Indexed OCR Text
Pages 1-20
تمهيد التـ لما في الموطأ من المغَانِي وَالأسانيد تأليف: الأمام المحافظ: أبي عمر يوسف بن عبد الله ابن محمد بن عبد البر النمري الأند لسي المولود 366 والمتوفى 463 رحمه الله الجزء الاول حققه وعلق حواشيه وصححه الأستاذ محمد عبد الكبير البكرى الأستاذ مصطفى بن أحمد العلوى مدير دار الحديث الحسنية ملحق بوزارة الشؤون الاسلامية و 1367 هـ . 1967 م. 1 1 تَقْدِيم لته الذى مهد لنا سبل العمل المفيد ، لاتحاف العالم الاسلامى بطبع ((كتاب التمهيد، لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد))، والصلاة والسلام على القائل ليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مبلغ أوعى له من سامع ، وعلى آله وأصحابه وكل من لهم بالاحسان تابع . أما بعد ، فاليك يا أمير المؤمنين ، وحامى حمى الوطن والدين ، ورافع راية العلم بين المسلمين ، أقدم ثمار غرسك الوارف الظلال ، ليجتنيها طلاب المعرفة أجيالا بعد أجيال . فهذا يا مولاى كتاب التمهيد ، وبروزه اليوم العالم الاسلامى فتح جديد ، لأنه ذخيرة عظمى فى علم الحديث وفقهه ورجاله . وقد ادخره اللّه تعالى لجلالة الحسن الثانى ليكون طبعه فى زمانه من أجل أعماله . ومنذ عهدتم الى يا مولاى ببعث التراث الاسلامى المجيد ، وقسم الشؤون الاسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مجند للبحث والتنقيب ، لتلبية رغبة جلالتكم ، فقد اشخصت عالماً لمكتبة اسطنبول بتركيا استطاع أن يصور تسعة أجزاء من نسخة مكتوبة بخط مغربى ، وكلفت الأستلاين - -. - ب - مولاى المصطفى بن احمد العلوى والسيد محمد عبد الكبير البكرى بالسهر على انجاز الجزء الأول، ويسرت لهما اسباب العمل والاتصال بالخزانة الملكية العامرة ، والمكتبة العامة بالرباط ، كما اننا توصلنا كذلك من سعادة سفيرنا السابق بالعراق ، الاستاذ السيد عبد الهادى النازى بشريط هام جلبه لنا من العراق ، سيفيدنا كثيراً فيما نحن بصدده ، واننا اذ نجزل له الشكر، نثنى أحر الثناء، على الجهود التى بذلها الأستاذ مولاى المصطفى العلوى ورفيقه السيد محمد عبد الكبير البكرى ، وعلى ما قامت به المطبعة الملكية من جهود ، ونرجو أن نتمكن من طبع سائر الأجزاء حتى يتم الكتاب فى مدة قريبة بحول الله . مولاى، اننى اذ اتقدم إلى سدتكم العالية بالله، بالجزء الأول من كتاب («التمهيد)»، أشهد اللّه عز وجل أن هذا الكتاب وغيره سيثنى عليك. فقد ارضیت الله فی کتابه ، وارضیت رسوله فى سنته ، وها انت يا مولاى بما خصك اللّه به من تبحر فى العلوم ، وقوة فى الايمان ، يحلى عقد ذكرك جيد الزمان ، وتصل حاضرك بماضى والدك ، مفخرة ملوك الاسلام ، وبطل التاريخ ومعجزة الدهر ، جلالة مولانا محمد الخامس رضى الله عنه وأرضاه ، وجعل جنة الفردوس مثواه . مولاى ، أعز الله هذا الدين بعزك وأمجادك ، وأقر عينك بسمو ولى عهدك وسادتنا الأمراء أولادك . احمد بر كاش ٠٠ ٦ تصدير الحمد لله الذی رفع منار العلم بین الأنام ، وجعله سبباً الی نیل رضاه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه،ومن اهتدى بهديه واسترشد بسنته الى يوم الدين، وسلم تسلياً كثيرا . وبعد، فمن منن الله علينا وسابغ نعمه ان مهد لنا السبيل لخدمة السنة المطهرة، باعداد كتاب من أجل كتب فقه السنة، طالما تطلعت اليه النفوس، واشرأبت الأعناق، فى ارجاء العالم الاسلامى، ذاك هو كتاب ((التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد )» تأليف الإمام الحافظ الحجة أبى عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى القرطبى، رحمه الله ورضى عنه . وهو كتاب فريد فى بابه ، موسوعة شاملة فى الفقه والحديث ، ونموذج فذ فى أسلوبه ومنهجه ، رتبه المؤلف بطريقة الاسناد ، على أسماء شيوخ الامام مالك ، الذين روى عنهم ما فى الموطأ من الأحاديث ، وذكر ما له عن كل شيخ، مرتبا على حروف المعجم ، فبدأ بمن اسمه ابراهيم ، ثم اسماعيل، واسحاق ، ثم أيوب الخ ، وختم بمن اسمه يحيى ، ويونس ، ويعقوب ، وأخيراً بالكنى ثم البلاغات . وقد اقتصر فيه على ما ورد عن الرسول عليه السلام من الحديث ، متصلا ، أو منقطعا ، أو موقوفاً ، أو مرسلا ، دون ما فى الموطأ من الآراء والآثار، لأن هاته أفردها بكتاب آخر سماه «الاستذكار ، لمذاهب علماء 1 - ٥ - الأمصار، فيما نظمه الموطأ من معانى الرأى والآثار))، وقد قضى فى تأليف کتاب التمهید أکثر من ثلاثين سنة ، کما يفيده قوله : وصاقل ذهنى والمفرج عن همى سمير فؤادى من ثلاثين حجة بسطت لهم فيه كلام نبيهم لما فى معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآداب ما يهتدى به الى البر والتقوى ، وينقي عن الظلم وهذا لعمر الحق وصف كاشف لكتاب التمهيد ، مبين لا يحتاج الى مزيد . وقد وصفه الامام الحافظ أبو محمد ابن حزم فقال : انه كتاب لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله أصلا ، فكيف أحسن منه . وقد مضى على تأليفه ما يقرب من ألف عام ، ورغم كثرة المتحدثين عنه والمقتبسين منه فى كتب الفقه ، لاسيما فقهاء المالكية ، فانه لا تكاد توجد منه نسخة كاملة فى اية مكتبة حسبما نعلم ، وانما هى أجزاء متفرقة هنا وهناك . (« وعند ما صح العزم على اخراج الكتاب طبقاً لتعليمات جلالة الملك أيده الله ، استوردت الوزارة مصوراً على أشرطة لتسعة أجزاء من نسخة موجودة بمكتبة اسطنبول بتركيا ينقصها جزآن ، وهى نسخة مكتوبة بخط مغربى واضح)) . 1) فالأول منها يبتدىء بالمقدمة التى أولها بعد البسملة والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم: قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى الحافظ رضى الله عنه: الحمد لله الأول والآخر الخ . 2) والثانى يبتدىء بالحديث السابع لجعفر بن محمد بن على ابن حسين . - -- هــ 3) وجزء آخر يبتدىء بالحديث السابع لأبى النضر سالم مولى عمر ابن عبيد الله. 4) وجزء آخر يبتدىء بالحديث الخامس والعشرين لعبد الله ابن دينار". وآخر يبتدىء بالحديث الرابع لعبد الله بن يزيد . (5 6) وآخر يبتدىء بالحديث الثالث لمحمد ابن شهاب الزهرى . وآخر يبتدى بالحديث الثانى لمحمد بن المنكدر عن أميمة . (7 8) وآخر يبتدىء بالحديث الخامس والاربعين لنافع عن ابن عمر. 9) وأما الأخير فيبتدىء بالحديث الثانى والعشرين ليحيى بن سعيد الأنصارى وينتهى بقوله رحمه الله قد أتينا على ما قصدنا والحمد لله . وقد اتخذنا هاته النسخة أساساً لاخراج الکتاب واعداده للطبع، رغم أنها غير كاملة، اعتماداً على ظن قوى فى ان ما بها من نقص يوجد فى الأجزاء المتفرقة الموجودة بالمكتبة العامة بالرباط والمكتبة الملكية العامرة . وقد بحثنا فى المكتبتين فوجدنا بهما الأجزاء التالية . الأول يحمل رقم (جـ 13) ويبتدىء بالمقدمة تليها ترجمة الامام مالك وينتهى بالحديث الرابع لحميد بن قيس الأعرج المكى . وثان يحمل رقم (جـ 13) أيضاً ويبتدىء بالحديث السادس والثلاثين لزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب . وثالث يحمل رقم (ق 59) ويبتدىء بالحديث الثالث والستين لمحمد ابن شهاب الزهرى . ورابع يحمل رقم (ق 144) ويبتدىء بأحاديث محمد بن يحيى بن حبان الأنصارى . - ر - وخامس يحمل رقم (ق 61) ويبتدىء بالحديث الثامن والعشرين ليحيى ابن سعيد الأنصارى وينتهى بآخر البلاغات فهو الأخير . وسادس يحمل رقم (ق 14) يبتدىء بحديث يونس بن حماس وهو الآخر أيضاً . ويوجد بالخزانة الملكية العامرة سفر ضخم مسجل تحت عدد (927) يبتدىء من الحديث السادس للعلاء بن عبد الرحمان وينتهى بالحديث الثانى والخمسين من أحاديث هشام بن عروة . وعند فحص هاته الأجزاء وترتيبها وجد أنها تكاد تكون نسخة فيها بتر بين الأول والثانى ، وفيما قبل الأخير . ولدينا شريط هام يبتدىء من الأول مصور من احدى مكتبات العراق اهداء للوزارة صديقنا الاستاذ السيد عبد الهادى التازى السفير السابق بالعراق جزاه الله خيرا . كما توجد بخزانة جامعة القرويين العامرة بفاس مجموعة أوراق من التمهيد غير مرتبة يمكن الاستفادة منها عند الحاجة . تلك هى المخطوطات التى نعتمد عليها فى تحقيق الكتاب وضبطه واخراجه للطباعة،والأمل قوى فى أن نجد فى المستقبل ما يفيد فى هذا الميدان، ويتمم ما عساه يكون من نقص فيما بين أيدينا، بفضل الله وحسن عونه وتوفيقه . منهج التحقيق سلكنا فى تحقيق الكتاب واعداده طريقاً وسطا ، فلم نكثر من التعاليق والشروح ، لأن المؤلف رحمه اللّه قام بهذا الواجب أحسن قيام ، فشرح : -- -. - ز - المفردات الصعبة ، وساق لها ما يكفى من الشواهد ، وبسط القول فى كل ما من شأنه أن يشكل على القارىء، باسلوب سهل رصين فى متناول الجميع . اما تراجم الرجال فقد اختصرنا الكلام فيها، مقتصرين على ذكر ما يفيد فنياً فى ميدان الجرح والتعديل ، كالثقة ، والامانة ، والصدق ، وقوة الحفظ ، أو اختلاله ، لعلة الكبر أو غيرها ، وأحياناً نذكر بعض شيوخ أو تلاميذ المترجم له ، وطبقته ، ووفاته ، كلما أمكن ذلك،لأنه يعين على معرفة الاسناد واتصاله أو انقطاعه ، وقد نتعرض لضبط الاسماء بالكلمات كلما كان ذلك ضرورياً أو مفيداً ، وقد سلكنا التراجم فى أرقام متسلسلة لكل جزء من الكتاب ، تجنباً للَّبس والتشويش . اما تصحيح الأخطاء التى نعثر عليها فى المخطوطات فذاك ما كان محط العناية الكاملة ، ومبعث المصاعب الجمة ، فليس بين أيدينا مراجع عدا نسختین قد تتفقان فى وجود تحریف ، أو تصحیف ، أو نقص ، وليس ثمة من كتب على التمهيد شرحاً أو تعليقاً، فهو لا يزال سراً من أسرار المخطوطات النادرة الوجود ، وكثيراً ما قضينا من جراء ذلك الأيام والأسابيع فى البحث عن مصادر لتحقيق جملة أو اصلاح خطأ ، وعندما يضيق بنا مجال البحث نعتمد فى الأخير على الفهم ، ونتحرى جهد المستطاع ، مستلهمين توفيق الله وهدیه سبحانه . اما الفروق فقد اثبتناها أسفل الصفحات مفصولا بينها وبين المتن بخط ، وكذلك بينها وبين التراجم ، ونشير اليها بالأحرف الأبجدية ونرمز الى النسخة المصورة من تركيا بحرف الألف (١) والى النسخة الاخرى بحرف الباء (ب) والى وجود الكلمة فى احداهما بالنقطتين العموديتين التفسيريتين هكذا: وبالخط الافقى علامة النقص الى عدم وجود الكلمة فى احداهما هكذا (-). - ح - فمثلا يوجد فى نسخة حدثنا وفى أخرى أخبرنا فنضع ذلك هكذا . حدثنا : أ ، أخبرنا : ب ومعناه أنه فى النسخة الأولى حدثنا وفى الثانية أخبرنا . واذا كانت الكلمة موجودة فى النسخة الأولى ناقصة فى الاخرى فاننا نكتب ذلك هكذا مثلا. وسلم: أ - ب. ومعناه أن كلمة" وسلم موجودة فى نسخة (أ) ناقصة فى نسخة (ب) . أما ألفاظ الحديث والآيات القرآنية فقد كتبناها متميزة بالأسود، تيسيراً على القارىء ، وعمدنا الى اثبات ما تمتاز به أية نسخة من زيادة ليست فى الاخرى، ونبهنا إلى ذلك، كما وقع فى ترجمة الامام مالك رضى الله عنه، فهى غير موجودة فى النسخة الأولى ، وانما هى فى النسخة الثانية،وقد قابلناها عند التصحيح بنسخة للترجمة خاصة، عثرنا عليها فى مخطوط يضم عدة رسائل بالمكتبة العامة، مسجل تحت عدد (940 - ك)، وأشرنا عند تحقيق الترجمة الى هاته النسخة بحرف الكاف،لأنه عنوان القسم الذى يوجد به هذا المخطوط بالمكتبة . وقد أثبتنا أرقام صفحات النسخة المعتمدة على الهامش أمام نجمة صغرى بين هلالين توجد قبل الكلمة التى تبتدىء بها الصفحة مشيرين بحرف (و) إلى وجه الورقة وبحرف (ظ) الى ظهرها نظراً الى أن المخطوطات ترقم أوراقها لا صفحاتها . فتجد فى هامش صفحة 2 من الكتاب (2 - و) وفى هامش صفحة 4 (2 - ط) امام العلامة ومعنى ذلك أن كلمة (فى ردهم) هى أول وجه الورقة رقم 2 من النسخة الأصلية . وكلمة (وأبوبكر) من صفحة 4 هى أول ظهر الورقة رقم 2 من النسخة الأصلية كذلك . - ط - أما الفهارس فقد وضعنا فهرساً للفصول والأحاديث والمسائل الفقهية، فالكتاب غير مرتب على أبواب الفقه كما جرت العادة، ومن ثم كان من الصعب على من يريد البحث عن مسألة فقهية أن يعثر عليها بدون هاته الفهارس، فيضطر إلى أن يتصفح الكتاب كله لكى يجد ما يريد . ووضعنا فهرساً له علام المترجم لها، مرتباً على حروف المعجم، منتظماً فى أرقام متسلسلة، مع ذكر المراجع، لكى يتمكن الباحث من مراجعة الترجمة بتوسع فى أصولها ان اقتضى الحال ذلك . وأخيرا، فاننا ونحن نضع هذا الجزء من كتاب التمهيد بين أيدى القراء الكرام نأمل أن يتحقق الغرض من عملنا هذا ، وأن ينال رضى الله سبحانه وتعالى ورضى أمير المومنين جلالة الحسن الثانى أيده الله ونصره ، ورضى جميع القراء فى العالم الاسلامى وفى كل مكان ، وأن يوفقنا إلى الاستمرار فى اخراج الأجزاء الأخرى بالتتابع، حتى نقوم بالواجب كاملا بحول الله وحسن عونه وتوفیقه، آمين . 20 صفر 1387 مصطفى العلوى 30 مايه 1967 ١ الرباط محمد عبد الكبير البكرى ترجمة المؤلف هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمرى القرطبي، كنيته أبو عمر، ويلقب بجمال الدين،ينتهي نسبه إلى النمر بن قاسط. ابن عنب بن اقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، فهو من بنى عدنانغسبه عربی صريح أصيل . وقد نزلت بطون ربيعة باقليم وادى آش من بلاد الأندلس، واشتهر هذا المكان باسمهم، كما اشتهرت عدة أماكن بأسماء القبائل العربية الأخرى التى نزلت بها ابان الفتح الاسلامى وبعده . مولده: ولد أبو عمر يوسف بن عبد الله رحمه الله زوال يوم الجمعة والامام يخطب فوق المنبر وهو اليوم الخامس والعشرون من ربيع الثانى سنة ثمان وستين وثلاثمائة هجرية الموافق التاسع والعشرين نوتبر من السنة الشمسية، حدث بذلك عنه طاهر بن مفوز فقال: أرانيه أبو عمر مكتوباً بخط والده عبد الله رحمه الله، وقد كان والده من الشعراء البارعين ، وأهل الترسل والأدب ، ويقال انه لم يأخذ عن والده ، لأن هذا مات قبل أن يشب أبو عمر ويبلغ من التعلم . نشاته: نشأ أبو عمر فى مدينة قرطبة)، وقد كانت يومئذ عاصمة الخلافة بالأندلس وسرير الملك ، ومدينة العلم والفضل والحضارة ، احتضنت فطاحل العلماء من كل فن، وكانت مستقر السنة والجماعة ، نزلها جملة من - يب - التابعين وتابعي التابعين ، وقيل ان بعض الصحابة نزلها والله أعلم ، وقد سطح فى أفقها نجوم المعرفة من كل فن ، والذين لا شغل لهم الا التبحر فى شتى أنواع المعرفة، فازدهرت لذلك فنون الآداب والعلوم ، وأصبحت مركز الحضارة الاسلامية فى المغرب ، وقبلة الأنام فيه ، ولكثرة علمائها ، واشتهار أهلها بالتمسك بالسنة ، صار عملها حجة فى بلاد المغرب ، فكانوا يحكمون بما جرى به عمل أهل قرطبة ، وكان الناس يشدون الرحال اليها لرواية الحديث ، ودراسة الأدب والفقه والفلسفة ومختلف العلوم ، كالطب والهندسة والفلك وغيرها ، وقد امتاز الأندلسيون جميعاً وبصفة أخص أهل قرطبة بالحرص على طلب العلم والتفانى فى اقتناء الكتب ، ومن ثم انتشرت المكتبات فى سائر الأوساط ، وكثر الوراقون والنساخ ، وتنافس الناس فى اقتناء نوادر المخطوطات ، وتباهوا بامتلاك المخطوط الفلانى ، والكتاب الفلانى ، وصار ذلك عندهم من مفاخر الأسر وأمجادها . وأصبح العلماء عند أهل قرطبة مكان التبجيل والتعظيم والتوقير والاحترام ، يشار إليهم بالبنان ، ويحال عليهم عند أخذ الرأى ، ويكال لهم الثناء باللسان ، يكرم جوارهم ، وتقضى حوائجهم ، ويوخذ فى المهمات رأيهم ، وهم المرجع عند الحل والعقد . فى هذا الافق العلمى الزكى شب ونشأ وترعرع مؤلفنا أبو عمر يوسف ابن عبد البر رحمه الله ، وفيه تفقه وأخذ عن كثير من فطاحل العلماء وفحول السنة ، وكتب بين أيديهم ، ولازمهم ودأب فى طلب العلم ، سيما الفقه، والحديث،فقد تفنن فيه وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس ، فأتقن علوم السنة والقراءة ضبطاً وحفظاً وفهماً، حتى حاز لقب حافظ المغرب بدون منازع ، وكان ناصراً للسنة ، مستقل الفكر ، بعيداً عن الجمود ، ومن ثم كان يبغض التقليد ، فهو مجدد بارع فى الفقه والحديث ، مجتهد فى استنباط - يج - المسائل الفقهية والأحكام ، ذو بسطة فى الاستدلال والحجية على آرائه وفهمه، وهذا ما يدركه القارىء الكريم فى كتابى ((التمهيد)» والاستذكار، وغيرهما من مؤلفاته القيمة ، فهو يمحص آراء الأئمة المجتهدين ، فيقبل ، ويرفض ، ويرجح ، ويستدل لرأيه بالسنة ، ويقارع الحجة بالحجة ، لا يرفض قولا الا عن بينه ، ولا يرجح رأياً الا ببرهان ، ومن ثم أصبح رأيه حجة عند الخاصة من أهل العلم ، وأصبح علماً بين المجتهدين من الفقهاء والمحدثين ، ومفخرة من مفاخر المغرب على المشرق . یروی أن رجلا حضر مجلسه وأعجب بحفظه واتقانه ، فخاطبه يا حافظ المغرب ، فأجابه أبو عمر ، لعلك تريد ان الخطيب البغدادى حافظ المشرق ، فسكت ، وصادف أن رحل الرجل إلى الشرق ، أدى فريضة الحج ، وحضر مجلس الخطيب البغدادى وسمع منه ، ثم عاد الى الأندلس، واستمع من ابن عبد البر مرة أخرى، ووجد البون شاسعاً ، ولما انتهى المجلس ، قال له : يا حافظ ... و .. . يريد يا حافظ المغرب والمشرق، فحذف كلمة المغرب لأنها وردت فى خطابه سابقاً ، وحذف كلمة المشرق لأنها وردت فى كلام الشيخ ابن عبد البر، وكم كان الفرق بين الوقتين ؟ . وقد وصف أبو عمر بأنه حافظ عصره مطلقاً ، ونعته بعض العلماء بأنه بخارى المغرب . رحلاته : لم یغادر أبو عمر بلاد الأندلس،ولکنه تنقل فى ارجائها شرقاً وغرباً، فسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة، وتولى قضاء اشبونة، التى هى عاصمة دولة البرتغال اليوم ، وكذلك تشترين ايام ملكها ابن الأفطس ، اما اشبيلية فقد نزلها ، ولم يرقه المقام بها ، نظراً لما قوبل به من أهلها من جفوة وتنكر ، فارتحل منشداً : - يد - تنكر من كنا نسر بقربه وعاد زعافا بعد ما كان سلسلا ولا لاءمته الدار أن يتحولا وحق لجار لم يوافقه جاره طويلا لعمری مخلق يورث البلى بليت بحمص والمقام ببلدة ولم ينأ عنهم كان أعمى واجهلا إذا مان حر عند قوم اتاهم وما عوتي الانسان الا ليعقلا ولم تضرب الأمثال الا لعالم وقد كانت اشبيلية تسمى حمصاً تشبيهاً باختها بالشام ، وهكذا نرى ان الحافظ أبا عمر ابن عبد البر رحمه الله كان أديباً شاعراً، يجهد الفحول والبلغاء فى النثر والشعر، وقد الف فى ميدان الأدب كتاباً يدل على مكانته السامية فيه سماء (بهجة المجالس وأنس المجالس) جمع فيه نوادر أدبية ، وطرفاً سنية ، ومن شعره يباهى بالعلم ويحض على طلبه . اذا فاخرت فافخر بالعلوم ودع ما كان من عظم رميم وعلمى حل بى بين النجوم فكم امسيت مطرحساً بجهل فلازمنى ملازمـة الغريـم و کاثن من وزير سار نحوى فقام الى من ملك عظيـم وكم أقبلت متندأ مهاباً وركب سار فى شرق وغرب بذکری مثل عرف فى نسيم وقال فى وصية لولده يحضه على الاستقامة وتقوى الله ويهون من شأن الدنيا ومتاعبها : تجاف عن الدنيا وهون لقدرها ووف سبيل الدين بالعروة الوثقى وسارع بتقوى الله سرا وجهرة فلا ذمة أقوى-هديت من- التقوى يمن بها فالشكر مستجلب النعمى ولا تنس شكر الله فى كل نعمة فان طريق الحق أبلج لا يخفى فدع عنك مالاحظ فيه لعاقل وشح بايام بقين قلائل وعمر قصير لا يدوم ولا يبقى الم تر أن العمر يمضى مولياً فعدته تبلى ومدقه تفنى ٠ - يه - شيوخه : أخذ الحافظ أبو عمر ابن عبد البر عن الجهابذة من كبار علماء الأندلس، وقد كانت قرطبة كعبة القاصدين من انحاء المعمورة شرقاً وغرباً، ومن ثم كانت مقر الفطاحل من أئمة العصر فى جميع الفنون ومن أكابر شيوخ الامام ابن عبد البر رحمه الله . 1 - خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ الأندلسى المتوفى سنة 393 هـ . 2 - عبد الوارث بن سفيان بن حبرون ، لازم قاسم بن أصبغ بضع سنين ، وسمع من القاضى ابن زرب ، وابن أبى دليم ، وغيرهم ، أثنى عليه المؤلف وقال انه حدث بعلم جم . 3 - وعبد الله بن محمد بن عبد المومن ، رحل الى العراق وغيرها ، وسمع من أكابر العلماء ، وأصبح من أكابر المحدثين بالأندلس ، توفى رحمة الله عليه سنة 390 هـ . 4 - محمد بن عبد الملك بن صيفون الرصافى ، أبو عبد الله ، أخذ عن أبى سعيد ابن الأعرابى وغيره ، كان من الأعلام المشهورين . 5 - أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان بن أسد الجهنى البزار ، سمع بالأندلس ، ورحل إلى الحجاز والشام ومصر ، فسمع من أهلها ، وصار من العلماء الأفذاذ . 6 - الحسين بن عبد الله بن يعقوب البيجانى أبو على، روى عن سعيد بن مخلوف كتاب عبد الملك بن حبيب وعنه أخذ ابن عبد البر ، وأبو العباس أحمد بن عمر العذرى رحمهم الله. - يو - 7 - أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الجسور، الأموى ولاء ، محدث ، مكثر، ثقة ، سمع أبا على الحسن بن سلمة ، وأبا بكر أحمد بن الفضل الدينورى ، ووهب بن مسرة ، ومحمد بن معاوية القرشى ، وقاسم بن أصبغ ، وسمع منه خلق كثير ، من أجلهم أبو محمد على بن احمد ، وابن عبد البر ، كانت وفاته رحمه الله سنة 401 هـ . 8 - أبو عثمان سعيد بن نصر بن عمر ابن خلف الأندلسى الحافظ ، رحل فى طلب العلم ، ودخل الى خراسان ، سمع من أبى سعيد ابن الاعرابى ، واسماعيل الصفار ، وبالأندلس من قاسم بن أصبغ ، ووهب بن مسرة ، وغيرهم ، توفى رحمه الله ببخارى . 9 - احمد بن قاسم بن عبد الرحمان التاهرتی البزار ، يكنى أبا الفضل ، ولد بتاهرت ، وانتقل مع والده وهو طفل الى الأندلس ، فنشأ بها ، وأخذ العلم عن رجالها ، حتى صار علماً من الأعلام ، سمع من ابن أبى دليم ، وقاسم بن أصبغ ، ووهب بن مسرة ، وعنه أخذ أبو عمران الفاسى، وأبو يوسف ابن عبد البر ، كان ثقة فاضلا رحمه الله . 10 - أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكى ، وطلمنكة بلدة بالأندلس ، نشأ بها أبو عمر هذا، وقد كان امامًاً فى القراءات ، رحل فسمع من أبى بكر محمد بن يحيى الدمياطى ، روى عنه أبو محمد ابن حزم ، وأبو عمر ابن عبد البر ، رحمهم الله . II - أبو عمر احمد بن عبد الملك الاشبيل المعروف بابن المكوى ، انتهت اليه رياسة الفتوى بقرطبة فى عهده، والف بالاشتراك مع أبى مروان المعيطى كتاباً فى أقوال الإمام مالك ، بأمر من المنصور بن أبى عامر ، وقد لازمه ابن عبد البر وأخذ عنه كثيراً . ٠ - يز - ومن جلة شيوخه غير هؤلاء من الأندلسيين ، أبو مطرف القنازعى ، والقاضى يونس بن عبد الله، وأبو الوليد ابن الفرضى ، واحمد بن فتح الرسان ، ويحيى بن وجه الجنة . كما أجازه من مصر كتابة ، أبو الفتح ابن سيبخت ، والحافظ معبد الغنى ، ومن مكة أبو القاسم عبيد الله بن السقطى واحمد بن نصر الدراوردى ، وأبو ذر الهروى . اولئك بعض شيوخ ابن عبد البر الذين تلقى عنهم وعاصرهم وتأثر بهم وأخذ عنهم رسالة العلم ونشر سنة الرسول الأكرم ، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، رحمه الله ورضى عنه، وقد أخذ عنه خلق كثير من جلتهم . 1 - أبو عبد الله الحميدى الحافظ الثبت الامام، واسمه محمد بن أبى نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدى الأندلسى الميورقى ، نسبة الى جزيرة شرقى الأندلس ، سمع بمصر والشام والعراق والحرمين ، سكن بغداد وكان من كبار تلامذة ابن حزم ، والقضاعي ، وابن عبد البر ، ولد سنة 420 وتوفى سنة 488 رحمه الله . 2 - أبو على الغسانى ، واسمه الحسين بن محمد بن حمد الجيانى ، محدث الأندلس وحافظها الثبت ، أخذ عن حكيم بن محمد الحدانى ، وحاتم بن محمد الطرابلسى ، وابى عمر ابن عبد البر رحمهم الله ، كانت وفاته سنة 498 هـ 3 - أبو الحسن طاهر بن مفوز بن احمد المعافرى الشاطبى ، الحافظ المجود الإمام ، أخذ عن أبى عمر ابن عبد البر فأكثر وكان من أثبت الناس عنه توفى سنة 484 هـ . 4 - أبو يحيى سفيان بن العاص المتوفى سنة 520 هـ . ومن تلاميذه غير هؤلاء أبو العباس الدلائي ، وأبو محمد ابن أبى قحافة ، ومحمد بن فتوح الأنصارى ، وأبو داوود سليمان بن أبى القاسم - يح - المقرى ، وابو محمد عبد الله بن محمد بن احمد بن العربى ، وابو القاسم الحسن الهوزنى وغيرهم . (مكانته عند العلماء) : انتزع أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله الثناء من اقرانه، ومن فحول العلماء من بعده، بمكانته السامية فى الفهم والحفظ والاتقان وبما خلفه من اثر كبير فى مؤلفاته العديدة . يقول أبو الوليد الباجى رحمه الله: لم يكن بالأندلس مثل أبى عمرابن عبد البر فى الحديث . وقال الإمام أبو محمد ابن حزم: التمهيد لصاحبنا أبى عمر ابن عبد البر ، لا أعلم فى الكلام على فقه الحدیث مثله أصلا، فکیف أحسن منه ؟! وقال: وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التى بلغها ، واستحق الاعتداد به فى الاختلاف ، مسعود بن سليمان ، ويوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر . وقال ابن سكرة : سمعت أبا الوليد الباجى يقول : أبو عمر أحفظ أهل المغرب . وقال الغسانى : سمعت أبا عمرابن عبد البر يقول : لم يكن ببلدنا أحد مثل قاسم بن محمد ، واحمد بن خالد الحباب ، قال الغسانى : ولم يكن أبو عمر ابن عبد البر بدونهما ، ولا متخلفا عنهما . وقال الحميدى : أبو عمر فقيه حافظ مكثر ، عالم بالقراءة وبالخلاف وبعلوم الحديث والرجال ، قديم السماع ، يميل فى الفقه الى أقوال الشافعى رحمة الله عليه .