Indexed OCR Text
Pages 141-160
قال ادا أحدوا الصغير ومعه أبواه. كان حكمه عندهم حكم الإسلام. ولم يلتفتوا إلى أبويه: قلت: فأي شيء تقول أنت ؟ فقال أى شيء أقول فيها، ثم احتج مظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبواه يهودانه وينصرانه، قال: فظاهر هذا أن حكم الصغير حكم أبويه. فقلت لاحمد: الغلام النصراني - إذا أسلم أحد أبويه؟ فقال: هو مع المسلم منهما سواء - كان أماً أو أبا. حكمه حكم المسلم منهما. وكان أبو ثور يقول: إذا سبي مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يختار الاسلام. لم يصل عليه . قال أبو عمر : هذا نفس مذهب مالك، والحجة في ذلك له ولمن ذهب مذهبه : أن الطفل على أصل ما كان عليه مع أبويه حتى يعبر عنه لسانه. كما روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن أبي سعد، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، وأبواه يهودانه (1) وينصرانه . ١) رواه أبو يعلى في المسند، والطبراني في الكبير. والبيهقي في استن - من حديث الأسود بن سريع. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 88/٥ - 34 . 141 حديث حادي عشر لابي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والابل الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم (1). أما قوله رأس الكفر نحو المشرق، فهو أن أكثر الكفر وأكبره كان هناك؛ لانهم كانوا قوماً لا كتاب لهم - وهم فارس ومن وراءهم: ومن لا كتاب له، فهو أشد كفراً من أهل الكتاب ؛ لانهم لا يعبدون شيئاً، ولا يتبعون رسولا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله رأس الكفر نحو المشرق، وقد مضى بعض هذا المعنى في كتابنا هذا عند قوله - صلى الله عليه وسلم - : من حيث يطلع قرن الشيطان، فلا وجه لاعادة ذلك معنا ؛ وأما أهل الخيل والابل، فهم الاعراب (2) أهل الصحراء، وفيهم التكبر والتجبر والخيلاء - وهي الاعجاب والفخر والتبختر. وأما أهل الغنم 1) الموطأ رواية يحيى ص: 68 - حديث 1767 - والحديث أخرجه البخاري ومسلم. انظر الزرقاني على الموطأ ١٦4/4. 2) الاعراب: ص. العرب: ق ك. 142 فهم أهل سكينة وقلة أفى وقلة فخر وخيلاء - على ما قال النبي عليه السلام - مهو الصادق في خبره - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله الفدادين ، فكان مالك يقول : الفدادون هم أهل الجفاء، وهم أهل الخيل والوبر - يريد بالوبر : الابل ، وهو كما قال مالك. قال أبو عبيد: هم الفدادون - بالتشديد - وهم الرجال ، والواحد فداد . وقال الأصمعي: هم الذين تعلو أصواتهم في حرونهم ومواشيهم وما يعالجون منها. قال أبو عبيد: وكذلك قال الاصمعي، قال: ويقال منه فد الرجل يغد فديداً، إذا اشتد صوته : وأنشد . انبئت أخوالي بني يزيد ظلماً علينا لهم فديد قال أبو عبيد : وكان أبو عبيدة يقول غير ذلك كله ، قال: الفدادون المكثرون من الابل الذي يملك أحدهم المائتين (١) منها - إلى الالف، يقال للرجال فداد اذا بلغ ذلك؛ وهم مع هذا جفاة أهل خيلاء. وقال الاخفش في الفدادين قولان: أحدهما أنهم الاعراب، سموا بذلك لارتفاع أصواتهم عند سقي إبلهم ١) المائتين: ق ك، المثين: ص. 143 وحر كاتهم مع رعاء إبلهم والعديد الاصوات والحليه وقيل إنما سموا الفدادين من أجل العدائد وهي الصحاري والموادى الخاليه . واحدها مدعد ، والاول أجود (1) قال أبو عمر : وروى من حديث قيس بن عاصم ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول أهل الابل أهل الجفاء ، (قال أبو عمر: ليس اسناد هذا اللفظ بالقائم)، (2) وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من لزم البادية جفا وروى الثوري وابن عيينة. عن أبي موسى التمار، عن وهب ابن منبه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد عقل، ومن لزم السلطان افتتن (8) . قال أبو عبيد: ومن هذا الحديث الذي يروى أن الارض إذا دفن فيها الانسان قالت له: ربما مشيت على مداداً. والمعنى 15 مال كثير، وذا خيلاء . ١) عبارة (وقال الاخفش ... والاول أجود) - وهو نحو أربعة اسطر. ساقط في إق ك ، ثابت في ص. ٪) مما بين القوسين ساقط في ص. ثابت فى ق ك. 8) أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي والنسائي. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 185/6 - 154. 144 قال أبو عمر : الحديث حدثناه قاسم بن محمد ، قال . حدثنا خالد بن سعد ، قال حدثنا محمد بن فطيس ، قال حدثنا بكر بن سهل، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثنا معاوية ابن صالح، عن يحيى بن جابر الطائي ، عن ابن عائذ الازدي. عن غضيف بن الحرث ، قال : أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله ابن عبيد بن عمير ، قال : فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي ، فسمعته يقول : إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه ، فيقول : يابن آدم ، ما غرك بي ؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة ؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة ؟ ألم تعلم أني بيت الحق ؟ يا ابن آدم ، ما غرك بي، لقد كنت تمشي حولي فداداً. قال ابن عائد: قلت (1) لغضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال كبعض مشيتك يا ابن أخي أحياناً . قال غضيف : فقال صاحبي - وكان أكبر مني - لعبد الله بن عمرو: فإن كان مؤمناً فماذا له ؟ قال: يوسع له في (2) قبره، ويجعل منزله أخضر، ويعرج بنفسه إلى الله (تعالى) (3). 1) كلمة (قلت) نقطة في ق ك. 2) له في قبره: مر ك له قبره - باسقاط (في) ق. 8) كلمة (تعالى) ساقطة في ص . ثابتة في ق ك. 145 حديث ثاني عشر لابي الزناد مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبى هريرة . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه (1). قال أبو عمر: قد ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تمني الموت بقوله - عليه السلام - : لا يتمنين أحدكم الموت لفر نزل به. قال : وفي هذا الحديث إباحة تمنى الموت، وليس كما ظن ؛ وإنما هذا خبر أن ذلك سيكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين وضعفه وخوف ذهابه (2)، لا لضر ينزل بالمومن في جسمه وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانك ، فانما هو خبر عن تغير الزمان، وما يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن ؛ وقد أدركنا ذلك الزمان. كما شاء الواحد المنان (9)، لا شريك له - عصمنا الله ووفقنا وغفر لنا آمين . 1) الموطأ رواية يحيى ص، 160. حديث (872). والحديث أخرجه البخاري ومسلم . انظر الزرقاني على الموطأ 90/2 (2) عبارة ( وضعفه وخوف ذهابه) ساقطة في قى ك . ثابتة في ص (3) المنان: ق ك . الرحمان : ص. 146 حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ. قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا ابن الاصبهافي ، قال أخبرنا شريك بن عبد الله ، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان. عن زاذان أبي عمر، عن عليم، قال: كنت مع عبس (1) الغفاري على سطح له (2)، فرأى قوماً يتحملون من الطاعون ؛ فقال: يا طاعون، خذفى إليك ثلاثاً (يقولها)) (3) فقال له عليم: لم تقول هذا (4)؟ ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتمنى (5) أحدكم الموت، فإنه عند انقطاع عمله، ولا يرد فيستعتب؟ (6) فقال عبس إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه. وسلم - يقول: بادروا بالموت ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط ، وبيع الحكم ، واستخفافاً بالدم ، وقطيعة الرحم ، ونشوا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنيهم بالقرآن - وإن كان أقلهم فقهاً . وهذا حديث مشهور روى عن عبس الغفاري 1) عبس: من، عبسى: ق ك وهو تحريف، والصواب عبس ويقال عابس انظر ترجمته في الاصابة . (2) كلمة (له) ساقطة في ق ث. 3) جملة (يقولها) ساقطة فى ص . 4) لم تقول هذا، ص. تقول هذا - باسقاط (لم): ق ك. 15 يتمنى: ص، يتمنهن : ق ك. 6) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي من حديث أبي هريرة . انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير ٩١٨/٥. 147 من طرق، قد ذكرناها في كتاب البيان عن تلاوة القرآن - والحمد لله . وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم إذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ما يوضح لك معنى هذا الحديث : ومثل هذا قول عمر : اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سنى ، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما جاوز ذلك الشعر حتى قبض - رحمة الله عليه - وقد ذكرنا هذين الخبرين (1) في باب يحيى بن سعيد، وقد روى شعبة عن سلمة بن كهيل، قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد الله، قال: ليأتين عليكم زمان يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حب الله، ولكن من شدة ما يرى من البلاء . حدثنا خلف بن القاسم. حدثنا أحمد بن صالح بن عمر المقري.، حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي . حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا عبد الرحمان بن يونس أبو بونس الجعدى ، حدثنا عمر بن أبان أخو عبد العزيز بن أبان ، عن سفيان، عن رجل، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه ١) الخبرين: ق ك. الحديثين: شى. 148 مر على أهل مجلس فقال: دعوا الله لى بالموت ، قال: فدعوا له ؛ فما مكث إلا أياماً حتى مات. حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا أحمد بن جعفر بن عبيد الله ، حدثنا العباس بن محمد الدوري املاء، حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا أحمد بن كثير الطرسوسي ، حدثنا حماد بن سلمة ، قال : كان سفيان الثوري عندنا بالبصرة، فكان كثيراً ما يقول: ليتني قد مت ، ليتني قد استرحت، ليتني في قبري ؛ فقال له خالد بن سلمة : يا أبا عبد الله، ما كثرة تمنيك هذا الموت؟ والله لقد آتاك الله القرآن والعلم . فقال له سفيان : يا أبا سلمة ، وما تدري لعلي أدخل في بدعة ، لعلي أدخل فيما لا يحل لي ، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت وسبقت هذا . وقال يحيى بن يمان : سمعت سفيان يقول : قد كنت أشتهى أن أمرض وأموت، فأما اليوم، فليتني مت فجأة؛ لافي أخاف أن أتحول عما أنا عليه ، من بأمن البلاء بعد خليل الرحمان .. وهو يقول (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (1))). ١) الآية : 25 - سورة ابراهيم . 149 وقال يحيى بن يمان عن سفيان ، لما جاء البشير يعقوب قال له: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الاسلام قال : الآن تمت النعمة . وفي هذا الحديث أيضاً من العلم إباحة الخبر بما يأتي بعد وبما يكون، وهذا غير جائز على القطع إلا لمن أظهره. الله على غيبه ممن ارتضى من رسله، وبالله العصمة والتوفيق. أنشدنا غير واحد لمنصور الفقيه - رحمه الله - : وأصبح الناس كلا شي قد غلب الفي على الغي أحسن أحوالا من الحي (1) وأصبح الميت في قبره ١) عبارة (وفي هذا الحديث ... احوالا من الحي) - وهي نحو ستة أسطر - ساقطة في ق ك . ثابتة في ص . 150 ·". حديث ثالث عشر الأبي الزنادٍ .. الحل كلاى فيه فية والقيد معنا غبية لر وحدها أن مالك، عن أبى الزفاد وذ من الامرج، عن أبي بعرضزة .! " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: لا يقولن (1)] أحذاكم: با خيبة الدهر، فإن الدهر هو الله : (2) هكذا هذا (9) الحديث فى الموطأ بهذا الاسناد عند جماعة ٢٤٠٢٠ الرواة فيما علمت ، ورواه ابراهيم بن خالد بن عثمة ، عن مالك، عن سمي ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - والصواب فيه إسناد الموطأ حدثنا خلف بن القاسم ، قال حدثنا محمد بن جعفر، فندر. قال حدثنا الحسن بن أبى عباد الصفار، حدثنا عبد السلام بن محمد، حدثنا ابراهيم بن خالد بن عتبة، احدثنا مالك، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تسبوا الدهر، فان الله هو الدهر (4). 1) وكذا في سائر النسخ، ومثله في التجريد، والذي في نسخ الموطأ : (لا يقل) - والرواية جات باللفظين (2) الموطأ رواية يحيى ص 697 - حديث (1803). والحديث أخرجه البخاري ومسلم، انظر الزرقاني على الموطأ 401/4 1) وكذا هذا الحديث: ص. مكذا قال يحيى، ق ك ٥) أخرجه مسلم في الصحيح، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير899/4. 151 وفي الموطأ عند جماعة رواته فى هذا الحديث : لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، وقال فيه سعيد بن هاشم باسناد الموطأ: لا نسبوا الدهر. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو جعفر أحمد بن جعفر بن محمد التميمي ، حدثنا يوسف بن يزيد . حدثنا سعيد بن هاشم الفيومي ، حدثنا مالك ، عن أبي الزناد . عن الاعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر (1). وقال فيه يحيى: فإن الدهر هو الله - وغيره كلهم يقول: فإن الله هو الدهر . وهذا الحديث قد اختلف في ألفاظه عن أبي هريرة من رواية الاعرج وغيره ، فمنهم من يقول فيه : لا تسبوا الدهر . فإن الله هو الدهر. هكذا رواه ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن الاعرج، عن أبي هريرة: وكذلك رواه ابن لهيعة، عن الاعرج باسناده سواء. وكذلك رواه ابن سيرين وغيره، عن أبي هريرة : حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن ١) عبارة (الحديث فى الموطأ ... لاتسبوا الدهر) - وهى نحو 12 أسطر - ساقطة في ق ك . 352 أبن أصبغ ، قال حدثنا الحرث بن أبى أسامة ، قال حدثنا هوذة ابن خليفة ، قال حدثنا عوف، عن محمد وخلاس . عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر . وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا أبو اسماعيل الترمذى، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا محمد بن جعفر، قال أخبرني العلاء بن عبد الرحمان بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل: استقرفت عبدي فلم يقرضني، وشتمنى - ولم ينبغ له أن يشتمني - يقول: وادهره، وأدهره، وأنا الدهر، وأنا الدهر . قال أبو عمر: هذه ألفاظ - إن صحت - فمخرجها على معان سنبينها، والصحيح فى لفظ هذا الحديث، ما رواه ابن شهاب وغيره من الفقهاء ذوى الالباب: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بكر، قال أخبرنا أبو داود ، قال حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، وأحمد بن السرح ، قالا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، 158 عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يؤذيني ابن آدم، بسب الدهر - وأنا الدهر، بهدى الامر، أقلب الليل والنهار. هكذا قال ابن عيينة عن الزهري، عن سعيد ؛ وقال يونس ابن يزيد: عن الزهري، عن أبي سلمة - وهما جميعاً صحيحان. حدثنا عبد الوراث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبع. قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو الطاهر ، وزيد بن البشر، قالا أخبرنا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمان ، قال : قال أبو هريرة سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قال الله تبارك وتعالى يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار. فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله، بيدي الامر، أقلب الليل والنهار. ومنهم من يرويه بالرفع على معنى حديث مالك ومن تابعه ، والمعنى فيه أن أهل الجاهلية كانوا بذمون الدهر في أشعارهم وأخبارهم، ويضيفون اليه كل ما يصنعه الله بهم. وقد حکی الله عنهم قولهم : «ما هي الا حياتنا الدنيا ، نموت ونحها وما يهلكنا الا الدهر ، ومالهم بذلك من علم، إن هم إلا 154 يظنون». (١) فنهى الله من قولهم ذلك، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه أيضاً بقوله: لا تسبوا الدهر. يعني لافكم إذا سميتموه وذممتوه - لما يصيبكم فيه من المحن والآفات والمصائب - وقع السب والذم على الله ؛ لانه الفاعل ذلك وحده لا شريك له؛ وهذا ما لا بسع أحداً جعله، والوقوف على معناه؛ لما يتعلق به الدهرية أهل التعظّيل والالحاد، وقد نطق القرآن، وصحت السنة بما ذكرنا؛ وذلك أن العرب كان من شأنها ذم الدهر عندما ينزل بها من المكاره، فيقولون: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر ، وأتى علينا الدهر؛ ألا ترى إلى قول شاعرهم : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل إذا لانقيتها ولكنني أرمى بغير سهـ سـ فأفنى وما أفنيت للدهر ليلة ولم يغن ما أفنيت سلك نظام ١) الآية 2 سورة الجاثية. 155 وقال أبو العناهية - فذكر الزمان والدهر - وهما سواء. ومراده في ذلك كله ما يحدث الله من العبر فيها لمن اعتبر -: والعود منه إذا عجمت صليب إن الزمان إذا رمى المصيب لو كان ينفع فيهم التأديب إن الزمان لاهله لمؤدب كيف اغتررت به وأفت لبيب كيف اغتررت بصرف دهرك ياأخي أو كان يحكم رأيك التجريب ولقد رأيتك للزمان مجرباً وهذا المعنى في شعره كثير جداً (1). وقال غيره - وهو المساور بن هند - : بليت وعلمي في البلاد مكانه وأفتى شبابى الدهر وهو جديد وقال غيره : كأنى خاتل ادفو لصيد حنتني حانيات الدهر حتى ولست مقيداً إنى بقيد قريب الخطو بحسب من براني وقال امرؤ القيس : وليس على شيء قويم بمستمر ألا إن هذا الدهر يوم وليلة وقال أيضاً ، ارجي من صروف الدهر لينا ولم تغفل عن الصم الهضاب 1) عبارة: (وقال أبو العتامية ... شعره عثيراً جداً) وهي نحو سبعة أسطر - سائلة في ق ك . 166 وقال أبو ذؤيب العذلي : والدهر ليس بمعتب من بجزع أمن المنون وريبها تتفجع وقال أرطاة بن سهية : من الدهر فاصفح إنه غير معنب وفي غير من قد وارت الارض فاطمع وقال الراجز : والدهر ما أصلح يوماً أفسد! ألقى علي الدهر رجلا ويدا ويسعد الموت إذا الموت عدا بصلحه اليوم ويفنيه غدا وأشعارهم فى هذا أكثر من أن تحصى، خرجت كلها على المجاز والاستعارة، والمعروف من مذاهب العرب فى كلامها : لانهم يسمون الشيء ويعبرون عنه بما يقرب منه وبما هو فيه . فكأنهم أرادوا ما ينزل بهم في الليل والنهار من مصائب الايام؛ فجاء النهى عن ذلك تنزيهاً لله، لانه الفاعل ذلك بعم في الحقيقة ؛ وجرى ذلك على الالسنة في الاسلام . وهم لا يريدون ذلك (1). ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء - (قد) (2) استعملوا ذلك فى أشعارهم ، على دينهم وإيمانهم، جريً في ذلك على ١) عبارة (لأنهم يسمون الشي" ... وهم لا یریدون ذلك)ساقطة في قص. (2) كلمة ( قد) سائلة في ص . ثابتة في ق ٥. عادتهم، وعلماً بالمراد : وأن ذلك مفهوم معلوم. لا بشكل على دي لب: هذا سابق البربري ، على فضله - بقول المرء يجمع والزمان يفرق ويظل يرقع والخطوب نمزق (ويروى أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس) (1) وهذا سليمان العدوى - وكان خيراً متديناً - يقول : ووليتنا بعد وجه قفاكا أيا دهراً عملت فينا أذاصكا وأجلست سفلتنا مستواكا جعلت الشرار علينا رؤوساً فها قد صنعت بناما كفاكدا فيا دهر إن كنت عاديتنا وقالت صفية الباهلية : أخنى على واحدي ريب المنون وما يبقي الزمان على شيء ولا يذر (( وقال أبو العتاهية - وموضعه من الخير موضعه - : يا دهر تؤمننا الخطوب وقد نرى في كلّ ناحية لهن شباكا يا دهر قد أعظمت عبرتنا بمن دارت عليه من القرون رحاكا) (2) ١) ما بين القوسين ساخط في ص. ثابت في ق " ٪) ما بين القوسين ساقط في س . ثابت في ق ك : : 168 ورويما أن مالك بن أنس رحمه الله - كان بشد لبعض صالحي أهل المدينة قليلا ما تواتيكا أخى لا تعتقد دنيا أليفا لو تنبيكا فكم قد أملكت خلا فتلقي السم في فيكا ولا تغررك زهرنها - مي أبيات كثيرة، فمرة يضيفون ذلك إلى الدهر، ومرة إلى الزمان، ومرة إلى الايام، (1) ومرة إلى الدنيا ؛ وذلك كله مفهوم المعنى على ما ذكرنا وفسرنا، والحمد لله . وقال أبو العتاهية : تضرم ريب الدهر كل إخاء أيا عجبا للدهر لا بل لريبه وكدر ريب الدهر كل صفاء ومزق ريب الدهر كل جماعة وقال آخر : يا دهر ويحك ما أبقيت لى أحدا وأنت والد سوء نأكل الولدا أستغفر الله بل ذا فله قدر رضيت بالله ربا واحداً صمدا 1) جملة ( ومرة إلى الايام) ساقطة في ق " . 159 لا شيء يبقى سوى خير تقدمه ما دام ملك لانسان ولا خلدا (1) وفما ينشد للمأمون ويروى له من قوله : أبو الدهر وأمه أنا في علمي بالدهر بسرور فيتمه ليس يأتي الدهر يوماً فكذا سوف بغمه فكما سر اخاه حامد الدهر بذمه ليس للدهر صديق وقال (1) ابن المغيرة في شعر يرئي به أباه : حكم الموت علينا فعدل أين من يسلم من صرف الردى وخطوب الدهر فينا تنتضل فكأنا لا نرى ما قد نرى وقال نصر بن أحمد : كأنما الدهر قد أغرى بنا حسدا ونعمة الله مقرون بها الحسد وقال جحظة : أبا دهر ويحك كم ذا الغلط وضيع علا وكريم سقط ١) ما بين القوسين - وهو نحو 18 سطراً - ساقط في ص. ثابت في ق ك. 160