Indexed OCR Text
Pages 21-40
قال أبو عمر : لا أعلم لمن كره العمرة في السنة مراراً حجة من كتاب ولا سنة يجب التسليم لمثلها، والعمرة فعل خير، وقد قال الله عز وجل: ﴿وافعلوا الخير)؛(4) فواجب استعمال عموم ذلك والندب إليه حتى يمنع منه ما يجب التسليم به. وأما اعتمار رسول الله يخٍ قبل الحج، فقد ذكرنا فيه حديث ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، أن رسول الله في اعتمر قبل أن يحج. وهو أمر مشهور عند جميع أهل السير والعلم بالأثر، - يغني عن الإسناد؛ وحديث ابن عمر هذا حديث ثابت من جهة الإسناد متصل، ومما يدلك على أنه اعتمر قبل الحج ماتم أن عمرته كانت والمشركون بمكة يومئذ : أخبرنا محمد بن ابراهيم بن سعيد، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو(44) بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا اسماعيل - يعني ابن أبي خالد، قال حدثنا ابن أبي أوفى، قال : اعتمر رسول الله خافٍ فطاف بالبيت، ثم خرج من(45) الصفا والمروة يطوف، فجعلنا نستره من أهل مكة - أن يرميه أحدهم(*) أو يصيبه بشيء. قال أبو عمر : ولم يكن في حجة الوداع بمكة رجل مشرك، وهذا أشهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه؛ وقد اعتمر رسول الله بيتز قبل حجته عمراً، قيل: ثلاثاً، وقيل أربعا؛ وسنذكر ذلك وما جاء فيه من الأثر في باب هشام بن عروة، ونزيد ذلك بياناً في باب بلاغات مالك من كتابنا هذا - إن شاء الله. (43) الآية : 77 - سورة الحج. (44) عمرو : أ، عمر : ق - وهو تحریف. (45) من : أُ، بين : ق. (46) أحدم : أ، أحد : ق. - 21- ذكر عبد الرزاق، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير ابن أفلح، قال : سئل زيد بن ثابت عن رجل اعتمر قبل أن يحج ؟ فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت. قال هشام : وقال الحسن : نسكان لايضرك بأيهما بدأت. قال : وأخبرنا الثوري، عن سليمان التيمي، عن سعيد الجريري، عن حيان ابن عمير، قال : سألت ابن عباس : أعتمر قبل الحج ؟ فقال : نسكان لله عليك، لا يضرك بأيها بدأت. قال حيان وقال ابن عباس : العمرة واجبة. قال : وأخبرنا ابن عيينة عن هشام بن حجير قال : قيل لابن عباس : تزعم أن العمرة قبل الحج، وقد قال الله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؟ قال ابن عباس : فكيف تقرأ ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين) : (47) أفبالدين تبدأ ؟ أم بالوصية - وقد بدأ بالوصية ؟ حديث خامس لعبد الرحمان بن حرملة مالك، عن عبد الرحمان بن حرملة الأسامي، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله جل قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. (48) لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وهو متصل في الموطأ من حديث مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. ويتصل أيضا(*) من غير رواية مالك من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة : حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، (47) الآية : 12 - سورة النساء. (48) الموطأ رواية يحي ص 195 - حديث (639). (49) کلمة (أيضا) ساقطة في ق. - 22 - عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ◌ُ التّ : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا شعيب بن يوسف، قال حدثنا يزيد بن هارون. وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا وهب بن بقية، عن خالد جميعاً، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُ ◌ّ قال: لا يزال الدين ظاهرا - ما عجل الناس الفطر، إن اليهود يؤخرون. (50) وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال : حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا دحيم، قال حدثنا محمد بن شعيب، عن الأوزاعي، عن قرة بن حيويل المصري، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ياتي: أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن حميد، عن أنس، قال: ما رأيت رسول الله عُ لّ يصلي حتى يفطر - ولو على شربة من ماء. وروى ابن وهب، عن مالك، وعمرو بن الحارث، ویونس بن یزید، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ◌ُجافّ: إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب. إلا أن مالكاً قال في حديثه : فابدءوا بالعشاء ولا تعجلوا عن عشائكم، فكان الأمر على ذلك. فلما ولي عمر بن (50) انظر سنن أبي داود 550/1. - 23- الخطاب خشي أن يطول المكث على العشاء، فقدم الصلاة على العشاء، ثم فعل ذلك عثمان بن عفان. وهذا حديث غريب لمالك عن الزهري، عن أنس - صحيح، وفي الموطأ ياثر هذا الحديث : مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمان بن عوف، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة - وذلك في رمضان.(51) وسيأتي فقه هذا الحديث في باب أبي حازم، عن سهل بن سعد - إن شاء الله عز وجل. (51) الموطأ رواية يحي ص 196 - حديث (641). - 24 - مالك، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري حديث واحد هكذا قال فيه مالك : عبد الرحمان بن أبي عمرة - نسبة إلى جده وهو عبد الرحمان بن عبد الله(١) بن أبي عمرة الأنصاري، مدني ثقة؛ يروي عن القاسم بن محمد، وعن عمه عبد الرحمان بن أبي عمرة؛ وله رواية عن أبي سعيد الخدري - وما أظنه سمع منه ولا أدركه، وإنما يروي عن عمه عنه؛ يروي عنه مالك، وعبد الله ابن خالد أخو عطاف بن خالد، وابن أبي الموالي، وغيرهم؛ وأما عمه عبد الرحمان بن أبي عمرة، فمن كبار التابعين - بالمدينة،(2) يروي عن عثمان بن عفان، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وغيرهم؛ روى(٥) عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن ابراهيم بن الحرث التيمي، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وغيرهم؛ لأبيه أبي عمرة صحبة، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة،(4) وذكرنا نسبه(5) والاختلاف في اسمه في باب الباء،(6) وفي باب الكنى(7) والحمد لله. (1) عبد الرحمان بن عبد الله بن عمر بن أبي عمرة: أ، عبد الرحمان بن عمر بن أبي عمرة : ق - ولعل الصواب ما أثبته، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 243/6. (2) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 242/6. (3) روی : أ، وروى : ق. (4) انظر كتاب الاستيعاب 1721/4. (5) نسبه : أ، نسبته : ق. (6) انظر الاستيعاب 175/1. (7) المصدر السابق 1721/4. - 25- مالك، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة الأنصاري، أن أمه أرادت أن توصي ثم أخرت ذلك إلى أن تصبح فهلكت، وقد كانت همت بأن تعتق؛ قال عبد الرحمان فقلت القاسم بن محمد : أينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال القاسم بن محمد : إن سعد بن عبادة قال الرسول الله تع : إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها ؟ فقال رسول الله عَجُّّ : نعم. (٥) قال أبو عمر : طائفة تقول في هذا الحديث عن مالك : نعم أعتق عنها، منهم : ابن أبي أويس، ورواية يحي قائمة المعنى صحيحة. هذا حديث منقطع، لأن القاسم لم يلق سعد بن عبادة، ولكن قصة سعد ابن عبادة وحديثه في ذلك قد روي من وجوه كثيرة متصلة ومنقطعة صحاح كلها، وهو حديث مشهور عند أهل العلم من حديث سعد بن عبادة وغيره، إلا أن الرواية في ذلك مختلفة المعاني؛ فمنها : الصدقة عن الميت، ومنها : العتق عن الميت، ومنها الصيام عن الميت، ومنها : قضاء النذر مجملا؛ فأما الصدقة، فمن حديث مالك، عن سعيد بن عمر بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، أن سعد بن عبادة توفيت أمه - وهو غائب، فلما قدم سعد، قال : يارسول الله، أينفعها أن أتصدق عنها ؟ فقال رسول الله وطاقم: نعم. وسنذكر هذا الحديث في باب سعيد بن عمرو من كتابنا هذا - إن شاء الله. وعند مالك أيضاً في هذا حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - مرفوعاً في الصدقة عن الميت، وأكثر الأحاديث في قصة سعيد(9) هذه عن سعد وغيره إنما هي في الصدقة. (8) الموطأ رواية يحيى ص 554 - حديث (1469). (9) سعيد : ق، سعد : أ - وهو تحريف. - 26 - وأما العتق، فلا يكاد يوجد إلا من حديث مالك، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة - هذا. وأما الصيام عن الميت، فقد روي أيضاً من وجوه مختلفة. وأما النذر، فمن حديث ابن شهاب، عن عبيد الله، عن عباس، أن سعد ابن عبادة سأل النبي مواقع عن نذر كان على أمه، فتوفيت (10) قبل أن تقضيه، فقال أقضه عنها. فأما الصدقة عن الميت - فمجتمع على جوازها لاخلاف بين العلماء فيها، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضاً، إلا أن العلماء اختلفوا في الولاء : فذهب مالك وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق عنه. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الولاء للمعتق على كل حال، وذهب. الكوفيون إلى أن العتق إن كان بأمر المعتق عنه، فالولاء له؛ وإن كان بغير أمره، فالولاء للمعتق؛ وقد ذكرنا هذه المسألة ووجوهها في باب ربيعة من كتابنا هذا. وأما الصيام عن الميت، فمختلف فيه، فجماعة أهل العلم على أنه لا يصوم أحد عن وليه إذا مات - وعليه صيام من رمضان، ولكنه يطعم عنه. قال أكثرهم : إن شاء، وكذلك جمهورهم أيضاً على أنه لا يصوم أحد عن أحد لا في نذر ولا في غير نذر؛ ومن ذهب إلى ذلك : مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري؛ ومن أهل العلم من رأى أن يصوم ولي الميت عنه في النذر دون صيام رمضان، منهم: إسحاق بن راهويه - وهو الصحيح عن ابن عباس أنه قال : ما كان من شهر رمضان يطعم عنه، وما كان من صيام(١٦) النذر فإنه يقضى عنه. وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول ابن عباس سواء، ومنهم من رأى أن يصوم عنه في كل صيام عليه على عموم ما روي عن ابن عباس، عن النبي مد فوع أنه قال : من مات - وعليه صيام، صام عنه وليه. منهم: أحمد بن حنبل على (10) فتوفيت : أ، توفيت : ق. (11) صيام : أ، صوم : ق. -27- اختلاف عنه، ولم يختلف عن أبي ثور في جواز ذلك في الوجهين جمیعاً؛ وقد ذكرنا التحكم في ذلك عن علماء الأمصار، وذكرنا ما جاء في ذلك من الآثار في باب ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من كتابنا عند ذكر حديث مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن سعد بن عبادة سأل رسول الله عزائم عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه ؟ فقال : أقضه عنها. وذكرنا هناك حكم النذر الجمل وكفارته، وما في ذلك للعلماء - (12) والحمد لله. وأما حديث سعد بن عبادة في هذا الباب، فأكثر ما روي فيه الصدقة من حديث القاسم بن محمد، وغيره : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، أن أباه أخبره قال : حدثنا عبد الله بن يونس، قال حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا ابن كاسب، قال حدثنا ابن عيينة، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، أن سعداً أتى النبي جائز فقال: يانبي الله، إن أمي ماتت ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها من مالها ؟ قال : نعم. قال : وحدثنا ابن كاسب، قال : حدثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحرث أن بكيراً حدثه عن سليمان بن يسار، أن سعد بن عبادة قال للنبي عليهم: إن أمي توفيت - ولم توص، فهل تنالها صدقتي إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم. قال : وحدثنا ابن كاسب، قال حدثنا هارون، عن حميد الطويل، عن الحسن، قال : قال سعد الأنصاري: يارسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أُتصدق عنها بعدها ؟ قال : نعم، وعليك بالماء. قال : وحدثني يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، (٢٥) عن حميد بن أبي الصعبة، عن سعد بن عبادة، أن النبي صل ى أمره أن يسقي عنها الماء. (12) - انظرج 26/9 - 31. فقة: انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 422/7. - 28 - قال : وحدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل، عن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أن أمه توفيت - وهو غائب، فقال للنبي مخافة: أينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال : نعم. ووجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن محمد بن أحمد بن قاسم ابن هلال حدثهم، قال : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قال حدثنا نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن سعد بن عبادة، قال : قلت : يارسول الله، والدتي كانت تتصدق من مالي، وتعتق من مالي حياتها - فقد ماتت؛ أرأيت إن تصدقت عنها، أو أعتقت عنها، أترجو لها شيئاً ؟ قال : نعم. قال : يارسول الله، دلني على صدقة، قال: اسق الماء. قال: فما زالت جرار سعد بالمدينة بعد. ومن أحسن ما يروى في العتق عن الميت : ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا الربيع ابن سليمان - صاحب الشافعي، قال حدثنا عبد الله بن يوسف، قال حدثنا عبد الله بن سالم، قال حدثني ابراهيم بن أبي عبلة، قال : كنت جالساً باريحاء، فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئاً على عبد الله بن الديلمي، فأجلسه ثم جاء إلي فقال : عجب ما حدثني الشيخ - يعني وائلة ! قلت : ما حدثك؟ قال : كنا مع (١٩) النبي ◌ُ ◌ّ في غزوة تبوك، فأتى نفر من بني سليم فقالوا: يارسول الله، إن صاحبنا قد أوجب، فقال رسول الله واختل: اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. (14) مع : أ، عند : ق. - 29 - عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى بن سعيد لمالك عنه ثلاثة أحاديث، أحدها مرسل؛ وهو عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري، لجده قيس بن عمرو صحبة، وقد ذكرناه ونسبناه في كتاب الصحابة.(٦) ويقال عبد ربه بن سعيد بن قيس بن أبي قيس فهد بن خالد، والأول أصح. وتوفي عبد ربه بن سعيد بن قيس سنة تسع وثلاثين ومائة، وقيل سنة إحدى وأربعين ومائة؛ وكان ثقة مأمونا، روى عنه مالك، وشعبة، وجماعة من الأئمة.(2) حدیث أول لعبد ربه بن سعيد مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمان ابن الحرث بن هشام، عن عائشة وأم سلمة أمي المومنين - رضي الله عنهما - أنهما قالتا: كان رسول الله جائز يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم.(3) (1) انظر الاستيعاب 1297/3. (2) انظر تهذيب التهذيب 126/6 - 127. (3) الموطأ رواية يحيى ص 196 - حديث (643) - والحديث أخرجه البخاري من طريق إسماعيل عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 162/2. -31- قال أبو عمر : هكذا يروي مالك هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن عائشة وأم سلمة، وخالفه عمرو بن الحرث فرواه عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمان: أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال حدثنا أحمد ابن الهيثم قاضي الثغر، قال حدثنا حرملة،قال حدثنا ابن وهب،قال أخبرني عمرو، عن عبد ربه - وهو ابن سعيد، عن عبد الله بن كعب الخميري، أن أبا بكر حدثه أن مروان أرسله إلى أم سلمة يسألها عن الرجل يصبح جنباً يصوم، فقالت : كان رسول الله مقل يصبح جنباً من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضي. وروى قوم هذا الحديث أيضاً عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة وأم سلمة - وقد سمعه أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحرث من عائشة وأم سلمة، لأنه مضى مع أبيه إذ أرسله مروان إليها، وهذا ثابت عنه من حديث سمي وغيره من الثقات، وهو معروف عند أهل العلم، مشهور يستغنى عن الاستشهاد عليه؛ وسيأتي ذكر ذلك في باب سمي من كتابنا هذا - إن شاء الله، وقد مضى ما للعلماء(*) من الصحابة والتابعين من المذاهب في الجنب يصبح في رمضان ولم يغتسل؛ وفي الحائض أيضاً تصبح طاهراً ولم تغتسل - مجودا ومستوعبا في باب أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمان بن معمر من كتابنا(5) هذا، فلا معنى لإعادة ذلك ههنا. (4) العلماء من الصحابة : أ، العلماء والصحابة : ق. (5) انظر ج 224/17 - 225. - 32 - حديث ثان لعبد ربه بن سعيد مالك، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، أنه قال : سئل عبد الله بن عباس، وأبو هريرة - عن الحامل يتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس : آخر الأجلين. وقال أبو هريرة : إذا ولدت، فقد حلت؛ فدخل أبو سلمة بن عبد الرحمان على أم سلمة زوج النبي ◌َ ◌ّ فسألها عن ذلك، فقالت أم سلمة : ولدت سبيعة الأسامية بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فخطبها رجلان أحدهما شاب والآخر كهل، فحطت(6) إلى الشاب؛ فقال الشيخ : لم تحل بعد - وكان أهلها غيبا، ورجا إذا جاء أهلها أن يوثروه بها؛ فجاءت رسول الله ◌ُ اللّ فقال: قد حللت فانكحي من شئت.(7) قال أبو عمر : هذا حديث صحيح جاء من طرق شتى كثيرة ثابتة كلها من رواية الحجازيين والعراقيين، وأجمع العلماء على القول به إلا ما روي عن ابن عباس في هذا الحديث وغيره؛ وروي مثله عن علي بن أبي طالب من وجه منقطع - أنه قال في الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها آخر الأجلين - يعني إن كان المحمل أكثر من أربعة أشهر وعشر، اعتدت بوضعه، وإن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، أكملت(٥) أربعة أشهر وعشراً؛ فهذا مذهب ابن عباس وعلي بن أبي طالب، على أنه قد روي (6) فحطت: أ، فحنت: ق - والرواية (فحطت) : أي مالت. (7) الموطأ رواية يحيى ص 404 - حديث (1246) - والحديث أخرجه النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 231/3. (8) أكملت : ق، كملت : أ. التمهيدج ٢٠ - 93- عن ابن عباس رجوعه(9) إلى حديث أم سلمة في قصة سبيعة. ومما يصحح هذا عنه : أن أصحابه : عكرمة، وعطاء، وطاوس، وغيرهم - على القول بأن المتوفى عنها الحامل، عدتها : أن تضع حملها على حديث سبيعة؛ وكذلك سائر العلماء من الصحابة والتابعين، وسائر أهل العلم أجمعين كلهم يقول : عدة الحامل المتوفى عنها أن تضع ما في بطنها من أجل حديث سبيعة هذا؛ وأما مذهب علي، وابن عباس - في هذه المسألة، فمعناه الأخذ باليقين، لمعارضة عموم قوله - عز وجل في المتوفى عنهن : ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾(٣٥ - ولم يخص حاملاً من غير حامل، وعموم قوله - عز وجل: ﴿وأولات الأحمال أجلهن : أن يضحن حملهن﴾(٦٦) ولم يخص متوفى عنها من غيرها، فمن لم يبلغه حديث سبيعة لزمه الأخذ باليقين في عدة المتوفى عنها الحامل، ولا يقين في ذلك لمن جهل السنة في سبيعة إلا الاعتداد بآخر الأجلين؛ ومثال هذا مسألة أم الولد تكون تحت زوج قد زوجها منه سيدها ثم يموت، ويموت زوجها - ولا تدري أيها(13) مات قبل صاحبه، فإنها تعتد من حين مات الآخر منهما - أربعة أشهر وعشراً فيها حيضة؛ وعلى هذا جماعة العلماء القائلين بأن(٢) عدة أم الولد من سيدها حيضة، ومن زوجها شهران وخمس ليال، کلھم یقول ههنا بدخول إحدى العدتين في الأخرى؛ ومعلوم أنها لا يلزمانها معاً، وإنما يلزمها إحداهما؛ فإذا جاءت بها معاً على الكمال في وقت واحد، فذلك أكثرما يلزمها؛ لأنها إن كان سيدها قد مات قبل زوجها، فلا استبراء عليها من سيدها؛ وإن كان سيدها مات بعد مضي شهرين وخمس ليال، فعليها أن تأتي (9) رجوعه : أ، رجوعا : ق. (10) الآية : 234 - سورة البقرة. (11) الآية : 4 - سورة الطلاق. (12) ثبت في النسختين : (أيتها)، والصواب ما أثبته. (13) بأن : ق، أن : أ. - 34 - بحيضة تستبرئ بها نفسها من سيدها؛ ومعنى هذه المسألة الشك في أيها مات أولاً، وفي المدة هل هي شهران وخمس ليال أو أكثر ؟ وقد قيل إن معنى هذه المسألة : أنها لاتدري هل بين موتيها يوم واحد، أو شهران وخمس ليال أو أكثر؛ وفي هذه المسألة لأهل الرأي نظر، ليس هذا موضع ذكره؛ وإنما ذكرناها من جهة التمثيل، وأنه من وجب عليه أحد شيئن يجلهه بعينه، لزمه (14) الإتيان بها جميعاً. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال : كان ابن عباس يقول : إن طلقها - وهي حامل ثم توفي عنها - فآخر الأجلين، أو مات عنها وهي حامل - فآخر الاجلين؛ قيل له: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ؟ قال ذلك في الطلاق. قال : وأخبرنا ابن جريج عن عطاء قال : إن طلقها حبلى، فإذا وضعت فلتنكح حين تضع - وهي في دمها لم تطهر. قال : وأخبرنا ابن جريج عن عمرو ابن مسلم، عن عكرمة، أنه أخذ في ذلك بحديث سبيعة. قال : وأخبرنا معمر والثوري عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : قال ابن مسعود : ومن(15) شاء باهلته أو لاعنته، إن الآية التي في سورة النساء القصرى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ - نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾ - الآية، قال: وبلغه أن علياً - رضي الله عنه - قال: هي آخر الأجلين، فقال ذلك. قال أبو عمر : روي عن عمر، وابن عمر - مثل قول ابن مسعود، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن شهاب، وعليه الناس. (14) لزمه : أ، يلزمه : ق. (15) ومن : ق، من : أ. - 35 - ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال : إذا وضعت حملها فقد حل أجلها؛ قال : وقال : إن رجلاً من الأنصار قال لابن عمر : سمعت أباك يقول: لو وضعت حملها - وهو على سريره لم يدفن - لحلت. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا المطلب بن شعيب، قال حدثني عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني يونس، عن ابن شهاب؛ وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا سليمان بن داود المهري، قال أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري - يأمره أن يدخل على سبيعة ابنة الحرث الأسلمية فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله جات : حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله بن الأرقم إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد(16) بن خولة - وهو من بني عامر ابن لؤي - وكان ممن شهد بدراً - توفي عنها في حجة الوداع - وهي حامل، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته؛ فلما تعلت(17) من نفاسها، تجملت للخطاب؛ فدخل عليها أبو السنابل بن بعلك - رجل من بني عبد الدار - فقال : ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح، إنك - والله - ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر؛ قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت النبي ◌َافٍ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج - إن بدا لي؛ قال ابن شهاب : ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت - وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها حتى تطهر؛ وليس في حديث الليث قول ابن شهاب، ولفظ الحديثين سواء. (16) سعد: أَ، سعيد: ق - وهو تحريف، انظر ترجمة سعد بن خولة في الاستيعاب ص 586. (17) تعلت : طهرت، انظر النهاية لابن الأثير (تعلت). - 36 - قال أبو عمر : لما كان عموم الآيتين معارضاً - أعني قول الله - عز وجل: ﴿والذین يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾، وقوله : ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾، لم یکن بد من بيان رسول الله يخر لمراد الله منها على ما أمره الله عز وجل بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾.(٦٥) فبين رسول الله طيح مراد الله من ذلك بما أفتى به سبيعة الأسلمية، فكل ما خالف ذلك، فلا معنى له من جهة الحجة وبالله التوفيق. حدیث ثالث لعبد ربه بن سعيد - مرسل تتصل معانيه من وجوه شتى صحاح كلها مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله التر حين صدر من حنين - وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت به ناقته من شجرة فتشبكت(19) بردائه حتى نزعته عن ظهره، فقال رسول الله ◌َخّ: ردوا علي ردائي، أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم؟ والذي نفسي بيده، لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نَعما، لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني(20) بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً. فلما نزل رسول الله عجائز، قام في الناس فقال: أدوا الخائط(21) والخيط، (18) الآية : 44 سورة النحل. (19) فتشبكت : ق، وتشبكت : أ - والرواية بالفاء. (20) تجدونني : أ، تجدوني : ق - والرواية بها معا. (21) كذا ثبت في النسختين، والذي في سائر نسخ الموطأ المطبوعة: (الخياط) وجاءت رواية بالخائط. -37- فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة؛ قال : ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئاً،(22) ثم قال : والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس - والخمس مردود عليكم. (23) لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، وقد روي متصلاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي فع بأكمل من هذا المساق وأتم ألفاظ من رواية الثقات. وروى هذا الحديث أيضاً الزهري، عن عمر بن أخي محمد بن جبير بن مطعم، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. ورواه معمر، ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده. وروي أيضاً عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ◌ُكافة. وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها مما في معنى حديث مالك هذا في هذا الباب بعد القول بما فيه من المعاني - إن شاء الله. في هذا الحديث(24) دليل على أن رسول الله تع غزا غزوة حنين وغنم فيها - وإن كان هذا لايحتاج إلى دليل لثبوت معرفة ذلك عند العامة والخاصة من العلماء، ولكن ذكرنا ذلك، لأن بمثل هذا الحديث وشبهه عرف ذلك. وفيه إباحة سؤال العسكر للخليفة حقوقهم من الغنيمة أن يقسمه بينهم، وفيه جواز قسم الغنائم في دار الحرب؛ لأن الجعرانة كانت يومئذ من دار الحرب، وفيها قسم رسول الله ◌ُّ غنائم حنين، وذلك موجود في حديث جبير بن مطعم، وجابر؛ وقسمة (25) الغنائم في دار الحرب موضع اختلف فيه العلماء، فذهب مالك والشافعي (22) شيئا : ق، شارة : أ - والرواية (شيئا). (23) الموطأ رواية يحيى ص 304 - حديث (985). (24) في : أ، وفي : ق. (25) وقسمة : أ، وقسمه : ق. - 38- والأوزاعي وأصحابهم إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب، قال مالك : وهم أولى برخصها، وقال أبو حنيفة : لا تقسم الغنائم في دار الحرب. وقال أبو يوسف: أحب إلي ألا تقسم في دار الحرب إلا أن لا يجد حمولة فيقسمها في دار الحرب. قال أبو عمر : القول الصحيح في هذه المسألة ما قاله مالك والشافعي والأوزاعي، ولا وجه لقول من خالفهم في ذلك من معنى صحيح، مع ثبوت الأثر عن النبي باقم بخلافه. وفيه جواز مدح الرجل الفاضل الجليل لنفسه، ونفيه عن نفسه ما يعيبه بالحق الذي هو فيه؛ وعليه إذا دفعت إلى ذلك ضرورة أو معنى يوجب ذلك، فلا بأس بذلك؛ وقد قال الله عز وجل ۔ حاکیاً عن یوسف یتے أنه قال : «إني حفيظ عليم)).(25) وقال رسول الله عَاقلٍ: أنا أول من تنشق عنه الأرض، (37) وأول شافع، وأول مشفع، وأنا سيد ولد آدم - ولا فخر. (20) ومثل هذا كثير في السنن، وعن علماء السلف، لا ينكر ذلك إلا من لا علم له بآثار من مضى. وفيه دليل - والله أعلم - على أن الخليفة على المسلمين لا يجوز أن يكون كذاباً ولا بخيلاً ولا جباناً. وقد أجمع العلماء على أن الإمام يجب أن لا تكون فيه هذه الخلال(29) السوء، وأن يكون أفضل أهل وقته حالاً، وأجملهم خصالاً؛ وقد سوى رسول الله ◌ُّ في هذا الحديث بين البخل والجبن والكذب، وأكثر الآثار على هذا؛ وفي (26) الآية : 55 - سورة يوسف. (27) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 40/3 - 41. (28) أخرجه مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة - المرجع السابق 41/3. (29) الخلال : أ، الخصال : ق. ~ 39- ذلك ما يعارض حديث صفوان بن سليم أن المومن يكون جباناً وبخيلاً، ولا يكون كذابا؛ وقد ذكرنا هذا المعنى بما يجب فيه من القول في باب صفوان - والحمد لله. وأجمع(30) الحكماء على أن الكذب في السلطان أقبح منه في غيره، وأنه من أكبر عيوبه وأهدمها لسلطانه، لأنه لا يوثق منه بوعد ولا وعيد؛ وفي الكذب في الوعد والوعيد فساد أمره - كما قال معاوية لعمرو بن العاص - رضي الله عنهما - إن فساد هذا الأمر بأن يعطوا على الهوى لا على الغناء، وأن يكذبوا في الوعد والوعيد؛ وكذلك البخل والجبن في السلطان، أقبح وأضر وأشد فساداً منه على غيره، وللكلام في سيرة السلطان موضع غير كتابنا هذا. ويروي أهل الأخبار أن عبد الملك بن مروان كتب إلى ابن عمر أن بايع الحجاج، فإن فيك خصالاً لاتصلح معها للخلافة - وهي : البخل والغيرة والعي. ويروى أن ذلك كان من معاوية إليه - فالله أعلم - في بيعة يزيد وهو خبر لا إسناد له؛ فجاوبه ابن عمر: ﴿سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.(3) اللهم إن ابن مروان (32) يعيرني بالبخل والغيرة والعي، فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم، وقسمت بينهم فيئهم، أي حاجة كان بهم حينئذ إلى مالي فيبخلوني؛ ولو جلست لهم في مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تكن لهم حاجة إلى بيتي فيعرفوا غيرتي؛ وما من قرأ كتاب الله ووعظ به بعي. وأما قوله ◌َّاتٍ في هذا الحديث : أدوا الخائط(33) والخيط، فالخائط واحد الخيوط المعروفة، والخيط الإبرة. ومن روى: ادوا الخياط والخيط، فإن الخياط قد (30) وأجمع : أ، وقد أجمع : ق. (31) الآية : 285 - سورة البقرة. (32) ابن مروان يعيرني : أ، ابن مروان أو ابن حرب - يعيرني : ق. (33) الخائط : أ، الخيط : ق. - 40-