Indexed OCR Text
Pages 141-160
وروى ابن اسحاق عن عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن فاطمة قالت: كنت عند أبي عمر، فبعث إلى بتطليقتي الثالثة، فهذا ما بلغني مما في حديث فاطمة من الاختلاف في صفة طلاقها، فلا حجة فيه لمن قال إن طلاق الثلاث مجتمعات سنة، ولا لمن أنكر ذلك - للاختلاف فيه، وقد أوضحنا القول في هذه المسألة، وبسطناه ومهدناه في باب نافع - والحمد لله. وأما قوله: فأرسل اليها وكيله بشعير، ففيه إباحة الوكالة وثبوتها، وهذا أصل فيها . وأما قوله: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله وَله فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، ففي هذا دليل بل نص أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا، فيكون لها النفقة باجماع، لقول الله - عز وجل - ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن)) (110). وفي هذا دليل بين أنهن إن لم يكن أولات حمل لم ينفق عليهن، وفاطمة بنت قيس لم تكن حاملا، فلهذا ما قال (111) رسول الله ريله: لا نفقة لك. واختلف أهل العلم في النفقة للمبتوتة، فأباها قوم - وهم أهل الحجاز، منهم: مالك، والشافعي، وتابعهم على ذلك أحمد، واسحاق، وأبو ثور، وحجتهم ظاهرة قوية بهذا الحديث. وقال آخرون: لها النفقة، وممن قال ذلك أكثر فقهاء العراقيين، منهم ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة وأصحابه، وعثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، وحجتهم ما روي عن عمر وابن مسعود أنهما قالا: المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة. (110) الآية: 6 - سورة الطلاق (111) قال رسول الله: ا، قال لها رسول الله - بزيادة (لها): ق ك - 141 - أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عمر، قال: المطلقة ثلاثا لها. السكنى والنفقة مادامت في العدة. وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد ابن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا يعقوب عن الاعمش، عن ابراهيم، عن الاسود، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا: السكنى والنفقة. وروى شعبة عن حماد، عن ابراهيم عن شريح - في المطلقة ثلاثا، قال: لها النفقة والسكنى. قال إسماعيل بن اسحاق: قال ابو حنيفة: المطلقة ثلاثا ينفق عليها زوجها وان کانت غیر حامل. ورووا في ذلك حدیثا لیس بقوي الاسناد عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لها السكنى والنفقة. قال اسماعیل: والذي في کتاب ربنا أن لها النفقة إذا كانت حاملا، ونحن نعلم أن عمر لا یقول ندع کتاب ربنا (112)، إلا لما هو موجود في کتاب ربنا، والذي وجدنا في كتاب ربنا النفقة لذوات الاحمال، قال: ونحسب أن الحديث انما هو: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، لقول امرأة لها السكنى، لأن السكنى موجود في القرآن بقوله تعالى: ((أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)) (113)، وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر: النفقة. والحديث يدور على الاعمش بأسانيد مختلفة، وكل رواية الاعمش على اختلافها في هذا الحدیث، فإنها تدور علی ابراهیم؛ وقد روی منصور - وهو (112) ربنا: ا، الله: ق، ك. (113) الآية: 6 سورة الطلاق - 142- أصح رواية من الاعمش عن ابراهيم في المطلقة ثلاثا: لها السكنى والنفقة، ولا يجبر على النفقة ۔ هذا كله كلام اسماعيل - وفيه ما فيه من دفع ظاهر قول عمر إلى دعوى لا يسيغ هو ولا غيره - لأحد مثل ذلك في دفع نص، إلا أنه لما کان قول عمر خلاف نص السنة، کان دفعه بتأویل ضعیف - خیرا من أن ينسبه إلى مخالفة السنة الثابتة؛ على أنهم متفقون فيما رواه العدول، أنه لا یرد نص بتأويل يدفعه جملة، وذلك ۔ عندي - في المسند دون رأي أحد ۔ والله أعلم. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة ابنة قيس، قالت: طلقني زوجي ثلاثا، فجئت النبي فسألته، فقال: لا نفقة لك ولا سكنى. قال: فذكرت ذلك لابراهیم، فقال: قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا: لها النفقة والسكنى . قال ابو عمر: أما النفقة للمبتوتة، ففيه نص ثابت عن النبي عليه السلام أنها لا نفقة لها؛ وذلك قوله ﴿ لفاطمة بنت قيس: ليس لك عليه نفقة - من حديث مالك وغيره، فلا معنی لما خالفه، وفي قول الله عز وجل: ((وإن کن أولات حمل فأنفقوا عليهن)) (114) دليل على أن لا نفقة لغير حامل، فهذا هو المعتمد عليه في هذا الباب، وهي النكتة التي عليها مداره من الكتاب والسنة. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا معلى، قال حدثنا ليث بن سعد، قال حدثنا عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، قال: سألت فاطمة بنت قيس، (114) الآية: 6 1من نفس السورة. - 143- فأخبرتني أن زوجها المخزومي طلقها - وأبى أن ينفق عليها؛ فجاءت إلى رسول الله #* فأخبرته، فقال رسول الله رَّي: لا نفقة لك، فانتقلي فاذهبي إلى ابن مكتوم، فكوني عنده، فإنه رجل أعمى - تضعين ثيابك عنده. ففي هذا الحديث تصريح بأن لا نفقة لها، وكذلك أحاديث فاطمة كلها لم يختلف في أنها لا نفقة لها؛ وإنما اختلف في ذكر السكنى، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها. وأما قوله: وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، فهذا موضع اختلاف بين أهل العلم، منهم: من زعم أن المبتوتة لا سكنى لها ولا نفقة، لان رسول الله ولو لم يأمرها أن تعتد في بيت زوجها الذي كانت تسكنه - وقال: لا نفقة لك، وقالوا: لو كان لها السكنى ما أمرها أن تخرج من (115) بيت زوجها . ورووا أيضا منصوصا في حديث فاطمة أن رسول الله وَّ﴾ قال لها: لا سكنى لك ولا نفقة، وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وبه قال أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود؛ وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا احمد بن زهير، قال حدثنا ابو نعيم، قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا - فأتت النبي - * - فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم مكتوم. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا هیثم، عن سیار أبي (115) من: أ، عن: ف، ك. - 144 - ٦٠٠ الحكم، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، أنها أتت النبي ﴿ فجعل لها السكنى والنفقة، فقيل له إنه طلقها ثلاثا، فقال: لا سكنى ولا نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قال حدثنا أبو عوانة، عن مطرف، عن عامر، قال سألت فاطمة بنت قيس عن المرأة يطلقها زوجها ثلاثا، فقالت: طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله ربيّهم فأتيت النبي ◌َّر فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، فقيل لعامر إن عمر لم يصدقها، فقال عامر: ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا؟ وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى، قال حدثنا شريك، عن أبي بكر بن صخر، قال: دخلت على فاطمة - فذكر الحديث. وفيه: فرفع (116) ذلك إلى النبي وَله فقال: ليس لك نفقة ولا سكنی. وروى مجالد بن سعيد، وسعد بن زيد، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، أن رسول الله ◌َّل﴿ قال لها: إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة. وفي حديث معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن فاطمة بنت قيس قالت حین أرسل إليها مروان - قبيصة بن ذؤيب يسألها عن ذلك، فحدثته فأتى مروان فأخبره، فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها؛ فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله: ((لا تخرجوهن من بيوتهن)) - حتى بلغت: ((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)) (117). قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد (116) فرفع: ا، یرفع: ق، ك. (117) الآية الأولى - سورة الطلاق. التمهيدج١٩ -145- ٠ الثلاث؟ فكيف تقولون لا نفقة لها؟ أما إذا لم تكن حاملا، فعلى م تحبسونها؟ فكيف تحبس امرأة بغير نفقة؟ قال أبو عمر: تقول فاطمة: إن كنتم تحبسونها على زوجها في بيته، فأوجبوا لها النفقة، وإن لم توجبوا لها النفقة، فلا توجبوا عليها السكنى ؛ وفي قول مروان في هذا الحديث سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، دليل على أن العمل كان عندهم بخلاف حديث فاطمة في السكنى؛ وقولها: فعلى م تحبسونها؟ إنما كانت تخاطب بهذا كبار التابعين؛ وهذا كله يدل على أن العمل كان عندهم بالمدينة من زمن عمر بخلاف حديث فاطمة في السكنی - والله أعلم. حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال حدثنا عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، قال جلست إلى سعيد بن المسيب فسألته، فقال إنك لتسأل سؤال رجل قد تبحر العلم قبل اليوم؛ قال: قلت: إني بأرض أسأل بها، قال: فكيف وجدت ما أفتيت (118) به مما يفتيك به غيري ممن سألت من العلماء؟ قلت: وافقتم إلا في فريضة واحدة، قال: وما هي؟ قلت: سألتك عن المطلقة ثلاثاً تعتد في بيت زوجها أم تنتقل إلى أهلها؟ فقلت: تعتد في بيت زوجها ۔ وقد کان من أمر فاطمة بنت قيس ما قد علمت، فقال سعید تلك امرأة فتنت الناس، وسأخبرك عن شأنها؛ إنها لما طلقت استطالت على أحيائها وآذتهم بلسانها، فأمرها رسول الله وَله أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم، قال: قلت: لئن كان رسول الله ولي أمرها (118) افتیت: ا، افتيتك: ق، ك. - ٠ -146- بذلك، إن لنا في رسول الله لا سوة حسنة، مع أنها أُحرم الناس علیه، لیس له (119) علیھا رجعة ولا بينهما ميراث. قال أبو عمر: هذا من أحسن ما يجري من الاحتجاج في هذا المعنى، يقول: لو كان السكنى عليها واجبا، لقصرها (120) رسول الله وَله ومنعها من الاستطالة بلسانها بما شاء مما يردعها عن ذلك - والله أعلم - مع أنه ليست منه ولا هو منها. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا جعفر بن برقان، قال أخبرنا ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فسألته وذكر (121) معنى ما تقدم. وأخبرنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قال أخبرني أبو المليح عن ميمون، قال: ذكرت أمر فاطمة ابنة قيس عند ابن المسيب، فقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس أو النساء، قلت لئن کانت انما أخذت بما افتاها رسول الله # ما فتنت الناس. وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا قال في المبتوتة: لا نفقة لها ولا سكنى. وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتد المبتوتة حيث شاءت، وابن جريج عن عطاء عن أبن عباس، قال: تعتد المبتوتة حيث شاءت، فهذا مذهب آخر. (119) لها رجعة: ا، له عليها رجعة: ق، ك. (120) لقصدها: ا، لقصرها: ف، ك - وهي أنسب. (121) وذكر: ا، فذكر: ق، ك. - 147 - وقال مالك، والشافعي، وأصحابهما، والاوزاعي: المبتوثة لها السكنى واجب لها وعليها ولا نفقة لها - وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار؛ وروى ذلك عن ابن عمر، وعائشة، وعطاء، وغيرهم. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملا، ولها السكنى (122). ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: لا تنتقل المبتوتة من بيت زوجها حتى يحل أجلها (123). وقال اسماعيل بن اسحاق قال قوم: لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة. وذهبوا إلى الحديث الذي ذكر عن فاطمة بنت قيس أن النبي ◌َّ و لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. وتأولوا قول الله - عز وجل -: ((أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)) - أن ذلك إنما هو في المرأة التي تطلق واحدة أو اثنتین، ویملك زوجها رجعتها، قال: ولو کان ذلك كما تأولوا، لكان: أسكنوهن حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن ولم يستثن النفقة على الحامل خاصة، لان التي يملك زوجها رجعتها لها أحكام الزوجات في السكنى والنفقة، لا فرق بينهما وبين التي لم تطلق في ذلك؛ فعلمتا أنه لما استثنى النفقة منهن لذوات الاحمال، أنها ليست التي يملك زوجها رجعتها. أما الشافعي، فاحتج في سقوط نفقة المبتوتة بحديث مالك المذكور في هذا الباب، عن عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمان، عن فاطمة بنت قيس، أن رسول الله بَ لقوله قال لها: ليس لك نفقة، وأوجب عليها السكنى، ثم نقلها عن موضعها لعلة. قال (122) انظر المصنف 27/7 - حديث (12043) . (123) المصنف 26/7 - حديث (12039) - 148 - الشافعي: وإنما اسكنها في بيت ابن أم مكتوم لانها كان في لسانها ذرب (124). قال أبو عمر: اختلف العلماء في تأويل قول الله - عز وجل - في المطلقات: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) (125)، فقال قوم: الفاحشة ههنا الزنا والخروج لإقامة الحد، وممن قال ذلك عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشعبي؛ وهذا فيمن وجب السكنى عليها ولم يجب السكنى باتفاق إلا على الرجعية. وقال ابن مسعود، وابن عباس: الفاحشة إذا بذت بلسانها - وهو قول سعيدبن المسيب وغيره (126). وقال قتادة: الفاحشة النشوز، قال وفي حرف ابن مسعود إلا ان تفحش. وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة والثوري عن محمد بن عمرو بن علقمة عن إبراهيم التيمي، عن ابن عباس في قوله: ((إلا أن يأتين بفاحشة مبينة))، قال: إذا بذت بلسانها، فهو الفاحشة، (له) (127) أن يخرجها. قال ابو عمر: فعلى هذا تأول بعض أهل المدينة خروج فاطمة عن بيتها، وهو وجه حسن من التأويل. وقال بعضهم: كانت فاطمة تسكن مع زوجها في موضع وحش مخوف، فلهذا ما أذن لها رسول الله له في الانتقال، وقال بعضهم: کان ذلك من سوء خلق فاطمة. (124) أي حدة. (125) الآية: الأولى من صورة الطلاق. (126) وغيرهم: ا، وغيره: ق، ك - وهي أنسب. (127) كلمة (له) ساقطة في أ، ثابتة في ق، ك - والمعنى يقتضيها. - 149- حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل ابن إسحاق، قال حدثنا أبو ثابت المدني، عن عبد الله بن وهب، قال أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخلت على مروان بن الحكم فقلت: إن امرأة من أهلك طلقت فمررت عليها آنفا وهي تنتقل، فعبت ذلك عليها، فقالوا: أمرتنا فاطمة ابنة قيس وأخبرتنا أن رسول الله ﴿ أمرها أن تنتقل إلى (بيت) (128) ابن أم مكتوم حين طلقها زوجها؛ فقال مروان: أجل هي أمرتهم بذلك. قال عروة: فقلت له: والله لقد عابت ذلك عائشة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش مخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله إيچ . وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت فاطمة ابنة قيس: يا رسول الله، إني أخاف أن يقتحم علي، فأمرها أن تحول (129). وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بكر، قال أخبرنا أبو داود، قال أخبرنا هارون بن زيد (130) بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن یحیی بن سعيد، عن سلیمان بن يسار- في خروج فاطمة: إنما كان ذلك من سوء الخلق (131). قال وحدثنا أحمد بن یونس، قال حدثنا زهیر، قال حدثنا جعفر بن برقان، قال حدثنا ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة ابنة قيس طلقت فخرجت من بيتها، (128) كلمة (بيت) ساقطة في ا، ثابتة في ق، ك - والمعنى يقتضيها (129) انظر مصنف ابن أبي شيبة 5 /179 - 180. (130) هارون بن زيد: ق، ك، يزيد بن هارون: ١ - وهو تحريف. انظر ترجمة هارون بن زيد في تهذيب التهذيب 11 /5 - 6. (131) انظر سنن أبي داود 534/1. ~ 150 - فقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنهاكانت لسنة فوضعت على یدي ابن أم مكتوم الاعمى. وروی مالك، عن یحی بن سعيد، عن القاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار، أنه سمعهما يذكران أن سعيد بن العاصي طلق بنت عبد الرحمان بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمان، فأرسلت عائشة، إلى مروان بن الحكم - وهو أمير المدينة،، فقالت: اتق الله، واردد المرأة إلى بيتها - الحديث. فهذا عمر، وعائشة، وابن عمر، ينكرون على فاطمة أمر السكنى ويخالفونها في ذلك؛ ومال إلى قولهم فقهاء التابعين بالمدينة، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأصحابها؛ لكن من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج، لأنه لو وجب السكنى عليها - وكانت عبادة تعبدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله وَّلفيه ولم يخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت ابن أم مكتوم ؛ (ولأنه) (132) أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدب وتقصر على السكنى في المنزل الذي طلقت فيه، وتمنع من أذى الناس؛ فدل ذلك على أن من اعتل بمثل هذه العلة في الانتقال، اعتل بغير صحيح من النظر، ولا متفق عليه من الخبر؛ هذا ما يوجبه - عندي - التأمل لهذا الحديث مع صحته - وبالله التوفيق. وإذا ثبت أن النبي ◌َّ﴾ قال لفاطمة بنت قيس - وقد طلقت طلاقا باتاً -: لا سكنى لك ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأي شيء يعارض به هذا؟ هل يعارض إلا بمثله عن النبي ◌َّر الذي هو المبين عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه - عليه السلام - يدفع ذلك؛ ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله - عز وجل -: (أُسكنوهن من حيث سكنتم)) من غيره - *؛ وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول لها السكنى (132) كلمة (ولأنه) بياض في الأصل، أثبتها استظهارا. - 151 - والنفقة - منهم: عمر، وابن مسعود؛ ومنهم من يقول: لها السكنى ولا نفقة؛ منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها ولا نفقة؛ وممن قال ذلك: علي، وابن عباس، وجابر؛ وكذلك اختلاف فقهاء الامصار على هذه الثلاثة الأقوال على ما ذكرنا وبينا - والحمد لله. وأما الشافعي ومالك، فلا محالة أنه (133) لم يثبت عندهما عن النبي ◌َّر أنه قال لفاطمة: لا سكنى لك ولا نفقة، مع ما رأوا من معارضة العلماء الجلة لها في ذلك - والله الموفق للصواب. ذكر عبد الرزاق، عن معمر، والثوري، عن الأعمش، عن ابراهيم، عن علقمة، أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فأبت أن تجلس في بيتها، فأتى ابن مسعود فقال: هي تريد أن تخرج إلى أهلها، فقال: احبسها ولا تدعها؛ فقال: إنها تأبى علي، قال: فقيدها؛ قال: إن لها إخوة غليظة رقابهم، قال: فاستأد(134) عليهم الأمير (135). وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. وقد روي أن رسول الله وَلچ لم ينظر إلى فاطمة هذه إذ جاءته في هذه القصة: حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير، قال حدثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي، عن فاطمة ابنة قيس، قالت: أتيت النبي ◌َّفه فاستتر مني وأشار عني بثوبه على وجهه. وكذلك في حديث قيلة ابنة مخرمة - الحديث الطويل في قدومها على رسول الله ريفي فأومأ بيده خلفه إذا قيل له: (133) انه: ١، انهما: ق، ك. (134) فاستأد: ا، فستأذن: ق، ك. (135) انظر المصنف 26/7 - حديث (12.40). - 152 - أرعدت المسكينة! فقال - ولم ينظر إلي -: يا مسكينة، عليك السكينة. وفي حديث بريدة أن رسول الله بصير قال لعلي: لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الاولى، وليست لك الآخرة. وقد روي ذلك أيضا من حدیث علی -رضي الله عنه - وقال جرير: سألت رسول الله ﴿ عن نظرة الفجأة، فقال: غض بصرك. رواه جماعة، منهم: الثوري، وابن علیة، ویزید بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير؛ وهذا النهي إنما ورد خوفا من دواعي الفتنة، وأن تحمله النظرة إلى أن يتأمل ما تقود اليه فتنة في. دينه؛ وهذا نبي من أنبياء الله - عز وجل - وهو داود # كان سبب خطيئته إليه النظر، وقد ذكرنا ما يجوز النظر إليه من الشهادة عليها وشبهها في غير هذا الموضع. وأما قوله: اعتدي في بيت أم شريك، ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي في بيت ابن أم مكتوم؛ ففيه دليل على أن المرأة الصالحة المتجالة، لا بأس أن يغشاها الرجال ويتحدثون عندها؛ ومعنى الغشيان الإلمام والورود. قال حسان بن ثابت يمدح بني جفنة : يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل (136) وزعم قوم أنه أمدح بيت قالته العرب. حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعیل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس - فذكر الحديث. وفيه أن رسول الله ◌َ﴿ قال: يا بنت قيس، إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان (136) انظر الديوان بشرح البرقوقي ص 309 . - 153- لزوجها عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة، فلا سكنى لها ولا نفقة؛ ثم قال لها (137): اعتدي عند أم شريك ابنة (138) العكر، ثم قال: تلك امرأة يتحدث عندها، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل محجوب البصر، فتضعي ثيابك ولا يراك (139). قال أبو عمر: أم شريك هذه امرأة من بني عامر بن لؤي، وقد ذكرناها في كتاب النساء من كتاب الصحابة(140) بما يغني عن ذكرها ههنا؛ وفي قوله في هذا الحديث، فتضعي ثيابك ولا يراك، دليل على أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب من الرجل الأعمى، وهكذا في حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أن النبي ◌َّه قال لها: انتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنه رجل قد ذهب بصره، فإن وضعت شيئا من ثيابك لم ير شيئا؛ وهذا يرد حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله ټ﴾ وأنا ومیمونة جالستان، فاستأذن علیه ابن أم مكتوم الأعمى ، فقال: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله: أليس بأعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعميا وان أنتما لا تبصرانه؟ ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى، ويشهد له ظاهر قول الله - عز وجل -: ((وقل للمومنات يغضضن من أبصارهن» - الایة، فمن ذهب إلى حدیث نبهان هذا احتج بما ذكرنا وقال: ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه، وقال: مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ولا ذي (137) كلمة (لها) ساقطة في ق، ك. (138) كذا في النسخ الثلاث، والذي في الاصابة: ابنة أبي العكر - بزيادة (أبي). انظرج 462/10. (139) انظر مند الحميدي 176/1 - حديث (363). (140) انظر الاستيعاب 4 /1942 - 1943 - 154- محرم؛ (قال) (١٩١) وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، لان الله يقول: ((وقل للمومنات يغضضن من أبصارهن)) (142). كما قال: (((قل) (143) للمومنين يغضوا من أبصارهم)) (١٩4)، وقد قال بعض مشيخة الأعراب: لأن ينظر إلى وليتي مائة رجل، خیر من أن تنظر هي إلی رجل واحد. ومن ذهب إلی حدیث فاطمة هذا ۔ على ظاهره، دفع حدیث نبهان عن أم سلمة، وقال نتھان: مجهول لم یرو عنه غیر ابن شهاب؛ وروى عنه ابن شهاب حديثين لا أصل لهما، أحدهما: هذا، والآخر حديث المكاتب أنه إذا كان معه ما يؤذي، وجب الاحتجاب منه؛ قال: وهما حديثان لا أصل لهما ــ ودفعهما وقال: حديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح الإسناد، والحجة به لازمة؛ قال: وحديث نبهان لا تقوم به حجة. قال أبو عمر: حديث نبهان هذا حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة - قالت: كنت عند رسول الله صل وعند ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن أمر بالحجاب - فقال رسول الله وي الثور: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله إنه مكفوف لا يبصرنا؛ قال: أفعميا وان أنتما لا تبصرانه؟ ! . (141) كلمة (قال) ساقطة في ا، ثابتة في ق. ك - والمعنى يقتضيها. (142) الآية: 31 - سورة النور (143) كلمة (قل) ساقطة في ا، ثابتة في ق، ك - والتلاوة بإثباتها كذلك. (144) الآية: 30 - سورة النور. ~ 155- وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال حدثني نبهان مولی أم سلمة، عن أم سلمة - فذكره (145). قال أبو داود: هذا (146) لأزواج النبي ◌َّليز خاصة (147)، واستدل بعض أصحابه بهذا الحديث على أن كلام المرأة ليس بعورة، وهذا ما لا يحتاج إليه، لتقرر الأصول عليه. وأما قوله: يغشاها أصحابي، فمعلوم (148) أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا أنه علم أن أم شريك من الستر والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة؛ ولعل فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا (149) لا تحترز کاحتراز أم شريك، ولا يجوز أن تكون أم شريك - وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا (149)، ويجوز أن تكون فاطمة شابة ليست من القواعد، وتكون أم شريك من القواعد، فليس عليها جناح - ما لم تتبرز بزينة؛ فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة - وإن كانتا جميعا امرأتين العورة منهما واحدة، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى - حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك. وأما وجه قوله لزوجته ميمونة وأم سلمة إذ جاء ابن أم مكتوم: احتجبا منه، فقالتا: أليس بأعمى؟ فقال رسول الله ◌َ﴿ أفعميا وان أنتما؟ فإن الحجاب على أزواج النبي ◌َّز ليس كالحجاب على غيرهن، لما هن فيه من الجلالةٍ، ولموضعهن من رسول الله وير؛ بدليل قول الله تعالى: ((يا نساء (145) انظر سنن أبي داود 384/2. (146) وهذا: ا، هذا: ق. ك - وهو الثابت في سنن أبي داود. (147) انظر سنن أبي داود 384/2. (148) في الأصل: ومعلوم، ولعل الصواب ما أثبته. (149) فضلا: يقال رجل فضل، وامرأة فضل - بضم الفاء والضاد: أي متفضل في ثوبه. - 156- النبيء لستن كأحد من النساء إن اتقيتن))(150) - الآية، وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بها أداه إليه اجتهاده حتى يمنع منهن المرأة فضلا عن الأعمى. وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة وبين عائشة - إذ أباح لها النظر إلى الحبشة، فإن عائشة كانت ذلك الوقت - والله أعلم - غير بالغة، لأنه نكحها صبية بنت ست سنين أو سبع، وبنى بها بنت تسع؛ ويجوز أن یکون قبل ضرب الحجاب مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون، وليس الصبايا كالنساء في معرفة ما هنالك من أمر الرجال. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال حدثنا معلى، قال حدثنا لیث بن سعد، عن أبي الزبير، قال: سألت عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمر وبن حفص - عن طلاق جده فاطمة بنت قيس؛ فقال عبد الحميد: طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن ووكل بها عياش بن أبي ربيعة، فأرسل إليها عياش ببعض النفقة، فسخطتها؛ فقال لها عياش: ما لك علينا من نفقة ولا مسكن، وهذا رسول الله ◌َ﴿ فسليه؛ فسألت رسول الله وَلقوله عما قال، فقال: ليس لك نفقة ولا مسكن، ولكن متاع بالمعروف، اخرجي عنهم؛ فقالت: أخرج إلى بيت أم شريك، فقال: إن بيتها يوطأ؛ فانتقلى إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الاعمى، فهو أقل واطية وأنت تضعين ثيابك عنده، فانتقلت إليه حتى حلت، فخطبها معاوية بن أبي سفيان، وأبو جهم بن حذيفة؛ فذكرت ذلك لرسول الله ﴾﴾ فقال: أما معاوية، فغلام من غلمان قریش لا يملك شيئا؛ وأما أبو جهم، فإني أخاف عليك عصاه؛ ولكن إن شئت دللتك على رجل : أسامة بن زيد؛ قالت: نعم يا رسول الله، فزوجها أسامة بن زيد. (150) الآية: 32 - سورة الأحزاب. - 157- ففي حديث مالك في أم شريك، تلك امرأة يغشاها أصحابي، وفي حدیث مجالد عن الشعبي : تلك امرأة يتحدث عندها، وفي حديث أبي بكر بن أبي الجهم - وقد مضی ذكره - أن بیت أم شريك يغشى، وفي حديث أبي الزبير أن بيتها يوطأ؛ وفي هذا كله دليل على أن القوم إنما كانوا يتحدثون بالمعاني وإياها کانوا یراعون؛ وفيما ذكرنا دليل على ما وصفنا من جواز غشيان النساء الصالحات المتجالات في بیوتهن، والحدیث معهن. وأما قوله: إن معاوية وأبا جهم خطباني ثم خطبة رسول الله # إياها لأسامة حین أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها؛ ففیه دلیل علی أنه لا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه - ما لم تركن اليه على ما قال مالك وغيره مما قد ذكرناه في باب محمدبن يحيى بن حبان وغيره من كتابنا هذا (151). واتفق جمهور الفقهاء على أنه إذا ركن إلى الخاطب الاول، لم يجز أن يخطب أحد على خطبته؛ وقال بعض اصحاب الشافعي: يجوز على حديث فاطمة هذا - وهذا ليس بشيء، لانه يجعل الأحاديث معارضة، وإذا حملت على ما قال الفقهاء، لم تتعارض، وقد مضى الحكم فيمن خطب على خطبة أخيه في باب محمد بن يحيى بن حبان؛ ومثل خطبة رسول الله لأسامة بن زيد على خطبة معاوية، وأبي جهم، ما ذكره ابن وهب عن ابن لهيعة وغيره عن عبيد الله بن المغيرة - أنه سمع الحرث بن سفيان الأسدي يحدث عن الحرث بن سعد بن أبي ذباب، أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير البجلي، وعلى مروان بن الحكم، وعلى عبد الله بن عمر؛ فدخل على المرأة وهي جالسة في قبتها عليها ستر؛ فقال عمر إن جرير البجلي يخطب وهو سيد أهل المشرق، ومروان يخطب - وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر (151) انظر التمهيدج 19/13 -1.68 - وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب؛ فكشفت المرأة عنها، فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ قالت: فقد أنكحت يا أمير المؤمنين، أنكحوه. حدثنا سعيد بن سید، قال حدثنا يحيى بن فطر، حدثنا أحمد بن زياد، حدثنا ابن وضاح، حدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث بن سعد، عن عياش ابن عباس الفتياني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، أن عمر بن الخطاب أتی أهل بيت من الأزد وفتاتهم في خدرها قریبا منه - فقال: إن مروان بن الحكم يخطب إليكم ابنتكم وهو سيد شباب قريش، وإن جرير البجلة يخطب إليكم ابنتكم وهو سيد أهل المشرق، وإن أمير المؤمنين يخطب إليكم ابنتكم - يريد نفسه. فأجابته الفتاة من خدرها فقالت: أجاد أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، قالت: زوجوا أمير المؤمنين، فزوجوه فولدت منه. وأما قوله: أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه. ففيه دليل على أن قول المرء في غيره ما فيه - إذا سئل عنه عند الخطبة (152) جائز، وأن إظهار ما هو علیه من عيب فيه صواب لا بأس به، وليس من باب الغيبة في شيء؛ وهو يعارض قوله: إذا قلت في أخيك ما فيه فقد اغتبته، وقد أجمعوا على أنه جائز تبيين حال الشاهد إذا سأل عنه الحاکم، وتبین حال ناقل الحديث، وتبین حال الخاطب إذا سئل عنه؛ وفي ذلك أوضح الدلائل على أن حدیث الغيبة لیس علی عمومه، وقد قيل إن الغيبة إنما هي أن تصفه على جهة العيب له بما في خلقته من دمامة وسوء خلق، أو قصر، أو عمش، أو عرج، ونحو ذلك (153)؛ وأما أن تذمه بما فيه من أفعاله، فليس ذلك غيبة، وهذا - عندي - ليس بالقوي؛ والذي عليه مدار هذا المعنى: أن من استشير لزمه القول بالحق وأداء النصيحة، وليس (152) إن قول المرء في غيره ما فيه إذا سئل عنه عند الخطبة: ا، إن من قال في المرء إذا سئل عنه عند الخطبة: ف. ك. (153) ذلك: ا، هذا: ق، ك. - 159 - ذلك من باب الغيبة، لأنه لم يقصد بذلك إلى لمزه، ولا إلى شفاء غيظ، ولا أذى، ويكون حديث الغيبة مرتبا على هذا المعنى؛ وفي هذا أيضا دليل على استشارة ذوي الرأي، وأنه جائز أن يستشير الرجل من يرضى دينه في امرأتين يسميهما له أيتهما يتزوج؟ وكذلك للمرأة في رجلين أيهما (تتزوج) (154)؟ وفيه أن للمستشار أن يشير بغير من استشير فيه، لأنه أشار عليه السلام إلى (أسامة) (155) ولم تذكر له إلا أبا جهم ومعاوية. وفي قوله بيليجر: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، دليل على جواز الإِغياء في الصفة، وأن المغني لا يلحقه كذب إذا لم يقصد قصد الكذب، وإنما قصد الابلاغ في الوصف؛ ألا ترى أن معاوية قد ملك ثوبه وغير ذلك وهو مال، وفي غیر حديث مالك: لا يملك شيئا. وكذلك قوله: لا يضع عصاه عن عاتقه، ومعلوم أنه كان يصلي وينام ويأكل ويشرب، ويشتغل بأشياء كثيرة غير ضرب النساء؛ ولكنه لما كان يكثر ضرب النساء، نسبه إلى ذلك على ما قالت الحكماء: من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، ولم يرد بذكر العصا ههنا العصا التي يضرب بها، وإنما أراد الآداب باللسان واليد، وبما يحسن الأدب بمثله، يصنع في أهله كما يصنع الوالي في رعيته؛ وقد روي عن النبي وير أنه قال لرجل أوصاه: ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله. روى هذا من حديث المصريين عن عبادة بن الصامت فيما أوصاه به رسول الله وَّي، وبعضهم يقول فيه: لا تضع عصاك عن أهلك، وأنصفهم من نفسك. وقال رَّيقر: علق سوطك حيث يراه أهلك. وفي هذا كله ما يوضح لك أن للرجل ضرب نسائه فيما يصلحهم وتصلح به حاله وحالهم معه، کما له أن يضرب امرأته عند امتناعها عليه ونشوزها ضربا غير مبرح. (154) كلمة (تتزوج) بياض في الأصل، أثبتناها استظهاراً. (155) جملة (إلى أسامة) بياض في الأصل، أثبتناها استظهاراً. - 160-