Indexed OCR Text
Pages 241-260
حديث رابع وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك، عن نافع ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان اذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف (1) من الارض - ثلاث تكبيرات ، ثم يقول: لاإله الا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير : آيبون نائبون ، عابدون ساجدون ، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (2). وهذا الحديث عند سالم عن ابن عمر ، كما هو عند نافع؛ وقال فيه عبيد الله: عن نافع، عن ابن عمر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قفل من الجيوش، أو السرايا. او الحج ، او العمرة ، ثم ذكر مثله سواء. 1) شرف : مكان مرتفع. 12 الموطأ رواية يحيى ص: 291 - حديث (962) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم. انظر الزرقاني على الموطأ 993/2 . 241 م١٦ - جـ ١٥ وفي هذا الحديث الحض على ذكر الله وشكره للمسافر على أوبته ورجعته، وشكر الله - تبارك وتعالى (1) والثناء عليه بما هوأهله واجب، وذكر الله حسن على كل حال - والحمد لله الكبير المتعال . 1) تبارك وتعالى: ص، تبارك اسمه ، ظ. 242 حديث خامس وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أناخ بالبطحاء التي بني الحليفة فصلى بها (1). قال نافع: وكان عبد الله يفعل ذلك، وهذا عند مالك وغيره من أهل العلم مستحب مستحسن مرغوب فيه ، كما يستحبون أن لا يكون إهلال المحرم من ذي الحليفة وغيرها إلا بإثر صلاة؛ لان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان إحرامه بإثر صلاة علاها يومئذ ، وليس شيء مما في هذا الحديث من سنن الحج ومناسكه التي يجب فيها على تاركها فدية ، أو دم عند أهل العلم ؛ ولكنه حسن كما ذكرت لك عند جميعهم إلا ابن عمر ، فإنه جعله سنة ؛ وهذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث يعرفها أهل المدينة بالمعرس ، وقال مالك في الموطأ : لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل راجعاً إلى المدينة حتى يصلي به ما بدا له، لانه بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرس به (2) . 1) الموطأ رواية يحيى ص 279 - حديث (952)، والحديث أخرجه البخاري ومسلم. انظر الزرقاني على الموطأ 887/2 . (٤) الموطأص 279. 243 وقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من في الحليفة راجعاً من مكة ، فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل ، وليس عليه ذلك بواجب . وقال محمد بن الحسن- محتجاً له: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرس به، وان ابن عمر أباخ به؛ وليس ذلك عندنا من الامر الواجب ، إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منازل طريق مكة ؛ وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره تلك فينزل بها، فلذلك فعل مثل ذلك بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجباً على الناس ؛ ولو كان واجباً ، لقال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للناس ما يقفون عليه . وقال إسماعيل بن إسحاق: ليس نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعرس كسائر منازل طريق مكة ، لانه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه ؛ والمعرس إنما كان يصلي نافلة، ولا وجه لمن زهد الناس في الخير : قال : ولو كان المعرس كسائر المنازل، ما أفكر ابن عمر على نافع ما توهمه عليه من التأخر عنه. قال: وحدثنا أبو ثابت ، عن ابن أبي حازم، عن موسى ابن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس ، وأبطأ 244 عليه نافع ؛ فقال له : ما حبسك ؟ قال : فأخبرته ؛ فقال : ظننت أنك أخذت الطريق الاخرى ، لو فعلت لأوجعتك ضرباً . وروى الليث عن نافع مثله ، قال إسماعيل : وحدثنا إبراهيم ابن الحجاج، عن عبد العزير بن المختار، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، أن النبي - عليه السلام - نزل في المعرس من ذي الحليفة في بطن الوادي، فقيل له : إنك ببحطاء مباركة. قال أبو عمر: وأما المحصب فموضع قرب مكة في أعلى المدينة ، نزله أيضاً رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وكان مالك وغيره يستحبون النزول به والمبيت والصلاة فيه ؛ وجعله بعض أهل العلم من المناسك التي ينبغي للحجاج نزولها والمبيت فيها، وأكثرهم على أن ذلك ليس من مناسك الحج ومشاعره في شيء - وهو الصواب؛ والمحصب يعرف بالابطح ، والبطحاء أيضا خيف بني كنانة ، والخيف : الوادي . وروى (١) مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر، أنه كان يطي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب ، ثم يدخل مكة من الليل ، ويطوف بالبيت (2) . 1) وروی ، ص : روی : ظ . (2) الموطأ رواية يحيى ص : 279 - حديث (917). ورواية محمد بن الحسن ص : 174 - حديث (519) . 245 ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع بها هجعة، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله. وروى أيوب ، وحميد الطويل ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء حرفاً بحرف؛ ذكره حماد بن سلمة، عن أيوب وحميد جميعاً. وروى الاوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غداً - إن شاء الله - بخيف بني كنانة . - يعني المحصب، وذلك أن بني كنانة تقاسموا على بني هاشم، وبني المطلب - وذكر الحديث . وروى معمر، عن الزهري ، عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد، قال: قلت يارسول الله، أين تنزل غداً - في حجته ؟ قال : هل ترك لنا عقيل منزلا ؟ ثم قال : نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على الكفر - يعني المحصب ، وذكر الحديث . وردى هشام بن عروة ، عن عائشة ، قالت : المحصب ليس بسنة ؛ وإنما هو منزل نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أسمح لخروجه ، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله . 246 حديث سادس وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة : اليد العيا خير من اليد السفلى . واليد العليا هي المنفقة، والسفلى السائلة (1). لاخلاف علمته في اسناد هذا الحديث ولفظه ، واختلف فيه على أيوب ، عن نافع ؛ فرواه حماد بن زيد، وعبد الوارث، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر فقال فيه: اليد العليا المتعففة . حدثنا عبد الواث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا مسدد بن مسرهد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اليد العليا خير من اليد السلفى ، اليد العليا المتعففة ، واليد السفلى السائلة . 1) الموسأ رواية يحيى ص 708 - حديث (1885). 247 قال أبو عمر : رواية مالك في قوله : اليد العليا المنفقة ، اولى واشبه بالاصول من قول من قال : المتعففة ؛ بدليل حديث من طارق المحاربي ، قال : قدمنا المدينة ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس ، ويقول : يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول : امك. واباك، واختك ، واخاك ، ثم ادناك ، ادناك . - ذكره النسوي ، عن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن جامع بن شداد ، عن طارق المحاربي . وفي قوله؛ المنفقة آداب، وفروض ، وسنن ، فمن الانفاق فرضا الزكوات والكفارات، ونفقة البنين والآباء والزوجات ، وما كان مثل ذلك من النفقات ؛ ومن الانفاق: سنة الاضاحي، وزكاة الفطر عند من رآها سنة لا فرضا ، وغير ذلك كثير ، والتطوع كله ادب وسنة مندوب اليها ؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل معرف صدقة . حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن اصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا أبو الاحوص، حدثنا اشعث ، عن أبيه ، عن رجل من بني يربوع ، قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس فسمعه يقول: يد المعطي العليا أمك واباك واختك واخاك وادناك ادناك . 248 ومثله حديث عطية السعدي، ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك ابن الفضل ، عن عروة بن محمد بن عطية السعدي، عن أبيه ، عن جده، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليد العليا المعطية . ومثله حديث أبي الأحوص ، عن أبيه : مالك ابن نفلة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الايدي ثلاثة : يد الله العليا، ويد المعطي التي تليها ، ويد السائل السفلى ؛ أعط الفضل ولا تعجز عن نفسك . - ذكره أبو داود، عن أحمد بن حنبل، قال حدثنا عبيدة بن حميد، قال (حدثنا) (1) أبو الزعراء، عن أبي الأحوص؛ وهذه الآثار كلها تدل على صحة ما نقل مالك من قوله: واليد العليا المنفقة، (ولم يقل المتعففة)؛ (2) لان العلو في الاعطاء لا في التعفف، وقد بان في هذه الآثار ما ذكرنا - وبالله التوفيق . حدثنا عبد الرحمان بن يحيى، حدثنا علي بن محمد بن مسرور ، قال حدثنا احمد بن أبي سليمان ، حدثنا سحنون بن سعيد ، حدثنا ابن وهب ، قال أخبرني حيوة بن شريح ، وابن لهيعة ، عن محمد بن عجلان ، قال : سمعت القعقاع بن حكيم 1) جملة (حدثنا) ساقطة في الأصل، ثابتة فى ظ، والمعنى يقتضيها. 19 ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت في ظ . 249 يحدث عن عبد الله بن عمر ، أن عبد العزيز بن مروان كتب اليه : أن ارفع إلى حاجتك ، فكتب إليه عبد الله بن عمر يقول: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اليد العليا خير من اليد السفلى، وأبداً بمن تعول . وإني لا أحسب اليد العليا إلا المعطية ، ولا السفلى إلا السائلة ؛ وإني غير سائلك شيئاً ولا راداً رزقا ساقه الله إلي منك - والسلام. وقد روى عن النبي - عليه والسلام -: اليد العليا خير من اليد السفلى - جماعة من أصحابه ، منهم : حكيم بن حزام ، وأبو هريرة ، وهي آثار صحاح كلها . وفي هذا الحديث من الفقه إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح مما يكون موعظة او علما او قربة - إلى الله - عز وجل. وفيه الحض على الاكتساب والانفاق . ومعلوم أن الانفاق لا يكون الا مع الاكتساب، وهذا كلة مفيد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: أجملوا في الطلب ، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم (1). وفيه ذم المسألة وعيبها ، ويقتضي ذلك حمد اليأس، وذم الطمع فيما في أيدي الناس . ذكر عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان ، عن حميد الاعرج ، عن عكرمة بن خالد، أن سعداً قال لابنه حين حضره 1) أخرجه ابن ماجه في سننه، انظر ح 4/2. 250 الموت : يابني ، إنك لن تلقى أحداً هو لك أنصح مني ؛ إذا أردت أن تصلي، فأحسن وضوءك ، ثم صل صلاة لا ترى أنك تصلي بعدها ؛ وإياك والطمع ، فإنه فقر حاضر ؛ وعليك باليأس ، فإنه الغنى ؛ وإياك وما يعتذر منه من العمل والقول ، ثم اعمل ما بدا لك . وروى العلاء بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يفتح إنسان على نفسه باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر؛ ولأن يأخذ الرجل حبلا فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره ويأكل منه ، خير له من أن يسأل الناس معطى أو ممنوعا ، وقد روي معنى قول سعد المذكور في هذا الباب - مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم، حدثناه سلمة بن سعيد بن سلمة بن حفص، قال حدثنا علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المعروف بالدارقطني الحافظ - إملاء بمصر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال حدثنا الحسن بن راشد بن عبد ربه الواسطي ، قال حدثني أبي راشد بن عبد ربه ، قال حدثنا نافع ، عن ابن 251 عمر ، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، حدثني حديثا واجعله مذكرا (1) أي؛ قال: صل صلاة مودع كأنك تراه ، فان لم تكن تراه فإنه يراك ؛ وعليك باليأس مما في أيدي الناس تعش غنيا، واياك وما يعتذر منه. وقد مضى فيما يجوز من السؤال ومن يجوز له، مافيه كفاية في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار؛ وسيأتي تمام هذا الباب بما فيه من الآثار في باب أبي الزناد- إن شاء الله (2). ١) مذكراً : ص ، موجزاً، ظ . 2) هنا انتهت نسخة ظ، وجاء في خاتمتها: (آخر السفر الثالث من كتاب التمهيد، وقد عورض به فصح - ان شاء الله - تعالى). 252 حديث سابع وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (1). قال مالك أرى ذلك مخافة أن يناله العدو (2) . هكذا قال يحيى، والقعنبي، وابن بكير ، وأكثر الرواة ؛ ورواه ابن وهب عن مالك فقال في آخره : خشية أن يناله العدو - في سياق الحديث ، لم يجعله من قول مالك : وكذلك قال عبيد الله بن عمر ، وأيوب ، عن نافع، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو . ورواه الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، يخاف أن يناله العدو . 1) الموطأ رواية يحيى ص 296 - حديث (970) ، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. انظر الزرقاني على الموطأ 10/8 . 2) الموطأ ص : 296 . 253 وقال إسماعيل بن أمية ، وليت بن أبي سليم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، فإني أخاف أن يناله العدو. وكذلك قال شعبة ، عن أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - وهو صحيح مرفوع . وأجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه ، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه ؛ قال مالك : لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يفرق بين العسكر الكبير والصغير . وقال أبو حنيفة: يكره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. إلا في العسكر العظيم، فإنه لا بأس بذلك . واختلفوا من هذا الباب في تعليم الكافر القرآن ، فمذهب أبى حنيفة : أنه لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والفقه ، وقال مالك : لا يعلموا القرآن ولا الكتاب، وكره رقية أهل الكتاب؛ وعن الشافعي روايتان، أحدهما الكراهة، والاخرى الجواز. 254 قال أبو عمر : الحجة لمن كره ذلك، قول الله - عز وجل: ((إنما المشركون نجس (١)). وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يمس القرآن إلا طاهر . ومعلوم أن من تنزيه القرآن وتعظيمه ابعاده عن الاقذار والنجاسات، وفي كونه عند أهل الكفر تعريض له لذلك وإهانة له؛ وكلهم أنجاس لا يغتسلون من جنابة ، ولا يعافون ميتة ؛ وقد كره مالك وغيره أن يعطى الكافر درهماً أو ديناراً فيه سورة أو آية من كتاب الله، وما أعلم في هذا خلافاً إذا كانت آية تامة أو سورة ، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم إذا كان في أحدهما اسم من أسماء الله؛ فأما الدراهم التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن عليها قرآن، ولا اسم الله ولا ذكر ؛ لانها كانت من ضرب الروم وغيرهم من أهل الكفر ، وإنما ضربت دراهم الاسلام في أيام عبد الملك بن مروان ؛ وذكر أحمد بن المعدل عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، أنه سئل عن الرجل يدخل بالمصحف أرض العدو لما له في ذلك من استذكار القرآن والتعليم، ولما يخشى أن يطول به السفر فينسى ؛ فقال عبد الملك : لا يدخل أرض العدو بالمصاحف ، لما يخشى من التعبث بالقرآن والامتهان له مع أنهم أنجاس ، 1) الآية : 28 سورة التوبة. 256 ومع ما جاء في ذلك من النهي الذي لا ينبغي أن يتعدى؛ فإن قال قائل : أفيجوز أن يكتب المسلم إلى الكافر كتاباً فيه آية من كتاب الله؟ قيل له: أما إذا دعي إلى الاسلام، أو كانت ضرورة إلى ذلك، فلا بأس به ؛ لما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال : أخبرني أبو سفيان بن حرب - فذكر قصة هرقل وحديثه بطوله ؛ وفيه قال: فقرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا فيه بسم الله الرحمان الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الاسلام ، أسلم تسلم، وأسلم يوتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ؛ وديا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً (١)» - الآية (2). 1) الآية : 64 سورة آل عمران . 2) وهو حديث متفق عليه . انظر فتح الباري على صحيح البخاري 60/1. : 256 حديث ثامن وخمسون لنافع عن ابن عمر مالك، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف ، قال : يتقدم الامام بطائفة من الناس ، فيصلي بهم ركعة ، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يصلوا ؛ فإذا صلى الذين معه ركعة ، استأخروا مكان الذين لم يصلوا - ولا يسلمون ؛ ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة ، ثم ينصرف الامام- وقد صلى ركعتين؛ فيقوم كل واحد من الطائفتين فيططون لانفسهم ركعة ، ركعة - بعد أن ينصرف الامام ؛ فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا ركعتين ، فان كان خوفا هو أشد من ذلك، صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا - مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها (1). قال مالك: قال نافع : لا أرى ابن عمر حدثه إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم (2) . ١) الموطأ رواية يحيى ص 126 - حديث (442)، والحديث أخرجه الجماعة. انظر الزرقاني على الموطأ 870/1 . 2) الموطأ ص 126 . م١٧ - ٠ ١٥ 257 هكذا روى مالك هذا الحديث عن نافع - على الشك في رفعه ، ورواه عن نافع جماعة - ولم يشكوا في رفعه ؛ وممن رواه كذلك - مرفوعا - عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي ذئب ، وموسى بن عقبة ، وأيوب ابن موسى ؛ وكذلك رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم. وكذلك رواه خالد بن معدان ، عن ابن عمر ، عن النبى - صلى الله عليه سلم . أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا عبيد الله بن عبد الواحد ، قال حدثنا محبوب بن موسى ، قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع، عن ابن عمر، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطائفة من أصحابه خلفه، وقامت طائفة بينه وبين العدو؛ فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين ثم انطلقوا ، فقاموا في مقام أولئك؛ وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تمت صلاته ؛ ثم صلت الطائفتان كل واحدة منهما ركعة ركعة . 253 *.. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ؛ وحدثنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قالا: حدثنا مسدد، قال حدثنا يزيد بن زريع ؛ وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال حدثنا إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع ، قال حدثنا معمر، عن الزهري ، عن سالم، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بإحدى الطائفتين ركعة - والطائفة الاخرى مواجهة العدو ، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أولئك ؛ وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم عليهم؛ ثم قام هؤلاء يقضون ركعتهم، وقام هؤلاء يقضون ركمتهم (1) . قال أبو داود : وكذلك روى نافع، وخالد بن معدان، عن ابن عمر ؛ قال : وكذلك قول مسروق، ويوسف بن مهران، عن ابن عباس ؛ وكذلك روى الحسن، عن أبي موسى أنه فعله (2). ورواه أبو حرة ، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي- عليه السلام - قال : وكذلك رواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام . ١) انظر سنن أبي داود 1 /285. 2) نفس المصدر. 259 قال أبو عمر: وروى أبو العالية الرياحي عن أبي موسى - مثله: حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ، قال حدثنا محمد بن بشر، قال حدثنا سعيد، عن قتادة ، عن أبي العالية الرياحي ، أن أبا موسى كان بالدار من أصبهان - وما كان بها يومئذ كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فجعلهم صفين. طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها ، وطائفة من ورائه ؛ فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم نكموا على أدبارهم حتى قاموا مقام الآخرين يتخللونهم : وجاء الآخرون حتى قاموا وراءه، فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم: فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة، ركعة ؛ ثم سلم بعضهم على بعض، فتمت للامام ركعتان في جماعة ، وللناس ركعة ، ركعة . قال أبو عمر : يعني مع الامام وقضوا ركعة ركعة، وبحديث ابن عمر هذا المذكور في هذا الباب وما كان مثله ، مثل: حديث أبي موسى هذا وشبهه في صلاة الخوف؛ قال جماعة من أهل العلم ، منهم: الاوزاعي ، وإليه ذهب أشهب بن عبد العزيز صاحب مالك . 260