Indexed OCR Text
Pages 21-40
وفي الموطأ: وألحق الولد بالمرأة ، وذلك كله سواء. وهذه اللفظة : وألحق الولد بأمه أو بالمرأة - التي زعموا أن مالكا انفرد بها ، وهي محفوظة أيضا من وجوه ؛ منها: أن ابن وهب ذكر في موطئه قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال حضرت لعانهما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن خمس عشرة سنة - وساق الحديث . قال: وفيه (١) ثم خرجت حاملا، فكان الولد لامه (2) . وذكر (8) الفريابي عن الاوزاعي عن الزهري عن سهل ابن سعد الساعدي في هذا الخبر - خبر المتلاعنين ، وقال فيه فكان الولد يدعى لأمه (4) . وذكر أبو داود الحديثين جميعا ، ذكر حديث ابن وهب عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب ؛ وذكر حديث الفريابي ، عن محمود (5) بن خالد ، عن الفريابي ، وحسبك بحديث مالك في ذلك ! 1) وفيه : ص ، فيه : ظ . 2) لأمه: ص. إلى أمه، ظ. 8) وذكر، ظ ● وذكره: ص. 4) فكان الولد يدعى لامه : ص، نكان يدعى الولد لامه : ظ . 8) محمود: ص. محمدا ظ . 21 ومالك مالك في اتقانه وحفظه ، وتوقيه ، وانتقائه لما يرويه ! فان قيل ما معنى قوله : وألحق الولد بأمه - ومعلوم أنه قد لحق بأمه ، وانها على كل أمه ؟ قيل له المعنى : أنه ألحقه بأمه دون أبيه ، ونفاه عن أبيه بلعانه وصيره الى أمه وحدها؛ ولهذا ما اختلف العلماء في ميراثه، فجعل بعضهم عصبته عصبة أمه ، وجعل بعضهم أمه عصبته: وسنذكر اختلافهم في ذلك في آخر هذا الباب - إن شاء الله . وأما تفريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المتلاعنين، فذلك عندنا اعلام منه - صلى الله عليه وسلم - ان التلاعن يوجب الفرقة والتباعد ، فأعلمهما (1) بذلك ، وفرق بينهما وقال : لا سبيل لك عليها . وهذا على الاطلاق على ما قد بينا فيما سلف من كتابنا في باب ابن شهاب عن سهل بن سعد ، وقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الله يعلم ان أحد كما كاذب، فهل منكما تائب؟ وأخبر أن الخامسة موجبة - يعني أنها توجب لعنة الله وغضبه، ( فلما جعل الملعون منهما، وصح أن أحدهما قد لحقته لعنة الله وغضبه) (2)، فرق - والله 1) فأصلمهما: ص، واعلمهما: ظـ . 2) ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت في ظ . 22 ٠ أعلم - بينهما ، لئلا يجتمع رجل ملعون وامرأة غير ملعونة ؛ ولسنا نعرف أن المرأة أفردت باللعنة فنقيسها على اليهودية الجائز نكاحها، ولا بأس أن يكون الاسفل ملعونا، كما أنه لا بأس أن يكون كافراً؛ ولا سبيل الى معرفة من حقت عليه اللعنة منهما، فمن ههنا وقعت الفرقة؛ ولو أيقنا أن اللعنة حقت على المرأة بكذبها ، لم نفرق بينهما؛ هذا جملة ما اعتل به بعض أصحابنا ، وفي ذلك نظر ؛ والتلاعن يقتضي التباعد ، وعليه جمهور السلف . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -. لا سبيل لك عليها كفاية ودلالة صحيحة على أن اللعان هو الموجب للفرقة بينهما، وأن الحاكم انما ينفذ الواجب في ذلك من حكم الله تعالى ذكره؛ ولم يكن تفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المتلاعنين بعد اللعان استئناف حكم ، وانما كان تنفيذا لما أوجبه الله تعالى باللعان بينهما ؛ فالواجب على سائر الحكام تنفيذ الحكم بذلك ، والتفريق بينهما ؛ فان فعل، فقد فعل ما يجب ؛ وان ترك، كان الحكم بالفرقة بينهما نافذا على حسبما ذكرنا ؛ واحتج أصحاب أبي حنيفة لقوله اذا التعنا فرق الحاكم بينهما، بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فرق بين 23 المتلاعنين ؛ قالوا : فدل على أنه الفاعل للفرقة . قالوا : وهي فرقة تفتقر إلى حضور الحاكم، فوجب أن يفتقر الى تفريقه قياسا على فرقة العنين ؛ ومن حجة مالك ومن قال بقوله : أن التفاسخ في التبايع لما وقع بتمام التحالف ، فكذلك اللعان . وأما الشافعي ، فإن الفرقة تقع عنده بالتعان الزوج - وحده، لانه لما دفع لعانه الولد والحد ، وجب أن يرفع الفراش ؛ لان لعان المرأة لا مدخل له في ذلك، وانما هو لنفي الحد عنها لا غير. وذهب عثمان البتي - أن الفرقة تقع بالطلاق بعد اللعان ، لان العجلاني طلقها ثلاثا بعد اللعان ؛ وقد مضى القول أيضا في حكم فرقة المتلاعنين ، وهل يحتاج الحاكم الى أن يفرق بينهما بعد اللعان أم لا؛ وما في ذلك للعلماء من التنازع، ووجه الصواب فيه عندنا عند ذكر حديث ابن شهاب عن سهل ابن سعد في كتابنا هذا؛ ذكرنا هناك أيضاً أحكاما صالحة من أحكام اللعان ، لا معنى لاعادته ههنا ؛ ونذكر هنا حكم الحمل والولد ، وما ضارع ذلك بعون الله، لا شريك له . فأما قوله في حديثنا هذا انتفى من ولدها ، فانه يحتمل أن يكون انتفى منه - وهو حمل ظاهر، ويحتمل أن يكون 24 انتفى منه بعد أن ولده؛ وقد اختلف العلماء في الملاعنة على الحمل ، فقال منهم قائلون: لا سبيل الى أن يلاعن أحد عن حمل ، ولا لاحد أن ينتفي من ولد لم يولد بعد ؛ لانه ربما حسب أن بالمرأة حملا - وليس بها حمل. قالوا وكم حمل ظهر (1) في رأي العين ، ثم انفش واضمحل : قالوا : فلا لعان على الحمل بوجه من الوجوه. قالوا ولو التعن أحد على الحمل، لم ينتف عنه الولد حتى ينفيه بعد أن يولد ، ويلتعن بعد ذلك وينفيه في اللعان؛ فحينئذ ينتفي عنه؛ هذا قول أبي حنيفة وطائفة من فقهاء الكوفة . وقال آخرون : جائز أن ينتفي الرجل من الحمل اذا كان حملا ظاهرا ، هذا قول مالك والشافعي، وجماعة من فقهاء أهل الحجاز والعراق؛ وحجتهم: أن المرأة التي لاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينها وبين زوجها كانت حاملا ، فانتفى الملاعن من ولدها ، ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وألحق الولد بأمه ؛ والآثار الدالة على صحة هذا القول كثيرة ، وسنذكر منها في هذا الباب ما فيه كفاية ، وشفاء وهداية ، إن شاء الله . ١) ظهر: ظ ـ ظاهر : ص. 25 وجملة قول مالك وأصحابه فى هذه المسألة انه لا ينفى (1) الحمل بدعوى رؤية الزنا، ولا ينفى الحمل الا بدعوى الاستبراء، وأنه لم يطأ (2) بعد الاستبراء، والاستبراء - عندهم - حيضة كاملة؛ هذا قول مالك وأصحابه الا عبد الملك، فإنه قال ثلاث حيض، ورواه أيضا عن مالك ؛ وقال ابن القاسم : لا يلزمه ما ولدت بعد لعانه الا أن يكون ملا ظاهرا حين لاعن بإقرار أو بينة (9) فيلحق به . وقال (المغيرة) (4) المخزومي: ان اقر بالحمل وادعى رؤية لاعن، فإن وضعته لاقل من ستة أشهر من يوم الرؤية فهو له، وان كان لستة اشهر فأكثر، فهو اللعان ؛ فان ادعاه، لحق به وحده؛ قال (5) المغيرة يلاعن في الرؤية من يدعي الاستبراء . ( وان وضعت لاقل من ستة اشهر من يوم الرؤية لحق به ، ولا ينفعه ان نفاه ولا يحد ؛ قال ولو قال بعد الوضع لاقل 1) أنه لا ينفى: س، أن لا ينتفى: ظـ . 3) يطأ : ص. يطأها: ظـ . باقرار أو بينة: ص . باقراره أو بينة ، ظ . (8 4) علمة (المغيرة) ساقطة في الاصل. ثابتة في ظ. 5) قال: ص . وقال : ظـ . 26 من ستة اشهر كنت استبريته ونفاه، كان للعان الاول؛ قال اصبغ : لا ينتفي الا بلعان ثان ) (1) أما الشافعي ، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة ، وأبو ثور . وأصحابهم ، فانهم يقولون : كل من قذف امرأته وطلبت الحد . ولم يات زوجها بأربعة شهداء لاعن ؛ وسواء قال لها: يا زانية ، أو زنيت ، أو رأيتها تزني. يلاعن أبدا؛ وكل من نفى الحمل عندهم وقال: ليس مني، ولم يكن علم به ، لاعن ؛ ولا معنى عندهم للاستبراء، لان الاستبراء قد تلد معه ، فلا معنى له ما كان الفراش قائماً، الا أبا حنيفة فانه على أصله فى أن لا لعان على حمل - على ما ذكرت لك؛ ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنه اذا ادعى رؤية ، وأقر أنه وطىء بعدها ، حد ولحق به الولد؛ قال ابن القاسم علو (2) أكذب نفسه في الاستبراء وادعى الولد لحق به وحده، اذ باللعان نفيناه عنه وصار قاذفا . وقال مالك وابن القاسم وغيرهما : يبدأ بالزوج في اللعان، فيشهد أربع شهادات بالله - يقول في الرؤية : أشهد بالله أنى ٠ 1) ما بين القوسين ساقط في الأصل. ثابت مي ظ 2) فلو : ص ، ولو ، ظـ . 27 لمن الصادقين لرأيتها تزني؛ ويقول في نفي الحمل : أشهد بالله لزنيت . وذكر ابن المواز عن ابن القاسم قال في نفي الحمل ) (1) : أشهد بالله اني لمن الصادقين، ما هذا الحمل مني؛ قال أصبغ : وأحب الي أن يزيد لزنيت، قال أصغ يقول في الرؤية : كالمرود في المكحلة . قال مالك وابن القاسم: ويقول في الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين . وتقول المرأة في الرؤية : أشهد بالله ما رآني أزني ، وفي الحمل أشهد بالله ما زنيت، وان هذا الحمل منه . قال أبو عمر: إن كان ولداً أو حملا ونفاه، قال في لعانه : أشهد بالله لقد زنيت، وما هذا الحمل مني ، أو ما هذا الولد مني ؛ وتقول هي : أشهد بالله ما زنيت ، وان هذا الحمل منه ، أو هذا الولد منه ؛ وان كان غائباً، أو ميتاً، سمنه ونسبته وقالت : وانه من زوجي فلان بن فلان ؛ يقول كل واحد منهما هذا القول أربع مرات بأربع شهادات (بالله) ، (2) ثم 1) ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت في ظ. 2) كلمة (بالله) ساقطة في ص . ثابتة في ظ . 28 يقول الزوج في الخامسة : وعليه لعنة الله - إن كان من الكاذبين . وتقول هي : وعليها غضب الله - إن كان من الصادقين - فيما ذكر من رؤية ، أو فيما ذكر من زناها ، ومن نفى حملها أو ولدها - على حسبما فسرت لك . فإذا تم التعان المرأة بعد التعان الرجل ، وقعت الفرقة بينهما ، ثم لم تحل له أبداً ؛ وسواء فرق الحاكم بينهما أو (1) لم يفرق . وإن أكذب نفسه بعد ذلك، حد ولحق به الولد ، ولم يتراجعا أبداً، وإن (2) بقي من لعانه أو لعان المرأة - ولو مرة واحدة -شهادة واحدة: الخامسة أو غيرها، فأكذب نفسه قبل تمامها ، حد وبقيت معه زوجته - إذا لم يتم لعانها ، هذا كله قول مالك وصحابه ؛ ولو لاعن عندهم - من نفى حملا فانفش، لم ترد إليه، ولم تحل له أبداً ؛ لانه قد يجوز أن تكون أسقطته وكتمته. وعند الشافعي أن الرجل إذا تم التعانه ، فقد زال فراشه ، ولا تحل له أبداً . وعند أبي حنيفة أن تمام اللعان ، لا يوجب فرقة حتى 1) او : ص . أما ظ . 2) وإن : ص. فإن : ظـ . 29 يفرق الحاكم بينهما، ولكل واحد منهم حجة من حديث مالك هذا وغيره (1) - محتملة (2) التأويل ، وقول مالك أولى بالصواب - إن شاء الله - .. وقال الشافعي - رحمه الله -: تفريق النبي - عليه السلام - بين المتلاعنين ، تفرق حكم ليس لطلاق الزوج فيه مدخل ؛ وإنما هو تفريق أوجبه اللعان ، فأخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله لا سبيل لك عليها ، قال : وإذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان ، فقد زال فراش امرأته ، ولا تحل له أبداً. وإن أكذب نفسه ، التعنت أو لم تلتعن ؛ قال : وإنما قلت هذا، لان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا سبيل لك عليها ، ولم يقل حتى تكذب نفسك؛ قال : وكان معقولا في دي. حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا لحق الولد بأمه - أنه نفاه عن أبيه ، وأن نفيه عنه إنما كان بيمينه والتعانه ، لا بيمين المرأة على تكذيبه؛ قال: ومعقول في اجماع المسلمين أن الزوج إذا أكذب نفسه، لحق به الولد وجلد الحد ؛ ولا معنى للمرأة في نفيه ، وأن المعنى للزوج ؛ وكيف يكون لها 1) فى كلتا النسختين (مالك وغيره هذا)، ولعل الصواب ما أثبته 2) محتملة التأويل، ص، مجملة المتأويل: ﴿ـ. 80 معنى في يمين الزوج، ونفي الولد وإلحاقه : والولد بكل حال - ولدها ، لا ينتفي عنها أبداً: إنما ينتفي عن الرجل، وإليه ينتسب : قال. والدليل على ذلك. ما لا يختلف فيه أهل العلم من ان الام لو قالت : ليس هو منك ، انما استعرته : لم يكن قولها شيئاً - اذا عرف أنها ولدته على فراشه ، ولم ينتف عنه الا بلعان ؛ لان ذلك أحق للولد دون الام . وكذلك لو قال هو ابني ، وقالت هى: بل زنيت - وهو من زنى ، كان ابنه ولم ينظر إلى قولها : ألا ترى أن حكم النفي والاثبات اليه دون أمه ، فكذلك نفيه بالتعانه اليه دون أمه : قال : والتعان المرأة انما هو لدرء الحد عنها لا غير، ليس من اثبات الولد ولا نفيه في شيء . قال الشافعي وإذا علم الزوج بالولد، فأمكنه الحاكم امكانا بينا فترك اللعان، لم يكن له أن ينفيه بعد : وقال ببغداد اذا لم يشهد بحضرة ذلك في يوم أو يومين ، لم يكن له نفيه؛ وقال بمصر أيضاً: ولو قال قائل له نفيه في ثلاثة أيام - ان كان حاضراً ، كان مذهباً . ۔۔ 31 قال أبو عمر : كل من قال ان الفرقة تقع باللعان دون تغريق الحاكم من فقهاء الامصار خاصة ، يقولون ان الفرقة لا تقع بينهما إلا بتمام التعانهما جميعاً ؛ الا الشافعي وأصحابه، فإنهم قالوا تقع الفرقة بتمام التعان الزوج وحده؛ وكلهم يقولون ان المرأة اذا ابت ان تلتعن بعد التعان الزوج، وجب عليها الحد وحدها - ان كانت غير مدخول بها - الجلد ، وان كانت مدخولا بها الرجم ؛ الا أبا حنيفة وأصحابه ، فإنهم قالوا : ان أبت أن تلتعن ، حبست أبداً حتى تلتعن ؛ والحجة عليهم قول الله - عز وجل - «ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله» ، والسجن ليس بعذاب - والله أعلم ؛ بدليل قول الله - عز وجل -؛ ((الا أن يسجن أو عذاب أليم (1)). فجعل السجن غير العذاب، وقد سمى الله الحد عذابا بقوله: «وليشهد عذابهما طائفة من المومنين (2)) ، وقوله «ويدرأ عنها العذاب » . (1 الآية : 25 سورة يوسف . 2) الآية : 2 سورة النور. 32 وقد روي مثل قول أبي حنيفة في هذه المسألة عن عطاء والحرث العكلي ، وابن شبرمة ، وهو خلاف ظاهر القرآن ، وخلاف ما عليه أكثر علماء المسلمين. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد - قراءة مني عليه - أن محمد بن بكر حدثهم، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا أحمد ابن محمد المروزي ، حدثنا علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : وقوله (والذين يرمون أزواجهم، - الآية ، قال: فإذا حلفا فرق بينهما، وان لم يحلفا أقيم الجلد أو الرجم؛ وهذا كقول مالك سواء في الفرقة واقامة الحد عند نكول المرأة، وقال الضحاك بن مزاحم في قوله - عز وجل: (( ويدرأ عنها العذاب ، ، قال ان هي أبت أن تلاعن ، رجمت - ان كانت ثيبا ، وجلدت ان كانت بكرا؛ وهو قول أكثر أهل العلم - بتأويل القرآن، وأكثر فقهاء الأمصار. والعجب من أبي حنيفة يقضي بالنكول في الحقوق بين الناس - ولا يرى رد اليمين، ولم يقل بالنكول ههنا ؛ والذي ذهب اليه أبو حنيفة - والله أعلم - أنه حين عز اقامة الحد عليها بدعوى زوجها ويمينه ، دون إقرارها أو بينة تقوم عليها - ولم 33 م٣ - جـ ١٥ يقض بالنكول ؛ لان الحدود تدرأ بالشبهات . ومثل هذا كله شبعة درأ بها الحد عنها وحبسها حتى تلتعن ؛ وهذا قول ضعيف في النظر، مع مخالفته الجمهور والاصول - والله المستعان ؛ ومذهب مالك والشافعي: أن اللعان فسخ بغير طلاق، وقال أبو حنيفة : هي طلقة بائنة . واتفق مالك والشافعي على أنه جائز أن يلاعن اذا نفى الحمل - وكان الحمل ظاهرا على ما تقدم عن مالك وأصحابه ، وهو قول الشافعي وأصحابه أيضا؛ والحجة لهم الآثار المتواترة بذلك ، التي لا يعارضها ولا يخالفها مثلها ؛ فمن ذلك: ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، قال أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، قال جاء عويمر إلى عام بن عدي، فقال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتل به ؟ أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فعاب رسول الله - صلى الله عليه 34 وسلم - عليه المسائل ، ثم لقيه عويمر فسأله ما صنعت ؟ فقال : صنعت ! إنك لم تأت بخير ، سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعاب المسائل ؛ فقال عويمر: والله لآنين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله. فوجده قد انزل عليه فيها، فدعا بهما فتلاعنا ؛ فقال عويمر : لئن انطلقت بها - يا رسول الله - لقد كذبت عليها . قال : ففارقها قبل أن يأمره بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فصارت سنة في المتلاعنين؛ ثم قال انظروها، فإن جاءت به اسحم أدعج العينين، عظيم الاليتين (1)، فلا أراه إلا قد صدق؛ وان جاءت به أحمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا ؛ قال : فجاءت به على النعت المكروه (2) .. فهذا الحديث يدل على أنها كانت حاملا، وإذا كانت حاملا، فقد وقع التلاعن على الحمل ؛ لان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفاه عن الرجل، وألحقه بأمه؛ وليس في شيء من الآثار أن اللعان أعيد في ذلك مرة ثانية - بعد أن ولدته، وفي ذلك ما يدل على أنه نفاه حملا ، فنفاه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألحقه بأمه . 1) يأتي للمؤلف شرح هذه الكلمات. (2) رواه الجماعة الا الترمذي . انظر منتقى الاخبار بشرح نيل الأوطار /284 . 85 ومما يصحح أيضاً ما قلناه ، ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال حدثنا جرير، عن الاعمش، عن ابراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ، قال: إنا ليلة (1) جمعة في المسجد، إذ دخل رجل من الانصار فقال : لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم، جلد تموه؛ وان قتل، قتلتموه؛ أو سكت، سكت على غيظ؛ والله أسألن عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فلما كان من الغد، أتى رسول الله فسأله فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم، جلدتموه ، أو قتل، قتلتموه، وسكت، سكت على غيظ ؛ فقال : اللهم افتح - وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: ((والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم،، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس ، فجاء هو وامرأته الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، ثم الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. قال فذهبت لتلتعن، فقال لها النبي - عليه السلام - مه ! فأبت وفعلت . فلما أدبر ، قال لعلها أن تجيء به أسود أجعد ، فجاءت به أسود أجعد (2). 1) ليلة : ص ، لمل: ظ. (8) انظر سنن أبي داود 538/1. 36 قال أبو عمر هكذا في الحديث أجعد ، والصواب - عند أهل العربية - جعد ، يقال رجل جعد . وامرأة جعدة ، ولا يقال أجعد . قال الاوزاعي - رحمه اله - أعربوا الحديث ، فإن القوم كانوا عربا . وأما الحديث الذى قيل هذا فيه إن جاءت به اسحم أدعج العينين ، عظيم الاليتين ، فلا أراه الا قد صدق ؛ وإن جاءت به أحمر ، كأنه وحرة ، فلا أراه إلا كاذبا ؛ قال فجاءت به على النعت المكروه ، فالاسحم الاسود من كل شيء، والسحمة : السواد ؛ والدعج : شدة سواد العين ، يقال رجل أدعج ، وامرأة دعجاء وعين دعجاء ، وليل ادعج - اي اسود . وأما قوله كأنه وحرة ، فأراد - والله أعلم - كأنه وزغة. قال الخليل : والوحرة : وزغة تكون في الصحارى، قال والمرأة وحرة سوداء ذميمة . وفي هذا الحديث ايضا دليل على ان المرأة كانت حبلى، وفيه ضروب من الفقه ظاهرة، أبينها ان القاذف 37 لزوجته يجلد - إن لم يلاعن ، وعلى هذا جماعة أهل العلم ؛ إلا ما قدمنا ذكره عن أبي حنيفة في هذا الباب ، وشيء روي على الشعبي ، والحرث العكلي ؛ قالوا الملاعن - إذا كذب نفسه - لم يضرب، وهذا قول لا وجه له؛ والقرآن والسنة يردانه ويقضيان أن كل من يقذف امرأته ولم يخرج مما قاله بشهود اربعة - ان كان أجنبيا ، او بلعان (١) إن كان زوجا - جلد الحد؛ ولا يصح - عندي - عن الشعبي ، وكذلك لا يصح - ان شاء الله - عن غيره . وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا مطرف، عن عامر - يعنى الشعبي ، قال : إذا أكذب نفسه ، جلد الحد ، وردت اليه امرأته (٪) . وحجاج، عن ابن جريج ، عن ابن شهاب - مثله . وهشيم، عن جرير، عن الضحاك - مثله. قال حماد بن سليمان: يكون خاطبا من الخطاب - إذا جلد ، وهو قول أبي حنيفة 1) او بامان : ص وبلمان: ظـ 2) انظر مصنف ابن أبى شيبة 802/4 38 وأصحابه ؛ وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في هذه المسألة في باب ابن شهاب ، عن سهل بن سعد - من هذا الكتاب (1) ؛ وللناس فيها ثلاثة أقاويل ، أحدهما أنه إذا أكذب نفسه جلد، وردت إليه امرأته - دون نكاح (2) على عصمته . والثاني أن يكون بعد الجلد خاطبا كما ذكرنا . والثالث : انهما لا يجتمعان أبدا (8). وأما قول من قال: إنه لا يجلد - فلا يعرج عليه، ولا يشتغل به ، وهو وهم وخطأ ؛ (وقد (4) مضى القول في هذا والحجة في باب ابن شهاب عن سهل بن سعد من هذا الكتاب . فلا وجه لامادته مهنا ) . ومما يوضح أيضاً التلاعن على الحمل البين . ما أخبرناه عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى - أبو الاصبغ ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن اسحاق ، قال حدثني عباس بن 1) انظر ج 200/6 2) فى ظـ: نكاح امرأته - بزيادة (امراته) 3) في ظ : أبداً وإن جلد بزيادة (وان جلد) 4) من هنا (وقد مضى .. - إلى قوله ولا غهرهما ولا نفقة) . وهو نحو خمس صفحات ونصف - من هذا المطبوع - وساقط في ص، أثبتناه من نسخة ظـ 89 سهل، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعاصم ابن عدى : أمسك المرأة عندك حتى تلد (1). ومثله أيضا حديث ابن وهب ، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سهل ابن سعد ، قال فيه : ثم خرجت حاملا فكان الولد إلى أمه (2). وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا محمد بن الهيثم أبو الاحوص ، حدثنا محمد بن عائذ الدمشقي ، قال حدثنا الهيثم بن حميد ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من بني زريق قذف امرأته ، فأتى النبي - عليه السلام - فردد ذلك أربع مرات على النبي - عليه السلام - فنزلت آية الملاعنة، فقال النبي - عليه السلام - قد نزل من الله أمر عظيم، فأبى الرجل إلا أن يلاعنها ؛ فرأيت المرأة تدرأ عن نفسها العذاب، فتلاعنا؛ فقال النبي - عليه السلام- إما أن تجيء به أصيفر أحيمش ، مسلول العظام ، فهو للمتلاعن ؛ وإما أن تجيء به أسود كالجمل الاورق ، فهو لغيره ؛ فجاءت به أسود كالجمل الاورق، فدعا به رسول الله - صلى الله عليه 1) انظر سنن أبى داود 321/1 . 2) المصدر نفسه . 40