Indexed OCR Text
Pages 181-200
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا عاصم بن علي بن عاصم، قال حدثنا الربيع، عن ابن سيرين، عن أنس، قال: لا بأس بالورق بالذهب واحد باثنين - يدا بيد؛ ولا بأس بالبر بالشعير واحد باثنين يداً بيد، ولا بأس بالتمر بالملح، واحد باثنين يدا بيد. فهذا ما في معنى البيضاء بالسلت في هذا الحديث عند العلماء . وأما قول سعد: سمعت رسول الله رَ لم يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر، فإن أهل العلم اختلفوا في بيع التمر بالرطب: فجمهور علماء المسلمين على أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال لا مثلا بمثل، ولا متفاضلا؛ لا یدابید، ولا نسیئة؛ لنهي رسول الله بآلټ عن ذلك في حدیث سعد هذا، ولنهيه عن بيع الرطب باليابس من جنسه على ما مضى في هذا الباب، ولنهيه عن بيع التمر بالتمر، والزبيب بالعنب، والزرع بالحنطة، وهذا كله من المزابنة المنهي عنها. أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ: قال حدثنا ابن وضاح؛ وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قالا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله رَّم نهى عن بيع التمر بالتمر كيلا، وعن بيع العنب بالزبيب كيلا، وعن بيع الزرع بالحنطة كيلا (205). وهذا كله نص في موضع الخلاف، فبطل ما خالفه؛ ومعلوم أن المزابنة المنهي عنها بيع الرطب باليابس من جنسه، والكيل بالجزاف من جنسه . (205) المصدر نفسه - 18) - وروى مالك عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله رَّلل نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا (205). فأي شيء أبين من هذا لمن لم يجرم التوفيق. وممن ذهب إلى هذا: مالك، والشافعي، وأصحابهما، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، وكذلك الحنطة الرطبة باليابس؛ وهو قول داود بن علي في ذلك، وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله أن رسول الله صلو لما نهى عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، دخل في ذلك الرطب والبسر، لأن ذلك كله يسمى تمرا. قال: ولا يخلو من أن يكون الرطب والتمر جنسا واحدا، أو جنسين مختلفين؛ فإن كانا جنسا واحدا، فلا بأس ببيع بعضه ببعض مثلا بمثل، يدا بيد. وإن كانا جنسين، فذلك أحرى أن يجوز متفاضلا، ومثلاً بمثل، لقوله هو: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. قال: وإنما يراعى الربا في حال العقد، ولا يراعى في المآل؛ والحجة عليه للشافعي ومن قال بقوله: أن رسول الله وَ لقول قد راعى المآل في حديث سعد بن أبي وقاص، وقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فهذا نص واضح في مراعاة المآل. وقد نص أيضا على بيع العنب بالزبيب - أنه لا يجوز أصلا، فكذلك الرطب بالتمر؛ وسنبين معنى قوله: أينقص الرطب في آخر هذا الباب إن شاء الله. واختلف الفقهاء أيضا في بيع الرطب بالرطب: والبسر بالرطب، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا بأس ببيع الرطب بالرطب. مثلا بمثل، ولا بأس ببيع البسر بالبسر - مثلا بمثل. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع البسر بالرطب، مثلا بمثل - وهو قول داود. (206) الموطأ رؤية يحيى ص 429 - حديث (1313). - 182 - وقال مالك وأبو يوسف، ومحمد: لا يجوز بيع الرطب بالبسر على حال، وراعى محمد بن الحسن في الرطب بالتمر وما كان مثله المآل، مراعاة لا يؤمن معها عدم الماثلة، فقال: إذا أحاط العلم أنهما إذا يبسا تساويا جاز. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الرطب بالرطب، ولا البسر بالبسر، ولا كل ما ينقص في المتعقب إذا أريد بقاؤه؛ وحجته حديث سعد عن النبي عليه السلام أنه قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فراعى المآل في ذلك كله إذا أريد به البقاء، فقياس قوله: أنه لا يجوز العنب بالعنب، ولا التين الأخضر بالتين الأخضر - إذا أريد تجفيف ذلك ويبسه لا مثلا بمثل، ولا متفاضلا، وذلك کله جائز عند مالك مثلا بمثل. وقياس قول أبي حنيفة: أن التين الأخضر باليابس جائز مثلا بمثل كالعنب بالزبيب، والرطب بالتمر، والبسر بالرطب. وقال أبو يوسف: يجوز بيع الحنطة باليابسة - يعني الرطبة بالماء، فأما الرطبة من الأصل يعني الفريك، فلا يجوز باليابسة. وقال الشافعي، ومالك، وأصحابهما، ومحمد بن الحسن، والليث بن سعد: لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة، كما لا يجوز الفريك بها. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الحنطة الرطبة والمبلولة باليابسة. وقال محمد: لا يجوز إلا أن يحيط العلم بأنهما إذا يبست المبلول أو الرطبة تساويا. ولم يختلف قول أبي حنيفة وأصحابه في جواز بيع العنب بالزبيب مثلا بمثل، فهذا خلاف السنة الثابتة - والله المستعان؛ والذي أقول أنهم لو علموا نهي رسول الله * عن ذلك نصا، وثبت عندهم ما خالفوه؛ فإنما دخلت عليهم (207) الداخلة من قلة اتساعهم في علم السنن، وغير جائز (207) عندهم: ا، عليهم: ق، ك - وهي أنسب. - 183- أن يظن بهم أحد إلا ذلك؛ ولو خالفوا السنة جهارا بغير تأويل، لسقطت عدالتهم؛ وهذا لا يجوز أن يظن بهم مع اتباعهم ما صح عندهم من السنن، فهذا شأن العلماء أجمع. ولکن الحجة في السنة وفي قول من قال بها وعلمها، لا في قول من جهلها وخالفها - وبالله التوفيق. قال أبو عمر: أجمعوا أنه لا يجوز عندهم العجين بالعجين لا متماثلا ولا متفاضلا، لا خلاف بينهم في ذلك؛ وكذلك العجين بالدقيق، فإذا طبخ العجين وصار خبزا، جاز بيعه عند مالك بالدقيق متفاضلا ومتساويا؛ لأن الصناعة قد كملت فيه وأخرجته فيما زعم أصحابه عن جنسه، واختلف الغرض فيه؛ وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في بیع الدقيق بالخبز كقول مالك؛ وأما الشافعي فلا يجوز عنده الخبز بالدقیق على حال، لا متساويا ولا متفاضلا؛ ولا يجوز عند الشافعي بيع العسل بالعسل، إلا ألا يكون في أحدهما شيء من الشمع؛ فإذا كان كذلك، جاز مثلا بمثل، ولا يجوز عنده بيع الخل بالخل لجهل ما في واحد منهما من الماء؛ وكذلك الشبرق بالشبرق (208)، ولا يجوز عنده على اختلاف (209) من قوله، وقياس قوله أنه لا يجوز عنده الخبز الفطير بالخمير، ولا الخبز بالخبز أصلا - والله أعلم. واختلف قول الشافعي في بيع الدقيق بالدقيق، واختلف أصحابه في ذلك؛ ولم يختلف قول الشافعي في بيع الحنطة بالدقيق: أنه لا يجوز، واختلف (210) أصحابه في ذلك؛ واختلف قول الشافعي في بيع الشيرج (208) الشبرق: نبت حجازي يؤكل - وله شوك، وإذا يبس سمى الضريع انظر النهاية لابن الأثير الجزري (شبرق). (209) اختلاف من: ١، اختلاف عنه من - بزيادة (عنه): ق، ك. (210) واختلف أصحابه ـ ا، واختلف قول أصحابه - بزيادة (قول) ق، ك - 184- بالشيرج (211) هل يجوز أم لا؟ فمرة أجازه مثلا بمثل، وكذلك الدقيق بالدقيق؛ ومرة كره ذلك على كل حال. وقال الأوزاعي: لا يجوز السمن بالودك إلا مثلا بمثل، وكذل الشحم غير المذاب بالسمن، إلا أن يريد أكله ساعتئذ فيجوز؛ وأما القمح بالدقيق، فاختلف قول مالك فيه: فمرة أجازه مثلا بمثل، وهو المشهور من مذهبه الظاهر فيه، وهو قول الليث؛ ومرة منع منه - وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما؛ وقد روي عن عبد العزيز ابن أبي سلمة مثل ذلك، وروی عنه أن ذلك جائز علی کل حال، ولا خلاف عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز بيع الدقيق بالحنطة، ولا بيع قفيز من حنطة بقفير من سويق، وهو قول الشافعي . قال أبو عمر: قول أبي حنيفة وأصحابه في كراهية بيع الحنطة بالدقیق متساويا، نقض لقولهم في جواز بيع العنب بالزبيب، ونقض لقول أبي حنيفة في جواز بيع الرطب بالتمر - والله أعلم؛ إلا أنهم يعتلون بأن الطحين لا يخرج البر عن جنسه، وأن المماثلة لا يمكن فيهما مع الأمر في ذلك؛ ولذلك لم يجيزوا بيع بعضهما ببعض أصلا. وقال مالك: لا بأس بالحنطة بالدقيق مثلاً بمثل، ولا بأس بالسويق بالقمح متفاضلا، وهو قول الليث في السويق بالقمح أيضا. وقال الأوزاعي: لا تصلح القلية (بالقمح (212)) مثلا بمثل ، ولا بأس به وزنا. (211) الشبرج: دهن السمسم (212) كلمة (بالقمح) ساقطة في ا، ثابتة في ق. ك - والمعنى يقتضيها. - 185 - قال الطحاوي: منع الأوزاعي من المماثلة في الكيل، وأجازها في الوزن، ولم نجد ذلك عن أحد من أهل العلم سواه. وقال شعبة: سألت الحكم وحمادا عن الدقيق بالبر فكرهاه. وعن شعبة أيضا قال سألت ابن شبرمة عن الدقيق بالبر فقال: شيء لا بأس به، وأما السويق بالدقيق وبالحنطة، فأجازه مالك - متفاضلا ومتساویا، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: لا يجوز مثلا بمثل ولا متفاضلا. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه لا يجوز إلا مثلا بمثل وهو قول الثوري. وقال مالك واللیث: لا تباع الجديدة بالسويق إلا مثلا بمثل، لأنه سویق کله إلا أن بعضه دون بعض. وقال الأوزاعي : لا تباع الجديدة بالسويق ولا بالدقيق إلا وزنا. وعند الشافعي : لا يباع شيء من ذلك كله بعضه ببعض علی حال، وأما الخبز بالدقیق، فلا بأس بذلك متفاضلا؛ وعلى كل حال عند ملك والليث والثوري وأبي ثور وإسحاق. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الدقيق بالخبز على حال من الأحوال لا متفاضلا ولا متساويا، وهذا قول عبيد الله بن الحسن. وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني الخبز بالدقيق، وكذلك لا يجوز عند الشافعي وعبد الله بن الحسن بيع الخبز بالخبز أيضا - لا متساويا ولا متفاضلا. وقال مالك في الخبز إذا تحرى أن تكون مثلاً بمثل فلا بأس به وإن لم یوزن، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور، وقد روی عنهما أن ذلك لا يجوز - 186- إلا وزنا وقال الشافعي: كل ما داخله الربا في التفاضل، فلا يجوز فيه التحري . وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بالخبز قرصا بقرصين. قال أبو عمر: هذا خطأ عندي (213) - وغلط فاحش، لأن رسول الله مُّرُ نهى عن الطعام إلا مثلا بمثل، هذا عند الجميع في الجنس الواحد؛ ومعلوم أن خبز البركله طعام جنس واحد، وكذلك خبز الشعیر کله جنس واحد، وکل واحد منهما تبع لأصله عند العلماء؛ فمن جعل البر والشعير صنفا واحدا فخبر ذلك كله عنده جنس واحد على أصل قوله ومن جعل كل واحد منهما غير صاحبه وجعله جنسا على حدة (214)، فخبز كل واحد منهما صنف وجنس غير صاحبه إلا الشافعي وعبيد الله بن الحسن، فإنهما لا يجيزان شيئا من الخبز بعضه ببعض، لما يدخله من الماء والنار؛ والأصل عندهما فيه أنه دقيق بدقيق لا يوصل إلى المماثلة فيه. وعند الليث بن سعد: كل ما يخبز (215) صنف واحد من الحبوب كلها، وقد روي عن مالك مثل ذلك. قال أبو عمر: إنما أجاز أبو حنيفة الخبز قرصاً بقرصين، لأنه لم يدخل عنده ذلك في الكيل الذي هو أصله؛ فخرج من الجنس الذي يدخله الربا عنده، لأن الربا عنده وعند أصحابه لا يدخل إلا فيما يكال أو يوزن؛ وأصل الدقيق (213) خطأ عندي وغلط: ا، عندي خطأ وغلط: ق، ك. (214) حدة: ا، حدته: ق، ك. (215) يخبز: ا، يختبز: ق، ك. ~ 187- عنده والبر الكيل لا الوزن، وأظن الخبز عندهم ليس من الموزونات، لأنه يجب عندهم على مستهلكه القيمة لا المثل - على أصلهم في ذلك، والله أعلم. وأجمع العلماء على أن التمر بالتمر لا يجوز إلا مثلا بمثل، واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة الواحدة بالحبتين؛ فقال الثوري والشافعي : لا يجوز ذلك، وهو قول أحمد وإسحاق، وهو عندي قیاس قول مالك. وذکر الطحاوي قال حدثنا أبو حازم، قال حدثنا ابن أبي زیدون، عن الفريابي (216)، عن سفيان الثوري، قال: لا يجوز تمرة بتمرتين، ولا تمرة بتمرة. قال أبو حازم: ما أحسن معناه في هذا، ذهب الى أن ذلك کله أصل الكيل، وإلى أن التمرة بالتمرتين وبالتمرة غير مدرك بالكيل. قال أبو عمر: أما تمرة بتمرة فلا أدري ما في ذلك عند مالك والشافعي ومن تابعهما على القول بأن التمرة بالتمرتين لا يجوز؟ والذي أقوله في ذلك على أصلهما أن المماثلة إن أمكنت في التمرة بالتمرة بالوزن جاز ذلك - والله أعلم. وقول الثوري حسن جدا لعدم المماثلة في التمرة بالتمرة، وعدم الكيل الذي هو أصلها، ولأن ما كان أصله الكيل؛ فلا يرد الى الوزن (217) عندهم، إلا مع الاضطرار. (216) الفريابي: ق.، ك الفرياني: ١ - وهو تحريف. انظر ترجمته في اللباب 427/2. (217) يرد إى ورس. ١) يوزن: ق، ك. - 188- قال أبو عمر: لا حاجة بأحد الى بيع تمرة بتمرة، فلا وجه للتعرض الى مثل هذه الشبهة فيما لا ضرورة ولا حاجة بالناس إليه؛ وقد احتج من أجاز التمرة بالتمرتين بأن مستهلك التمرة والتمرتين تجب عليه القيمة، فقال: إنه لا مكيل ولا موزون، فجاز فيه التفاضل؛ وهذا - عندي - غير لازم، لأن ما جرى فيه الربا في التفاضل، دخل قليله وكثيره في ذلك قياسا ونظرا، والله الموفق للصواب. وقال مالك: لا يجوز البيض بالبيض متفاضلا، لأنه يدخر، ويجوز عنده . مثلا بمثل؛ قال: ويجوز بيع الصغير منه بالكبير، وبيض الدجاج وبيض الاوز وبيض النعام - إذا تحری ذلك أن یکون مثلا بمثل جاز. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائز بيضة ببيضتين ويأكثر، وجائز التفاضل في البيض، لأنه ليس مما يدخر. وقال الأوزاعي: لا بأس ببيضة ببيضتين يدا بيد وجوزة بجوزتين، ولا يجوز عند الشافعي بيضة ببيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين، لا يدا بيد ولا نسيئة، لأن ذلك كله طعام مأكول؛ وقد قدمت لك أصله وأصل غيره من الفقهاء فيما يدخله الربا، وعلة كل واحد منهم في ذلك في غير موضع من كتابنا هذا، فلا معنى لاعادة ذلك ههنا. وقال مالك: لا يباع اللحم الرطب بالقديد، ولا مثلا بمثل، ولا متفاضلا؛ قال: وكذلك اللحم المشوي بالنيء لا يجوز متساويا ولا متفاضلا (218)؛ ولا بأس عند مالك بالطري بالمطبوخ، مثلا بمثل متفاضلا، إذا أثرت فيه الصنعة وخالفت الغرض منه ومن غيره؛ قال (218) ولا باس: ا، قال: ولا بأس - بزيادة (قال): ق، ك. - 189- الشافعي : لا يجوز بيع اللحم من الجنس الواحد مطبوخا منه بنيء بحال إذا كان إنما يدخر مطبوخا؛ وكذلك المطبوخ بالمطبوخ لا يجوز إلا أن يكون لا مرق فيه، ویکون جنسا واحدا، فيجوز مثلا بمثل، وإن کان جنسین، جاز فيه التفاضل والتساوي يدا بيد. وذكر المزني عن الشافعي قال: اللحم كله صنف واحد - وحشيه وإنسيه، وطائره، لا يجوز بيعه الا مثلا بمثل وزنا بوزن، وجعله في موضع آخر على قولين. قال المزني: وقد قطع بأن ألبان البقر والغنم والابل أصناف مختلفة، فلحومها التي هي أصول الألبان أولى بالاختلاف. وقال الشافعي: في الاملاء على مسائل مالك المجموعة: إذا اختلفت أجناس الحيتان، فلا بأس ببعضها ببعض متفاضلا، وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها؟ قال المزني: وفي هذا كفاية، يعني من قوله ومذهبه. وقال الطحاوي: قياس قول أبي حنيفة وأصحابه أن لا يباع اللحم اليء بالمشوي، إلا يدا بيد، مثلا بمثل، إلا أن يكون في أحدهما شيء من التوابل فيكون الفضل لآخذ التوابل. وذکر ابن خواز بنداد قال: قال أصحاب أبي حنيفة: مجيء على قول أبي حنيفة ألا يجوز النيء بالمشوي، كما قال في المقلوة بالبر؛ ویبقی علی قوله أيضا أنه يجوز، كما قال في الحنطة المبلولة باليابسة؛ قال ابن خواز بنداد: اختلط المذهب على أصحاب أبي حنيفة في هذه المسألة وليس له فيها نص. وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي: يجوز بيع شاتين مذبوحتين إحداهما بالأخرى، ولو لم يكن معهما جلد لم يجز؛ لأن اللحم باللحم لا يجوز إلا وزنا بوزن، ولا يجوز فيه التحري . وقال الشافعي : لا يجوز التحري فيما بعضه ببعض متفاضلا ربا. - 190- وقال مالك والليث: لا يشترى اللحم بعضه ببعض إلا مثلا بمثل، ويتحرى ذلك - وإن لم يوزن؛ ولا يباع المذبوح بالمذبوح إلا مثلا بمثل على التحري، وكذلك الرأس بالرأسین. وقال ابن خواز بنداد في باب بيع الرطب بالتمر، فإن قيل قد اتفق الجميع أن شاة بشاتین جائز - وإن کانت أحداهما أکثر لحما من الأخری، قيل له إن كان يراد بهما اللحم، فلا يجوز بيع شاة بشاتين. وقال مالك: لا يجوز خل التمر بخل العنب إلا مثلا بمثل، وهو عنده جنس واحد، لأن الغرض فيه واحد؛ قال: وكذلك نبيذ التمر ونبيذ الزبيب ونبيذ العسل لا يجوز إلا مثلا بمثل - إذا كان لا يسكر كثيره. قال مالك: وليس هذا مثل زيت الزيتون وزيت الفجل وزيت الجلجلان، لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى، والغرض فيها مختلف. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بخل التمر بخل العنب: اثنان بواحد، ولا يجوز عند الشافعي بيع الخل بالخل أصلا - إذا كان الأصل فيه واحدا. وذكر ابن خواز بنداد عن الشافعي بيع الخل أنه قال في الزيوت: كل زيت منها جنس بنفسه، فزيت الزيتون غير زيت الفجل، وغير زيت الجلجلان. وقال الليث بن سعد: كله صنف واحد لا يجوز إلا مثلا بمثل، زيت الزيتون وزيت الجلجلان وزيت الفجل؛ قال: ولا بأس بزيت الكتان بغيره من الزيت مفاضلا يدا بيد. .قال أبو عمر: قد ذكرنا في هذا الباب أصوله مستوعبة، وذكرنا من فروعها كثيرا ليوقف - 191- بذلك على أصول مذاهب العلماء به، ويوقف بذلك على المعنى الجاري فيه منها الربا في الزيادة . وأما باب المزابنة في بيع الزيت بالزيتون واللحم بالحيوان والزبد باللبن والعنب بالعصير الحلو، وما أشبه ذلك كله، فقد مضت منه أصول عند ذكر المزابنة في مواضع من كتابنا هذا؛ منها: حديث داود بن الحصين، وحديث ابن شهاب عن سعيد، وحديث نافع عن ابن عمر؛ وذكرنا هنالك من معنى المزابنة ما يوقف به على المراد من مذاهب العلماء في ذلك - إن شاء الله . وأما قوله اَله: أينقص الرطب، إذا يبس؟ على ما في حديث هذا الباب، فللعلماء فيه قولان، أحدهما - وهو أضعفهما: أنه استفهام استفهم عنه أهل النخيل والمعرفة بالتمور والرطب ورد الأمر إليهم في علم نقصان الرطب إذا ييس، ومن زعم ذلك قال: إن هذا أصل في رد المعرفة بالعيوب وقيم المتلفات الى أرباب الصناعات؛ والقول الآخر - وهو أصحهما، أن رسول الله ◌َّ﴾ لم يستفهم عن ذلك، ولكنه قرر أصحابه على صحة نقصان الرطب - إذا يبس - ليبين لهم المعنى الذي منه منع، فقال لهم: أينقص الرطب؟ أي: أليس ينقص الرطب - إذا ييس وقد نهيتكم عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل؛ فهذا تقرير منه وتوبيخ، وليس باستفهام في الحقيقة؛ لأن مثل هذا لا يجوز جهله على النبي ◌ّر. والاستفهام في كلام العرب قد يأتي بمعنى التقرير كثيرا، وبمعنى التوبيخ - كما قال الله عز وجل: ((وإذ قال الله: يا عيسى بن مريم، آنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين)» (219)، فهذا استفهام معناه التقرير، وليس معناه أنه استفهام (220) عما جهل (221) جل الله وتعالى عن ذلك! ومن التقرير أيضا بلفظ الاستفهام قوله عز وجل: ((ءالله (219) الآية: 116 - سورة المائدة. (220) استفهام: ا، استفهم: ق، ك. (221) فهم: إِ، جهل: ق، ك - وهي أنسب. - 192 - أذن لكم أم على الله تفترون))(222)؟ وقوله: ((ءالله خير أم ما تشركون))(223)؟ وقوله: ((وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي)) (224)؟ وهذا كثير. وقوله # في هذا الحديث: أينقص الرطب إذا يبس نحو قوله: أرأيت إن منع الله الثمرة، فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ فإنه قد قال: أليس الرطب، إذا یبس نقص؟ فکیف تبيعونه بالتمر، والتمر لا يجوز بالتمر إلا مثلا بمثل؛ والمماثلة معروفة (225) في مثل هذا، فلا تبيعوا (226) التمر بالرطب بحال؛ فهذا أصل في مراعاة المآل في ذلك، وهذا تقرير قوله ومخير (227) عند من نزهه ونفى عنه أن يكون جهل أن الرطب ينقص إذا يبس، وهذا هو الحق - إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق. (222) الآية: 59 سورة يونس (223) الآية: 59 - سورة النمل. (224) الآية: 18 - سورة طه. (225) معدومة: ق، ك - معروفة: ١ - وهو تحريف (226) تبيعوا: ا، تبيعون: ق، ك. (227) قوله ذلك - ص: ١، قوله - ص -: ق، ك - وهي أنسب. - 199 - التمهيدج١٩ مالك عن عبد الله (بن عبد الله)(1) بن جابر ابن عتيك الأنصاري المعاوي - حديثان وعبد الله هذا مدني تابعي ثقة، روی عنه مالك وعبيد الله بن عمر، وقد ذكرنا نسبه عند ذكر جده جابر بن عتيك في كتاب الصحابة(2). حديث أول لعبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - وهي قریة من قری الأنصار- فقال: هل تدرون أین صلی رسول الله ټټ من مسجدکم هذا؟ فقلت له: نعم - وأشرت له الى ناحية منه؛ فقال لي: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت له: نعم، قال: فأخبرني بهن، قال: فقلت: دعا بأن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما؛ ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم؛ فمنعها؛ قال: صدقت. قال ابن عمر: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة(3). (1) جملة (بن عبد الله) ساقطة في ا، ثابتة في ق، ك - والمعنى يقتضيها. (2) انظر الاستيعاب 1 /222. (3) الموطأ - رواية يحيى ص 143 - حديث (503). - 194 - هکذا روی یحیی هذا الحديث بهذا الاسناد، وقد اضطربت فيه رواة الموطأ عن مالك اضطرباً شديداً: فطائفة منهم تقول كما قال يحيى عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر- لم يجعلوا بين عبد الله شيخ مالك هذا وبين ابن عمر أحداً، منهم ابن وهب، وابن بكير، ومعن بن عيسى؛ وطائفة منهم تقول عن مالك، عن عبد الله ابن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك بن الحرث بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر؛ منهم: ابن القاسم على اختلاف عنه؛ وقد روی عنه مثل رواية يحيى، وابن وهب، وابن بكير. وطائفة منهم تقول: مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر. منهم: القعنبي، على اختلاف (عنه في ذلك)(٤)، والتنيسي، وموسى بن أعين، ومطرف. قال أبو عمر: رواية يحيى هذه أولى بالصواب - عندي - إن شاء الله، والله أعلم - من رواية القعنبي، ومطرف، لمتابعة ابن وهب، ومعن، وأكثر الرواة له على ذلك؛ وحسبُك بإتقان ابن وهب، ومعن؟ وقد صحح البخاري - رحمه الله - وأبو حاتم الرازي سماع عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك من ابن عمر(5). أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد، قال حدثنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن عبد الله البزار - بمصر، قال أخبرنا أبو الفضل جعفر بن أحمد بن عبد السلام البزار، قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، أنه قال: (4) ما بين القوسين ساقط في ا، ثابت في ق، ك - والمعنى يقتضيه. (5) انظر التاريخ الكبير للبخاري 3 - ق 126/1، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 - ق 90/2. -195 - جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية - وهي قرية من قرى الأنصار، فقال: هل تدري أين صلى رسول اللّه ◌َطهر من مسجدكم هذا؟ فقلت نعم - وأشرت إليه إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت نعم، قال: فأخبرني بهن، فقلت: دعا بأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين - فأعطيهما؛ ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها. فقال عبد الله بن عمر: صدقت، فلن يزال الهرج الى يوم القيامة. والدليل على أن رواية يحيى، وابن وهب، في إسناد هذا الحديث أصوب، أن عبيد الله بن عمر روى هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله ابن جابر بن عتيك هذا؛ كذلك حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أُصبغ، قال حدثنا اسماعیل ابن اسحاق، قال حدثنا اسماعيل بن ابي أويس، قال حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الله الأنصاري من بني معاوية، أن عبد الله بن عمر جاءهم فسأله أن يخرج له وضوءاً، قال: فأخرجت له وضوءاً، فتوضأ ثم قال: إن النبي ◌َ ﴿ دعا ربه في مسجدكم وسأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنين ومنعه واحدة؛ سأله أن لا يسلط على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين، فأعطاه ذلك؛ وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعه ذلك. وقد روى هذا الحديث سعد بنحو ما رواه جابر بن عتيك، وعبد الله بن عمر، ذکر يعقوب بن شيبة، قال حدثنا یعلی بن عبيد الطنافسي، قال حدثنا عثمان بن حکم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله ◌َّي حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين وصلینا معه وناجى ربه طويلا؛ ثم قال: سألت ربي ثلاثاً: سألته ألا يهلك أمتي بالعدو فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. - 196 - قال أبو عمر: في حديث مالك هذا من وجوه العمل: طرح العالم المسألة من العلم على تلميذه وسؤاله اياه عما هو أعلم به منه أو مثله، ليقف على حفظه وعلى ما عنده من ذلك. وفيه ما يفسر قوله - عليه السلام - إن لكل نبي دعوة يدعو بها، فأختبأت دعوتي شفاعة لأمتي(6) - ان ذلك على وجه الأمنية والعطاء، لا علی وجه الدعاء؛ لأن دعاءه کله أو أکثره مجاب - إن شاء الله؛ ألا ترى أنه قد أجيبت دعوته في أن لا يهلك أمته بالسنين، ولا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يستأصلهم؛ فكيف يجوز أن يظن أحد أنه لم تكن له إلا دعوة واحدة يستجاب له فيها أو لغيره من الأنبياء، هذا ما لا يتوهمه ذو لب إن شاء الله. وقد مضى القول في هذا المعنى في باب أبي الزناد، والحمد لله. وفيه ما كان عليه ابن عمر من التبرك بحركات رسول الله ◌َفي اقتداء به وتأسياً بحركاته؛ ألا ترى أنه إنما سألهم عن الموضع الذي صلى فيه رسول الله الهـ من مسجدهم ليصلي فيه تبركاً بذلك ورجاء الخير فيه. وفي قول ابن عُمر لعبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك: أخبرني بهن، ثم قوله له إذ أخبره بهن صدقت، دلیل علی أنه قد کان یعلم ما سأل عنه - والله أعلم؛ وقد بان بحمد الله في هذا الحديث أن الله لا يهلك أمة محمد وَ﴿ بالسنين ولا يعمهم في أقطار الأرض بجوع وجدب، وهذا يدل على ان الأرض كلها لا يعمها الجدب أبداً؛ لأن أمته في أكثر أقطارها، وإذا لم يعمهم الجدب والقحط والجوع، فأحرى ألا يعم الأرض. وفي هذا الحديث دليل واضح على أن دين محمد ريّي لايزال إلى أن تقوم الساعة، ولا يهلك أمة محمد زَّليل عدو يستأصلها أبداً، وأنها في أكثر أقطار (6) حديث متفق عليه. - 197 - الأرض - والحمد لله كثيراً. وفيه دليل على أن الفتن لاتزال في أمة محمد شَي يقتل بعضها بعضاً ما بقيت الدنيا، لانه قد منع ويلز ألا يجعل بأسهم بينهم، قال ابن عمر: فلن يزال الهرج الى يوم القيامة. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله پے زویت لی الأرض، أو قال: إن الله زوی لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكهم بسنة بعامة، ولا یسلط عليهم عدواً من قبل أنفسهم فیستبيح بيضتهم، وإن ربي قال : یا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين اقطارها حتى يكون بعضهم يسبي بعضاً، وبعضهم يهلك بعضاً، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها الى القيامة - وذكر تمام الحديث. (7) وأخبرنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال حدثنا الحرث ابن أبي اسامة، قال حدثنا کثیر بن هشام، قال حدثنا جعفر بن برقان، قال حدثنا يزيد بن الأصم، قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله تظهر الفتن ويكثر الهرج، قال: قلنا وما الهرج؟ قال: القتل - وذكر الحديث(٤). (7) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه . (8) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه - 198 - وقال أبو عمر: قد ثبت عن النبي - عليه السلام - من وجوه أن الهرج لايزال الى يوم القيامة، والهرج - بتسكين الراء(9) - القتل، وكذلك الرواية في هذا الحديث وغيره؛ وأصل الهرج: اختلاف الناس من غير رئيس، وذلك يدعوهم إلى القتل؛ قال عبد الله بن قيس الرقيات: ام زمان یکون من غير هرج ليت شعري لأول الهرج هذا قد أتانا من عيشنا ما نرج إن یعش مصعب فنحن بخير أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال أخبرنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي، قال أخبرنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمر - وسمع جابر بن عبد الله يقول لما نزلت: ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم))(10) . قال رسول الله *: أعوذ بوجهك: ((أو من تحت أرجلكم))، قال: أعوذ بوجهك (((أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض))؛ قال: هاتان أهون وأيسر. ورواه حماد بن سلمة، ومعمر، وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر - مثله سواء، إلا أنهم قالوا في آخره: ((ويذيق بعضكم بأس بعض)). قال: هذه أهون، وبعضهم قال: هذه أيسر، وابن عيينة أثبت الناس في عمرو بن دينار. وذکر عبد الرزاق وغيره، عن عمر عن الزهري قال: راقب خباب بن الأرت - وكان بدرياً - رسول الله ◌َ الفجر وهو يصلي، حتى إذا كان الصبح، قال له: يانبي الله، لقد رأيتك الليلة تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها؛ قال: (9) الراء: ق، ك، الهاء: ١ - وهو تحريف. (10) الآية: 65 - سورة الأنعام. - 199 - أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته ألا يهلكنا بها أهلك به الأمم، فأعطانيٍ؛ وسألته أن لا يسلط علينا عدواً، فأعطاني؛ وسألته أن لا يلبسنا شيعا، فمنعني. وذكر سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ((قل هو القادر أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم))، قال لأمة محمد ټ﴿ فأعفاهم منها(11)، ((أو يلبسكم شیعاً)؛ قال ما كان من الفتن والاختلاف. قال ابن جريج: ((عذاباً من فوقكم))، يقول: الرمي بالحجارة أو الغرق، أو بعض ما عنده من العذاب؛ أو ((من تحت أرجلكم))، قال: الخسف. قال: وحدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة في قوله: ((فإما ندهبن بك فإنا منهم، منتقمون))(12)، قال: ذهب النبي - عليه السلام - وبقيت الفتنة. ولم ير النبي وي في أمته شيئاً يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي إلا أري في أمته العقوبة إلا نبيكم ێ . حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع عن عبادة بن مسلم الفزاري، عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن ابن عمر، أن النبي وهي كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك أن أغتال من تحتي - يعني الخسف. أخبرنا ابرهيم بن شاكر، حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى، حدثنا محمد بن أيوب ابن حبيب، حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن المثنى، وعمرو بن علي، ومحمد بن معمر، قالوا حدثنا أبوعامر، عن کثیر بن زيد، (11) عنها: ا، منها: ق، ك - وهي أنسب. (12) الآية: 41 - سورة الزخرف - 200 -