Indexed OCR Text

Pages 101-120

قال أبو عمر لم يذكر في هذا الحديث قبل أن يمس،
وذكره مالك وغيره ، وهو الذي لابد منه ذكر أو سكت عنه ؛
وهذا أمر مجتمع عليه يغني عن الكلام فيه - وبالله العصمة
والهدى والتوفيق.
101

حديث ثامن واربعون النافع عن
ابن عمر
مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رجلا سأل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تلبسوا القمص، ولا
العمائم، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، الا أحد
لا يجد نعلين فيلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين ،
ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس (1) .
قال أبو عمر : كل ما في هذا الحديث فمجتمع عليه من
أهل العلم انه لا يلبسه المحرم - ما دام محرما .
ورواه ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن
أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء .
١) الموطأ رواية يحيى ص 222 - حديث (714) والموطأ رواية محمد بن
الحسن ص: 145 - حديث (422) - والحديث أخرجه الستة عن مالك.
انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 230 .
103

رواه عن ابن شهاب - معمر ، وابن عيينة ، وابراهيم بن
سعد ، وغيرهم ، وليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب ؛
وفي معنى ما ذكر في هذا الحديث من القمص والسراويلات
والبرانس ، يدخل المخيط كله بأسره ، فلا يجوز لباس شيء
منه للمحرم عند جميع أهل العلم ؛ وأجمعوا أن المراد بهذا
الخطاب في اللباس المذكور الرجال دون النساء، وأنه لا
بأس للمرأة بلباس القميص والدرع والسراويل والخمر والخفاف؛
وأجمعوا ان الطيب كله لا يجوز للمحرم أن يقربه متطيبا به -
زعفرانا كان أو غيره، وإنما اختلفوا فيمن تطيب قبل إحرامه ،
هل له أن يبقي الطيب على نفسه - وهو محرم أم لا؟ وقد
ذكرنا ما للعلماء في ذلك في باب حميد بن قيس من كتابنا
هذا (1) - والحمد لله . وأجمعوا أن إحرام الرجل في رأسه ،
وانه ليس له ان يغطي رأسه - لنهي رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - المحرم عن لبس البرانس والعمائم ، وهذا ما لا خلاف
- والحمد لله - فيه .
وأجمعوا على ان إحرام المرأة في وجهها ، وروي عن
النبي عليه السلام - أنه نهى المرأة الحرام عن النقاب والقفازين.
١) انظرج 256/2 - 262 .
104

أخبرنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ،
قال حدثنا أحمد بن شعيب (١) ؛ وأخبرنا عبد الله بن محمد ،
قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قالا حدثنا
قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
قال : قام رجل فقال: يا رسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من
الثياب في الحرم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا
الخفاف ، إلا أن يكون أحد ليس له نعلان ، فليلبس الخفين
أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران،
ولا الورس ، ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين (2).
قال أبو داود روى هذا الحديث حاتم بن اسماعيل ،
ويحيى بن أيوب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن
عمر، عن النبي - عليه السلام - على ما قال الليث . ورواه أبو
قرة موسى بن طارق ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع - موقوفا -
عن ابن عمر (8) .
1) انظر سنن النسائي 132/6
2) انظر سنن أبي داود 424/1 .
8) المصدر السابق .
105

قال أبو عمر : رفعه صحيح عن ابن عمر، رواه ابن اسحاق،
عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعاً ؛ ورواه ابن المبارك ، عن
موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعاً أيضاً ؛ فهذا
يصحح ما رواه الليث ، وحاتم بن اسماعيل ، ويحيى بن أيوب.
أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، قال :
حدثنا أبو داود ، قال حدثنا أحمد بن حنبل ، قال حدثنا يعقوب
ابن ابراهيم، قال حدثني أبي ، عن ابن اسحاق ، قال حدثني
نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أنه سمع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب ،
وما مسه الورس والزعفران من الثياب ؛ ولتلبس بعد ذلك ما
أحبت من ألوان الثياب من معصفر، أو خز، أو حلي، أو
سراويل ، أو قمص ، أو خف (1) .
قال أبو داود : روى هذا الحديث عن ابن اسحاق - عبدة،
ومحمد بن سلمة - إلى قوله : وما مس الورس والزعفران من
الثياب - ولم يذكرا ما بعده (2) .
١) المصدر نفسه .
2) نفس المصدر .
106

أخبرنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ،
قال أخبرنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا سويد بن نصر ، أخبرنا
عبد الله، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا
قام فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في
الاحرام ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلبسوا
القمص، ولا السراويلات ، ولا الخفاف ، إلا أن يكون رجل ليس
له فلان ، فليلبس الخفين أسفل من الكعبين، ولا يلبس شيئاً
من الثياب مسه الزعفران والورس ، ولا تنتقب المرأة الحرام ،
ولا تلبس القفازين ؛ وعلى كراهية النقاب للمرأة جمهور علماء
المسلمين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء الأمصار -
أجمعين ؛ - لم يختلفوا في كراهية الانتقاب والتبرقع للمرأة
المحرمة ، إلا شيء روي عن أسماء بنت أبي بكر ، أنها كانت
تغطي وجهها - وهي محرمة ؛ وروي عن عائشة أنها قالت تغطي
المحرمة وجهها - إن شاءت ، وقد روي عنها أنها لا تفعل -
وعليه الناس (1) .
وأما القفازان ، فاختلفوا فيهما أيضاً ، فروي عن سعد بن أبي
وقاص ، أنه كان يلبس بناته - وهن محرمات - القفازين، ورخصت
......
١) انظر سنن النسائي 188/8 - 156.
107

فيهما عائشة أيضاً؛ وبه قال عطاء، والثوري، ومحمد بن الحسن.
وهو أحد قولي الشافعي ؛ وقد يشبه أن يكون مذهب ابن عمر،
لانه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها . وقال مالك: إن
لبست المرأة القفازين افتدت ، وللشافعي قولان في ذلك ،
أحدهما تفتدى ، والآخر لا شيء عليها .
قال أبو عمر : الصواب - عندي - قول من نهى المرأة عن
القفازين ، وأوجب عليها الفدية ، لثبوته عن النبي - صلى الله
عليه وسلم؛ ولا خلاف بين العلماء بعد ما ذكرنا في أنه
جائز للمرأة المحرمة لباس القمص، والخفاف، والسراويلات، وسائر
الثياب التي لا طيب فيها ، وأنها ليست في ذلك كله كالرجل .
وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها ، وأنها تخمر
رأسها ، وتستر شعرها - وهي محرمة .
وأجمعوا أن لها ان تسدل الثوب على وجهها من فوق
رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها ، ولم يجيزوا
لها تغطية وجهها - وهي محرمة - إلا ما ذكرنا عن أسماء .
روى مالك، عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر،
أنها قالت : كنا نخمر وجوهنا - ونحن محرمات - مع أسماء
بنت أبي بكر الصديق (1) .
1) انظر الموطأ ص 224 حديث (724).
108

وقد يحتمل أن يكون ما روي عن أسماء فى ذلك ،
كنحو ما روى عن عائشة أنها قالت : كنا مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمون ، فإذا مر بنا راكب،
سدلنا الثوب من قبل رؤوسنا، واذا جاوزنا الراكب رفعناه .
وأجمعوا أن الرجل المحرم لا يخمر رأسه على ما تقدم
ذكرنا له، واختلفوا في تخميرة وجهه ، فروي عن ابن عمر
أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس على المحرم أن لا يغطيه (1).
وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه ، وبه قال محمد بن الحسن
الشيباني ؛ وروي (2) عن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمان بن
عوف، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير، أنهم كانوا
يغطون وجوههم - وهم محرمون :
ذكر مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم
ابن محمد ، قال : أخبرني القرافصة بن عمير الحنفي، أنه رأى
عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم (3) .
١) انظر الموطأ ص: 221 حديث ((73).
2) وروي: ظ . روی: ص.
(8) الموطأ ص : 224 حديث (720).
109

وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الله بن عامر
ابن ربيعة ، قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج - وهو محرم
في يوم صائف - قد غطى وجهه بقطيفة ارجوان ، ثم أتي بلحم
صيد فقال لاصحابه : كلوا، فقالوا : ولا تأكل؟ فقال : إني لست
كهيئتكم ، إنما صيد من أجلي.
وعن سعيد بن أبي وقاص ، وجابر بن عبد الله ، والقاسم
ابن محمد ، وطاوس، أنهم أجازوا للرجل المحرم أن يغطي وجهه.
وبه قال الثوري ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل، واسحاق
ابن راهويه ، وأبو ثور .
وقال ابن القاسم : كره مالك للمحرم أن يغطي وجهه
وأن يغطي ما فوق ذقنه ؛ لان إحرامه عنده في وجهه ورأسه
قيل لابن القاسم : فان فعل ؟ قال: لم اسمع من مالك فيه شيئا.
ولا أرى عليه شيئا - لما جاء عن عثمان .
وقد روي عن مالك فيمن غطى وجهه - وهو محرم -
أنه يفتدي .
وفي موضع آخر من كتاب ابن القاسم ، قيل : أرأيت
محرما غطى وجهه ورأسه في قول مالك ؟ قال: قال مالك : إن
110

نزعه مكانه فلا شيء عليه ، وإن تركه فلم ينزعه مكانه حتى
انتفع بذلك افتدى .
قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها ؟ قال: نعم ، إلا
أن مالكا كان يوسع للمرأة ان تسدل رداءها من فوق رأسها
على وجهها إذا أرادت سترا، وأن كانت لا تريد سترا،
فلا تسدل .
وأجمعو ان للمحرم أن يدخل الخباء والفساط ، وأن نزل
نحت شجرة أن يرمي عليها ثوبا .
واختلفوا في استظلاله على دابته، أو على المحمل :
فروي عن ابن عمر أنه قال أصح لمن أحرمت له ، وبعضهم
يرفعه عنه؛ وكره مالك وأصحابه أن يستظل المحرم على
محمله ، وبه قال عبد الرحمان بن مهدي ، وأحمد بن حنبل ؛
وروي عن عثمان بن عفان انه كان يستظل - وهو محرم ،
وأنه أجاز ذلك للمحرم ؛ وبه قال عطاء بن أبي رباح ، والاسود
ابن يزيد ؛ وهو قول ربيعة ، والثوري ، وابن عيينة ، والشافعي
وأصحابه ؛ وقال مالك: إن استظل المحرم في محمله افتدى،
وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : لا شيء عليه .
111

قال : ولا بأس أن يستظل اذا جافى ذلك عن رأسه :
وأجمعوا ان المحرم اذا وجد إزاراً، لم يجز له لبس السراويل.
واختلفوا فيه إذا لم يجد إزاراً هل له لبس السراويل ؛
وإن لبسها على ذلك ، هل عليه فدية أم لا؟.
وفي الموطأ (1) سئل مالك عما ذكر عن النبي - عليه
السلام - أنه قال : من لم يجد إزاراً ، فليلبس سراويل ؟ فقال
مالك: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل ؛ لان
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس السراويلات
• فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها:
قال: ولم يستثن فيها، كما استثنى في الخفين 2) ؛ وقول أبي
حنيفة في ذلك كقول مالك، ويرون على من لبس السراويل -
وهو محرم - الفدية، وسواء عند مالك وجد الازار أو لم يجد
وقال عطاء بن أبي رباح ، والشافعي، وأصحابه ، والثوري.
وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود : إذا
لم يجد المحرم إزاراً، لبس السراويل ، ولا شيء عليه؛ وحجة
1) كذا في الأمل، وفي ظ: (وقال مصعب وغيره: سئل مالك).
2) انظر الموطأ ص : 222 .
112

من ذهب إلى هذا ، ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا
محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا سليمان بن
حرب ، قال حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار ، عن
جابر بن زيد، عن ابن عباس ، قال: سمعت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يقول: السراويل لمن لم يجد الازار (١)،
والخف لمن لم (2) يجد النعلين (3) .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا مسدد؛ وحدثنا
سعيد بن نصر ، وعبد الوارث ، قالا: حدثنا قاسم ، قال حدثنا
محمد بن اسماعيل الترمذي ، قال حدثنا الحميدي ، قال حدثنا
سفيان ، قال حدثنا عمرو بن دينار ، قال أخبرني أبو الشعثاء -
جابر بن زيد، قال : سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب على المنبر يقول:
من لم يجد النعلين ، فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً
فليلبس سراويل (4)
1: الازار: ظ. ازاراً ص. ونسخة ظ هي التي توافق ما في
سنن أبي ذر .
2) لاء ظ، لم: ص" ونسخة ظ اوفق بما في سنن أبي داود
3) انظر سنن أبي داود 1 /424 .
4) انظر سنن الحميدي 222/1 حديث 469) .
118
م٨ - ج ١٥

وروى زهير ش أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى
الله عليه وسلم - مثله. واختلفوا فيمن لم يجد نعلين هل يلبس
الخفين ولا يقطعهما : فذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن سالم
القداح ، وطائفة من أهل العلم غيرهما - إلى أن من لم (1) يجد
نعلين لبس الخفين - ولم يقطعهما ؛ وإلى هذا (2) ذهب أحمد
ابن حنبل، قال عطاء: وفي قطعهما فساد ؛ وقال أكثر أهل
العلم : إذا لم يجد المحرم نعلين ، لبس الخفين وقطعهما أسفل
من الكعبين؛ وممن قال بهذا مالك بن أنس، والشافعي، والثوري،
وأبو حنيفة ، (3) وإسحاق ، وأبو ثور، وجماعة من التابعين .
وقال الشافعي : ابن عمر قد زاد على ابن عباس شيئاً
نقصه ابن عباس ، وحفظه ابن عمر ، وذلك قوله : وليقطعهما
أسفل من الكعبين ، والمصير إلى رواية ابن عمر أولى. وروى
ابن وهب عن مالك ، والليث ، أن من لبس خفين مقطوعين
أو غير مقطوعين - إذا كان واجداً للنعلين ، فعليه الفدية. وقال
أبو حنيفة : لا فدية عليه إذا لبسهما مقطوعين - وهو واجد
٠
1) لاء ظ ، لم : ص.
2) هذا : ص ، ذلك : ظـ .
٠
(٤) جملة ( وأبو حنيفة ) ساقطة في ظ .
114

النعلين . قال: ومن لبس السراويل، افتدى على كل حال .
وجد إزاراً أو لم يجد ، إلا أن يفتق السراويل .
واختلف قول الشافعي فيمن لبس الخفين مقطوعين -
وهو واجد للنعلين ، فمرة قال: عليه الفدية، ومرة قال : لا
شيء عليه ؛ وقال مالك : من ابتاع خفين وهو محرم فجربها
وقاسهما في رجله، فلا شيء عليه، وإن تركهما حتى منعه
ذلك من حر أو برد أو مطر افتدى .
قال أبو عمر : كان ابن عمر يقطع الخفين حتى للمرأة
المحرمة ، وهذا شيء لا يقول به أحد من أهل العلم - فيما
علمت ، ولا بأس بلباس المحرمة الخفاف عند جميعهم، وقد
روي عن ابن عمر أنه انصرف عن ذلك :
حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال حدثنا
ابن أبي عدي ، عن محمد بن اسحاق، عن ابن شهاب، قال :
حدثني سالم أن عبد الله بن عمر كان يقطع الخفين للمرأة
المحرمة ؛ ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثثها ،
115

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان أرخص للنساء
في الخفين ، فترك ذلك (1) .
قال أبو عمر: هذا إنما كان من ورع ابن عمر وكثرة اتباعه،
ومع هذا، فإنه استعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص.
ومما وصفت من ورعه وتوقفه ، ما حدثناه عبد الله بن
محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا
موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر ، أنه وجد القر فقال: يا نافع ألق على ثوبا، قال: فألقيت
عليه برنسا؛ فقال: أتلقي على هذا - وقد نهى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أن يلبسه المحرم؟ ألا ترى أنه (2)
كره أن يلقى عليه البرنس، وسائر أهل العلم إنما يكرهون
الدخول فيه ؛ ولكنه - رحمه الله - استعمل العموم في اللباس ،
لان التغطية والامتهان قد يسمى لباسا؛ ألم تسمع الى قول
أنس : فقمت الى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس .
قال أسد ، وأبو ثابت ، وسحنون ، وأبو زيد: قلت لابن
القاسم : هل كان مالك يكره للمحرم أن يدخل منكبه في
١) انظر سنن أبي داود 425/1
2) أنه : ص٠ بأنه: ظـ
116

القباء من غير أن يدخل يديه فى كميه ولا يرزه عليه ؟ قال :
نعم، قلت: فكان يكره له أن يطرح قميصه على ظهره
يتردى به من غير أن يدخل فيه؟ قال: لا ، قيل له : فلم
كره أن يدخل منكبيه في القباء - إذا لم يدخل فيه ولم يزره؟
قال : لان ذلك (1) دخول في القباء ولباس له ، فلذلك كرهه .
قال أبو عمر : كان أبو حنيفة وأصحابه ، وأبو ثور -
يقولون . لا بأس ان يدخل منكبيه في القباء، وهو قول ابراهيم
النخعي ؛ وكره ذلك الثوري، والليث بن سعد، والشافعي .
وقال عطاء: لا بأس أن يتردى به .
وجملة قول مالك وأصحابه : أن المحرم إذا أدخل
كتفيه (2) في قباء افتدى، وإن لم يدخل كتفيه (8) ، فلا شيء
عليه ، وهو قول زفر وقول الشافعي .
وقال أبو حنيفة : لا فدية عليه الا أن يدخل فيه يديه .
وقال مالك: إن عقد إزاره على عنقه افتدى. وقال الشافعي
وأبو حنيفة : لا شيء عليه .
1) ذلك): ص . ذاك : ظ .
2) كفيه: ص، كتفيه : ظ
117

قال أبو عمر : روى عن ابن عمر أنه كره العميان
والمنطقة للمحرم ، وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك للمحرم.
وكذلك روى عن عائشة أنها قالت : اوثق عليك نفقتك ،
وأجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار - متقدموهم ومتأخروهم ، وعن
جماعة من التابعين بالحجاز والعراق - مثل ذلك ؛ وقال إسحاق
ابن راهويه : ليس : له أن يعقد السيور، ولكن يدخل بعضها
في بعض .
وقال مالك : أحب ما سمعت إلى في ذلك، ما حدثني
يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان يقول في
المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه - : إنه لا بأس بذلك إذا
جعل في طرفيها جميعاً سيوراً يعقد بعضها إلى بعض .
وقال ابن علية : قد أجمعوا على أن المحرم ليس له أن
يعقد الهميان والازار على وسطه ، والمنطقة مثل ذلك .
واختلفوا فى المحرم يعصب رأسه وجسده عن (1) ضرورة،
فقال مالك: لا يفعل ذلك أحد إلا من ضرورة، فإن فعل ذلك
من غير ضرورة فعليه الفدية، وسواء في ذلك عنده الرأس والجسد.
١) عن: ص، من. ظ.
118

وقال أبو حنيفة وأصحابه إن عصب رأسه يوماً إلى الليل
فعليه صدقة ، وإن عصب بعض جسده ، فلا شيء عليه .
وقال الشافعي : من عصب رأسه فعليه الفدية ، وكذلك
إذا شد السير على رأسه أو حمل (١) خرجه على رأسه؛ قال
ولا بأس أن يضع يده على رأسه .
وقال مالك : لا بأس أن يحمل المحرم خرجه وجرابه على
رأسه - إذا كان فيه زاده واحتاج إلى ذلك، كما أرخص له في حل
منطقة نفسه؛ قال: وأما لو تطوع بحمله، أو آجر نفسه على
ذلك ، لكان عليه الفدية ؛ قال : والاطباق والغراير والاحرجة
في ذلك سواء. وجملة قول مالك أنه سواء في المحرم لبس
ناسياً أو عامداً، أو تطيب أو حلق ناسياً أو عامداً لضرورة أو
غير ضرورة ، عليه في ذلك كله الكفارة ؛ وهو مخير فيها (2)
إن شاء صام ثلاثة أيام ، وإن شاء أطعم ستة مساكين - مدين،
مدين، لكل مسكين، وإن شاء ذبح شاة ؛ قال مالك: وإنما
يكون الصيام والطعام مكان الهدي في فدية الافى وجزاء
الصيد - لا غير ، قال : وأما دم المتعة أو الهدي الواجب على
1) أو حمل، ظ ، وحمل: ص .
2) فيها: ص، فيهما : ظ .
119

من عجز عن المشي، أو وطيء أهله ، أو فاته الحج ؛ أو رجل
ترك شيئاً من الحج فجبره بالدم ، أي شيء كان المتروك
من حجه ؛ فإن هذا كله إذا لم يجد الهدي فيه من وجب
عليه ، صام فقط وليس في شيء من ذلك إطعام؛ قال ابن القاسم
والصوم في هذا كله، كصوم المتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة
إذا رجع ، هذا كله إذا لم يجد الهدي .
وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : كل من لبس
عامداً ، أو تطيب عامداً، فليس بمخير في الكفارة ، وإنما عليه
الدم لا غير : قالوا : فإن كان ذلك من ضرورة، فهو مخير
على حسبما تقدم عن مالك: إن شاء صام ، وإن شاء نسك
بشاة ، وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين، مدين - على حديث
كعب بن عجرة ، وللشافعي فيمن لبس أو تطيب ناسياً - قولان
أحدهما لا فدية عليه ، والآخر : عليه الفدية .
وقال أبو حنيفة، والثوري، والليث بن سعد : الناسى
والعامد في وجوب الفدية سواء .
وقال داود: لا فدية عليه إن لبس من ضرورة، وإنما
عليه الفدية إن لبس عامداً ؛ وإن حلق رأسه لضرورة، فعليه الفدية؛
وإن حلق شعر جسده، فلا فدية عليه لضرورة ولا لغير ضرورة .
120