Indexed OCR Text

Pages 281-300

فكان ربما ختم القرآن مرتين في ليلة بين شعبتي رحله ،
وصالح بن كيسان هو القائل: إن الله - عز وجل - جواد إذا
أشار بشيء من الخير إلى أحد أنمه - ولم ينقص منه شيئا في
كلام - قاله لصديقه عكرمة بن عبد الرحمان بن الحرث بن
هشام، وكان صديقا له يشاوره في شيء ؛ واختلف في وقت
وفاته ، فقيل: كانت وفاته بالمدينة سنة أربعين ومائة .
وقال الواقدي : مات صالح بن كيسان بعد سنة أربعين
ومائة قبل مخرج محمد بن عبد الله بن حسن .
281

حديث أول لصالح بن كيسان - مسند
مالك، من صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني . أنه قال :
على لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية
على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف ، أقبل على
الناس فقال: أندرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم؛
قال: أصبح من عبادي مؤمن (بي) وكافر بي، (1) فأما من قال:
مطرنا بفضل الله ورحمته (2)، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب؛
وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ،
مؤمن بالكوكب (8) .
وهذا الحديث رواه ابن شهاب عن عبيد الله ، عن زيد ،
عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يقمه كإقامة صالح بن
كيسان، ولم بسقه كسياقته ؛ قال فيه: قال الله ما أنعمت على
1) كلمة (في) ساقطة في الاصل. وهي ثابتة في التجريد ونسخ الموطأ.
2) فى الاصل (وبرحمته) والرواية (ورحمته).
(3) الموطأ رواية يحيى ص 180 - حديث (861)، والحديث أخرجه
البخاري ومسلم وابو داود، والنسائي.
انظر الزرقاني على الموطأ 1 /189 .
283

عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون
الكوكب وبالكوكب.
٠
هكذا حدث به يونس بن يزيد وغيره عن ابن شهاب ،
وفي لفظ هذا الحديث ما بدل على أن الكفر ههنا كفر
النعم لا كفر بالله .
وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة، من صالح بن كيسان-
باسناده، وقال فيه : ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة ؟ ! قال : ما
أنعمت على عبادى من نعمة الا أصبح طائفة منهم بها كافرين .
يقولون: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا؛ فأما من آمن بي
وحمدني على سقياي ، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب؛
ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي كفر بي وآمن
بالكوكب (1) .
وروى سفيان بن عيينة أيضا عن إسماعيل بن أمية أن
النبي - عليه السلام - سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا
ببعض عثانين الاسد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
كذب، بل هو سقيا الله - عز وجل. قال سفيان : مثانين
الاسد الذواع والجبهة .
1) رواه النسائي 227/1 .
284

وقال الشافعي : لا أحب لاحد أن يقول : مطرنا بنوء كذا.
وان كان النوء عندنا الوقت ، والوقت مخلوق لا يضر ولا ينفع،
ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر؛ والذى أحب أن بقول
مطرنا وقت كذا، كما يقول: مطرنا شهر كذا؛ ومن قال :
مطرنا بنوء كذا - وهو بريد أن النوء أنزل الماء كما كان بعض
أهل الشرك من أهل الجاهلية بقول، فهو كافر حلال دمه - ان
لم يتب هذا من قوله .
أما قوله في هذا الحديث على إثر سماء كانت من الليل،
فانه أراد (سحابا) (1) حيث نزل من الليل، والحوب تسمى السحاب
والماء النازل منه سماء؛ قال الشاعر: وهو الحد (2) فصحاء العرب:
إذا نزل (8) السماء بأرض قوم رعيناه وان كانوا فضابا
يعني : إذا نزل الماء بأرض قوم ، ألا ترى أنه قال :
رعيناه - يعنى الكلأ النابت من الماء؛ ولو أراد السماء لانت ،
لانها مؤنثة فقال: رعيناها. وقوله رعيناه بعنى الكلأ الثابت
من الماء ، فاستغنى بذكر الضمير، إذ الكلام يدل عليه ؛ وهذا
من فصيح كلام العرب ، ومثله في القرآن كثير .
١) علمة غير واضحة في الاصل . وأعل الانسب ما أثبتناه
2) يعني به الفرزدق .
3) في رواية (سقط) - انظر اللسان والتاج (سمو) والبيت ساقط
الديوان المطبوع .
285

وأما قوله حاكيا عن الله - عز وجل: أصبح من عبادي
مؤمن بي وكافر، فمعناه - عندي - على وجهين ، أما أحدهما
فان المعتقد أن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشي.
الحساب دون الله - عز وجل، فذلك كافر كفرا صريحا يجب
استتابته عليه وقتله ، لنبذه الاسلام ورده القرآن .
والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء ، وانه
سبب الماء على ما قدره الله وسبق فى علمه ؛ فهذا - وان
كان وجها مباحا - فان فيه أيضا كفرا بنعمة الله - عز وجل ،
وجهلا بلطيف حكمته؛ لانه بنزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا،
ومرة دون النوء ؛ وكثيرا (1) ما بخوى الضوء، فلا بنزل معه
شيء من الماء، وذلك من الله لا من النوء؛ وكذلك كان أبو
هريرة يقول - إذا أصبح - وقد مطر: مطرنا بنوء الفتح ، ثم
يتلو «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها (2))». وهذا -
عندي - نحو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مطرنا
بفضل اله وبرحمته . ومن هذا قول عمر بن الخطاب للعباس
ابن عبد المطلب حين استسقى به : يا عم رسول الله : كم بقي
من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء بها يزعمون أنها نعترض
في الافق سبعا، فكأن عمر - رحمه الله - قد علم أن نوء الثربا
وقت برجى فيه المطر ويؤمل، فسأله عنه: أخرج؟ أم بقيت منه بقية؟
هـ
4
1) فى الامل (كثير).
(2) الآية : 2 سورة خاطر.
86

وروي عن الحسن البصري أنه سمع رجلا يقول: طلع
سهيل ، وبرد الليل ؛ فكره ذلك وقال: إن سهيلالم بأت ق. ط
بحر ولا برد. وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم
والسحابة: ما أخلقها للمطر ! وهذا من قول مالك مع روايته :
إذا أنشأت (بحرية) (1) تدل على أن القوم احتاطوا، فمنعوا الناس
من الكلام بما فيه أدنى متعلق من زمن الجاهلية في قولهم :
مطرنا بنوء كذا وكذا - على ما فسرناه - والله أعلم. وسيأني
القول في معنى قوله اذا أنشأت بحرية في موضعه - ان شاء الله ..
والنوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم ، يقال : نساء النجم
بنوء، أي نهض ينهض للطلوع، وقد يكون أن يميل للمغيب ؛
ومما قيل : ناوأت فلانا بالعداوة أي ناهضته ، ومنه قولهم الحمل
بنوء بالدابة ، أي يميل بها، وكل ناهض - بثقل وإبطاء (2) فقد
ذاء؛ والانواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر ، وهى
ثمان وعشرون منزلة ، يبدو لعين الناظر منها أربعة عشر منزلا،
ويخفى أربعة عشر؛ فكلما غاب منها منزل بالمغرب ،
طلع رقيبه من المشرق، فليس يعدم منها أبدا أربعة عشر
للناظرين فى السماء؛ واذا لم ينزل مع الضوء ماء، فهل
خوى النجم وأخوى، وخوى الضوء وأخلف: وأما العرب
١) كلمة (بحرية) بياض فى الأصل، اثبتناءا من الموطأ - وهو من
بلاغات مالك ، انظر ص 131 حديث (452).
2) كلمة غير واضحة في الاصل، وامل الانسب ما أثبتناه.
287

فكانت تضيف المطر إلى النوم، وهذا عندهم معروف مشهور في
أخبارهم وأشعارهم ؛ فلما جاء الاسلام ، نهاهم رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عن ذلك وأدبهم وعرفهم ما يقولون عند
نزول الماء، وذلك أن يقولوا: مطرنا بفضل الله ورحمته، ونحو
هذا من الايمان والتسليم لما نطق به القرآن ؛ واما اشعار
العرب في اضافتها نزول الماء الى الانواء، فقال الطرماح :
محاهن صيب نؤ الربيـ ع من نجم العزل والرامحه
فسمى مطر السماك ربيعا، وغيره يجعله صيفا ؛ وانما جعله
الطرماح ربيعا لقربه من آخر الشتاء ومن أمطاره؛ وإذا كان
المطر بأول نجم من (1) أنواء الصيف، جاز أن يجعلوه ربيعا؛
ويقال للسماك الرامح ، وذو السلاح - وهو رقيب الداو، إذا سقط
الدلو طلع السماك؛ والسماك ، والداو، والعواء، من أنجم الخريف.
قال عدي بن زيد :
في خريف سقاه نوء من الدا وتدلى ولم يواز العراقا
والعرب تسمى الخريف ربيعا، لاتصاله بالشتاء، وتسمي
الربيع المعروف عند الناس بالربيع صيفا؛ وتسمى الصيف قيظا،
وتذهب في ذلك كله غير مذاهب الروم ؛ فأول الازمنة عندها
١) كلمة (من) ساقطة في الاصل، والمعنى يقتضيها.
288

الخريف ، وليس هذا موضع ذكر معانيها ومعاني الروم في ذلك؛
وكان أبو عبيدة بروى بيت زهير :
وجادته من نور السماك مواطله
وغیث من الوسمی حو (1) تلاعه
وقال آخر :
بكن ومن نوء السماك غمام
ولا زال توم الداو یسکب ودقه
وقال الاسود بن يعفر النعشلي :
بيض مسامح في الشتاء وان أخ لف نجم عن نوئه وبلوا
وقال الراجز :
بشر بني عجل بنوء العقرب إذ أخلفت أنواء كل كوكب
بدلك أن أنواء النجوم أخلفت كلها فلم تمطر، فأتاهم المطر
في آخر الربيع بنوء العقرب - وهم عندهم غير محمود ، لانه
(ودق) (8) دنىء. وقال رؤبة :
وجف أنواء السحاب المرتزق
1) الحو: الشديد الخضرة تضرب الى السواد لريها؛ والقلاع: مجارى
الماء من اعالى الارض.
!) وثبت في الديوان المطبوع على غير رواية أبى عبيدة - هكذا:
(أجابت رواميه النجا وهواطله) انظر ص 55 طبع صادر.
٤) كلمة غير واضحة في الاصل، ولعل الانسب ما أثبتناه .
289
م١٩ - جـ١٦

أي جف البقل الذي كان بالانواء، أقام ذكر الانواء مقام
ذكر البقل استغناء بان المراد معلوم ؛ وهذا نحو قول القائل
الذي قدمنا ذكر قوله: إذا نزل السماء بأرض قوم - وهو بريد الماء
النازل من السماء، وأشعار العرب بذكر الانواء كثيرة جدا ؛
والعرب تعرف من أمر الانواء وسائر نجوم السماء ما لا يعرفه
غيرها ، لكثرة ارتقابها لها ، ونظرها اليها ؛ لحاجتها إلى الغيث ،
وفرارها من الجدب ؛ فصارت لذلك نعرف النجوم الجواري ،
والنحوم الثوابت، وما يسير منها مجتمعا، وما يسير فاردًاً، وما
يكون منها راجعا ومستقيما؛ لان من كان في الصحاري
والصحاصح الملساء (1) حيث لا أمارة ولا هادى ؛ طلب المنائر (2)
في الرمل والارض، وصرف الانواء ونجوم الاهتداء؛ وسئلت
أعرابية فقيل لها : أتعرفين النجوم ؟ فقالت : سبحان الله ! أما
أعرف أشباحا وقوفا علي في كل ليلة؟ وسمع بعض أهل الحضر أعرابيا
وهو يتفنن في وصف نجوم ساعات الليل، ونجوم الانواء ؛ فقال
لمن حضره: أما نرى هذا الاعرابي بعرف من النجوم ما لا بعرف،
فقال : وبل أمك من لا يعرف أجداع بيته .
ومن هذا الباب قول ابن عباس في المرأة التي جعل
زوجها امرها بيدها، فطلقت نفسها - : خطأ الله نومها : أى اخلى
1) علمة غير واضحة في الاصل. وامل الانسب ما أثبتناه.
(2) في الاصل (إلانار).
290

الله نومها من المطر، والمعنى: حرمها الله الخير، كما حرم
من لم بمطر وقت المطر .
وقال ابن عباس في قول الله - عز وجل: ((وتجعلون
وزقكم أنكم تكذبون،. (1) هو الاستمطار بالانواء .
حدثنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن محمد
ابن عثمان ، قال حدثنا سعيد بن خمير، وسعيد بن عثمان، قالا
حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال حدثنا النضر بن محمد،
قال حدثنا عكرمة بن عمار، قال حدثنا أبو زميل، قال حدثني
ابن عباس ، قال : مطر الناس على عهد النبي - صلى الله عليه
وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أصبح من الناس
شاكر وكافر. قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله . وقال
بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا قال: نزلت هذه الآية: «فلا القسم
بمواقع النجوم، (2) - حتى بلغ: ((وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون».
قال أبو عمر : الرزق في هذه الآية بمعنى الشكر، كأنه
قال: وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من المال - أن
تلسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب .
وقال ابن قتيبة : ومن هذا - والله أعلم - قال رؤية : وجف
أنواء السحاب المرتزق. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في
1) الآية : 82 سورة الواقعة .
2) الآية : 78 سورة الواقعة .
291

حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن عتاب بن حلبن ،
عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
قال: لو أمسك الله القطر عن عباده - خمس سنين ثم أرسله ،
أصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون : سقينا بنوء المجدح (1)
فمعناه ڪمعنى ما مضى من الحديث في هذا الباب .
وأما المجدح ، فان الخليل زعم أنه نجم (2) كانت العرب
تزعم أنها تمطر به ، قال: ويقال: أرسل السماء مجاديح الغيث ،
قال ؛ ويقال مجدح ومجدح بالكسر والضمم .
أخبرنا أحمد بن محمد ، قال حدثنا أحمد بن الفضل ، قال
حدثنا أحمد بن الحسن ، قال حدثنا يحيى بن معين ، قال
حدثنا يحيى بن زكرياء، من عبد العزيز بن صهيب ، عن
أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - :
ثلاث لن يزلن في أمتي : التفاخر في (8) الاحساب ، والنياحة ،
والانواء (4)
1) أخرجه الدارمي في سننه بمعناه.
انظر ج 2 / 814 .
2) فسره الدارمى بالدبران .
8) في رواية ( بالاحساب ).
4) رواه أبو يعلى في مسنده .
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 106/3
292

حدیث ثان لصالح بن كيسان - مسند
مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة بن الزبير ، عن
عائشة - (زوج النبي - صلى الله عليه وسلم) - (1) أنها قالت
فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت
صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (2) .
هذا حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل، لا يختلف
أهل الحديث فى صحة إسناده؛ وكل من رواه قال فيه عن
عائشة : فرضت الصلاة . - لا يقول : فرض الله ولا فرض رسول
الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما حدث به أبو اسحاق الحربي:
قال حدثنا أحمد بن الحجاج ، قال حدثنا ابن المبارك، قال حدثنا
ابن عجلان ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة بن الزبير ،
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: فرض - رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - الصلاة ركعتين ركعتين - فذكر الحديث.
1) جملة (زوج النبي - ص) حافظة في الاصل، أثبتناها من التجريد
ونسخ الموطأ .
2) الموطأ رواية يحيى ص 109 - حديث (388)، ورواية محمد بن
الحسن ص 80 حديث (289)، والحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم.
انظر الزرقاني على الموطأ 297/1 .
293

هكذا قال: فرض رسول الله، ومنه نقول فرضت ؛ الا أن
الاوزاعي قال فيه عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ولم
بروه مالك عن ابن شهاب ، ولا عن هشام ؛ إلا أن شيخا يسمى
يحيى بن محمد بن عباد بن هانئء، رواه عن مالك ، وابن أخي
الزهري - جميعا، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن
الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فزيد في صلاة الحضر ، وأقرت
صلاة السفر ؛ وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح في إسناده عن
مالك في الموطأ؛ وطرقه عن عائشة - متواترة ، وهو عنها صحيح
ليس في إسناده مقال ؛ الا أن أهل العلم اختلفوا في معنى هذا
الحديث : فذهب منهم جماعة إلى ظاهره وعمومه ، وما يوجبه
لفظه؛ فأوجبوا القصر فى السفر فرضا، وقالوا : لا يجوز لاحد
أن يصلي في السفر إلا ركعتين، ركعتين - كل صلاة أربع.
قال أبو عمر: فأما المغرب والصبح، فلا خلاف بين العلماء
أنهما كذلك فرضتا ، وأنهما لا قصر فيهما في السفر ولا غيره ؛
وهذا بدلك على أن قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين-
قول ظاهره العموم، والمراد به الخصوص ؛ ألا ترى أن صلاة
المغرب غير داخلة فى قولها : فرضت الصلاة ركعتين ، ركعتين؛
وكذلك الصبح غير داخلة في قولها : فزيد في صلاة الحضر، لانه
معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها ، وانها في السفر
والحضر سواء؛ فحجة من ذهب إلى ايجاب القصر في السفر -
294

رضا، قول عائشة : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرت
صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وهذا واضح في أن
الركعتين في السفر للمسافر فرض لا يجوز خلافه ؛ لان الفرض
الواجب لا يجوز خلافه ولا الزيادة عليه ؛ الا ترى أن المصلي
في الحضر لا يجوز له أن يصلى الظهر ستا، ولا العصر ، ولا
العشاء ؛ ولا يجوز له أن يصلي المغرب أربعا ، ولا الصبح أربعا ؛
لانه أو فعل ذلك، كان زائداً فى فرضه عامدا لما بفسده ؛
وهذا كله إجماع لا خلاف فيه للحضري - أنه لا يجوز له ذلك.
قالوا : فكذلك المسافر لا يجوز له أن يصلي في السفر أربعا ،
لان فرضه في السفر ركعتان على ما ذكرت عائشة .
وممن ذهب إلى هذا، عمر بن عبد العزيز - إن صح عنه،
وحماد بن أبي سليمان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وقول
بعض - أصحاب مالك ؛ وقد روي عن مالك أيضا - وهو المشهور
عنه - أنه قال: من أتم في السفر، أماد في الوقت ؛ ومن حجة
من ذهب الى إيجاب القصر فرضا في السفر، حديث عمر بن
الخطاب ، قال : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان
نبيكم - صلى الله عليه وسلم. وهو حديث رواه عبد الرحمان
ابن أبي ليلى عن عمر . وقال ابن معين وعلي بن المديني :
لم يسمعه من عمر ، ورجاله ثقات .
295

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبو نعيم ، قال حدثنا
سفيان ، عن زبير ، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى ، عن عمر ؛
قال سفيان : قال زبيد مرة عن عمر - قال: صلاة المسافر ركعتان
تمام غير قض - على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر : روى هذا الحديث يزيد بن هارون ، عن
الثوري ، عن زبيد، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى ، قال :
سمعت عمر - فخطئوه فيه لقوله : سمعت عمر ؛ وقد رواه محمد
ابن طلحة ، قال : حدثنا زبيد، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى،
قال، خطبنا عمر فقال: ألا إن صلاة يوم الفطر ، وصلاة يوم
النحر، وصلاة يوم الجمعة، وصلاة السفر، ركعتان ركعتان - تمام غير
قصر - على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - فوهم أيضا فيه.
ورواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن زبيد، عن عبد
الرحمان بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة ، عن عمر، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. فزاد كعب بن عجرة ادخله
بين عبد الرحمان بن أبي ليلى وابن عمر، وليس لهذا الحديث
غير هذا الاسناد ؛ ومن أهل الحديث من يعلله ويضعفه . ومنهم
من يصحح إسناد يزيد بن أبي الجعد هذا فيه .
قال علي بن المديني: هو أسندها وأحسنها وأصحها ،
واحتجوا أيضاً بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا
قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماه ، قال حدثنا مسدد .
296

وحدثنا عبد الوارث أيضا ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال
حدثنا محمد بن شاذان ، قال حدثنا موسى بن داود ، قالا حدثنا
أبو عوانة ، عن بكير بن الاخمس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس،
قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -
في الحضر أربعا ، وفي السفر وكعتين ، وفي الخوف ركعة .
وهذا أيضا حديث انفرد به بكير بن الاخنس ، وليس
بحجة فيما انفرد به . (1) واحتجوا أيضا بأن قالوا: وأما قول
الله - عز وجل: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح
أن نقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). (2)
فغير جائز لمن جعل الطواف بين الصفا والمروة من أركان
الحج - مع قول الله - عز وجل: (( فلا جناح عليه أن بطوف
بهما)، (3) - أن يحتج بهذه الآية في إباحة القصر في السفر،
وقالوا: إنما نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان
بين الظهر والعصر في صلاة الخوف. وذكروا في ذلك حديثا
رواه مجاهد، عن أبي عياش الزرقي ، عن النبي - عليه السلام .
1) انظر ترجمته في التقريب 107/1.
2) السآية : 101 - سورة النساء .
3) الآية : 158 - سورة البقرة
297

وقالوا : ذلك بدل على ان القصر إنما هو قصر المأموم خلف
إمامه يصلي معه بعضها بشرط الخوف ولا يتمها معه ، وإذا كان
ذلك كذلك ، كان حديث عائشة في معلى غير معنى الآية ،
قد أفاد حكما زائدا .
واحتجوا أيضا بأن جابرا وابن عمر قالا: ليس الركعتين
فى السفر بقصير، وأن ابن عباس قال: من صلى في السفر
أربعا، كمن صلى في الحضر ركعتين ؛ فهذه جملة ما نزع به
الذين ذهبوا ، إلى أن القصر في السفر فرض على ظاهر حديث
عائشة . وقال آخرون : القصر في السفر سنة مسنونة ، ورخصة
ونوسعة؛ فمن شاء قصر فى السفر، ومن شاء أتم ؛ كما أن
المسافر مخير - إن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ وحجتهم قول
الله - عز وجل: ((وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح
أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)).
قالوا: فالقرآن بدل على أن القصر ليس بحتم، لان الحتم لا يقال
فيه : ليس عليكم جناح أن تفعلوه. قالوا : كل ما قيل فيه:
لا جناح ، فانما هو رخصة لا حتم، مثل قوله - عز وجل: «ليس
عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)). (1) «ولا جناح عليكم
إن طلقتم النساء». (2) (ولا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن، (3)
1) الآية : 198 - سورة البقرة.
2) السآية : 286 - من نفس السورة.
8) الآية: 284 - من نفس السورة .
298

وما كان مثل هذا؛ وكذلك قوله - عز وجل فى الصفا والمروة:
( فلا جناح عليه أن يطوف بهما». (1) نزلت في إباحة ما كان
عندهم محظوراً ، لان العرب كانت تتحرج من العمرة في أشهر
الحج ، ونتحرج من فعل ما كانت تفعله فى جاهليتها ؛ وقد
بينا معلى هذه الآبة في مواضع من كتابنا هذا - والحمد لله.
قالوا : وان كان شرط الخوف مذكورا فى السآبة ، فإن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المبين عن الله مراده -
قد بين بسلته أن المسافر يقصر الصلاة في الخوف وفي غير
الخوف، لانه كان بقصر وهو آمن لا يخاف إلا الله ، فكان
القصر في السفر مع الامن زيادة بيان على لسان رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وان لم ينزل به وحى يتلى، ومثله كثير
في الشرع ؛ واحتجوا من الاثر بما حدثناه عبد اللـه بن محمد
ابن عبد المومن، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن حنبل ، ومسدد ؛ قالا حدثنا يحيى بن سعيد،
عن ابن جريج، قال حدثني عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي
عامر، عن عبد الله بن باببه ، عن يعلى بن أمية ؛
قال قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إنصار الناس الصلاة
اليوم - وانما قال الله - عز وجل: ((ان خفتم أن يفتنكم الذين
كفروا)،، فقد ذهب ذلك اليوم ، فقال : عجبت مما مجبت
1) السآية : 258 - من نفس السورة.
299

منه، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. (1) - هكذا قال
يحيى القطان عن ابن جريج حدثني عبد الرحمان بن عبد الله
ابن أبي عمار. وقال عبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني ،
وأبو عاصم، وحماد بن مسعدة، عن ابن جريج، قال: سمعت
عبد الله بن أبي عمار. وقال الفزاري عن ابن جريج، عن ابن
أبي عمار. قالوا ففي قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن القصر
في السفر مع الامن صدقة فصدق الله بها عليكم دليل على
أن ذلك توسعة ورخصة ورحمة وليس بواجب .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ،
قال: أما قوله: ((إن خفتم أن بفتنكم الذين كفروا، ، فإنما
ذلك إذا خافوا الذين كفروا، وسن النبي - صلى الله عليه
وسلم - بعد الركعتين وليستا بقصر، ولكنهما وفاء (2) .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا موسى بن اسماعيل ، قال
حدثنا يزيد بن ابراهيم ، عن محمد بن سيرين، قال: أنبئت
1) انظر سنن أبي داود 274/1 .
2) انظر مصنف عبد الرزاق 617/2 - حديث (4274).
300