Indexed OCR Text

Pages 501-520

٩٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر،
قال: كنا حين نبايع رسول الله ولو على السمع(١) والطاعة(٢) يقول لنا:
فيما استطعتم(٣).
٩٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
قال: قال رسول الله وَالر لأصحاب(٤) الحِجْر: لا تَدْخلوا على هؤلاء
القوم المعذَّبين(٥) إلَّ أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا
عليهم أنْ يُصيبكم (٦) مثلَ ما أصابهم.
(١) أي سمع الأوامر والنواهي.
(٢) أي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر.
(٣) بكمال شفقته(١).
(٤) قوله: لأصحاب الحِجْر، بكسر الحاء وسكون الجيم أي في حقهم،
وهم ثمود قوم صالح المذكورون في قوله تعالى: ﴿ولقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ
المُرْسَلِين﴾(٢) وحِجْر مدينتهم بين المدينة النبوية وبين الشام، وكان مروره وليد
عليها في سنة غزوة تبوك، ولمّا مَرَّ به قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلاّ أن
تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، وتقنّع بردائه وأسرع السير حتى جاز
الوادي، ذكره البغوي في ((تفسيره)).
(٥) بصيغة المفعول.
(٦) أي كراهة أن يصيبكم مثله أو لئلا يصيبكم مثله .
(١) قال صاحب المحلى: أي يلقن أحدهم أن يقول: ((فيما استطعت)) لئلا يدخل في بيعته
ما لا يطيقه، قاله النووي، كذا في الأوجز ٢٥٧/١٥ .
(٢) سورة الحجر: الآية ٨٠.
٥٠١

٩٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر،
عن أبي مُحَيريز(١) قال: أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله وَل
يقولون: مِنْ (٢) أشراط (٣) الساعة المعلومة المعروفة (٤) أن ترى (٥) الرجل
يدخل البيت لا يشُكُّ من رآه أن يدخله لسوء(٦) غير أن الجدُر (٧)
تُوارِیه.
٩٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرني عمّي أبو سهيل(٨) قال: سمعتُ
أبي (٩) يقول: ما أعرف (١٠) شيئاً مما كان الناس عليه إلاّ النداء بالصلاة.
(١) قوله: عن أبي مُحَيْريز، بضم الميم وفتح الحاء وسكون الياء وكسر
الراء ثم سكون الياء ثم زاء معجمة. وفي نسخة ابن محيريز، وهو أبو محيريز
عبد الله بن محيريز بن جنادة المكي، من رهط أبي محذورة كان يتيماً في حجره،
روى عن أبي محذورة وأبي سعيد الخُدري ومعاوية وعبادة بن الصامت،
وأمّ الدرداء وغيرهم، تابعي ثقة من خيار المسلمين، كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(٢) تبعيضية، والغرض منه بيان فساد الزمان وشيوع العصيان.
(٣) جمع شرط بالفتح بمعنى العلامة.
(٤) صفة للساعة أو للأشراط.
(٥) بصيغة الخطاب.
(٦) أي لمعصية من زنا أو سرقة.
(٧) بضمتين، جمع جدار يعني أن الجدر تستره.
(٨) اسمه نافع.
(٩) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي جدّ الإِمام مالك.
(١٠) قوله: ما أعرف شيئاً مما أدركت الناس، أي الصحابة. عليه إلاّ النداء =
٥٠٢

٩٦٩ - أخبرنا مالك أخبرني(١) مُخْبِرٌ: أن رسول الله وَالله قال:
إني(٢) أُنَسَّ لأَسُنَّ.
= بالصلاة، أي الأذان فإنه باقٍ على ما كان عليه، لم يدخل فيه تغيُّر ولا تبديل بخلاف
غيره حتى الصلاة فقد أُخَّرت عن أوقاتها، كذا قال الباجي، ومما يوافقه قول
أبي الدرداء حيث دخل على أمّ الدرداء مُغْضَباً فقالت: ما أغضبك؟ فقال: والله
ما أعرف من أمة محمد وَله شيئاً إلَّ أنهم يصلون جميعاً. وهذا بالنسبة إلى زمان
الصحابة والتابعين، فكيف لورأيا زماننا هذا الذي شاعت فيه البدعات وراجت
المنكرات أو اتّخذت البدعة سنة، والسنّة بدعة، وصار المنكر معروفاً والمعروف
منكراً، فإنا لله وإنّا إليه راجعون .
(١) قوله: أخبرني مخبر، قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روي
عن رسول الله والر مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة
التي لا توجد في غير ((الموطأ)) مسندة ولا مرسلة ومعناه صحيح في الأصول.
انتهى. قال الزرقاني: وما وقع في ((فتح الباري)) أنه لا أصل له فمعناه يُحتجُّ به لأنَّ
البلاغ من أقسام الضعيف وليس معناه أنه موضوع إذ ليس البلاغ بموضوع عند أهل
الفن لا سيَّما من مالك.
(٢) قوله: إني أُنَسّى، قال القاري: بتشديد السين بمعنى على المفعول أي
يرد عليَّ النسيان. لُأُسُنَّ، بفتح فضم فتشديد أي لأبين طريقاً يسلك في الدين فهو
سبب لإِيراد النسيان وعروضه. انتهى. ووقع في ((موطأ يحيى)): إني لأَنْسَى
أو أُنَسَّى لأسُنَّ، الأول بصيغة المعروف والثاني بصيغة المجهول، وأو للشك عند
بعضهم، وقال عيسى بن دينار، وابن نافع: ليست للشك، بل معنى ذلك أنسى أنا
أو يُنسِّني الله، ووجهه أن يُراد: إني لُأنْسَى في اليقظة وأُنَسّى في النوم فأضاف
النسيان في اليقظة إليه، لأنها حالة التحرُّز، والنسيان في النوم إلى الله لما كانت
حالاً لا يقبل التحرز، ويحتمل أن يراد: إني أنسى حسب ما جرت به العادة من
النسيان مع السهو والذهول، أو أُنَّسّى مع تذكّر الأمر، فأضاف الثاني إلى الله كذا
٥٠٣

٩٧٠ - أخبرنا مالك بن أنس، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن
عبادة(١) بن تميم، عن عمه عتبة: أنه رأى (٢) رسول الله وَاليَةٍ مستلقياً(٣)
في المسجد (٤)؛ واضعاً إحدى يديه(٥) على الأخرى.
= ذكره الباجي. وذكر القاضي عياض في ((الشفا)) أنه رُوي: إني لا أنسى ولكني أُنَسَّى
لأسنّ، وروي: لست أنسى ولكني أُنَسَّى لأسن.
(١) قوله: عن عبادة بن تميم عن عمه عتبة، هكذا وجدنا في نسخ عديدة.
والذي في ((موطأ يحيى)): مالك، عن عباد بن تميم المازني، عن عمه، وهكذا
أخرجه البخاري في أبواب المساجد، وأبواب اللباس، وأبواب الاستئذان، ومسلم
في أبواب اللباس، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان، وقال: حسن
صحيح، والنسائي في الصلاة: كلهم من طريق مالك. ونص الترمذي على أن عمّ
عباد بن تميم المازني هو عبد الله بن زيد المازني، وكذا نص عليه شُرّاح صحيح
البخاري: ابن حجر في ((فتح الباري))، والعيني في ((عمدة القاري))، والكرماني في
((الكواكب الدراري))، والقسطلاني في ((إرشاد الساري)). وذكروا أيضاً أن عَبّاد بفتح
العين وتشديد الباء، وأن عبد الله بن زيد عَمُّه أخو أبيه لأمه، وقد مرَّ منا ذكرهما في
ما سبق .
(٢) فيه جواز الاستلقاء والاتكاء وأنواع الاستراحة في المسجد.
(٣) حال.
(٤) أي المسجد النبوي.
(٥) قوله: واضعاً إحدى يديه على الأخرى، قال الخطابي: فيه بيان جواز
هذا الفعل، والنهي الوارد فيه، وهو ما رُوي عن جابر: نهى رسول الله نض طر أن يضع
الرجل إحدى يديه على الأخرى وهو مستلقٍ، أخرجه مسلم وغيره منسوخ، وبه جزم
ابن بطّال، وقال الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان ذلك
في وقت الاستراحة لا في مجتمع الناس لما عُرف من عادته وَلّ من الجلوس بينهم =
٥٠٤

۔۔
٩٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب،
وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما كانا يفعلان ذلك(١).
قال محمد: لا نرى بهذا بأساً. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٩٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد قال: قيل لعائشة
رضي الله عنها: لو دُفِنْتِ (٢) معهم قال: قالت: إني إذاً لأنا(٣) المبتدئة
بعملي.
٩٧٣ - أخبرنا مالك قال: قال سلمة لعمر بن عبد الله: ما شأن
عثمان بن عفان لم يُدْفن معهم (٤)؟ فسكت ثم أعاد عليه قال: إن الناس
کانوا یومئذٍ متشاغلين(٥) .
= بالوقار التام. وجمع البيهقي والبغوي بأن النهي حيث يخشى بدوّ العورة والجواز
حيث يُؤمّن ذلك. وهو أولى من دعوى أن النهي منسوخ لأن النسخ لا يثبت
بالاحتمال.
(١) قوله: كانا يفعلان ذلك، وكذا نُقل فعل ذلك أي الاستلقاء واضعاً
إحدى رجليه على الأخرى عن ابن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وعثمان وأنس،
أخرجه ابن أبي شيبة، وبه قال الحسن البصري والشعبي وابن المسيِّب ومحمد بن
الحنفية وغيرهم. ورُوي عن محمد بن سيرين ومجاهد وطاووس والنخعي
وابن عباس وكعب بن عجرة الكراهة، كذا في ((عمدة القاري)).
(٢) أي لو وَصَّيْتِ بأن تدفني مع النبي ◌ُّه وأبي بكر وعمر في الحجرة
لكان أحسن.
(٣) أي إني حينئذٍ لمستأنفة بعملي في المستقبل، ويحبط عملي الماضي،
يعني لو فعلتُ ذلك لحبط عملي كأنها قالته تواضعاً وأدباً.
(٤) أي مع نبيِّه وضجیعیْه.
(٥) أي في أمر الفتنة فلم يتيسَّر لهم ذلك ودفنوه بقرب البقيع.
٥٠٥
.---

٩٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار(١): أن النبي وَل قال: من وُقِيَ (٢) شَرَّ اثنين وَلَجَ (٣) الجِنَّة
- وأعاد(٤) ذلك ثلاث مرات - مَنْ وُقِيَ شَرَّ اثنين ولج الجنة ما بين
حينه وما بين رجليه .
٩٧٥ - أخبرنا مالك قال: بلغني أن عيسى(٥) بن مريم عليه
السلام كان يقول: لا تُكثروا(٦) الكلام بغير ذكر الله، فتقسُوَ (٧) قلوبُكم
(١) قوله: عن عطاء بن يسار، مرسلاً بلا خلاف أعلمه عن مالك، قاله ابن
عبد البر. قال الزرقاني: ورواه البخاري والترمذي موصولاً من حديث سهل بن
سعد، والعسكري وابن عبد البر وغيرهما عن جابر، والترمذي والحاكم وابن حبان
عن أبي هريرة، والبيهقي والديلمي عن أنس.
(٢) مجهول أي حُفظ.
(٣) من الولوج بمعنى الدخول.
(٤) قوله: وأعاد، أي أعاد رسول الله و ليل هذا القول ثلاث مرات، وقال له
رجل في كل مرة ألا تخبرنا؟ فسكت، فقال رسول الله وَّه في المرة الرابعة مفسِّراً
((من وُقي شرّ اثنين ولج الجنة)). ما بين لَحْيَيْه - بفتح اللام: هما العظمان النابتتان
في جانب الفم اللتان عليهما شعر اللحية وما بينهما هو اللسان - وما بين رجليه
يعني فرجه، ووقع في ((موطأ يحيى)) تكرار هذا العبارة ما بين لحييه وما بين رجليه
ثلاث مرات، قال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلايا على المرء في الدنيا
لسانه وفرجه فمن وُقِيَ شرَّهما وُقِيَ أعظم الشرّ.
(٥) خاتم أنبياء بني إسرائيل.
(٦) أي بل أكثروا ذكر الله.
(٧) بالنصب أي بسبب الغفلة عن الله.
٥٠٦

فإن القلب (١) القاسي بعيد من (٢) الله تعالى ولكن لا تعلمون(٣)
ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب (٤) وانظروا فيها كأنكم(٥)
عبيد، فإنما الناس (٦) مُبتَلَّى(٧) ومُعافىَّ فارحموا(٨) أهل البلاء(٩)
واحمدوا الله تعالى على العافية (١٠).
(١) تعليل للنهي .
(٢) أي من رحمته ولطفه.
(٣) قوله: ولكن لا تعلمون، أي هذا الأمر أنَّ كثرة الكلام بغير الذكر يُقسي
القلب، وأنه بعيد من الله، وورد مثل هذا عن نبينا وَّر: لا تُكثر الكلام بغير ذكر الله،
فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي،
أخرجه الترمذي .
(٤) جمع رب أي لا تنظروا إلى المذنبين بنظر الحقارة كما ينظر الربّ إلى
عبده .
(٥) ليحصل لكم الخشية والخوف.
(٦) أي لا يخلو الناس عن أحد هذين.
(٧) أي بالذنوب(١).
(٨) بالدعاء لهم، وستر عيبوهم.
(٩) أي المبتلين بالذنوب.
(١٠) من الذنوب.
(١) أو العاهات والمصائب كذا في الأوجز ٢٨٠/١٥.
٥٠٧

٩٧٦ - أخبرنا مالك، حدثني سميّ(١) مولى أبي بكر، عن
أبي صالح (٢) السّان، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَالله قال: السفر
قطعة(٣) من العذاب، يمنع أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابَه، فإذا قضى
(١) قوله: حدَّثني سمّي، هكذا عند جميع رواة الموطأ إلَّ أنَّ عند بعضهم:
((عن سُمَيّ)) بدون ذكر التحديث، وشذَّ خالد بن مخلد، فقال: مالك، عن سهيل
أخرجه ابن عدي، وذكر الدارقطني أن ابن الماجشون رواه عن مالك، عن سهيل
وأنه وهم فيه، والمحفوظ عن مالك عن سمّي، ورواه عتيق بن يعقوب، عن مالك،
عن أبي النضر، أخرجه الدارقطني والطبراني ووهم فيه أيضاً على مالك، ورواه
روّاد بن الجراح، عن مالك، عن ربيعة، عن القاسم، عن عائشة، وعن سميّ، عن
السمّان ... إلخ، فزاد إسناداً آخر أخرجه الدارقطني، وقال: أخطأ فيه روّاد وليس
ممن يُحتجّ به، والمعروف أنَّ مالكاً تفرَّد بهذا الإِسناد بهذه الرواية عن سمّي حتى
قال عبد الملك الماجشون، قال مالك: ما لأهل العراق يسألوني عن حديث ((السفر
قطعة من العذاب؟)) فقيل: لم يروه عن سُمَيّ غيرك، فقال: لو عرفت ما حدَّثت به.
وكذا تفرد سُمَيّ بروايته عن أبي صالح ولا يُحفظ عن غيره، وروى أبو مصعب عن
عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه مثله. وهذا يدلُّ على أنَّ له في حديث
سهيل أصلاً، وأما أبو صالح فلم يتفرَّد به بل رواه عن أبي هريرة سعيد المقبري
عند أحمد وجمهان عند ابن عدي ولم ينفرد به أبو هريرة أيضاً، فرواه الدارقطني
والحاكم بإسناد جيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وفي الباب عن
ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وجابر عند ابن عدي بأسانيد ضعيفة. هذا ملخص
ما بسطه ابن عبد البر وابن حجر.
(٢) اسمه ذكوان.
(٣) قوله: قطعة، بالفتح، أي جزء من العذاب، وبيَّن وجهه بقوله: يمنع
أحدكم أي في السفر نومه وطعامه وشرابه بنصب أواخرها بنزع الخافض أو على أنه
مفعول ثانٍ، والأول أحدكم أي يمنع السفر أحدكم معتاده في النوم وغيره. وسئل =
٥٠٨

أحدُكم نَهمته(١) من وجهه(٢) فَلْيُعَجِّلْ(٣) إلى أهله.
٩٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سالم بن
عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو علمتُ أن أحداً (٤)
أقوى على هذا الأمر منيّ لكان أنْ أُقدَّم (٥) فيُضرب عنقي أهونُ عليّ (٦)،
= إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه: لِمَ كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب
على الفور لأن فيه فراقَ الأحباب، قال ابن بطال: ولا تعارض بينه وبين حديث
ابن عمر مرفوعاً: ((سافروا تصحّوا))، لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من
الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب. انتهى. وفي ((شرح الزرقاني)) ورد عليَّ
سؤال من الشام هل ورد السفر قطعة من سقر كما هو دارجٌ على الألسنة فأجبت
لم أقف على هذا اللفظ، ولم يذكره الحافظان السخاوي والسيوطي في الأحاديث
المشهورة على الألسنة، فلعل هذا اللفظ حدث بعدهما، ولا تجوز روايته بمعنى
الحديث الوارد إذ من شرط الرواية بالمعنى أنْ يُقطع بأنه أُدِّي بمعنى اللفظ الوارد،
وقطعة من سقر لا يؤدِّي معنى قطعة من العذاب بمعنى التألم من المشقة لأن لفظ
سقر يقتضي المشقة جداً. انتهى. وفي ((شرح القاري)): ما اشتهر على الألسنة أن
السفر قطعة من السقر فليس بمحفوظ، وإنما يُحكى عن عليّ(١).
(١) بفتح النون أي حاجته.
(٢) أي من مقصده، وعند ابن عدي: فإذا قضى أحدكم وطره من سفره.
(٣) من التعجيل: أي فليرجع إلى أهله عاجلاً لينجو من العذاب والمشقة.
(٤) أي أحداً من الصحابة أقوى على إقامة الخلافة وانتظامها.
(٥) أي بين يدي الناس.
(٦) أي أسهل عليَّ من تحمُّل هذا الأمر الخطير.
(١) الحديث أخرجه البخاري في باب العمرة تحت باب السفر قطعة من النار.
٥٠٩

فمن وَلِيَ هذا الأمر بعدي (١) فليعلم أن سيردّه عنه(٢) القريبُ والبعيدُ،
وأيم اللهِ إن كنتُ لأقاتل الناس عن نفسي.
٩٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرُ، عن أبي الدرداء رضي الله
تعالى عنه، قال: كان الناس (٣) وَرَقاً(٤) لا شوك فيه، وهم اليوم شوك (٥)
لا ورق فيه، إن تركتَهم(٦) لم يتركوك وإن نقدتَهم نقدوك.
٩٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن
المسيّب يقول: كان إبراهيم (٧) عليه السلام أول الناس ضيَّف الضيف،
(١) أي من صار وليّاً للخلافة بعد موتي.
(٢) قوله: فليعلم أن سيردَّه عنه، أي عن نفسه باللطف والعنف. القريب
والبعيد، أي أهل بلده وغيرهم، أو الأقارب والأجانب. وأيم الله قسم. إن كنت،
أي قد كنت لأقاتل الناس خاصة وعامة عن نفسي حتى لا يكون لأحد عليَّ اعتراض
في ديني ودنياي وعرضي، كذا ذكره القاري.
(٣) أي السابقون الأولون .
(٤) يفتحتين: أي كورق من أوراق الأشجار الخالية عن الشوك، أي لم يكن
ضرر في مصاحبتهم.
(٥) أي يضرّ مجالستهم ويصل النقصان منهم.
(٦) قوله: إن تركتهم، أي إن تركتهم على حالهم ولم تتعرَّضْ منهم
لا يتركونك بل يبحثون عن حالك، وإن نقدتهم بأن تكلّمت في حقهم ما هو الحق،
وتعرضت بأحوالهم، ومِيَّزت بين حقهم وباطلهم نقدوك، وتكلموا في حقك عوضاً
ولو بالباطل. وأشار بذلك إلى فساد الزمان وأهله وهذا بالنسبة إلى عصره فما باله
من عصرنا هذا؟!
(٧) قوله: كان إبراهيم، الخليل على نبينا وعليه السلام. أول الناس ضيّف )
٥١٠

وأول الناس (١) اختتن، وأول الناس قصَّ شاربه، وأول الناس رأى
الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ فقال الله تعالى: وقار يا إبراهيم، قال:
ربِّ زدني وقاراً.
٩٨٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع
سعيد بن المسيّب يحدثه عن أنس أنه قال: قال (٢) رسول الله وَله: كأني
= الضيفَ، وكان له فيه اهتمام بليغ حتى كان لا يأكل بغير ضيف. وأول الناس
اختتن، من الاختتان وهو ابن ثمانين سنة بالقَدوم بالفتح كما أخرجه الشيخان وهو
بالفتح - اسم آلة النجّار - يعني الفاس، وقيل هو اسم موضع وقع اختتانه فيه،
وفي رواية لابن حبان وغيره: أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين وعاش بعده ثمانين.
وأول الناس قص شاربه، أي قطعه. وأول الناس رأى الشيب، أي بياض الشعر،
فقال: يا رب ما هذا؟ سأله تعجّباً لمّا لم يكن له سابقة به. فقال الله: وقار، أي باعث
وقار وعزة بين الناس، فقال: رب زدني وقاراً. وكذا ورد عن النبي وله: ((لا تنتفوا
الشيب فإنه نور الإِسلام)). ومن أوليات إبراهيم أنه أول من قصَّ أظفاره واستحدٍّ،
ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي سعيد، وأول من تَسَرْوَل، وأول من فرق كما عند ابن
أبي شيبة عن أبي هريرة، وأول من خضب بالحِنّاء والكتم، أخرجه الديلمي عن
أنس مرفوعاً، وأول من خطب على المنبر أخرجه ابن أبي شيبة، عن سعد بن
إبراهيم، عن أبيه، وأول من قاتل في سبيل الله أخرجه ابن عساكر عن جابر، وأول
من رتب العسكر ميمنة وميسرة، أخرجه ابن عساكر عن حسان بن عطية، وأول من
عمل القسي، أخرجه ابن أبي الدنيا، عن ابن عباس، وأول من عانق، أخرجه ابن
أبي الدنيا عن تميم الداري، وأول من ثّرّد الثريد، أخرجه ابن سعد عن الكلبي،
وأول من اتخذ الخبز المبلقس أخرجه الديلمي عن نبيط بن شريط، وأول من
راغم، أخرجه أحمد، عن مطرف، كذا ذكره السيوطي .
(١) في نسخة: من.
(٢) في بعض أسفاره حين رأى موسى يذهب إلى مكة ملبِّياً.
٥١١

أنظر (١) إلى موسى عليه السلام يهبط(٢) من ثنَيَّة(٣) هَرْشي ماشياً، عليه
ثوب أسود.
٩٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع
أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله وله الأنصار ليُقطِع (٤) لهم
بالبحرين(٥)، فقالوا: لا والله إلَّ أن تُقْطِع (٦) لإِخوانِنا من قريش مثلها،
مرتين أو ثلاثاً، فقال: إنكم سترون بعدي (٧) أَثَرَة فاصبروا حتى تلقّوْني.
(١) فيه إثبات حياة الأنبياء وأنهم يحجّون ويصلّون.
(٢) أي ينزل.
(٣) بفتح الثاء المثلثة وكسر النون وتشديد الياء. وهَرْشي، بفتح الهاء
وسكون الراء بعدها شين مفتوحة مقصورة موضع بين مكة والمدينة، كما في
(النهاية)).
(٤) أي من إقطاع الأراضي بالبحرين.
(٥) بلد قريب البصرة.
(٦) قوله: إلَّ أن تقطع، أي لا نرضى بأن تقطع لنا إلاّ أن تقطع لنا مرتين
أو ثلاث مرات لإِخواننا من قريش المهاجرين، فإن لهم علينا فضلاً. وهذا من كمال
زهد الأنصار ومواساتهم للمهاجرين.
(٧) قوله: إنكم سترون بعدي، أي بعد موتي أَثَرة(١) بفتحتين أي يستأثر
عليكم غيركم في ما تستحقونه من المناصب العلية كالإِمارة والقضاء فاصبروا حتى =
(١) قال الحافظ: أشار بذلك إلى أن الأمر يصير في غيرهم فيختصون دونهم بالأموال وكان الأمر
كما وصف ◌َله، وهو معدود فيما أخبر به من الأمور الآتية فوقع كما قال. فتح الباري ١١٨/٧.
٥١٢

٩٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن
إبراهيم التيمي، قال: سمعت علقمة(١) بن أبي وقاص (٢) يقول:
سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله وَ له يقول(٣): إنما
= تلقَوْني أي يوم القيامة. ورواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي بلفظ إنكم
ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، كذا في ((شرح القاري)).
(١) هكذا في نسخ عديدة وفي نسخة علقمة بن وقاص وهو الصحيح
الموافق لروايات كثيرين، قال في ((التقريب)) علقمة بن وقّاص بتشديد القاف الليثي
المدني، ثقة ثبت. أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل: إنه وُلد في العهد النبوي،
مات في خلافة عبد الملك.
(٢) في نسخة: ابن وقّاص.
(٣) قوله: يقول، هذا الحديث أحد أركان الإِسلام قد أخرجه جمع من
العظام، فرواه البخاري في ((صحيحه)) في مواضع(١): في باب الوحي بلفظ: ((إنما
الأعمال بالنيات)) وفي كتاب النكاح بلفظ: ((العمل بالنية))، وفي كتاب العتق بلفظ:
((الأعمال بالنية))، وكذا في الهجرة، وفي كتاب الأيمان بلفظ إنما الأعمال بالنية،
وكذا في كتاب الحِيَل. وعند مسلم في الجهاد ((إنما الأعمال بالنية))، وكذا
أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وعند ابن حبان والحاكم ((الأعمال
بالنيات)). وهذه الطرق كلها تدور على يحيى بن سعيد، عن التيمي، عن علقمة،
عن عمر. وذكر ابن دحية أنه أخرجه مالك في ((الموطأ)) ونسبه الحافظ ابن حجر في
((فتح الباري)) وفي ((التلخيص الحبير)) إلى الوهم، وقال: صدر هذا الوهم من
الاغترار بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك، وردّه السيوطي في ((تنوير
الحوالك)) بقوله في ((موطأ محمد بن الحسن))، عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على =
(١) أنظر رقم: ١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٠٦٩٥٣
٥١٣

الأعمال بالنية، وإنما لامرىءٍ(١) ما نوى، فمن كانت هجرتُه(٢) إلى الله
ورسولِهِ فهجرته(٣) إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبُها
أو امرأةٍ(٤) يتزوَّجُها فهجرتُه إلى ما .
= ما في سائر الموطآت، منها حديث إنما الأعمال بالنية، وبذلك يتبين صحة قول من
عزى روايته إلى ((الموطأ))، ووهم من خطأه في ذلك. انتهى. وهذا الحديث
لم يصح إلاّ من هذا الطريق الفرد، فلم يصح عن رسول الله إلاّ عن عمر، ولا عن
عمر إلّ من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلّ من رواية التيمي، ولا عن روايته إلّ
من رواية يحيى، وانتشر عنه وصار مشهوراً، فرواه أكثر من مائتي إنسان، وقد
وردت لهم متابعات لا يخلو أسانيدهم عن شيء كما حققه الحافظ في ((شرح
النخبة)) وغيره.
(١) قوله: وإنما لامرىء ما نوى، ذكر القرطبي وغيره أنه تأكيد للجملة
الأولى، والأُوْلى ما ذكره النووي أنها تفيد اشتراط تعيين المنوي كمن عليه فائتة
لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعيِّنها. والجملة الأولى تفيد اشتراط مطلق النية،
ومعناه إنما ثواب الأعمال بالنية وهذا متفق عليه، أو صحة الأعمال بالنية، وفيه
خلاف مشهور بين الحنفية والشافعية في العبادات الغير(١) المقصودة.
(٢) أي كان قصده من هجرته وتركه دار الحرب طاعة الله ورسوله ورضاه.
(٣) أي فهي موجبة للثواب ولرضاء الله ورسوله.
(٤) قوله: أو امرأة، ذكرها على حدة مع دخولها تحت دنيا للزيادة في
التحذير لأن الافتتان بها أشدّ، وقيل: خصّها(٢) بالذكر لما أن رجلاً هاجر من مكة إلى
(١) هكذا جاء في الأصل: (الغير المقصودة) وهو استعمال خاطىء، وغلط شائع، لما جمع فيه
من إدخال ((أل)) على ((غير)) مع الإِضافة إلى ما فيه ((أل)) وصوابه أن يقال (العبادات غير
المقصودة).
(٢) في الأصل: ((خصه))، وهو خطأ.
٥١٤

---
هاجر(١) إليه.
٥٧ - (باب الفأرة(٢) تقع في السَّمْن)
٩٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله(٣) بن
عتبة، عن عبد الله بن عباس(٤): أن النبي ◌َّرَ سُئل(٥) عن فأرة وقعت
= المدينة ليتزوج امرأة تسمَّى أم قيس، وكان يقال له مهاجر أم قيس، فلهذا خَصَّ في
الحديث ذكر المرأة، قال الحافظ في ((فتح الباري)»: قصة مهاجر أم قيس، رواها
سعيد بن منصور والطبراني، لكن ليس فيه أن هذا الحديث سيق لأجله.
(١) أي من أمور الدنيا لا خلاق له في العقبى.
(٢) موش(١).
(٣) نسبة إلى جدِّه فإنه عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة - بالضم - بن مسعود.
(٤) قوله: عن عبد الله بن عباس، ظاهره أن الحديث من مسند ابن عباس،
وكذا رواه القعنبي وغيره، ورواه أشهب وغيره عنه بترك ابن عباس، وذكر ميمونة بعد
عبيد الله، وأبو مصعب ويحيى بن بكير عنه بإسقاطها، والصواب ما في ((موطأ
يحيى)): مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس،
عن ميمونة، واختلف فيه أصحاب ابن شهاب أيضاً، فرواه ابن عيينة ومعمر عنه
على الصواب، والأوزاعي بإسقاط ميمونة، وعقيل مرسلاً بإسقاطهما، كذا ذكره
ابن عبد البر.
(٥) قوله: سئل، السائل هو ميمونة كما رواه الدارقطني من طريق يحيى
القطان وجويرية كلاهما، عن مالك به أن ميمونة استفتت عن الفأرة تقع في السمن
أي الجامد، كما في رواية ابن مهدي، عن مالك، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي =
(١) بالفارسية .
٥١٥

في سمن فماتتْ؟ قال: خذوها(١) وما حولها من السَّمْن فاطرحوه(٢).
قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا كان السمن(٣) جامداً (٤) أُخذت
الفأرةُ وما حولها من السمن فرُمِيَ به، وأُكل (٥) ما سوى ذلك، وإن كان
= في («مسنده)) عن سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب وزاد البخاري عن ابن عيينة، عن
ابن شهاب فماتت، وعند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة سئل رسول الله وَلقر عن
الفأرة تقع في السمن قال: إذا كان جامداً فألقوها وما حولها(١)، وإن كان مائعاً
فلا تقربوها، وبه أخذ الجمهور في الجامد والمائع، إِن المائع ینجس کله دون
الجامد، وخالف في المائع جمع منهم الزهري والأوزاعي، كذافي ((شرح
الزرقاني)).
(١) أي الفأرة.
(٢) أي ألقوه، وكلوا الباقي(٢).
(٣) وكذا نحوه من الأشربة .
(٤) في بعض النسخ جامساً وهو بمعناه.
(٥) لعدم وصول النجاسة إليه بسبب جموده.
(١) قال الباجي: هذا يقتضي أنه سئل عن سمن جامد ولو كان ذائباً لم يتميز ما حولها من غيره
ولكنه لما كان جامداً نجس ما جاورها بنجاستها، وبقي الباقي على ما كان عليه من
الطهارة. المنتقى ٢٩٢/٧.
(٢) في البذل: فيه دليل على المسألة الفقهية، وهي أن النجاسة إذا لم يُعلم وقت وقوعها يحكم
بوقوعها بالنسبة إلى الوقت الحادث إلى أقرب الأوقات كأنها وقعت في هذا الوقت، فإن
الفأرة لم يُعلم بأنها متى وقعت في السمن، وهل كان السمن وقت وقوعها سائلاً أو جامداً
أو كان بين بين، فاعتبر رسول الله وقوعها في الحال. انظر أوجز المسالك ١٨٥/١٥.
٥١٦

ذائباً(١) لا يُؤكل منه(٢) شيء، واسْتُصبحَ(٣) به. وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا .
٥٨ - (باب دباغ (٤) الميتة)
٩٨٤ - أخبرنا مالك، حدَّثنا زيد بن أسلم، عن أبي وَعلة (٥)
المصري، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله وَ لّ قال: إذا دُبِغ
الإِهَاب(٦) فقد طهُر(٧) .
٩٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا (٨) يزيد بن عبد الله بن قُسيط (٩)،
(١) أي مائعاً سائلاً.
(٢) لتنجسه كله.
(٣) قوله: استصبح، مجهول من الاستصباح أي استعمل في السراج وغيره،
وقَّده الفقهاء في كتبهم بغير المسجد فلا يجوز فيه الاستصباح بالسمن والدهن
النجس.
(٤) قوله: دباغ الميتة، أي جلد التي ماتت من غير ذبح شرعي، وهو بكسر
الدال عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية
أو بغيرها. وقد أخرج صاحب الكتاب في كتاب ((الآثار)) عن أبي حنيفة، عن
حماد، عن إبراهيم قال: كل شيء يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ.
(٥) عبد الرحمن بن وعلة بالفتح .
(٦) هو بالكسر الجلد الغير المدبوغ، وجمعه أُهُب بضمتين وفتحتين، كذا
في ((المصباح)) و((المغرب)).
1
(٧) بضم الهاء.
(٨) في كثير من النسخ زيد وليس بصواب.
1
(٩) على صيغة التصغير.
٥١٧

عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أمِّه(١)، عن عائشة زوج
النبي صل: أن رسول الله وَ ل أمر أن يُستمتع(٢) بجلود الميتة إذا دُبغت.
٩٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن
(١) قال الزرقاني: هي تابعية مقبولة لا يُعرف اسمها.
(٢) قوله: أمر أن يُستمتع، أي يُنتفع على أيّ وجه كان، وفي رواية للنسائي
وابن حبان، عن عائشة مرفوعاً: دباغ جلود الميتة طهورها، وفي رواية للنسائي :
ذكاة الميتة دباغها، وعند الدارقطني والبيهقي عنها: طهور كلِّ أديم دباغه. وفي
الباب عن زيد مرفوعاً: دباغ جلود الميتة طهورها، وسلمة بن المحبَّق أن
رسول الله وهل أتى في غزوة تبوك على بيت فإذا قِرْبة معلقة فسال الماء فقالوا: يا
رسول الله إنها ميتة، فقال: دباغها ذكاتها، وبهذه الأحاديث ونظائرها ذهب الجمهور
إلى الطهارة بالدباغة مطلقاً إلاَّ أنهم استثنَّوْا من ذلك جلد الإنسان لكرامته وجلد
الخنزير لنجاسة عينه، واستثنى أيضاً جلدَ الكلب مَنْ ذهب إلى كونه نجس العين،
وهو قول جمع من الحنفية وغيرهم، ولم يدل عليه دليل قويّ بعد، ومنهم من ذهب
إلى طهارة جلد مأكول اللحم بالدبغ دون غيره أخذاً من قصة شاة ميمونة، قال
النووي: هو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه. انتهى. والأحاديث
المطلقة العامة حجة عليهم، ومنهم من قال: لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، قال
النووي: رُوي هذا عن عمر وابنه عبد الله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد،
وإحدى الروايتين عن مالك. انتهى. والأحاديث الواردة في الطهارة بالدباغة حجة
عليهم، وقال أحمد في القديم: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ، ثم رجع عنه لمّا رأى
قوة الأخبار الواردة فيه(١).
(١) بسط شيخنا مذاهب العلماء في دباغ الجلود الميتة وطهارتها بالدباغ في الأوجز، فارجع إليه
١٨٧/٩.
٥١٨

عبد الله، قال(١): مرَّ رسول الله وق له بشاة كان أعطاها مولى لميمونة (٢)
زوج النبي وَل ميتة(٣) فقال رسول الله وقال: هلّا(٤) انتفعتم بجلدها،
قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: إنما حُرِّم أكلها(٥).
قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو (٦)
ذكاته ولا بأس بالانتفاع(٧) به، ولا بأس ببيعه. وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا رحمهم الله .
(١) قوله: قال: مرَّ، هكذا رواه جمع من رواة الموطأ عن عبيد الله مرسلاً
كابن بكير والقعنبي، والصحيح وصله عن ابن عباس كما رواه يحيى وابن وهب
وابن القاسم وجماعة ومعمر ويونس والزبيدي، وعقيل من أصحاب ابن شهاب، كذا
قال ابن عبد البر.
(٢) قوله: كان أعطاها مولى لميمونة، في رواية يحيى: أعطاها مولاة
الميمونة. وظاهرهما أن تلك الشاة قد أعطاها مولى أو مولاة لأحد. والذي في عامة
الكتب: صحيح مسلم وسنن النسائي وسنن أبي داود وغيره: أنها تصدَّقَ بها على
مولاة لميمونة .
(٣) صفة لشاة .
(٤) حرف تحضيض وفي رواية: أفلا.
(٥) قوله: إنما حُرِّم أكلها، مجهول من التحريم أو معروف ثلاثي بضم الراء
أي لم يحرم إلاّ أكل الميتة لا الانتفاع بأجزائها وجلدها، واستدل بظاهره الزهري
كما حكاه أبو داود وأحمد عنه أن جلود الميتة طاهرة ينتفع بها بغير الدباغة، وردّه
الجمهور بأنه ورد التقييد بالدباغ في روايات أخرى صحيحة فوجب القول به، كذا
في «فتح الباري)).
(٦) أي ذبحُه کذکاته بالفتح أي ذبحه .
(٧) وأما قبل الدبغ فلا يجوز البيع ولا الانتفاع.
٥١٩

٥٩ - (باب كَسْب الحَجّام)
٩٨٧ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس بن مالك
قال: حَجم (١) أبو طَيْبة رسولَ الله وَلِّ فأعطاه صاعاً من تمر وأمر أهله(٢)
أن يُخَفِّقُوا(٣) عنه من خَرَاجِه(٤).
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس أن يُعطى الحجّام أجراً على
حجامته. وهو قول أبي حنيفة(٥).
(١) قوله: حجم أبو طيبة، اسمه نافع، وقيل: ميسرة، وقيل: دينار، ذكره
السيوطي. وفي ((جامع الأصول)): أبو طيبة نافع الحجام مولى محيصة بن مسعود
الأنصاري صحابي معروف، وطَيْبة بفتح الطاء وسكون الياء وبالباء الموحدة.
(٢) أي موالِيَه.
(٣) من التخفيف.
(٤) قوله: من خَراجه، بالفتح هو ما يجعل العبد على نفسه لسيِّده في كل
يوم .
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الجمهور(١)، أخذاً من أحاديث
حجامة النبي وَل وإعطائه أجره، وقال ابن عباس: احتجم رسول اللّه وَّر في الأخدعين
وبين الكتفين وأعطى الحجّام أجره، ولو كان حراماً لم يعطه، أخرجه الترمذي في
الشمائل. وروي: كسب الحجّام خبيث، أخرجه الترمذي وغيره، وعند أحمد
وأصحاب السنن عن محيصة: أنه سأل النبي 8* عن كسب الحجام، فنهاه، فذكر
له الحاجة فقال: أعلفه نواضحك. وحمله الجمهور على النهي للتنزيه. ومنهم من
قال: محلّ الجواز ما إذا كانت الأجرة معلومة، والمنع ما إذا كانت مجهولة، وجنح =
(١) كذا في الأوجز ٢٠١/١٥.
٥٢٠