Indexed OCR Text

Pages 241-260

حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمان، قال حدثنا أحمد بن مطرف، وحدثنا
إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن (محمد)(*15) بن عثمان، قالا حدثنا سعيد بن
عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال حدثنا محمد بن الصباح، قال
حدثنا شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن
عائشة، قالت: فقدت النبي ◌ََّائِ فاتبعته، فأتى البقيع فقال : السلام عليكم دار
قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجورهم ولا تفتنا
بعدهم(159).
ورواه أبو داود الطيالسي، قال حدثنا شريك، عن عاصم بن عبيد اله،
عن القاسم بن محمد، عن عائشة - مثله.
وذكر العقيلي قال حدثنا حجاج بن عمران، حدثنا محمد بن عبد الله بن
عبد الرحيم البرقي، حدثنا سعيد بن هاشم، حدثنا مسلم بن خالد، عن زيد بن
أسلم، عن صخر بن أبي سمية، عن عبد الله بن عمر، أنه قام على باب عائشة مرة -
وقدم من سفر - فقال : السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر،
السلام عليك يا أبت.
وروينا عن أبي هريرة أنه قال : من دخل المقابر فاستغفر لأهل القبور
وترحم على الأموات، فكأنما شهد جنائزهم، وصلى عليهم (69).
وقال الحسن من دخل المقابر فقال : اللهم رب الأجساد البالية، والعظام
النخرة، إنها خرجت من الدنيا - وهي بك مؤمنة، فأدخل عليها روحا منك،
وسلاما مني كتب الله له بعددهم حسنات. وأظن قوله: وسلاما مني - مأخوذا من
قول النبي ◌َّ : السلام عليكم.
(158) كلمة (محمد) ساقطة في أ، ثابتة في ق - وهي كذلك في أكثر الأسانيد.
(159) أخرجه ابن ماجه، انظر الفتح الكبير 174/2.
(160) وصلى عليهم : أ، والصلاة عليهم : ق.
-241 -
التمهيدج ٢٠

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه خرج إلى المقابر، فلما
أشرف على أهل القبور، رفع صوته، فنادى يا أهل القبور أتخبرونا عنكم، أو نخبركم
خبر ما عندنا ؟ أما خبرما قبلنا فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوجن، والمساكن
قد سكنها قوم غيركم، هذا خبر ما قبلنا؛ فأخبرونا خبر ما قبلكم، ثم التفت إلى
أصحابه، فقال: أما والله لو استطاعوا أن يجيبوا، لقالوا: لم نر زادا خيرا من
التقوى. وهذا كله مر على سبيل الاعتبار، وما يذكر إلا أولو الأبصار.
أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا محمد بن مسعود، قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيمي،
عن أبي عثمان النهدي(١٥٦). قال خرج رجل في يوم فيه دفء.(162) فأتى الجبان (163)،
فصلى ركعتين، ثم أتى قبرا، فاتكاً عليه، فمع صوتا : ارتفع عني ولا تؤذيني إنكم
تقولون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نقول(16)، لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب
إلى من كذا وكذا.
وروينا عن ثابت البناني أنه قال : بينا أنا أمشي في المقابر، إذا أنا بهاتف
يهتف من ورائي يقول : يا ثابت، لا يغرنك سكوتنا، فكم من مغموم فيها ؟!
قال : فالتفت فلم أر أحدا.
وروينا أن عمر بن الخطاب مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل
القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد
فرقت؛ فأجابه هاتف : يا عمر بن الخطاب، أخبار ما عندنا أن ما قدمناه قد(165)
وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه.
(161) هكذا في ق، وفي: أ، زيادة كلمات لم أستبن قراءتها، ولعلها : (عبد الرحمان بن عدي بن وهب
النهدي). انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 277/6 - 278.
(162) دفء : أ، وفا : ق.
(163) الجبان : مكان القبور، مؤنثه : الجبانة : المقبرة.
(164) تقولون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نقول : أ، تعلمون ولا تعملون، ونحن نعلم ولا نعمل : ق.
(165) قد : أ، فقد : ق.
- 242-

ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى من النظم : قول أبي العتاهية :
إني أكلمكم وليس بكم كلام
أهل القبور عليكم متى السلام
من بعدكم لهم الشراب ولا الطعام
لا تحسبوا أن الأحبة لم يسع
وفرق ذات بينكم الحمام
كلا لقد رفضوكم واستبدلوا بكم
قد مات ليس له على حي ذمام(67)
والخلق كلهم كذلك فكل (166) من
وأما قوله ◌َ التّ: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ففي معناه قولان:
أحدهما أن الاستثناء مردود على معنى قوله : دار قوم مومنين، أي وإنا بكم لا
حقون مومنين - إن شاء الله، يريد في حال إيمان، لأن الفتنة لا يأمنها مومن؛ ألا
ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾، (168)
وقول يوسف عَلَّل: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾.(169) والوجه الثاني
أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لابد من وقوعها كالموت والكون في
القبر، ولابد منه ليس على سبيل الشك، ولكنها لغة العرب؛ ألا ترى إلى قول الله
تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾.(179) والشك لاسبيل
إلى إضافته إلى الله - عز وجل (تعالى)(١٣١) عن ذلك علام الغيوب.
وأما قوله : وددت أني رأيت إخواننا، فقيل : يا رسول الله، لسنا
بأخوانك ؟ قال : بلى أنتم أصحابي - وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. فظاهر هذا
الكلام أن إخوانه مراتّ غير أصحابه وأصحابه الذين رأوه وصحبوه مؤمنين،
(166) في الديوان (وكل).
(167) انظر الديوان ص 238.
(168) الآية : 35 - سورة إبراهيم.
(169) الآية : 1 سورة يوسف.
(170) الآية : 27 - سورة الفتح.
(171) كلمة (تعالى) ساقطة أ، ثابتة في ق - والمعنى يقتضيها.
- 243 -

وإخوانه الذين آمنوا به - ولم يروه - وقد جاء منصوصا عنه مَ الله. والإِخوان
والإخوة هنا معناهما سواء، وقد قرئت : ﴿إنما المومنون إخوة، فأصلحوا بين
أخويكم﴾(172) - وبين إخوتكم، وبين إخوانكم.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قرأ بهذه الثلاث، قرأ : بين أخويكم
وإخوتكم وإخوانكم(٢١)، قال أبو حاتم: والمعنى واحد؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿إنما
المومنون إخوة )، وقوله : ﴿أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم﴾(174)؛
إلا أن العامة أولعت بأن تقول : إخوتي في النسب، وإخواني في الصداقة؛ وممن قرأ
(فأصلحوا بين إخوانكم) : ثابت البناني، وعاصم الجحدري؛ وروي ذلك عن زيد بن
ثابت، وابن مسعود ويعقوب: إخوتكم، وقراءة العامة أخويكم على اثنين في
اللفظ.
(وأما الأصحاب، فمن صحبك وصحبته؛ وجائز أن يسمى الشيخ صاحبا
للتليذ، والتليذ صاحبا للشيخ؛ والصاحب القرين الماشي المصاحب؛ فهؤلاء كلهم
أصحاب وصحابة)(176).
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا ابن أبي رافع بمصر، قال حدثنا إسماعيل
ابن إسحاق، حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا حماد بن أسامة، قال حدثنا
الأحوص بن حكيم، عن أبي عون، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي سعيد الخدري،
(172) الآية : 10 - سورة الحجرات.
(173) كذا عند المؤلف، والذي في تفسير القرطبي ج 323/16 - أن الحسن قرأ (إخوانكم) - بالنون، وأن
ابن سيرين، ونصر بن عاصم، وأبا العالية، والجحدري ويعقوب، قرأوا (بين إخوتكم) - بالتاء
على الجمع، والباقون (أخويكم) بالياء على التثنية، وحكى أبو حيان في البحر - الخلاف عن
الحسن، قال : وقرأ أبو عمرو بالثلاث.
انظر 112/8.
(174) الآية 61 - سورة النور.
(175) زيادة انفردت بها نسخة (ق) وسقطت منها القراءات التي أورتها (أ).
- 244 -

أن النبي ◌ُ الم قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني. هذا إسناد
ليس في واحد منهم مقال إلا الأحوص بن حكيم، فإن ابن معين وطائفة من أهل
العلم بالحديث ضعفوه، وقالوا : عنده مناكير؛ وكان ابن عيينة يوثقه، ويثني
عليه.(17) وأبو عون هو محمد بن عبيد الله الثقفي أجمعوا أنه ثقة،(17) وسائر من في
الإسناد أئمة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا حامد بن يحيى، وإبراهيم بن المنذر،
قالا حدثنا محمد بن معن الغفاري، قال حدثنا داود بن خالد بن دينار، قال :
مررت يوما أنا ورجل من بني تيم يقال له يوسف أو أبو يوسف على ربيعة بن
أبي عبد الرحمان، فقال له أبو يوسف : يا أبا عثمان إنا لنجد عند غيرك من
الحديث ما لا نجد عندك، فقال : إن عندي حديثا كثيرا، ولكن ربيعة بن الهدير
أخبرني وكان يلزم طلحة بن عبيد الله أنه لم يسمع طلحة يحدث عن رسول
الله خير حديثا قط غير حديث واحد. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمان : لربيعة
ابن الهدير وما هو ؟ قال: ني طلحة: خرجنا مع رسول الله مُ تّ حتى أشرفنا
على حرة واقم، وتدلينا منها، فإذا قبور مجبنة؛ فقلنا : يا رسول الله، هذه قبور
إخواننا ؟ قال : هذه قبور أصحابنا؛ ثم مشينا حتى جئنا قبور الشهداء، فقال
رسول الله ◌َ تع: هذه قبور إخواننا(178).
قال أبو عمر :
٠٠
هذا حديث صحيح الإسناد، وفيه أنه قال عليّ في قبور الشهداء : هذه
قبور إخواننا، ومعلوم عنه أنه قال في الشهداء في عصره : أنا شهيد عليهم.
(176) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 192/1 - 193.
(177) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 322/9 - 324.
(178) أخرجه أبو داود، انظر ذخائر المواريث 274/1.
- 245 -

وقد روى الحميدي هذا الحديث عن محمد بن معن الغفاري، ورواه أيضا
علي بن عبد الله المديني، عن محمد بن معن الغفاري.
ورواه أحمد بن حنبل، عن علي بن المديني، أخبرنا به عبد الله بن محمد
ابن يحيى، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن
حنبل، قال : حدثني أبي، قال حدثنا علي بن عبد الله، قال حدثني محمد بن معن
الغفاري، قال حدثني داود بن خالد بن دينار - أنه مر هو ورجل يقال له أبو
يوسف من بني تيم على ربيعة بن أبي عبد الرحمان فقال له أبو يوسف : إنا لنجد
عند غيرك من الحديث ما لا نجد عندك، فقال : أما إن عندي حديثا كثيرا،
ولكن ربيعة بن الهدير حدثني - وكان يلزم طلحة بن عبيد الله - أنه لم يسمع
طلحة بن عبيد الله يحدث عن رسول الله يافع حديثا قط غير حديث واحد، قال
ربيعة بن عبد الرحمان : وما هو ؟ قال : قال لي طلحة بن عبيد الله : خرجنا
مع رسول الله ◌َ ◌ّ حتى أشرفنا على حرة واقم، قال: فتدلينا منها، فإذا قبور
بمجبنة، فقلنا : يا رسول الله، قبور إخواننا هذه؟ قال: قبور أصحابنا، ثم
خرجنا وأتينا قبور الشهداء، فقال رسول الله مَ ◌ّ : هذه قبور إخواننا.
قال أبو عمر :
حرة واقم هي الحرة التي كانت بها الوقيعة يو الحرة بالمدينة، أوقعها بهم
مسلم بن عقبة أيام يزيد بن معاوية؛(779) وإياها عنى الشاعر(160) بقوله :
فإن تقتلونا يوم حرة واقم فنحن على الإسلام أول من قتل
قال علي بن المديني : لا أحفظ لداود بن خالد غير هذا الحديث.
(179) انظر تاج العروس (حر) 135/3.
(180) هو محمد بن بجرة الساعدي، انظر معجم البلدان (حر) 249/2.
- 246-

قال أبو عمر :
هذا حديث مدني حن الإسناد، محمد بن معن عندهم ثقة، (18) وداود بن
خالد بن دينار لم يذكره أحد بجرحة ولا ضعفه أحد من نقلة أئمة أهل الحديث،
ولم ينكره أحد منهم(182).
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق الجوهري،
قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، قال حدثنا عمرو بن خالد، قال حدثنا ابن
لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبد
الرحمان بن أبي عمرة، عن أبيه، قال: قيل: يا رسول الله، أرأيت من آمن بك ولم
يرك (وصدقك ولم يرك؟)(18) فقال مؤ التز: أولئك إخواننا، أولئك معنا، طوبي
لهم، طوبي لهم.
ومن حديث ابن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ◌َخفتم يوما فقعد،
وجاء عمر فقال : يا عمر، إني أشتاق إلى إخواني، فقال عمر : ألسنا بأخوانك يا
رسول الله ؟ قال : لا، ولكنكم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني.
أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا محمد
ابن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال حدثنا موسى بن داود،
عن همام، عن قتادة، عن أنس، عن أبي أمامة، أن النبي ◌َ ◌ّ قال: طوبى لمن رآني
وآمن بي، وطوبى سبع مرات لمن لم يراني وآمن بي (184).
ورواه أبو داود الطيالسي، قال حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن أبي
أمامة، قال سمعت رسول الله پے يقول : طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبی سبعا
لمن لم یراني وآمن بي.
(181) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 467/9 - 468.
(182) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 182/3.
(183) جملة (وصدقك ولم يرك) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(184) أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير.
- 247 -

وهذا الحديث في مسند أبي دواد الطيالسي : أخبرنا بجميعه أحمد بن سعيد
ابن بشر، وأحمد بن عبد الله بن محمد بن علي - إجازة - عن مسلمة بن قاسم، عن
جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني، عن يونس بن حبيب بن عبد القاهر، عن أبي
داود. وذكر مسلم بن الحجاج، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا يعقوب بن
عبد الرحمان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول
الله مؤافتحٍ قال : من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني
بأهله وماله(185).
ومن مسند أبي داود الطيالسي، عن محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم،
عن أبيه، عن عمر، قال: كنت جالسا عند النبي ◌ُ ◌ّ فقال: أتدرون أي الخلق
أفضل إيمانا ؟ قلنا : الملائكة، قال: وحق لهم بل غيرهم؛ قلنا : الأنبياء، قال :
حق لهم بل غيرهم؛ قلنا : الشهداء، قال : هم كذلك وحق لهم، بل غيرهم؛ ثم قال
رسول الله ياتي: أفضل الخلق إيمانا، قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم
يروني، يجدون ورقا فيعملون بما فيه، هم أفضل الخلق إيمانا.
وحدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى،
قال حدثنا إسحاق بن محمد بن حمدان، قال حدثنا أبو يحيى زكرياء بن يحيى
الساجي، قال حدثنا محمد بن المتني، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن أبي حميد،
عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ما لحم
يقول : أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا، قلنا : الملائكة - وذكر الحديث كما تقدم.
وذكر سنيد، عن خلف بن خليفة، عن عطاء بن السائب، قال : قال :
ابن عباس يوما لأصحابه: أي الناس أعجب إيمانا ؟ قالوا: الملائكة، قال :
وكيف لا تومن الملائكة، والأمر فوقهم ؟ قالوا : الأنبياء : قال : وكيف لا تومن
الأنبياء والأمر ينزل عليهم غدوة وعشية ؟ قالوا: فنحن ؟ قال : كيف لا
(185) أخرجه في كتاب الجنة ج 350/2.
- 248 -

تومنون وأنتم ترون من رسول الله مؤقّ ما ترون ؟ ثم قال: قال رسول
الله ◌َتعٍ: أعجب الناس إيمانا قوم ياتون بعدي يومنون بي ولم يروني، أولئك
إخواني حقا.
:
وكان سفيان بن عيينة يقول تفسير هذا الحديث وما كان مثله بين في
كتاب الله وهو قوله: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله،
وفيكم رسوله﴾(186).
وروى مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري أن النبي ◌ّ التّ قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما
تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل بينهم؛ قالوا :
يارسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده،
رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين(187). وروى فليح بن سليمان(188)، عن هلال بن
علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َاف نحوه. وقال محمد بن
يچي : كلاهما غير مرفوع.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا هارون بن معروف، قال حدثنا ضمرة، عن مرزوق بن
نافع؛ عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، قال : قلنا يا رسول الله، هل أحد خير
منا ؟ قال : نعم، قوم یجیئون من بعدم، فیجدون کتابا بین لوحین یومنون بما
فيه، ویومنون بي ولم يروني.
(186) الآية : 101 - سورة آل عمران.
(187) أخرجه الشيخان والترمذي.
(188) انظر تهذيب التهذيب 303/8 - 304.
~ 249-

قال أبو عمر :
أبو جمعة له صحبة، فاسمه حبيب بن سباع، وقد ذكرناه بما ينبغي عن
ذكره في كتاب الصحابة (189)، وصالح بن جبير من ثقات التابعين روى عنه قوم
جلة، منهم أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك شيخ مالك، ومرزوق بن نافع،
ومعاوية بن صالح، وهشام بن سعد، ورجاء بن أبي سلمة، وغيرهم؛ قال عثمان بن
سعيد السجستاني الدارمي : سألت يحيى بن معين، عن صالح بن جبير : كيف
هو ؟ فقال : ثقة(190).
وروى أبو ثعلبة الخشني، عن النبي ◌َّ أنه قال : إن أمامكم أياما الفائز
فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهم أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله؛ قيل :
يا رسول الله منهم؟ قال: بل منكم. وهذه اللفظة: بل منكم قد سكت عنها
بعض رواة هذا الحديث فلم يذكرها.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو خالد الأخمر، عن يحيى
بن سعيد، عن أبي صالح، عن رجل من بني أسد، عن أبي ذر، قال : قال رسول
الله ◌ُ ◌ّه إن من أشد أمتي حبا لي قوما يأتون من بعدي، يود أحدهم لو يعطي
ماله وأهله ویراني.
قال أبو عمر :
قد عارض قوم هذه الأحاديث بما جاء عنه ◌ُ ◌ّ : خير الناس قرني، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم(19). وهو حديث حسن المخرج، جيد الإسناد، وليس
ذلك عندي بمعارض؛ لأن قوله ◌َ لَّ: خير الناس قرني - ليس على عمومه، بدليل
(189) انظرج 1620/4 - 1621.
(190) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 383/4 - 384.
(191) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود - الفتح الكبير 99/1.
- 250 -

: ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه مع السابقين من المهاجرين،
والأنصار جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو
على بعضهم الحدود، وقال لهم : ما تقولون في الشارب والسارق والزاني ؟ وقال
مواجهة لمن هو في قرنه : لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ
مد أحدهم ولا نصفه(19). وقال لخالد بن الوليد في عمار: لا تسب من هو خير
منك.
*
وقال عمر بن الخطاب في قوله - عز وجل : ﴿كنتم خير أمة أخرجت
للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾(193) قال: من فعل مثل
فعلهم کان مثلهم.
وقال ابن عباس في قوله : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ : م
الذي هاجروا من مكة إلى المدينة، وشهدوا بدرا والحديبية. وهذا كله يشهد أن
خير قرنه فضلا اصحابه، وأن قوله : خير الناس قرني، أنه لفظ خرج على العموم
ومعناه الخصوص؛ وقد قيل في قول الله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾؛
أنهم أمة محمد عَّ - يعني الصالحين منهم، وأهل الفضل هم شهداء على الناس يوم
القيامة. قالوا : وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون، لأنهم آمنوا حين كفر
الناس، وصدقوه حين كذبه الناس، وعزروه ونصروه وآووه وواسوه بأموالهم
وأنفسهم، وقاتلوا غيرهم على كفرهم، حتى أدخلوهم في الإسلام؛ وقد قيل في توجيه
أحاديث الباب مع قوله : خير الناس قرني - إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء
في إيمانهم، لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم؛ وإن آخر هذه الأمة
إذا أقامو الدين وتمسكوا به، وصبروا عى طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق،
(192) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد.
الفتح الكبير 323/3 - 324.
(193) الآية : 110 - سورة آل عمران.
~ 251 -

والهرج والمعاصي، والكبائر، كانوا عند ذلك أيضا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك
الزمن، كما زكت أعمال أوائلهم؛ ومما يشهد لهذا قوله يَّ إن الإسلام بدا غريبا ،
وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء(194). ويشهد له أيضا حديث أبي الخشني وقد تقدم
ذكره، ويشهد له أيضا، قوله مخافر : أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره.
وقد ذكر البخاري قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي،
عن حميد عن أنس، قال : قال رسول الله شرائح: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في
الأرض : الله، الله(195).
قال أبو عمر :
فما تلك بعبادة الله وإظهار دينه في ذلك الوقت أليس هو كالقابض على
الجمر لصبره على الذل والفاقة، وإقامة الدين والسنة.
وروينا أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، كتب إلى سالم بن عبد
الله بن عمر: أن أكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم إن
عملت بسيرة عمر، فإنها فضل من عمر، لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك
كرجال عمر؛ قال: وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم، وقد
عارض بعض الجلة من العلماء قوله ◌َ التّ : خير الناس قرني، بقوله عليه السلام :
خير الناس من طال عمره وحسن عمله (19).
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن
إسحاق قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة،
عن حميد ويونس عن الحسن، عن أبي بكرة أن رجلا قال : يا رسول الله، أي
(194) أخرجه مسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير
.321/2
(195) أخرجه في كتاب الرقاق.
(196) أخرجه أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن بسر، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير
.480/3
- 252 -

الناس خير ؟، قال : من طال عمره وحسن عمله، قال : فأي الناس شر ؟ قال :
من طال عمره وساء عمله(197).
وأما قوله مدافع : أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره ؟ فروي من
حديث أنس، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي - من وجوه حسان، منها ما
رواه أبو داود الطيالسي بالإسناد المتقدم عنه، قال حدثنا حامد بن يحيى الأبح،
قال حدثنا ثابت البناني، عن أنس، أن النبي مدائن قال : أمتي كالمطر، لا يدرى
أوله خير أم آخره. وبه عن أبي داود الطيالسي قال حدثنا عمران، عن قتادة،
قال: حدثنا صاحب لنا عن عمار بن ياسر، أن النبي مَافعٍ قال : مثل أمتي
كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره، وذكر أبو عيسى الترمذي قال حدثنا قتيبة بن
سعيد، قال حدثنا حماد بن يحيى الأبج عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال : قال
رسول الله قال: أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره (*15).
حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، قال : سمعت يحيى
ابن معين يقول : حماد بن يحيى الأبح ثقة(15).
قال أبو عمر :
من قبله ومن بعده يستغنى عن ذكرهم، لأنهم حجة عندهم في نقلهم.
وحدثنا خلف بن أحمد، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا أبو
صالح أيوب بن سليمان، وأبو عبد الله بن محمد بن عمر بن لبابة، قالا حدثنا أبو
(197) أخرجه أحمد والترمذي والحاكم من حديث أبي بكرة - المرجع السابق.
(198) أخرجه في باب الأدب بلفظ : مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره. ج 316/10 .
.317
(199) هو أبو بكر حماد بن يحي الأبح - بموحدة - بعدها - مهملة - السلمي البصري اختلفوا في
توثیقه، انظر تهذيب التهذيب 21/3 - 23.
- 253 -

زيد عبد الرحمان بن إبراهيم، قال : حدثنا أبو عبد الرحمان بن عبد الله بن يزيد
المقرئ، عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمان
ابن زياد الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول الله مائل قال:
أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره. وقد روي هذا الحديث عن مالك، عن
الزهري، عن أنس، عن النبي ◌ٍَّ، رواه عنه هشام بن عبيد الله، وهشام بن عبيد
الله الرازي - هذا ثقة، لا يختلفون في ذلك (200).
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسن بن أحمد
السجستاني بمصر، قال حدثنا أبو علي الرفاء بهراة؛ وحدثنا خلف بن قاسم، قال
حدثنا محمد بن عبد الله، قال حدثنا جعفر بن محمد بن إدريس القزويني، قالا
حدثنا محمد بن المغيرة السكري، قال حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، قال حدثنا
مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: رسول الله ◌َ ◌ّ: مثل أمتي مثل
المطر لا يدرى أوله خير أم آخره.
وذكر أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، في مسند حديث مالك له
فقال : حدثنا أبو علي حامد بن يحي الهروي، قال حدثنا محمد بن المغيرة السكري
بهمدان، قال حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، قال حدثنا مالك بن أنس، عن
الزهري، عن أنس، قال: قال رسول اله ◌َ اللّ: مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى
أوله خير أم آخره(20).
وروى ابن مسعود، وابن عباس، عن النبي مقل أنه لما عرضت الأمر عليه،
فرأى أمته سوادا كثيرا فرح، فقيل له : بأن لك سوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفا
يدخلون الجنة، لا حساب عليهم. فقال بعض أصحابه لبعض : من ترون هؤلاء؟
(200) تأمله مع أن ابن حبان أدرجه في الضعفاء وقال: إنه كان بهم ويخطئ على الثقات، وقال
الذهبي في الميزان حديثه: مثل أمتي مثل المطر - باطل. انظر تهذيب التهذيب 47/11 - 48.
(201) عقب الدارقطني على هذا الحديث وقال : إنه تفرد هشام الرازي بحديث مالك هذا، وأنه وهم
فيه، فدخل عليه حديث في حديث. انظر تهذيب التهذيب 48/11.
- 254 -

فقالوا : ما نراهم إلا قوم ولدوا في الإسلام، لم يشركوا بالله شيئا، وعملوا بالإسلام
حتى ماتوا عليه؛ فبلغ ذلك النبي ◌َ ◌ٍّ فقال : بل هم الذين لا يسترقرون ولا
یکتوون، ولا یتطیرون، وعلى ربهم یتوکلون. فقال عكاشة : یا رسول الله، أدع
الله أن يجعلني منهم(202) - وذكر تمام الخبر. وهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر
طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها، والمعنى في ذلك ما قدمنا
ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمن الفاسد الذي يرفع فيه العلم والدين من
أهله ويكثر الفسق والهرج، ويذل المومن، ويعز الفاجر، ويعود الدين غريبا كما
بدأ، ويكون القائم فيه بدينه كالقابض على الجمر. فيستوى حينئذ أول هذه الأمة
بآخرها في فضل العمل، إلا أهل بدر والحديبية - والله أعلم. ومن تدبر آثار هذا
الباب بان له الصواب، والله يؤتي فضله من يشاء.
وأما قوله : وأنا فرطكم على الحوض، فالفرط والمتفارط : هو الماشي المتقدم
أمام القوم إلى الماء. (هذا قول أبي عبيد وغيره، وقال ابن وهب : أنا فرطكم :
يقول : أنا أمامكم وأنتم ورائي تتبعوني. واستشهد أبو عبيد وغيره على قوله :
الفارط المتقدم إلى الماء بقول الشاعر :
فأثار فارطهم غطاطا جثما أصواته كتراطن الفرس) (203)
(قال)(204) وقال القطامي :
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراط لوراد
وقال لبيد :
فوردنا قبل فراط القطا إن من وري تغليس النمل
(202) أخرجه البزار من حديث أنس، انظر الجامع الصغير بشرح القدير 92/4.
(203) ما بین القوسین زیادة من ق.
(204) كلمة (قال) ساقطة في أ.
- 255 -

وقال آخر (205) :
لم ألق (206) إذا وردته فراطا
ومنهل وردته التقاطا
إلا القطا(207) أو ابدا غطاطا
وقال ابن هرمة :
وبقيت كالمغمور في خلف
ذهب الذين أحبهم فرطا
(الفارط: السائر إلى الماء أي أغلس ومشى بليل، والنهل : الشربة
الأولى)(209). وقال رسول الله عَ ◌ّ حين مات ابنه إبراهيم: لولا أنه وعد صادق،
وأن الماضي فرط للباقي. وقال له أيضا : ألحق بفرطنا : عثمان بن مظعون.
قال الخليل : القطاط طير يشبه القط، والأوابد الطير التي لا تبرح شتاء
ولا صيفا من بلدانها. والقواطع : التي تقطع من بلد إلى بلد في زمن بعد زمن.
وروى عن النبي وائل أنه قال: أنا فرطكم على الحوض - جماعة من
أصحابه (209)، منهم ابن مسعود، وجابر بن سمرة، والصنابح بن الأعسر(21)، وجندب،
وسهل بن سعد، وغيرهم، وقد ذكرنا أحاديث الحوض في باب خبيب من هذا
الكتاب(211) وأما قوله : فليذادن، فمعناه : ليبعدن وليطردن.
(205) وهو نقادة الأسدي، انظر التاج (فرط).
(206) في التاج (لم أر).
(207) في التاج (إلا الحمام الورق).
(208) ما بین القوسین زیادة من ق.
(209) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم عن جندب، وراه البخاري عن ابن مسعود، ومسلم عن جابر بن
سمرة. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 44/3 - 45.
(210) في الأصل (الأغر) - وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه، انظر ترجمة الصنابح بن الأعر في
الاستيعاب 740/2.
(211) انظر ج 291/2 - 309.
- 256 -

قال زهير:
ومن لا(212) يزد عن حوضه بسلاحه يهدم ون لا يظلم الناس يظلم.(213)
وقال الراجز :
ياخوي نهنها وذودا إني أرى حوضكا مورودا
وأما رواية يحيى : فلا يذادن - على النهي، فقيل إنه قد تابعه على ذلك
ابن نافع ومطرف؛ وقد خرج بعض شيوخنا معنى لرواية يحي ومن تابعه : أي لا
يفعل أحد فعلا يطرد به عن حوضي، ومما يشبه رواية يحيى هذه ويشهد لها : ما
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمان بن عبد الله بن دينار،
عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله وَّامٍ: أنا فرطكم على
الحوض، من ورد علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا؛ ألا ليردن علي أقوام أعرفهم
ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم(4). وهذا في معنى رواية يحيى.
وقد ذكر البخاري وغيره حديث سهل بن سعد هذا فقال : وليردن علي
الحوض قوم أعرفهم ويعفرونني، ثم يحال بيني وبينهم(215).
أخبرني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، ويونس بن عبد الله بن مغيث،
قالا حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمان، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي،
قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمان، عن
أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله تع خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار
قوم مومنین، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواننا، قالوا : يا
(212) في الديوان (م).
(213) انظر الديوان ص 88.
(214) أخرجه مسلم في فضل النبي ◌َضائع انظر ذخائر المواريث 26471
(215) أخرجه البخاري في كتاب الفتن - المرجع السابق.
- 257 -
التمهيدج ٢٠

رسول الله، ألسنا يإخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي - وإخواننا الذين لم يأتوا
بعد، وأنا فرطهم على الحوض؛ قالوا : يارسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك
من أمتك ؟ قال : أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم، ألا
يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله؛ قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا
محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض؛ فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد
البعير الضال، أناديهم: ألا علم، ألا هلم؛ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول :
فسحقا، فسحقا(216).
وأما قوله : فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، ففيه دليل
على أن الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين
فالرجلين، لأن الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين؛ هذا ما لا مدفع
فيه على هذا الحديث، إلا أن يتأؤل متأول هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا
يكسبها غرة ولا تحجيلا، وأن هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من
ذلك شرفا دائما ولنبيها جائز كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام
المحمود وغيره على سائر الأنبياء - والله أعلم. وقد يجوز أن يكون الأنيباء
يتوضؤون فيكسبون بذلك الغرة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء؛ كما
خص نبينا في بأشياء دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير
صداق، والوصال، وغير ذلك؛ فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة أن تشبه كلها
الأنبياء، كما جاء عن موسى - عليه السلام - أنه قال: أجد أمته كلهم كالأنبياء،
فاجعلها أمتي. قال : تلك أمة أحمد - في حديث فيه طول.
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان، حدثنا محمد بن
العباس بن أسلم، حدثنا ابن أبي ناجية، حدثني زياد بن يونس، عن مسلمة بن
(216) أخرجه مالك والشافعي وأحمد وصلم والنسائي وابن ماجه.
انظر الفتح الكبير 174/2.
- 258 -

علي، عن إسماعيل، عن رافع، عن سالم بن عبد الله بن عمر، سمعه يحدث عن
كعب، أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى في المنام أن الناس جمعوا للحساب، ثم دعي
الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي بينها، ولمن اتبعه من
أمته نورا واحدا يمشي به؛ حتى دعي محمد څے، فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله،
يراه كل من نظر إليه، وإذا لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء؛ فقال :
كعب - وهو لا يشعر أنها رؤيا : من حدثك بهذا الحديث وما أعلمك به ؟
فأخبره أنها رؤيا، فناشده كعب بالله الذي لا إله إلا هو: لقد رأيت ما تقول
مناماً ؟ فقال: نعم والله، لقد رأيت ذلك، فقال كعب : والذي نفسي بيده، أو
قال والذي بعث محمدا بالحق، إن هذه لصفة أحمد وأمته وصفة الأنبياء في كتاب
الله، لكان ما قرأته من التوارة، وقد قيل: إن سائر الأمم كانوا يتوضؤون - والله
أعلم، وهذا لا أعرفه من وجه صحيح.
وأما قوله تع إذا توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء
قبلي - فحديث ضعيف، لا يجيئ من وجه صحيح، ولا يحتج بمثله، فكيف أن
يتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة من أحاديث
الأئمة؛ وحديث : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، فإنما يدور على زيد بن
الحواري العمي (217): والد عبد الرحيم بن زيد(218) وهو انفرد به، وهو ضعيف ليس
بثقة، ولا ممن يحتج به؛ وقد اختلف عليه فيه أيضا، فرواه عبد الله بن عرابة عن
زيد بن الحواري العمي، عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمير، عن أبي بن
کعب، عن النبي ◌ّ.
(217) هو زيد بن الحواري العمي - بفتح العين وتشديد الميم البصرى، اختلفوا فيه - والأكثر على
تضعيفه، وأنه متروك الحديث انظر تهذيب التهذيب 407/3 - 409.
(218) أبو زيد عبد الرحيم بن زيد بن الحواري، أجمعوا على أنه ضعيف متروك الحديث.
انظر تهذيب التهذيب 305/6 - 306.
- 259 -:

ورواه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، عن عبد الرحيم بن زيد، عن
أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر - وهو حديث لا أصل له، وعبد الرحيم
وأبوه زيد متروكان، والحديث حدثناه محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن الحسين،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح،
ومحمد بن عبد الله بن عمرو الغربي، قالا حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب،
قال : حدثنا عبد الله بن عرابة، عن زيد بن حواري، عن معاوية بن قرة، عن
عبيد بن عمرو، عن أبي بن كعب، أن رسول الله وَ ال توضأ فتوضأ مرة، مرة؛ ثم
قال : هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين، مرتين
فقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي.
وحدثنا عبد الرحمان بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد، قال
حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال
حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر،
قال: توضأ رسول الله مَافخ مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل
الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا الفضل من الوضوء ويضعف
الله الأجر لصاحبه مرتين؛ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال : هذا وضوئي ووضوء
خليل الله إبراهيم، ووضوء الأنبياء من قبلي؛ ومن قال بعد فراغه : أشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فتح الله
له من الجنة ثمانية أبواب. هذا كله منكر في الإسناد والمتن، وقد ثبت عن
النبي ◌ُّ أنه كان يتوضأ مرة، مرة، رواه ابن عباس وغيره من حديث الثقات،
وأجمعت الأمة أن من توضأ مرة واحدة سابغة أجزأه، و کیف کان رسول الله ات
يتوضأ مرة مرة، فيرغب بنفسه عن الفضل الذي قد ندب غيره إليه ؟ أو كيف
كان يتوضأ مرة أو مرتين، ويقصر عن ثلاث إذا كانت الثلاث وضوء إبراهيم عَ اق
وقد أمر أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا، وليس يشتغل أهل العلم بالنقل بمثل حديث
عبد الرحيم بن زيد العمي وأبيه. وقد أجمعوا على تركها.
- 260-
٠٠