - صلّ -: لا تسافر امرأة فوق يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم
منها.(61)
وقال آخرون : لا يقصر المسافر الصلاة إلا في مسيرة ثلاثة أيام فصناعدا،
وكل سفر يكون دون ثلاثة أيام، فللمرأة أن تسافر بغير محرم. هذا قول
الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وهو قول ابن مسعود، قال أبو حنيفه، ثلاثة أيام
ولياليها : مسير الإِبل ومشي الأقدام، ومن حجتهم : ما رواه عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - مجزٍ - قال: ((لا يحل لا مرأة أن تسافر
مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم)).(62)
ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - مُ ◌ّ - مثله.
وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله
- مٍَّ - : لا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيام فصاعدا - إلا ومعها زوجها أو ابنها أو
ذو محرم منها.(63) وبعض أصحاب الأعمش يقول فيه بإسناده فوق ثلاث.
وروى سهيل، عن أبيه، وسعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - عزالو
۔ مثله سواء. هذه رواية وهیب، عن سهيل.
وروى روح بن القاسم عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - مرفوعا مثله
بمعناه. والرواية الأولى عن سهيل رواها حماد بن سلمة، وعبد العزيز بن
المختار، عن سهيل.
(61) أخرجه البخاري، انظر الفتح الكبير 323/3.
(62) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود بلفظ: لا تسافر المرأة. انظر الجامع الصغير بشرح
فيض القدير 398/6.
(63) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود بلفظ: لا يحل للمرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا
يكون ثلاثة أيام فصاعدا ... الفتح الكبير 397/3.
- 54 -

وروى بكر بن خنيس، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي
- معدات - قال: لا تسافر امرأة في الإسلام مسيرة بريد إلا مع زوج أو ذي محرم.
فحصل حديث سهيل في هذا الباب مضطربا في إسناده ومتنه.
وقد روى سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد، عن سعيد المقبري، عن أبي
هريرة، أن النبي - مُّ - قال: يا نساء المؤمنات، لا تخرج امرأة مسيرة ليلة
إلا ومعها ذو محرم.
وقد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب - كما ترى - في ألفاظها،
ومحملها - عندي - والله أعلم - أنها خرجت على أجوبة السائلين، فحدث كل
واحد بمعنى ما سمع، كأنه قيل له - مُ التّ - في وقت ما : هل تسافر المرأة
مسيرة يوم بلا محرم ؟ فقال : لا. وقيل له في وقت آخر : هل تسافر المرأة
مسيرة يومين بغير محرم ؟ فقال : لا. وقال له آخر : هل تسافر المرأة مسيرة
ثلاثة أيام بغير محرم ؟ فقال : لا. وكذلك معنى الليلة، والبريد، ونحو ذلك؛
فأدى كل واحد ما سمع على المعنى - والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا
الباب - وإن اختلفت ظواهرها - الحظر على المرأة أن تسافر سفرا يخاف عليها
الفتنة بغير محرم - قصيرا كان أو طويلا - والله أعلم.
ومن حجة من ذهب في هذه المسألة، مذهب أبي حنيفة : أن الثلاثة
الأيام سفر مجتمع على تقصير الصلاة فيه، والأصل في الصلاة التمام باليقين،
فالواجب أن لا تقصر إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه في الثلاثة
الأيام؛ لأن ما دون ذلك مختلف فيه، وهو قول ابن علية؛ وهذا - وإن كان
نظرا واحتياطا - فليس بجيد من طريق الاتباع، وأولى ما قيل في هذا الباب
من طريق الاتباع : مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأهل المدينة، والشافعي .
والله الموفق للضواب.
وقال الأوزاعي : عامة العلماء يقولون : يقصر المسافر في مسيرة اليوم
التام. قال : وبه نأخذ، وفي هذا الباب شذوذ تركنا حكايته تعلق به داود.
- 55 -

حديث ثالث لسعيد بن أبي سعيد
مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي
هريرة، قال : خمس من الفطرة : تقليم الأظفار، وقص الشارب،
وحلق العانة، ونتف الإبط، والاختتان.(64)
هذا الحديث في الموطأ موقوف عند جماعة الرواة، إلا أن بشر بن عمر
رواه عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة، عن
النبي - ◌َّ - فرفعه وأسنده. وهو حديث محفوظ عن أبي هريرة، عن النبي
- مكة - مسندا صحيحا، رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة،
عن النبي - عَ لّ . - ولصحته مرفوعاً ذكرناه - والحمد لله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا بشر بن عمر،
قال : حدثنا مالك بن أنس، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال :
قال رسول الله - مُ الله -: خمس من الفطرة: تقليم الأظفار، وقص الشارب،
ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان.
وكذلك ذكره ابن الجارود، عن عبد الرحمان بن يوسف، عن بندار؛
ويحيى بن حكيم - جميعا - عن بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد بن أبي
سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ◌َّم -.
(64) الموطأ رواية يحيى ص 660 - حديث (1666).
~ 56 -

ورواه محمد بن يحيى الذهلي، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد
المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة - موقوفا - لم يتجاوز به أبا هريرة، وهو
الصحيح في رواية مالك - إن شاء الله. وقد روي عن مالك مرفوعا من غير
رواية بشر بن عمر :
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة
الرازي، قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان الهمي، حدثنا أبي،
حدثنا ابن لهيعة، عن عيسى بن موسى بن حميد بن أبي الجهم العدوي، عن
مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة - يأثره، قال : الفطرة
قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة. وأمّا رواية الزهري،
فصحیح رفعه فيها :
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر
ابن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا سفيان بن عيينة.
وأخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن
محمد الصائغ، قال حدثنا سليمان بن داود، قال أخبرنا إبراهيم بن سعد - جميعا
- عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول
الله - ◌َّ - يقول: الفطرة خمس: الختان، والاستحداد،(65) وقص الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
وكذلك رواه أبو داود الطيالسي، عن زمعة بن صالح، عن الزهري بإسناده
- مثله.
وقد روي أن قص الشارب والختان مما ابتلي به إبراهيم الخليل - عليه
السلام .. ذكر سنيد، عن ابن علية، عن أبي رجاء أنه سأل الحسن عن قوله - عز
(65) الاستحداد : حلق العانة بالحديدة.
- 57-

وجل -: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾(66) قال : ابتلاه
بالكوكب فرضي، وابتلاء بالقمر فرضي، وابتلاه بالشمس فرضي، وابتلاه بالنار
فرضي، وابتلاه بالهجرة فرضي، وابتلاه بالختان فرضي.
وذكر عن أبي سفيان، عن معمر، عن الحسن - مثله. قال معمر : وقال
قتادة : قال ابن عباس : ابتلاه الله بالمناسك، قال: وقال آخرون : ابتلاه الله
بالطهر، وقص الشارب.
قال أبو عمر :
قص الشارب، والختان من ملة إبراهيم لا يختلفون في ذلك. ذكر(67)
مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد - انه قال : كان إبراهيم أول من ضيف
الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب
فقال : يارب ما هذا ؟(68) فقال الله: وقار يا إبراهيم، فقال : رب زدني
وقارا.(69)
وروى الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة، عن النبي - عَّ - قال: اختتن إبراهيم - وهو ابن عشرين ومائة سنة،
ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.(70)
وروى هذا الحديث غير الأوزاعي - جماعة عن يحيى بن سعيد، عن
سعيد، عن أبي هريرة - موقوفا، وهو مرفوع من حديث ابن عجلان، (71) عن
(66) الآية : 124 - سورة البقرة.
(67) ذكر: أ، قال : ق.
(68) فقال: أ، قال : ق.
(69) انظر الموطأ رواية يحيى ص : 660 - حديث (1667).
(70) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم انظر الجامع بشرح فيض القدير 207/1.
(71) يعنى به محمد بن عجلان المدني القرشي أحد العلماء العاملين، انظر تهذيب التهذيب 341/9.
- 58 -

أبيه، عن أبي هريرة؛ ومن حديث المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي - عَ لّ ..
وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن، وقال أكثرهم : الختان من
مؤكدات سنن المرسلين، ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال.
وقالت طائفة: ذلك فرض واجب، لقول الله - عز وجل - : ﴿ ثم أوحينا.
إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾(72) . - قال قتادة : هو الاختتان.
قال أبو عمر :
ذهب إلى هذا بعض أصحابنا المالكيين، إلا (أنه(73) عندهم في الرجال،
وقد يحتمل أن تكون ملة إبراهيم المأمور باتباعها : التوحيد، بدليل قوله :
((لكل جعلنا منكم شرعة ومنها جا)).(74)
وقد روى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب، عن علي، أن سارة لما
وهبت هاجر لإبراهيم فأصابها، غارت سارة فحلفت ليغيرن منها ثلاثة أشياء،
فخشي إبراهيم أن تقطع أذنيها أو تجذع أنفها؛ فأمرها أن تخفضها، وتثقب
أذنيها.
وروي عن أم عطية أنها كانت تخفض نساء الأنصار.
وروى حجاج بن أرطاة عن ابن أبي المليح، عن أبيه، عن شداد بن أوس،
أن رسول الله صُ فٍ - قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء.
واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا، وهو يدور على
حجاج بن أرطاة - وليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع المسلمون
عليه : الختان في الرجال على ما وصفنا.
(72) الآية : 123 - سورة النحل.
(73) كلمة (انه) غير واضحة اثبتها استظهارا.
(74) الآية : 48 - سورة المائدة.
- 59 -

وذكر ابن إسحاق وغيره، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب - في حديث هرقل - أنه أصبح مهموما
يقلب طرفه إلى السماء، فقال له بطارقته : لقد أصبحت أيها الملك مهموما ؟
فقال لهم : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر،
قالوا(75): لا يهمنك، إنا لا نعرف أمة تختتن إلا اليهود - وهم في سلطانك
وتحت يديك؛ فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك، فليضرب أعناق
من تحت يديه من اليهود، واسترح من هذا الغم؛ فبينا هم على أمرهم ذلك، إذ
أُتي هرقلْ برجل أُرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله - عَ لّ؛ - فلما
استخبره هرقل، قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه، فإذا هو
مختتن؛ فسأله عن القوم، فقال : هم يختتون؛ فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة
قد ظهر - في حديث طويل. وتواترت الروايات عن جماعة العلماء أنهم قالوا :
ختن إبراهيم (ابنه)(76) إسماعيل لثلاث عشرة سنة، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام.
وروي عن فاطمة - رضي الله عنها - أنها كانت تختن ولدها يوم السابع.
وقال الليث بن سعد : يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر.
وقال ابن حنبل : لم أسمع في ذلك شيئا.
وقال الميوني : قلت لأبي عبد الله - يعني - أحمد بن حنبل - مسألة
سئلت عنها ختان ختن صبيا فلم يستقص ؟ قال : إذا كان الختان جاوز نصف
الحشفة إلى فوق فلا يعيد، لأن الحشفة تغلظ؛ وكلما غلظت، ارتفع الختان؛
فأما إذا كان الختان دون النصف، فكنت أرى أن يعيد؛ قلت : فإن الإعادة
شديدة جدا، وقد يخاف عليه من الإعادة؛ فقال : لا أدري، ثم قال لي أحمد :
(75) قالوا : ق، قال : أ - وهو تحريف ظاهر.
(76) كلمة (ابنه) ساقطة في أ، ثابتة بهامش ق وعليها علامة (صح).
- 60-