Indexed OCR Text

Pages 381-400

قال أبو عمر اختلفت الآثار فى ثمن المجن: فروى ابن عمر
ما وصفنا، وروى ابن عباس ما ذكرنا، وكذلك روى عمرو بن
شعيب، عن أبيه عن جده ؛ وقد روي أن ثمنه كان دينارا أو
عشره دراهم هكذا . وروى أن ثمنه كان ثلاثة دراهم أو خمسة
دراهم ، رواه سعيد، عن قتادة، من انس مرفوعا ؛ وخالف شعبة
سعيدا فرواه عن قتادة ، قال سمعت انسا يقول سرق رجل مجنا
على عهد أبي بكر فقوم خمسة دراهم فقطع ، وهذا عند أهل
الحديث أولى من حديث سعيد؛ وليس في شيء من هذه الاسانيد
التي وردت بذكر المجن أصح من اسناد حديث (أ) ابن عمر
عند أهل العلم بالنقل . وكان ابن شبرمة ، وابن أبي ليلي.
يقولان تقطع اليد في خمسة دراهم فصاعدا ، ذهبا إلى حديث
برويه الثوري من عيسى بن أبي عزة ، عن الشعبي ، عن عبد
الله بن مسعود، ان النبي صلى الله عليه وسلم قطع في قيمة
خمسة دراهم ؛ والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، وهذا الحديث
عندهم ضعيف ؛ وقد اختلف في حديث أنس كما ذكرنا، وإنما
مال الشافعي - رحمه الله في التقويم الى حديث الربع دينار، لانه
حديث مدني صحيح ، رواه جماعة الائمة بالمدينة ، وترك حديث
ابن عمر، لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن
الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر يقول
ثلاثة دراهم ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو - يقولان عشرة
دراهم . وغيرهم (ب) يقول ما وصفنا، وحديث عائشة في الربع
١) اسناد حديث : ظـ ، حديث اسناد، ا.
) وغيرهم : ا، وغيرها: ظ .
281

دينار حديث صحيح ثابت ، لم يختلف فيه عن عائشة ، إلا أن
بعضهم وقفه، ورفعه من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته؛ حدثنا
سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا سليمان بن داود،
قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب ، من عمرة، من
عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بقطع في ربع
دينار فصاعدا. وكذلك رواه معمر، وابن عيينة، ويونس بن (أ)
يزيد، (1) وابن مسافر ، وسائر أصحاب ابن شهاب متصلا مرفوعا،
وحسبك بابن شهاب ؛ وقد ذكرنا الآثار عنه وعن غيره في ذلك
عند ذكر (ب)، يحيى بن سعيد، عن عمرة من كتابنا هذا -
والحمد لله .
والقطع في السرقة من مفصل الكوع، نقطع بده اليمنى في
أول سرقته، وتحسم بالنار إن خشي عليه التلف ؛ ثم إن ماد
فسرق قطعت رجله اليسرى من المفصل تحت الكعبين ؛ ثم ان
عاد فسرق، قطعت رجله اليسرى من المفصل تحت الكعبين؛ ثم
ان عاد فسرق قطعت بده اليسرى، ثم ان عاد ضرب عشرة
أ) يزيد: ظ ، زيد: ١ - وهو تحريف،
ب) حديث : ظ ـ ا.
1) أبو يزيد يونس بن يزيد الايلي، وثقه غير واحد، وقال احمد بن
صالح : نحن لا نقدم أحداً على يونس في الزهري . (ت 159 ه ! .
انظر الخلاصة ص 441 - 443.
882

أسواط أو اقل على قدر ما يراه الحاكم اجتهادا لذنبه ، وردها
للسارق، ثم حبسه؛ وعلى هذا الترتيب في قطع اليد، ثم الرجل، ثم
اليد، ثم الرجل، على ما وصفنا- مذهب جماعة فقهاء الأمصار، أهل
الفقه والاثر، وهو عمل الصحابة والتابعين بالمدينة وغيرها؛ وشذ
قوم عن الجمعور فلم يروا قطع رجل السارق، ولم نعده (أ) خلافا
فتركناهم ؛ روى ذلك من ربيعة، وبه قال أصحاب داود ؛ وأجمع
الفقهاء على أن السرقة إذا وجدها صاحبها بعينها بيد السارق قبل
أن يقطع، أو بعد ذلك كله اخذها، وأنها ماله لا بزبل ملكها
عنه قطع بد السارق ؛ واختلفوا في وجوب الغرم على السارق
اذا قطع وفات السرقة عنده ؛ فقال الثورى وسائر الكوفيين اذا
قطع السارق فلا غرم عليه - وهو قول الطبري، وحجة من ذهب
هذا المذهب ، حديث المسور بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف، عن عبد الرحمان بن عوف؛ وبعضهم برويه من المسور
عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا
أقيم على السارق الحد، فلا غرم عليه.
قال أبو عمر هذا حديث ليس بالقوى، ولا تقوم به حجة؛
وقد قال الطبري القياس أن عليه غرم ما استهلك، ولكن تركنا
ذلك اتباعا للاثر في ذلك .. يعني الحديث الذى ذكرنا من عبد
الرحمن بن عوف .
أ) ولم تعده: اء ام يعدوه: ﴿.
288

قال أبو عمر ترك القياس لضعف الاثر غير جائز، لان
الضعف لا يوجب حكما؛ وقال مالك واصحابه إن كان موسرا
هرم ، وان كان معسرا لم يتبع به دينا، ولم يكن عليه شيء.
ويروى مثل ذلك عن الزهري. وقال الشافعي وأصحابه، وأحمد
ابن حنبل، واسحاق، وأبو ثور، وداود، وهو قول الحسن ،
وحماد بن أبي سليمان: يغرم السارق قيمة السرقة موسرا كان
او معسراً، وتكون دينا عليه متى أيسر اداه. وقال الشافعي رحمه
الله - اغرم السارق ما سرق، قطع أو لم يقطع؛ وكذلك اذا قطع
الطريق، قال الحمد لله عز وجل، فلا يسقط حد الله (أ) فرم
ما اقلف للعباد .
أ) عز وجل: أ - ظ .
88

حديث رابع واربعون النافع عن
ابن عمر
مالك ، من نافع، عن عبيد الله بن عمر، أن اليهود جاءت (أ)
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أن رجلا منهم
وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما
تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا نفضحهم وبجلدون .
فقال عبد الله بن سلام كذبتم، إن فيها (ب) الرجم. فأتوا بالتوراة
فنشروها، فوضع (ج) أحدهم بده على آية الرجم. ثم قرأ (د) ما
قبلها وما بعدها ؛ فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده،
فإذا فيها آية الرجم ؛ فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرجم (٥).
فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله
ابن عمر فرأيت الرجل بحني على المرأة بقيها الحجارة .
أ) جات : ٠١ جاوا: ظـ
ب) فيها الرجم : !. وهو الذي فى التجريد، فيها آية الرجم - بزيادة
(آية) : ظ - وهو الذي في نسخ الموطأ المطبوعة.
ح) فوضع: أ. فجعل : ظـ
٥) ثم قرأ: أ. وجعل يقرأ، ظ .
٥) (فقالوا .. آية الرجم): أ . ظ
885
م٢٥ - ج ١٤

قال أبو عمر هكذا قال يحيى عند أكثر شيوخنا بحنى على
المرأة، وكذلك قال القعنبي ، وابن بكير - بالحاء ؛ وقد قيل من
كل واحد منهما يجني - بالجيم وقال أيوب عن نافع يجافي (أ)
منها بيده. وقال معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر
يجافي بيده. والصواب فيه عند أهل اللغة بجنا عن المرأة بالهمز،
أي يميل عليها، يقال: منه جناً بجناً جنئاً وجنوءاً إذا مال،
والاجنأ : المنحنى، ويجنا ويتجنى بمعنى واحد.
وفي هذا الحديث من الفقه سؤال أهل الكتاب عن
كتابهم ، وفى ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بايديهم ، ولولا
ذلك ما سألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم (عنها) (ب) ولادها
بها ؛ وفيما ذكرنا دليل على أن الكتاب الذين كانوا يكتبونه
بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله؛ هي كتب أحبارهم
وفقهائهم ورهبانهم، كانوا يصنعون لهم كتباً من آرائهم وأهوائهم،
ويضيفونها الى الله عز وجل؛ ولهذا وشبهه من إشكال أمرهم،
نهينا من التصديق بما حدثونا (ج) به، ومن التكذيب بشيء
أ) يجافى : ظ ٠ يبابى: أ.
ب) منها: هـ ـا.
ج) حدثونا، هـ، حدثوا: ا.
1) الموطأ رواية يحيى ص 489 - حديث (149، والحديث أخرجه
البخاري ومسلم في صحيحيهما .
أنظر الزرقاني على الموطأ /186 - 137.

من ذلك، أملا نصدق بباطل، أو نكذب بحق - وهم قد خلطوا
الحق بالباطل ؛ ومن صح عنده شيء من التوراة بنقل مثل ابن
سلام وغيره من أحبار اليهود الذين أسلموا، جاز له ان يقرأه
ويعمل بما فيه إن لم يكن مخالفا لما فى شريعتنا من كتابنا .
وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ألا ترى الى قول عمر بن
الخطاب حين قال لكعب إن كنت تعلم أنها التوراة التى أنزلها
الله على موسى بن عمران بطور سيناء، فاقرأها آناء الليل وأناء
النهار ؛ وقد أفردنا لهذا المعنى بابا فى كراهية مطالعة كتب
أهل الكتاب، (ذكرناه في آخر) (أ) كتاب (1) العلم بشفي الناظر
فيه إن شاء الله.
وفى هذا الحديث أيضا دليل على أنهم كانوا يكذبون
على توراتهم، ويضيفون كذبهم ذلك الى ربهم وكتابهم ، لانهم
قالوا إنهم يجدون في التوراة أن الزناة بفضحون وبجلدون ،
محصنين كانوا بالنكاح أو غير محصنين، وفي التوراة غير ذلك
من رجم الزناة المحصنين .
وفيه دليل على أن شرائع من قبلنا شرائع لنا ، إلا بما
ورد في القرآن، أو في سنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم-
نسخه وخلافه ؛ وانما بمنعنا من مطالعة التوراة، لان اليهود الذين
بأيديهم التوراة غير مؤتمنين عليها، إنما غيروا وبدلوا منها ؛ ومن
علم منها ما قال ابن عمر لكعب الأحبار، جاز له مطالعتها .
أ) (ذكرناه آخر) : : هـ ـ ا.
1) انظر ج 2 ص 50 - 53.
387

وفيه دليل على ما اليهود عليه من الخبث والمكر والتبديل.
وفيه إثبات الرجم والحكم به على الثيب الزاني، وهو أمر أجمع
أهل الحق - وهم الجماعة أهل الفقه والاثر - عليه ، ولا يخالف
فيه من بعده أهل العلم خلافا ؛ وقد ذكرنا المعنى الذي اختلف
فيه أهل العلم منه في باب ابن شهاب عن عبيد (1) الله، وذلك
الجلد مع الرجم وجمعهما على الثيب، فلا معنى لاعادة شيءٍ من
ذلنك معنا .
وفيه أن أهل الكتاب وسائر أهل الذمة إذا نحاكموا إلينا
ورضوا (أ) بحكم حاكمنا، حكم بينهم بما في شريعتنا - كان
ذلك موافقا لما عندهم أو مخالفا، وأنزلهم في الحكم منزلتنا ؛
وعلى هذا عندنا كان حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم
على اليهوديين، لانبه قد رجم ماعزا وغيره من المسلمين ؛
ومعلوم أنه إنما رجم من رجم من المسلمين بامر الله وحكمه؛
لانه كان لا ينطق عن الهوى،، ولا يتقدم بين بدي الله، وانما
يحكم بما أراه الله ؛ فوافق ذلك ما فى التوراة، وقد (ب) كان
عنده بذلك علم، فلذلك سألهم عنه والله أعلم؛ واختلف أهل العلم في
أهل الذمة إذا ترافعوا إلينا في خصوماتهم وسائر مظالمهم وأحكامهم.
هل علينا أن نحكم بينهم فرضا واجبا؟ أم نحن في ذلك مخيرون؟
فقال جماعةٍ من علماء الحجاز والعراق إن الامام والحاكم مخير:
أ) ورضوا: ا، وارتفعوا ورضوا - بزيادة (وارتفعوا) : ﴿ .
ب) وقد : ا. ه.
1) أنظر ج 9 ص: 77 - 92.
388

!
إن شاء حكم بينهم بحكم الله علينا، إذا تحاكموا البنا، وان
شاء ردهم الى حاكمهم ؛ لقول الله عز وجل («فإن جاءوك فاحكم
بينهم أو أعرض عنهم، وان نعرض منهم فلن يضروك شيئا ،
وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين، (1).
وممن قال ذلك مالك، والشافعي في أحد قوليه، وهو قول
وطاء ، والشعبي، والنخعي، ذكره عبد الرزاق من ابن جريج
من عطاء. وذكره وكيع عن سفيان عن مغيرة، من ابراهيم،
والشعبي ؛ وجملة مذهب مالك فى هذا الباب ، أن ترك الحكم
بين أهل الذمة أحب اليه ، وبردون الى أهل دينهم ؛ وان حكم
بينهم إذا تحاكموا اليه ، حكم بحكم الاسلام ؛ وهو مخبر في
ذلك ، إن شاء نظر، وان شاء لم ينظر، ولا يعرض لهم في تعاملهم
بالربا، (أ) ولا فى فساد بيع؛ ولكن من امتنع منهم من دفع
ثمن أو مثمون في البيع حكم بينهم ، لان هذا من التظالم ؛
قال: والذين حكم بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يكونوا أهل ذمة . وقال يحيى بن عمر إذا رضي الذميان بحكمه
أخبرهم بما يحكم به ؛ فان رضياه حكم ، وان ابى أحدهما ترك؛
وإن كانا أهل ملتين، (ب) حكم بينهما ولو كره ذلك أحدهما، وقاله
أ) بالرباء ظه بالزنا : ا.
ب) حكم بينهما: ظء فليس حكم بينهما: ١.
١) الآية : 42 - سورة المائدة .
389

سحنون ؛ وذكر العنبى فى كتاب السلطان من المستخرجة ،
قال عيسى: قال ابن القاسم إن نحاكم أهل الذمة إلى حكم
المسلمين ورضيا به جميعا، فلا يحكم بينهم الا برضى من
اساقفتهم ، فلن كره ذلك أساقفهم ، فلا يحكم بينهم ؛ وان رضي
أساقفتهم بحكم الاسلام، وابى ذلك الخصمان أو أحدهما، لم بحكم
بينهم المسلمون وقال الشافعي ليس للإمام الخيار في احد من المعاهدين
الذين يجرى عليهم الحكم إذا جاءوه في حد لله، وعليه ان يقيمه ؛
لقول الله «وهم صافرون» (1)، قال المزني هذا اشبه من قوله في
كتاب الحدود لا يحدون اذا جاءوا الينا في حد لله (أ)، وارفعهم (ب)
الى أهل دينهم، قال الشافعي: وما كانوا يديئون به فلا يجوز حكمنا
عليهم بابطاله اذا لم يرتفعوا البنا، ولا يكشفوا مما استحلوا، ما لم يكن
ضررا على مسلمَ، أو معاهد، أو مستأمن غيرهم؛ فان جاءت امرأة
منهم تستعلي بأن زوجها طلقها أو آلى منها، حكمت عليه حكمى
على المسلمين . ذكر عبد الرزاقى ، عن الثوري ، عن قابوس بن
أبي ظبيان، من أبيه ، قال كتب محمد بن أبي بكر الى علي -
يسأله عن مسلم زنا بنصرانية ، فكتب إليه أقم الحد على المسلم ،
ورد النصرانية إلى أهلَ دينُها. قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر، عن
ابن شهاب الزهري؛ وذكره ابن وهب عن يونس، من ابن شهاب
بمعنى واحد؛ قال مضت أن بردوا في حقوقهم ودعاويهم ومعاملاتهم،
١ - ٥) لله،فظ، الله : ١.
ب) واوضهم : ظ، وادنهم، أ.د.
1) الآية ، وفى سور التوهة .
890

وموازينهم الى أهل دينهم ، الا ان يأتوا راغبين في حد، فيحكم
بينهم فيه مكتاب الله ، قال الله عز وجل «فان حكمت فاحكم
بينهم بالقسط . .
قال أبو عمر وقال آخرون واجب عليه أن يحكم بينهم بما
أنزل الله إذا نحاكموا اليه، وزعموا أن قوله «وأن احكم بينهم
بما أنزل الله ولا تتبع اهواهم)». ناسخ للتخيير المذكور في الآية
قبل هذا؛ روى ذلك عن ابن عباس، ومجاهد ، وعكرمة ، وهو
قول الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والسدى ، وأحد قولي
الشافعي ، وقول أبي حنيفة وأصحابه ؛ إلا أن أبا حنيفة
قال اذا جاءت المرأة والزوج، فعليه ان يحكم بينهما بالعدل ،
فان جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم؛ وقال
أبو بوسف، ومحمد، وزفر: بل يحكم؛ وكذلك اختلف
أصحاب مالك على هذين القولين إذا شكا أحد الزوجين الذميين
وأبى صاحبه من التحاكم بينهما؛ والمشهور من مذهب مالك فى
الذميين يشكو أحدهما ويأبى صاحبه من التحاكم عندنا ، أنا لا
نحكم بينهما الا بان يتفقا جميعا على الرضا بحكمنا ؛ فان كان
ظلما ظاهرا، منعوا من ان يظلم بعضهم بعضا؛ وقد قال مالك
وجمهور أصحابه فى الذمي، أو المعاهد، أو المستأمن، يسرق
من مال ذمى ، أنه يقطع ڪما يقطع لو سرق من مال مسلم ؛
لان ذلك من الخيانة، (أ) فلا بقروا عليها، ولا على التلصص.
أ) الخيانة ، هـ، الحرابة: ١.
891

قال أبو عمر الصحيح في النظر - عندى - ألا يحكم بنسخ
شىء من القرآن، إلا ما قام عليه الدليل الذي لا مدفع له ولا
يحتمل التأويل؛ وليس في قوله عز وجل « وأن احكم بينهم
بما أنزل الله»، (1) دليل على أنها ناسخة للآية قبلها، لانها يحتمل
معناها أن يكون: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إن حكمت ،
ولا تتبع أهواءهم ؛ فتكون الآيتان مستعملتين غير متدافعتين ؛
واختلف الفقهاء أيضا فى اليهودبين الذميين إذا زنها هل بحدان
أم لا؟ فقال مالك إذا زنى أهل الذمة ، أو شربوا الخمر، فلا يعرض
لهم الامام ؛ إلا أن يظهروا ذلك فى ديار المسلمين ، ويدخلوا
عليهم الضرر ، فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين؛ قال : (أ)
وانما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين ، لأنه لم
يكن لهم يومئذ ذمة وتحاكموا اليه ؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه
بعدان إذا زنيا عحد المسلم، وهو أحد قولي الشافعي ؛ وقال
في كتاب الحدود إن نحاكموا إلينا ، فلنا أن نحكم أو ندع؛
فان حكمنا، حددنا المحصن بالرجم ، لان النبي صلى الله عليه
وسلم رجم يهوديين زنيا؛ وجلدنا البكر مائة ، وفربناه عاما .
وقال فى كتاب الجزية لا خيار للامام ولا للحاكم إذا جاءوه في
حد اله، وعليه أن يقيمه عليهم، لقول الله عز وجل «حتى يعطوا
جـ
أ) قال: ظ، قال مالك: ا.
1) الآية : 49 - سورة المائدة.
392

الجزية من بد وهم صافرون» (1). والصغار أن يجري عليهم حكم
الاسلام، وهذا القول اختيار (أ) المزنى، واختار غيره من أصحاب
الشافعي القول الأول ؛ وقال الطحاوى حين ذكر قول مالك إنما
رجم رسول الله صلى اله عليه وسلم اليهوديين ، لانهم لم نكن
لهم ذمة وتحاكموا اليه ؛ قال : (ب) ولو لم يكن واجباً عليهم ،
لما أقامه النبى عليه السلام ؛ قال : وإذا كان من لا ذمة له قد
حده النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا، فمن له ذمة أحرى
بذلك ؛ قال وام يختلفوا أن الذمي يقطع في السرقة .
قال أبو عمر إذا سرق الذمي من ذمي ولم يترافعوا الينا،
فلا يعرض لهم عندنا ؛ وان ترافعوا الیناء حكمنا بحكم الله فیھم)، (ج)
لان هذا من تظالمهم الذي يجب علينا المنع منه إذا رفع الينا ؛
وإذا سرق ذمي من مسلم، كان الحكم حينئذ الينا ، فوجب
القطع ؛ والحديث المشهور يدل على أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم إنما رجم اليهوديين ، لانهم تحاكموا اليه ؛ وقد ذكرنا
اختلاف الفقهاء فى حد الاحصان الموجب للرجم فى كتابنا هذا
عند ذكر حديث ابن شهاب عن عبيد الله، (د) فلا وجه لامادته
أ) اختيار: ظه أختار: ا.
ب) ولو، ظـ، ولد ١١.
٤) فيهم: ا، بينهم ، ظـ.
د) عبيد الله : !. عبيد الله بن عبد الله : ظ .
1) مرت الاشارة إلى الآية .
398

معنا ، وكلهم يشترط في الاحصان الموجب للرجم الاسلام . هذا
من شروطه عند جميعهم ؛ ومن رأى رجم أهل الذمة منهم إذا
احصنوا ، انما رآه من أجل أنهم (اذا) (أ) تحاكموا الينا. لزمنا
أن نحكم بينهم بحكم الله فينا؛ وكذلك فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم باليهودبين المذكورين فى هذا الحديث حين
تحاكموا اليه . وقالت طائفة ممن يرى أن قول الله عز وجل:
« وأن احكم بينهم بما أنزل اله» ناسخ المآبة قبلها: معنى قوله
«فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، الآبة. قالوا على
الامام إذا علم من أهل الذمة حداً من حدود الله ، أن بقيمه
عليهم وان لم يتحاكموا اليه ؛ لأن الله عز وجل يقول: (( وأن
احكم بينهم بما أنزل الله ))، ولم يقل ان تحاكموا اليك ، قالوا
والسنة تبين ذلك؛ واحتجوا بحديث البراء فى ذلك، وهو ما
حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المومن ، قال حدثنا محمد بن
بكر ، قال حدثنا أبو داود؛ وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ،
قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قالا (ب)
حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب ؛ وأخبرنا محمد بن عبد الملك ،
قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، قال حدثنا الحسن بن محمد
ابن الصباح الزعفرانى ، قالا جميعاً حدثنا أبو معاوية ، قال حدثنا
الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء، قال مر على رسول
أ) إذا : ظـ -أ.
ب) قالا: ظ، قال: ١ - وهو تحريف.
394

الله صلى الله عليه وسلم بيهودى محمم ·جلود، فدعاهم فقال
هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا نعم ؛ فدما رجلا
من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى،
أهكذا (أ) تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال اللهم لا؛ ولولا
انك ناشدقني بهذا لم أخبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم؛
ولكنه كثر (ب) في أشرافناً، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف
تركناه، واذا اخذنا الضعيف اقمنا عليه الحد ؛ فقلنا تعالوا نجتمع
على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم
والجلد ، وتركنا الرجم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم إني أول من أحيا امرك إذا أمانوه (ج)، فأمر به فرجمٍ؛
وأنزل الله تعالى «بأبها الرسول لا بحزنك الذين يسارعون في
الكفر - إلى قوله ان اوتيتم هذا فخذوه، وان لم توتوه فاحذروا)). (1)
يقول اكتوا محمداً ، فان أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وان
افتاكم بالرجم فاحذروا- إلى قوله «ومن لم يحكم بما أنزل الله
فاولئك هم الكفرون- (2) في اليهود، الى قوله «ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، (8) في اليهود إلى قوله (٥)
أ) أهكذا: ظ، هكذا: ا.
ب) عثر: ظ كثيرا: ١.
ح) إذ اماتوه: ظ، إذا تركوه : !.
د) قوله : ١ - ط .
٠
الآية : ٥١ - سورة المائدة .
(1
انآية : 46 - من نفس السورة .
(2
8) الآية : 45 - نفس الدورة .
٠
395

((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (1). قال هي
فى الكفار كلها؛ (2) - يعنى - الآية، واللغط لمحمد بن العلاء،
والمعلى واحد متقارب ؛ قالوا ففى هذا الحديث أنه حكم بينهم
ولم يتحاكموا اليه .
قال أبو عمر لو قدبر من احتج بهذا الحديث ما احتج به
منه لم يحتج به ، لانه (أ) فى درج الحديث تفسير قوله عز
وجل «إن أوقیتم هذا فخذوه، وان لم توتوہ فاحذروا، - بقول ان
افتاعم بالتحميم والجلد فخذوه، وان افتاعم بالرجم فاحذروا ؛
وذلك دليل مى أنهم حكموه، لا أنه قصرهم على ذلك الحكم؛
وذلك بين ايضا فى حديث ابن عمر وغيره. فان قال قائل إن
حديث ابن عمر من حديث مالك وغيره. ليس فيه ان الزانيين
حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه ؛ قيل
له حد الزانى حق من حقوق الله ، على الحاكم اقامته؛ ومعلوم
أن اليهود كان لهم حاكم بحكم بينهم ويقيم حدودهم عليهم ،
وهو الذى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله أعلم؛ ألا
قرى إلى ما في حديث ابن عمر أن اليهود جاؤا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالوا إن رجلا منهم وامراة زنها، ثم
أ) لان : ظ. لانه : !.
1) الآية : 47 - نفس السورة .
(2) انظر سنن أبي داود 404/2.
396

حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك؛ فإذا كان
من اليه اقامة الحد هو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فلا وجه للاعتبار بحكم الزانيين فيما ليس لهما ولا لاحدهما؛
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود ، قال حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال حدثني
ابن وهب ، قال حدثني هشام بن سعد ، أن زيد بن أسلم حدثه
عن ابن عمر، قال اتى نفر من يهود فدعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم (1) فأناهم في بيت المدراس؛ (أ) فقالوا يا أبا القاسم،
إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله صلى الله
عليه وسلم وسادة فجلس عليها، ثم قال ائتوني بالتوراة ، فأنوه
بها فنزع الوسادة من نحته ووضع التوراة عليها؛ ثم قال آمنت
بك وبمن انزلك، ثم ذكر قصة الرجم (2) نحواً من حديث
مالك ، من نافع ، عن ابن عمر .
ففى هذا الحديث أن اليهود دعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وحكموه في الزانيين منهم ، وكذلك حديث مالك عن
نافع، عن ابن عمر - بنحو ذلك (ب)؛ وحديث ابن شهاب ايضا في
ذلك بدل على ما وصفنا؛ قرأت على عبد الوارث بن سفيان،
أ) المدراس : ظ، المدارس: ١.
ب) بنحو: ا، نحو : ظ .
1) في سنن أبي داود زيادة، الى القف، - هو اسم واد بالمدينة.
2) أنظر السنن 465/2 .
397
،

ان قاسم بن أصبغٍ حدثهم، قال حدثنا مطلب بن شعيب، قال
حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني عقيل،
عن ابن شهاب، قال أخبرني رجل من مزينة ممن يتبع العلم
ويعيه، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال بينا نحن عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه اليهود - وكانوا قد شاوروا
في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن ؛ فقال بعضهم لبعض : إن هذا
النبي قد بعث وقد علمتم أنه قد فرض عليكم الرجم ، فذكر
حديثا فيه : فقال لهم - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم
يا معشر اليهود، انشدعم بالله (أ) الذي انزل التوراة على موسى
ابن عمران، ما تجدون فى التوراة من العقوبة على من زفى وقد أحصن؟
قالوا نجد بحمم ويجلد - وسكت حبرهم وهو في جانب البيت ،
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صمته، ألظ به (1) ينشده؛
فقال حبرهم أما الذ فشدقنا، فإنا نجد عليه الرجم - فذكر حديثا
فيه : فإني اقضي بما في التوراة ، فانزل الله «بابها الرسول لا
بحزنك الذين يسارعون في الكفر - إلى قوله ومن لم يحكم بما
أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم من النبيئين الذين أسلموا، فحكموا بما في التوراة
أ) بالله الذي : أ، بالذي : ظ .
1) أنظ بالشيء : لازمه ولم يفارقه.
898

على الذين هادوا؛ وهكذا رواه معمر، عن الزهري، قال حدثني (أ)
رجل من مزينة ونحن جلوس عند سعيد بن المسيب، عن ابي
هريرة - فذكر الحديث ذكره عبد الرزاقى في التفسير، وفي
المصنف (ب)؛ واخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن
بكر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن صالح ، قال
حدثنا عنبسة ، قال حدثنا يونس ، قال قال محمد بن مسلم :
سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه - ونحن عند ابن
المسيب- بحدث عن أبي هريرة قال اتى رجل من اليهود وامرأة،
فقال بعضهم لبعض الذهبوا بنا الى هذا النبي ، فانه نبي بعث
بالتخفيف ؛ فان افتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند
الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك؛ قال: فأتوا النبي صلى الله عليه
وسلم وهو جالس في المسجد فى أصحابه ، فقالوا يا أبا القاسم،
ما نرى في رجل منهم وامرأة (ج) زنيا؟ فلم بكلمهم بكلمة (د)
حتى أتى بيت مدراسهم (ه)، فقام على الباب فقال انشدعم
بالله الذي انزل التوراة على موسى؛ ما تجدون في التوراة على
من زنى - اذا أحصن؟ قالوا يحمم ويجبه ويجلد (و). والتجبيه ان
يحمل الزانيان على حمار ويقابل أفقيتهما ويطاف بهما ، قال
١) حدثنى : ٠١ حدثنا: ﴿
ب) المصنف : ا. المسند: ظ .
ج) منهم وامراة: ١، وامرأة منهم، ثـ.
د) بكلمه : ٠١ حلية : ظ.
أنى بيت مدراسهم: ظ، أييت مدارسهم: أ.
٥)
و) ويجلد، والتجبيه: أ، ويجلدون ، التجبيه, ظ
399

وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم . ألظ
به ينشده (أ)؛ فقال: اللهم اذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة
الرجم ؛ فقال (ب) النبي صلى الله عليه وسلم فبم ارتخصتم أمر
الله؟ قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم؛
ثم زنى رجل (ج) في أسرة من الناس. فأراد رجمه ، فحال قومه
دونه وقالو لا يرجم صاحبنا حتى نجىء بصاحبك فترجمه؛ فاصطلحوا
على هذه العقوبة بينهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإني
أحكم بما في التوراة ، فأمر بهما فرجما (1)
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ
حدثهم، قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، قال حدثنا أحمد
ابن محمد بن أيوب ، قال حدثنا إبراهيم بن سعد ؛ وأخبرنا عبد
الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بكر. قال أخبرنا أبو داود،
قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الاصبغ الحراني ، قال
حدثني (ه) محمد بن سلمة جميعا، عن محمد بن اسحاق ، عن
الزهري ، قال سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب ،
أ) ينشده : ٠١ النشدة :
ب) فقال : ا، قال : ظـ
٤) رجل : ا، رجل آخر : ـ
د) فقال: ٠١ قال : ﴿ .
٥) حدثني: ا. حدثنا، ظ
1) انظر سنن أبي داود 2/ 465 .
400