Indexed OCR Text

Pages 521-540

٩٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: المملوك
وماله لسيّده(١) ولا يصلُح (٢) للمملوك أن يُنفق من ماله شيئاً بغير إذنٍ
سيّده إلّا أنْ يَأْكُلَ(٣) أو يَكْتَسيّ (٤) أو ينفق(٥) بالمعروف(٦).
قال محمد: وبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة إلا أنّه يرخَّص له
في الطعام الذي يوكّل أن يُطْعِمَ (٧) منه، وفي عارية الدابّة ونحوها(٨).
فأما هبة درهم ودينار أو كسوة ثوب فلا. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٩٨٩ - أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: كانت
لعمر بن الخطاب تسعُ صِحاف(٩) .
= الطحاوي إلى نسخ حديث المنع بحديث الجواز، كذا في ((جمع الوسائل شرح
الشمائل)) لعلي القاري.
(١) لكونه مالكاً لرقبته ويده.
(٢) أي لا يجوز.
(٣) أي المملوك.
(٤) في نسخة: أو يلبس. والمعنى واحد.
(٥) من الإِنفاق أي في بعض ضرورياته أو المراد به التصلُّق بما يعلم رضى
مولاه.
(٦) قَيْد للأخير أو للكلّ.
(٧) أي يطعم منه غيره فقيراً أو جليساً.
(٨) من المنافع.
(٩) قوله: تسع صِحاف، بكسر الصاد جمع صَحفة بالفتح وهي القصعة
الواسعة .
٥٢١

يبعث(١) بها (٢) إلى أزواج النبي وَفيه، إذا كانت الظُّرِفَةُ(٣) أو الفاكهةُ
أو القَسْم، وكان يبعث بآخِرِهن (٤) صحفة إلى حفصة(٥)، فإن كان (٦)
قلة أو نقصان کان بها .
٩٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن
المسيّب يقول(٧): وقعت (٨) الفتنة - يعني فتنة (٩) عثمان - فلم يبق من
أهل بدر(١٠) أحد، ثم وقعت
(١) أي في عهد خلافته.
(٢) أي بواحدة منها إلى واحدة منهن.
(٣) قوله: إذا كانت الظَّرَفة، بالضم أي إذا وجدت بالتحفة من المأكول
والمشروب. أو الفاكهة أو القَسْم، بالفتح أي القسمة من اللحم وغيره، قاله
القاري .
(٤) أي بعد أن يرسل إلى سائر الأزواج.
(٥) لكونها بنته فلا تضرّ القلة ولا تحزنها.
(٦) قوله: فإن كان، أي فإن وُجدت قلة في كمية ذلك الشيء المبعوث
أو نقصان في كيفيته كان ذلك بحصة حفصة لكونها آخر الحصص، والنقصان إنما
يظهر في الآخر.
(٧) قوله: يقول، مقصوده الإشارة إلى ارتفاع البركة بوقوع الفتنة، وأنّ الفتن
معدن المحن، وأنه لا يأتي زمان إلا وبعده شرٌّ منه.
(٨) أي في سنة ٣٥هـ.
(٩) أي فتنة شهادته.
(١٠) أي من الأصحاب الذين كانوا في غزوة بدر.
٥٢٢

فتنة(١) الحَرَّة فلم يبق من أصحاب (٢) الحديبية أحد، فإن وقعت الثالثة
لم يبقَ بالناس طباخٌ(٣).
٩٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،
عن رسول الله وَ ال﴿ قال: كلَّكُم راع (٤) وكلُّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّته(٥)،
فالأمير(٦) الذي على الناس راعٍ عليهم، وهو مسؤول عنهم(٧)، والرجل
راعٍ على أهله(٨) وهو مسؤول عنهم، وامرأةُ الرجلِ راعيةٌ على مال
زوجها، وهي مسؤولة عنه(٩)، وعبد الرجل راع على مال سيّده وهو
(١) قوله: ثم وقعت فتنة الحرّة، بفتح الحاء وتشديد الراء المهملة أرض
ذات حجارة سود بقرب المدينة الطيبة وكانت الفتنة هناك زمن يزيد سنة ٦٣ ابتُلي
بها أهل المدينة ابتلاءً شديداً.
(٢) أي الذين حضروا الحديبية مع الرسول وبايعوه تحت الشجرة.
(٣) قوله: لم يبق بالناس طِباخ، بالكسر بمعنى العقل، يعني إنْ وقعت فتنة
ثالثة لا يبقى في الناس عقل ولا خير ويذهب بركة وجود الصحابة الذين هم زينة
الدنيا والدين مطلقاً.
(٤) قوله: كلكم راعٍ ، من الرعاية بمعنى الحفاظة أي كلكم راعٍ لرعيته
وناظم لأمور من يتبعه، فُيُسأل كل عن رعيته عما وقع منه في حقهم من العدل
والظلم .
(٥) بالفتح ثم الكسر ثم التشديد مع الفتح.
(٦) أي السلطان ومن ينوب منابه.
(٧) أي عمّا صدر منه فيهم.
(٨) أي زوجته وأولاده وخوادمه وغيرهم ممن يَعُوله.
(٩) أي عن مال زوجها أنفقت في محله أم في غيره؟
٥٢٣

مسؤول عنه(١)، فكلُّكُمْ راعٍ (٢) وَكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيته.
٩٩٢ - أخبرنا مالك، حدّثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله وَ له: إن الغادر(٣) يقوم يوم القيمة يُنصب له لواءٌ،
فيقال هذه غُدرة فلان .
٩٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن
رسول الله و لو قال: الخيل في نواصيها (٤) الخير إلى يوم القيمة.
٩٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر:
(١) من جهة أمانته وخيانته.
(٢) قوله: فكلكم راع، قال القاري: هذا تأكيد لما قبله مُجْمَلاً ومفصَّلا في
صورة النتيجة، ولا يبعد أن يقال: إن الرجل وحده مسؤول عن رعيته من أعضائه
وهي السمع والبصر واليد والرجل واللسان والأذن ونحو ذلك كما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلّ أولئك كَانَ عنه مسؤولاً﴾(١) والحديث رواه
الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.
(٣) قوله: إن الغادر، أي من يغدر بعهده ويخلف في وعده من الكفار
وغيرهم، يقوم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. يُنصَب، بصيغة المجهول أي يُرفع
له. لواء، بالكسر يكون علامة على غدرته يطلع عليها الناس فيُقال من جانب
الملائكة هذه غُدرة فلان بالضم.
(٤) قوله: في نواصيها، جمع ناصية مقدّم الرأس إشارة إلى فضل الخيل
لكونه آلة الجهاد. وكون الخير في ناصيته إلى يوم القيامة إشارة إلى دوام فتح أهل
الإِسلام وغلبتهم بخيلهم.
(١) سورة الإسراء: الآية ٣٦.
٥٢٤

أنه رآه (١) يبول قائماً.
قال محمد: لا بأس بذلك، والبول جالساً أفضل.
٩٩٥ - أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة: أن رسول الله وَالله قال: ذروني(٢) ما تركتكم فإنما هلك من
(١) قوله: أنه رآه، أي رأى عبدُ الله بن دينار ابنَ عمر يبول قائماً، ولعله كان
أحياناً اقتداءً بالنبي ◌َّر، فإنه كان من أشد الناس اقتداءً به حتى في المباحات
والاتفاقيات، وقد روى حذيفة أنه # أتى سُباطة قوم فبال قائماً، أخرجه أبو داود
وغيره. وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: أنّ النبي ◌َ ﴿ بال قائماً من جُرح
كان بمأبضه، وهو بهمزة ساكنة: عرق في باطن الركب. وأخرج ابن أبي شيبة في
(المصنف)) عن مجاهد قال: ما بال رسول الله وَّل قائماً إلا مرة في كثيب أعجبه. وعن
الشافعي: كانت العرب تستشفي وجع الصلب بالبول قائماً. فلعله كان به إذ ذاك
وجع صلب، وقيل لم يكن هناك موضع القعود فبال قائماً. وأخرج الطبراني عن
سهل بن سعد: أنه رأى النبي وَلغريبول قائماً. وهذا كله لبيان الجواز وإلا فالعادة
المستمرة للنبي ﴾ وأصحابه هو البول قاعداً حتى قالت عائشة: مَنْ حَدّثكم أنّ
رسول الله بال قائماً فلا تصدَّقوه، أخرجه النسائي والترمذي وقال: إنه أحسن شيء
في الباب، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، كذا فصله السيوطي في
((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود)) و((زهر الرُّبى على المجتبى)) وغيرهما.
۔۔۔
(٢) قوله: ذروني، أي اتركوني ما تركتكم ولا تتعرضوا بالتفتيش والسؤال،
فإنما هلك من كان قبلكم من الأمم السابقة كبني إسرائيل بسؤالهم واختلافهم على
أنبيائهم كما ذكر الله في كتابه في قصة البقرة وسؤال رؤية الله ودخول قرية الجبّارين
وغير ذلك. فما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما لم أنه عنه فاسكتوا عنه ولا تتعرّضوا له
بالسؤال والتشديد فيشدد الله عليكم. وفيه إشارة إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة
ما لم يرد دليل المنع، وفي رواية ابن جرير وأبي الشيخ وابن مردويه عن =
٥٢٥

كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه .
٩٩٦ - أخبرنا مالك، حدّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: رأيت ابنَ أبي قُحافة(١) نَزع
ذَنوباً أو ذَنوبين(٢)، في نَزْعه ضعف واللَّهُ يغفر له(٣)، ثم قام عمر بن
الخطّاب، فاستحالت(٤) غَرْباً، فلم أرَ عبقريّاً(٥) من الناس ينزع
= أبي هريرة: خَطَبَنا رسولُ اللهِ وَله فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج
فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إني
لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكّت عنكم فإنما
هلك مَنْ قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِيْنَ آمنوا
لا تسألوا عن أشياءَ إِن تُبْدَ لكم تسُؤْكُم﴾(١). وفي الباب عن أبي أمامة الباهلي عند
ابن جرير والطبراني وابن مردويه، وابن عباس عند ابن مردويه، وابن جرير وابن
أبي حاتم وغيرهما كما بسطه السيوطي في ((الدر المنثور)).
(١) أي أبا بكر، وأبو قُحافة بالضم كنية والده.
(٢) بالفتح: الدلو الكبير، أي أخرج من البئر.
(٣) أي يتجاوز عنه ولا يأخذه بضعفه لعدم تقصيره.
(٤) بالفتح: الدلو الكبير من الذنوب أي فصارت تلك الدلو دلواً عظيماً
أخرج به ماءً كثيراً.
(٥) بفتح العين وسكون الباء وفتح القاف وكسر الراء وشدّ الياء: أي شديداً
قوياً .
(١) سورة المائدة: الآية ١٠١ .
٥٢٦
لك الغذاءـ

نَزْعه(١)، حتى ضرب الناس بعَطَن(٢).
٦٠ - (باب التفسير (٣))
٩٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصَين، عن
أبي يربوع (٤) المخزومي، أنه سمع زيد بن ثابت يقول: الصلاة
(١) منصوب بنزع الخافض أي كنزعه(١).
(٢) قوله: حتى ضرب الناس بعَطَّن، بفتحتين موضع يجلس فيه الدوابّ
حول الحوض والماء للسقي. والمعنى نزع عمر ورَوِي الناس بشربهم حتى جعلوا
العطن، أبركوا دوابّهم للسقي لكثرة الماء. وفي الحديث إشارة كالصراحة إلى قلة
مدة خلافة أبي بكر وإلى ما وقع في زمن خلافته من اضطراب الأحوال بسبب
ارتداد العرب وظهور المتنبئين، وإلى قوة عمر في أمر الدين وطول خلافته وشيوع
الدين في زمنه، وقد وقع كل ذلك كما رأى، وكانت رؤيته ذلك مناماً كما في رواية
الصحيحين وغيرهما، بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو فنزعت منها
ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة، الحديث. وبه ظهر ما في كلام القاري حيث
فسر قوله رأيت بقوله أي علمت بالكشف أو الإِلهام، أو رأيت في المنام. انتهى.
فإن الترديد مختلّ النظام لثبوت الرؤية المنامية برواية الأعلام، ومن المعلوم أن منام
الأنبياء وحي عند علماء الإِسلام.
(٣) أي لبعض آيات كتاب الله.
(٤) قوله: عن أبي يربوع المخزومي، في نسخة: ابن يربوع، وهو الموافق
لما في ((موطأ يحيى))، وهو عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع بفتح الياء المخزومي،
أبو محمد المدني، نُسب إلى جَدّه، من ثقات التابعين، ذكره في ((التقريب)).
(١) فيه إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه. فتح الباري ٣٩/٧.
٥٢٧

الوُسطى (١) صلاة الظهر.
(١) قوله: الصلاة الوسطى، أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿حافظوا على
الصلوات والصلاةِ الوسطى﴾(١) وقد اختلف فيه الصحابة ومن بعدهم، وتخالفت
الروايات عنهم، فعن ابن عباس عند البيهقي وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور أنها صلاة الصبح، ومثله عن عليّ عند
البيهقي، وابن عمر عند ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وعبد بن
حميد، وورد مثله عن عطاء وجابر بن زيد وطاوس وعكرمة. هذا أول الأقوال،
الثاني: أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت أخرجه البخاري وأبو داود وابن جرير
والطحاوي وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وابن أبي حاتم وأحمد وابن منيع والضياء
المقدسي وغيرهم، وهو مرويّ عن ابن عمر عند الطبراني، وعن أبي سعيد
الخدري عند البيهقي، وعن عليّ عند ابن المنذر. والثالث: أنها العصر وهو
مذهب عليّ رجع إليه بعد ما كان يظن أنها الصبح لمّا سمع قول النبي ◌َّ يوم
الأحزاب: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر،
رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وغيرهم، وهو المرويّ عن
ابن عمر عند ابن جرير والطحاوي وعبد بن حميد وعن أبي أيوب عند البخاري في
تاريخه وابن جرير وابن المنذر وعن أبي سعيد الخدري عند الطحاوي
وابن المنذر، وعن أم سلمة عند ابن أبي شيبة وابن المنذر، وعن عائشة عند
ابن جرير وابن أبي شيبة، وعن حفصة عند عبد بن حميد وغيره. والرابع: أنها
صلاة المغرب ورد ذلك عن ابن عباس عند ابن أبي حاتم. وهناك أقوال أخر
مبسوطة في ((فتح الباري)) وغيره، والآثار المذكورة وغيرها مبسوطة في ((الدر
المنشور)) والذي يظهر بعد التنقيد أن أصح الأقوال هو القول الثالث لكونه موافقاً
لكثير من الأحاديث الصحيحة المرفوعة، وإليه ذهب أكثر الصحابة كما ذكره
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.
٥٢٨

٩٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عمرو بن
رافع (١)، أنه قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي وسط و قالت:
إذا بلغتَ هذه الآية (٢) فآذِنّ (٣)، فلما بلغتُها آذَنْتُها(٤) فقالت:
حافظوا(٥) على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر وقوموا لله
قانتين .
٩٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع(٦) بن
= الترمذي، وجمهور التابعين كما ذكره الماوردي، وأكثر علماء الأثر كما قاله ابن
عبد البر، وهو الصحيح عند الحنفية والحنابلة، وذهب أكثر الشافعية وبعض
المالكية مخالفاً لقول إماميهما أنها الصبح.
(١) هو عمرو بن رافع العدوي مولاهم، مقبول، ذكره في ((التقريب)).
(٢) أي التي فيها ذكر الصلاة الوسطى .
(٣) أي أخبرني .
(٤) أي أعلمتها.
(٥) قوله: حافظوا، أي اكتب هكذا بزيادة ((وصلاة العصر))، وهذه الكتابة
وكتابة عائشة قبل أن تُجْمَع المصاحف المختلفة على مصحفٍ واحد في زمن عثمان
فإنه لم يُكتب بعد ذلك إلا ما أجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن، قاله ابن عبد البر.
(٦) بفتح القافين بينهما عين ساكنة: كِنَّانِيٌّ، مدني، ثقة، ذكره في
((الكاشف)).
(١) قال الحافظان ابن حجر والعيني: الجمهور على أنها العصر، كذا في الأوجز ٥٣/٣.
٥٢٩

حكيم، عن أبي يونس(١) مولى عائشة، قال: أَمَرَتْني أن أكتب لها
مصحفاً، قالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذِني ﴿حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى﴾، فلما بلغتها آذنتْها وأَمَلَّتْ(٢) عليّ: ﴿حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر (٣) وقوموا لله قانتين﴾(٤)،
سمعتها من رسول الله گچالقتل .
١٠٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمارة بن صياد، أنه سمع
سعيد بن المسيّب يقول(٥) في الباقيات الصالحات: قول العبد:
(١) قال الزرقاني: من ثقات التابعين، لا يُعرف اسمه.
(٢) أي (١) كَتَبتْ عليّ وأمرَتْني بكتابتها هكذا.
(٣) قوله: وصلاة العصر، استدل به وبحديث حفصة مَنْ قال: إن الصلاة
الوسطى غير العصر، يجعل العطف للمغايرة، ومن قال باتحادهما يجعل العطف
للبيان، وهو الموافق لما رُوي عن عائشة وحفصة.
(٤) أي: ساكنِين أو خاشِعِين أو داعِين، على اختلاف التفاسير. والأول أوفق
بشأن نزولها فإنها نزلت نَسْخاً للتكلُّم في الصلاة كما بسطْتُه في رسالتي («إمام
الكلام في ما يتعلّق بالقراءة خلف الإِمام)).
(٥) قوله: يقول في الباقيات الصالحات، أي في تفسير قوله تعالى: ﴿المالُ
والبنون زينةُ الحياةِ الدنيا والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ رَبِّكَ ثواباً وخيرٌ أملًا﴾ (٢)،
وهذا التفسير منقول موقوفاً ومرفوعاً كما بسطه السيوطي في ((الدر المنثور))، فأخرج =
(١) فأمَلّتْ: بتشديد اللام من الإِملال وبتخفيفها من الإِملاء وكلاهما بمعنى أي ألقت. بذل
المجهود ٢٠٠/٣. وفي نسخة القاري: فقالت بدل وأمَلَّت، وفي البذل: فأملت.
(٢) سورة الكهف: الآية ٤٦.
٥٣٠

----
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله
العلي العظيم.
١٠٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب وسئل (١) عن
= ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس قال في تفسيره: سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلّ الله والله أكبر. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم
وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً:
((استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير
والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. ونحوه أخرجه سعيد بن منصور وأحمد
وابن مردويه من حديث النعمان بن بشير والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم
والطبراني في ((المعجم الصغير)) والحاكم وابن مردويه والبيهقي من حديث
أبي هريرة، والطبراني وابن مردويه من حديث أبي الدرداء، وابن مردويه من حديث
أنس، وابن أبي شيبة وابن المنذر من حديث عائشة كلهم ذكروه مرفوعاً وهو
المنقول عن عثمان، أخرجه أحمد وابن جرير وابن المنذر، وعن ابن عمر أخرجه
ابن جرير والبخاريّ في («تاريخه».
(١) قوله: وسئل، أي والحال أن ابن شهاب سئل عن المحصنات من
النساء في قوله تعالى ﴿والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم﴾ عطفاً على أمهاتكم
في قوله قبله: ﴿حُرِّمت عليكم أمهاتُكم وبناتكم وأخواتكم﴾(١) الآية، قال
ابن شهاب: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: هن ذوات الأزواج، فالمعنى حُرِّمت
عليكم المحصنات بالفتح اللاتي لهن أزواج ما لم يُطلَّقوا أو يموتوا ﴿إِلَّ ما ملكت
أَيْمانكم﴾ يعني السبايا التي سُبين ولهن أزواج في دار الحرب فإنه يحل لمُلَّكهن
وطؤهنَّ بعد الاستبراء لأنَّ بالسبي وتخالف الدارين يرتفع النكاح. وهذا التفسير
مرويّ عن ابن عباس عند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد =
(١) سورة النساء: الآية ٢٣، ٢٤.
٥٣١

المحصَنات من النساء، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: هنَّ
ذوات الأزواج. ويرجع(١) ذلك إلى أن الله حرم الزنا.
١٠٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمر بن
حزم أن أباه أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج
النبي ◌َّ*، أنها قالت: ما رأيتُ(٢) مثلَ ما رغبت هذه الأمة عنه، من
والحاكم والبيهقي، وعن ابن مسعود عند أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وعبد بن
= حميد، وعن أنس عند ابن المنذر وغيرهم من الصحابة والتابعين. وأخرج الطحاوي
وعبد الرزّاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري: أن
رسول اللّه ◌َ* بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً فظهروا عليهم، وأصابوا
سبايا فكان ناساً من أصحابه تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين
فأنزل الله هذه الآية.
(١) أي حاصل هذا التفسير حرمة الزِّنا.
(٢) قوله: ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عنه، وأعرضت عنه بأن تركت
العمل بمقتضاها مثل هذه الآية فإن الآية ناصَّة على أنه يجب الصلح بين المتنازعين
وإرشاد الباغين إلى حكم الله ورسوله فإن أبَوْا فالقتل إخلاءً للعالم عن شرِّهم وقد
ترك أكثر الناس العمل به، وكان نزول هذه الآية لمّا كانت امرأة من الأنصار تحت
رجل وكان بينها وبين زوجها شيء فحبسها فجاء قومها وقومه واقتتلوا بالأيدي
والنعال. وقيل: نزلت لما انطلق رسول الله وَله إلى عبد الله بن أبيّ المنافق راكباً
على حمار، فلما أتاه قال: إليك عني لقد آذاني نَتَنُ حمارك، فقال رجل من
الأنصار: واللَّهِ لحمار رسول الله وَل﴿ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجلٌ من
قومه فشتما، ووقعت المقاتلة بالأيدي والنعال، كذا ذكره البغوي في ((معالم
التنزيل))، وقال أيضاً: فيه دليل على أن البغي لا يُزيل اسم الإِيمان، ويدلُّ عليه
ما رُوي عن علي أنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصِفّين =
٥٣٢

هذه الآية: ﴿وإِنْ(١) طَائِفَتَانِ مِنَ اْمُؤْمِنِينْ (٢) اقتتلوا فَأَصْلِحُوْا بينهما، فَإن
بغتْ(٣) إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء(٤) إلى أمر الله
فإن فاءت فأصلحوا(٥) بينهما﴾ .
: ١٠٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيّب في قول الله (٦) عزَّ وجلَّ: ﴿الزاني لا
= أهم مشركون؟ قال: من الشرك فرّوا، فقيل: منافقون؟ فقال: لا، لأن المنافقين
لا يذكرون الله إلاّ قليلاً، قيل: فما حالهم؟ قال: إخوانُنا بغَوْا علينا.
(١) شرطية.
(٢) فيه حجة قوية لأهل السنَّة على أن الكبائر لا تُخرج العبد عن الإِيمان.
(٣) من البغي وهو الخروج عن الحدّ، أي تعدَّت.
(٤) أي ترجع إلى حكم الله.
(٥) بالعدل بحملها على الإنصاف والرضاء بحكم الله.
(٦) قوله: في قول الله، قال البغوي: اختلف العلماء في معنى هذه الآية(١)
وحكمها، فقال قوم: قدم قوم المهاجرون المدينة، وفيهم الفقراء لا مال لهم
ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا وهم يومئذٍ مشركات، فرغب ناس من فقراء
المهاجرين إلى نكاحهن لينفقن عليهم، فنزلت ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ لأنهن
مشركات، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي. وروى عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان
يحمل الأسارى بمكة وكانت بمكة بغيٌّ يقال لها عناق، وكانت صديقته في
الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرَّم الزنا، =
(١) سورة النور: الآية ٣.
٥٣٣

ينكح(١) إلَّ زانيةً أو مشركة والزانية لا ينكحها إلاّ زانٍ أو مشرك﴾،
قال(٢): وسمعته(٣) يقول: إنها نُسخت(٤) هذه الآية بالتي بعدها ثم قرأ:
﴿وأنكحوا(٥) الأيامى (٦) منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾.
قال محمد: وبهذ نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا
= فقالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله بَّر فقرأها عليه، وقال:
لا تنكحها. فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصاً في حق أولئك دون سائر الناس.
وقال قوم: المراد بالنكاح هو الجماع ومعناه الزاني لا يزني إلّ بزانية أو مشركة، وهو
قول سعيد بن جبير والضحاك. وقال سعيد بن المسيّب وجماعة: إن حكم هذه الآية
منسوخ، وكان نكاح الزانية حراماً بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: ﴿وأنكحوا
الأيامى﴾(١) فدخلت الزانية في أيامى المسلمين (٢).
(١) هو وما بعده خبر بمعنى النهي.
(٢) أي يحيى بن سعيد.
(٣) أي سعيد بن المسيّب.
(٤) بصيغة المجهول.
(٥) خطاب إلى الأولياء.
(٦) جمع أيِّم: مَنْ لا زوج لها وهو مطلق يشمل الزانية وغيرها.
(١) سورة النور: الآية ٣٢.
(٢) ورجح هذا القول الإِمام أبو جعفر الطبري وقال: وأَوْلى الأقوال عندي بالصواب قول من
قال: عنى في هذا الموضع الوطء. وإن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات
وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وإن الزاني من
المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان. تفسير الطبري ٥٨/٨.
٥٣٤

لا بأس بتزوّج(١) المرأة، وإن كانت قد فجرت (٢)، وإن يتزوجها من
لم يفجُرْ(٣).
١٠٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه، أنه كان يقول في قول الله عزَّ وجل: ﴿ولا جُنَاح (٤) عليكم فيما
عرَّضتم به من خِطبة النساء أو أَكْتَنْتُم في أنفسكم﴾، قال: أن(٥) تقول
(١) قوله: بتزوّج المرأة(١)، وإن كان بمن زنى بها وإن كانت حُبْلَی بالزنى،
لكن إذا تزوجت الحبلى بالزنا بغير الزاني لا يحل له الوطء إلى وضع الحمل وإن
نکحت بالزاني يجوز له الوطء.
(٢) أي زنت.
(٣) أي من لم یزنِ.
(٤) قوله: ولا جُناح، بالضم أي لا إثم. عليكم فيما عرَّضتم به(٢)، من
التعريض، وهو التلويح بشيء يَفهم به السامع مراده من غير التصريح من بيان لما
خطبة - بالكسر - وهي التماس نكاح النساء المعتدات المذكورات في ما قبل
هذه الآية. أو أكننتم، أي أضمرتم وأخفيتم في أنفسكم، كذا في ((معالم التنزيل)).
(٥) بيان للتعريض أي هو قولك للمرأة في حال العدَّة.
(١) في بذل المجهود ١٩/١٠: ومذهب الحنفية في ذلك، وهو ما قاله الجمهور بأن الزانية
لا يحرم نكاحها على الزاني ولا على غيره، وكذلك لا يحرم نكاح الزاني بالمؤمنة
ولا بالزانية، وقد خالف في ذلك الشيخ ابن القيم في ((زاد المعاد)) وقال بالحرمة.
والله أعلم.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٥ .
٥٣٥

للمرأة وهي في عِدَّتها من وفاة(١) زوجها: إنك عليّ(٢) كريمة وإني فيك
الراغب، وإن الله سائق(٣) إليك رزقاً، ونحو هذا من القول.
١٠٠٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال:
دُلُوك (٤) الشَّمس مَيْلها .
(١) وكذا في عدَّة طلاقها.
(٢) أي عندي مكرَّمة.
(٣) أي موصلٌ إليك رزقاً حسناً يعني بتزويجي إيّاك.
(٤) قوله: دُلوك الشمس، أي المذكور في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك
الشمس إلى غَسَق - بفتحتين - الليل وقرآنَ الفجر إن قرآن الفجرِ كان مشهوداً﴾(١)، وفيه
إشارة إلى الصلوات المكتوبات وأوقاتها، فقرآن الفجر إشارة إلى صلاة الفجر. ومعنى
قوله مشهوداً: يشهده ملائكة الليل والنهار المتعاقبون يجتمعون عند ذلك، وبه فسَّر
ابن عباس في رواية ابن جرير وابن أبي شيبة وابن مسعود كما في رواية سعيد بن
منصور وابن جرير وابن المنذر، وأبو هريرة في روايته عن النبي ◌َّر، أخرجه
البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وابن مردويه، وغسق الليل
أشار به إلى صلاة العشاء، وبه فسَّره ابن مسعود أخرجه عنه الطبراني، وعن
ابن عباس غسق الليل بدء الليل، أخرجه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة، عن
مجاهد وعبد الرزاق، عن أبي هريرة: غسق الليل غروب الشمس، فيكون إشارة
إلى صلاة المغرب، وعن ابن عباس أنه ظلمة الليل أخرجه ابن الأنباري وابن المنذر
فيكون شاملاً لصلاتي المغرب والعشاء، وهو أَوْلى الأقوال. ودلوك الشمس فسره
ابن مسعود بالغروب كما أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه، وكذا :
(١) سورة الإِسراء: الآية ٧٨.
٥٣٦

١٠٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحصين، عن (١)
ابن عباس قال: كان يقول: دُلوك الشمس مَيْلها(٢) وغسق الليل اجتماع
الليل وظلمته.
قال محمد: هذا قول(٣) ابن عمر وابن عباس، وقال عبد الله بن
مسعود: دُلوكها غروبها، وكلَّ حَسَن (٤) .
= أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ، وابن
أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ، فيكون إشارة إلى المغرب
ولا يكون لصلاة الظهر ذِكْرٌ في هذه الآية وكذا للعصر، وفسَّره ابن عمر بالزوال
أخرجه مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم،
وهو رواية عن ابن عباس فيكون إشارة إلى صلاة الظهر، ويُستفاد العصر من قوله
إلى غسق الليل. والآثار في هذا الباب مبسوطة في ((الدر المنثور)).
(١) قوله: عن، في ((موطأ يحيى)): مالك عن داود بن الحصين أخبرني مُخْبِر
عن ابن عباس، قال ابن عبد البرّ في ((الاستذكار)): المُخبر المُبْهم عكرمة، كان
مالك يكتم اسمه لكلام ابن المسيّب فيه.
(٢) أي زوالها من نصف النهار.
(٣) وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين، وقول ابن مسعود
اختاره النخعي ومقاتل والضحاك والسُّدِّي، كذا ذكره البغوي.
(٤) قوله: وكلَّ حسن، لأن اللفظ يجمع المعنيين فإن أصل الدلوك
الميلان، والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت، لكن لا يخفى أن التفسير بالزوال
أولى القولين لكثرة القائلين، ولأنّا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة
كلها بخلاف الغروب كذا قال البغوي، ومما يؤيد ترجيح تفسير الزوال بموافقته
لكثير من الأخبار المرفوعة، فأخرج ابن مروديه، عن عمر، عن النبي وَّ لدلوك
الشمس، قال: لزوال الشمس. وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي
:
٥٣٧

١٠٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن
عمر أخبره: أن(١) رسول الله والتر قال: إنما أجَلُكم(٢) فيما خلا من
الأمم، كما(٣) بين صلاة العصر إلى مغرب (٤) الشمس، وإنما مَثَلُكم(٥)
وَمَثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمّالاً (٦) فقال: من يعمل لي إلى
= بسند ضعيف، عن ابن عمر مرفوعاً: دلوك الشمس زوالها. وأخرج ابن جرير، عن
عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت
فصلى بي الظهر. وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي: كان رسول اللّه وال ينه
يصلي الظهر حين زالت الشمس ثم تلا هذه الآية.
(١) هذ الحديث معروف بحديث القيراط، أخرجه البخاري في مواضع،
ومسلم والترمذي وغيرهم وله طرق كثيرة.
(٢) بفتحتين أي مدة بقائكم بالنسبة إلى من مضى من الأمم.
(٣) أي التشبيه في القلة.
(٤) مصدر ميميّ بمعنى الغروب.
(٥) قوله: وإنما مثلكم، المثل بفتحتين في المعنى كالمِثْل بكسر الميم،
وهو النظير ثم قيل: للمقول(١) السائر الممثل مضربه بمورده مثل، ولم يضربوا مثلاً
إلّ بقول فيه غرابة، وههنا تشبيه للمركَّب بالمركب فالمشبّه والمشبّه به هما
المجموعان الحاصلان في الطرفين، وإلّ كان القياس أن يقول كمثل أقوام
استأجرهم رجل، كذا قال العيني في ((عمدة القاري))(٢).
(٦) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل أي قوماً يعملون له العمل
بالأجرة.
(١) في الأصل: المعقول هو تحريف.
(٢) عمدة القاري ٥٣/٥.
٥٣٨

نصف النهار على قيراطٍ (١) قيراط؟ قال: فعملت اليهود(٢)، ثم قال(٣):
من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط؟ فعملت (٤)
النصارى على قيراط قيراط، ثم قال(٥): من يعمل لي من صلاة العصر
إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا(٦) فأنتم الذين يعملون من
صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، قال(٧): فغضب
اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا(٨)
(١) قوله: على قيراط قيراط، قال الكرماني في ((الكواكب الدراري)) القيراط
نصف دانق، وأصله قرّاط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأُبدل أحد حرفَيْ التضعيف
كما في الدينار، والمراد به ههنا النصيب والحصة، وكُرِّر ليدل على تقسيم القراريط
على جمعيهم كما هو عادة كلامهم.
(٢) أي فهذا مثل اليهود استعملهم الله بأجر إلى مدة طويلة فعملوا.
(٣) أي ذلك الرجل المستعمِل.
(٤) إشارة إلى قلَّة مدة النصارى بالنسبة إلى اليهود.
(٥) أي المستعمِل.
(٦) حرف تنبيه نبَّه به النبي ◌ّله على فضل هذه الأمة.
(٧) أي رسول الله له .
(٨) قوله: نحن أكثر عملاً، قال الكرماني: فإن قلت قول اليهود ظاهر، لأن
الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من العصر إلى المغرب، لكن قول النصارى
لا يصح إلاّ على مذهب الحنفية حيث يقولون: وقت العصر حين يصير ظل كل
شيء مثليه، وهذا من جملة أدلتهم فما هو جواب الشافعية عنه حيث قالوا: هو
مصير الظل مثلاً وحينئذٍ لا يكون وقت الظهر أكثر من وقت العصر؟ قلت: لا نسلِّم
أن وقت الظهر ليس بأكثر منه، ولئن سلَّمنا فليس هو نصّاً في أن كلاً من الطائفتين =
٥٣٩

وأقلّ(١) عطاءً، قال: هل ظلمتكم (٢) من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال:
فإنه فضلي (٣) أُعطيه من شئت (٤).
قال محمد: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل(٥) من
= أكثر عملاً لصدق أن كلَّهم مجتمعين أكثر عملاً، أو يُقال: لا يلزم من كونهم أكثر
عملاً أكثر زماناً لاحتمال كون العمل أكثر في زمان أقلّ، وجاء في آخر صحيح
البخاري في باب السُّنَّة، قال أهل التوراة ذلك. انتهى كلامه. ومثله في ((عمدة
القاري)) وغيره.
(١) بالنسبة إلى الأمة المحمدية الآخذة بقيراطين.
(٢) أي نقصت من حقكم الذي قرَّرت لكم جزاءً لعملكم شيئاً.
(٣) أي تفضُّلي وإحساني.
(٤) أي فإني مختار لا أسأل عما أفعل فلا ينبغي تكلُّمكم إلاّ إنْ كنت
نقصت حقكم(١).
(٥) قوله: أفضل من تعجيلها، استنبط أصحابنا الحنفية أمرين، أحدهما:
ما ذكره أبو زيد الدبوسي في كتابه ((الأسرار)) وتبعه الزيلعي شارح ((الكنز)) وصاحب
((النهاية شرح الهداية)) وصاحب ((البدائع)) وصاحب ((مجمع البحرين)) في ((شرحه))
وغيره أن وقت الظهر من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه، ووقت العصر منه
إلى الغروب كما هو رواية عن إمامنا أبي حنيفة، وأفتى به كثير من المتأخرين،
وجه الاستدلال به بوجوه كلها لا تخلو عن شيء، أحدها: أن قوله وَلهو: إنما أجلكم
فيما خلا كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس يفيد قلة زمان هذه الأمة بالنسبة :
(١) قال الحافظ: فيه حجة لأهل السنَّة على أن الثواب من الله على سبيل الإِحسان منه جلَّ
جلاله. فتح الباري ٤٤٦/٤.
٥٤٠