Indexed OCR Text

Pages 461-480

دُروس(١) العلم وذهاب العلماء.
قال محمد: وبهذا نأخذ. ولا نرى بكتابة العلم بأساً(٢). وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله .
٤٢ - (باب الخضاب (٣))
٩٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرنا محمد بن
إبراهيم، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن الأسود بن
= والترمذي، وغيرهما. وكذا ما أخرجه البخاري وغيره في حديث طويل: أن
النبي ◌َله خطب خُطبة بمكة، فقال رجل من اليمن يقال له أبو شاه: اكتبه لي
يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي شاه. وكذا ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي
وأحمد وغيرهم: من أنه سُئل عليّ هل عندكم كتاب؟ فقال: لا إلا كتاب الله
أو ما في هذه الصحيفة، فأخرج صحيفة فيها بعض أحكام الدِّيّة، ونحو ذلك. فبهذه
الآثار والأخبار أجاز الجمهور كتابة العلم وتدوينه لا سيّما إذا خاف ذهاب العلم،
فحينئذ يكون واجباً، وقد كان الصحابة ومن قرب منهم مُسْتَغْنِين عن ذلك غير
معتادين لذلك لاعتمادهم على حفظهم، وكثرة حَمَلة العلم فيهم، فلما صار الأمر
إلى ما صار احتيج إلى الكتابة إبقاءً للشريعة.
(١) بالضم أي اندراس العلم بموت العلماء.
(٢) قوله: بأساً، وقد ورد عن أبي سعيد: استأذنًا عن رسول الله في الكتابة
فلم يأذن لنا. وهو محمول على أول الأمر لما يُخاف باختلاطه بكتاب الله، أو على
عدم الضرورة بدليل ما عن أبي هريرة: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله
فيسمع منه: الحديث، فيعجبه ولا يحفظ، فشكاه ذلك إليه فقال رسول الله: استعن
بيمينك وأومأ بيده للخط، أخرجهما الترمذي .
(٣) قوله: باب الخضاب، بكسر الخاء من خضب يخضب خضاباً إذا صبغ
شعره الأبيض.
٤٦١

عبد يغوث كان جليساً(١) لنا، وكان أبيض(٢) اللحية والرأس، فغدا(٣)
عليهم ذات يوم، وقد حمّرها، فقال له القوم: هذا (٤) أحسن، فقال: إن
أمّي (٥) عائشة زوج النبي ◌َّ أرسلت إليّ البارحة(٦) جاريتَها نُخَيْلةَ (٧)
فأقسمَتْ(٨) عليّ لأصبغنّ، فأخبرتني (٩) أن أبا بكر رضي الله عنه كان
يصبغ(١٠).
(١) أي مجالساً ومصاحباً.
(٢) أي كان شعر لحيته ورأسه أبيض.
(٣) قوله: فغدا عليهم، أي فمرّ عبد الرحمن عليهم يوماً من الأيام صباحاً،
وقد جعلها أحمر وصبغها بالحمرة.
(٤) أي هذا اللون أحسن بالنسبة إلى البياض.
(٥) قوله: إن أمي، أطلق عليها أمّ لأنها أم المؤمنين، قال الله تعالى:
﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ .
(٦) أي في الليلة الماضية.
(٧) قوله: تُخَيْلة، بضم النون وفتح الخاء معجمة عند يحيى وغيره،
ومهملة عند البعض، وسكون التحتية، اسم جارية لعائشة، قاله الزرقاني.
(٨) أي عائشة أو نخيلة من جانب عائشة.
(٩) أي عائشة بواسطة أو نخيلة عنها.
(١٠) قوله: كان يصبغ، قال الزرقاني: قال مالك: في هذا الحديث بيان أن
رسول الله وَّي لم يصبغ ولو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود مع
قولها إن أبا بكر كان يصبغ أو بدونه، وقد أنكر أنس كونه يتلتر صبغ. وقال ابن عمر:
إنه رآه يصبغ بالصفرة. وقال أبو رمثة: أتيت النبي و# وعليه بردان أخضران، وله
شعر قد علاه الشيب، وشيبه مخضوبٌ بالحِنّاءِ، رواه الحاكم وأصحاب السنن.
٤٦٢

قال محمد: لا نرى بالخضاب بالوَسَمة (١) والحنّاء (٢) والصُّفْرة
: وسئل أبو هريرة: هل خضب رسول الله؟ قال: نعم. رواه الترمذي. وجُمع بأنه
صبغ في وقت وترك في معظم الأوقات فأخبر كلِّ بما رأى.
(١) قوله: بالوَسَمة، بفتحتين، ويفتح الأول وسكون الثاني، وبكسره أيضاً
على ما في ((القاموس)) و((المغرب))، هو ورق النيل، والخضاب به صرفاً لا يكون
سواداً خالصاً بل مائلاً إلى الخضرة، وكذا إذا خلط بالحناء وخضب به، نعم
لو خضب الشعر أوّلاً بالحنّاء صرفاً ثم الوسمة عليه يحصل السواد الخالص فيكون
ممنوعاً كما سيأتي ذكره.
(٢) قوله: والحِنّاء، بكسر الحاء وتشديد النون، ورق معروف يخضب
النساء به أيديهن وأرجلهن، ويكون لونه أحمر. والصفرة بالضم أي غير الزعفران
فإنه مكروه للرجال. بأساً أي خوفاً وضيقاً ففي ((مسند أحمد)) عن أبي أمامة
مرفوعاً: يا معشر الأنصار حمِّروا أو صفِّروا وخالِفُوا أهل الكتاب. وإن تركه أبيض
من غير خضاب فلا بأس، وأما الخضاب بالسواد الخالص فغير جائز لما أخرجه
أبو داود(١)، والنسائي وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ابن عباس
مرفوعاً: يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام(٢)،
لا يريحون رائحة الجنة. وجنح ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) إلى تضعيفه
مستنداً بما رُوي أن سعداً والحسين بن عليّ كانا يخضبان بالسواد، وليس بجيد =
(١) أخرجه أبو داود في السنن رقم ٤٢١٢ باب الترجل، ويقول المنذري كما في درجات مرقاة
الصعود ص ١٧١: أخرجه النسائي وفي إسناده عبد الكريم ولم ينسبه أبو داود، ولا النسائي
وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري والصواب أنه عبد الكريم بن
مالك الجزري وهو من الثقات اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، فالحديث
صحيح مختصراً.
(٢) دانه دان سينهائى كبوتران بالفارسية.
٤٦٣

بأساً، وإن تركه أبيض فلا بأس بذلك، كلُّ ذلك حسن(١).
٤٣ - (باب الولي (٢) يستقرض من مال اليتيم)
٩٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد قال: سمعت
القاسم بن محمد يقول: جاء رجل (٣) إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال
له: إن لي (٤) يتيماً وله إبل فأشرب(٥) من لبن إبله؟ قال له ابن عباس:
= فلعله لم يبلغهما الحديث، والكلام في بعض رواته ليس بحيث يُخرجه عن حيز
الاحتجاج به، ومن ثَمَّ عدّ ابن حجر المكي في ((الزواجر» الخضاب بالسواد من
الكبائر، ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً: من خضب بالسواد
سوّد الله وجهه يوم القيامة، وعند أحمد: وغيِّروا الشيب ولا تقربوا السواد. وأما
ما في ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً: إن أحسن ما اختضبتم به هذا السواد أرغب لنسائكم
وأهيب لكم في صدور أعدائكم، ففي سنده ضعفاء فلا يُعارِض الروايات
الصحيحة، وأخذ منه بعض الفقهاء جوازه في الجهاد.
(١) أي من الخضاب والترك.
(٢) في نسخة: الوصيّ. أي من يربّي اليتيم، ويصلح أموره.
(٣) في رواية: أعرابي. قد أخرج هذه القصة سعيد بن منصور وعبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس أيضاً.
(٤) أي في تربيتي وحفظي .
(٥) قوله: فأشرب من لبن إبله، يحتمل أن يكون خبراً وأنْ يقدَّر استفهاماً (١)
وعلى كلّ تقدير فمراده الاستفتاء، قال له ابن عباس. إنْ كنت تبغي ضالة إبله، أي
تطلب ما فقد من إبله وضاع من ماله وتخدم في ما يتعلق بحاله. وتهنأ، أي تطلي =
(١) كما في نسخة يحيى: أفأشرب.
٤٦٤

إن كنتَ تبغي ضالَّة إبله، وتَهْنَأ جَرْبَاها وتليط حوضها، وتسقيها يوم
وِرْدِها فاشرب غير مضر بنَسْلٍ ، ولا ناهكٍ في حلبٍ.
قال محمد: بلغنا(١) أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذکر
= يقال: هنأ الإِبل، إذا طلاه ودلك على جسده القطران بالفتح وهو دواء يُطلى به
الإِبل المبتلاة بالجرب وغيره. جرباها(١)، بالفتح إبله الجرباء بالقطران. وتليط
حوضها، وفي نسخة تلوط أي تطيّنه وتصلحه، وليحيى: تلُطّ بضم اللام وتشديد
الطاء. وتسقيها، أي الإِبل يوم وردها بالكسر أي شربها، فاشرب من لبنه فإنك(٢)
تستحقه من خدمتك، غير مضرّ بالنصب أي حال كونك غير ضارٌ، بنسل بفتحتين
أي بالولد الرضيع، ولا ناهكٍ بكسر الهاء أي غير ضائع في حلب، يقال: نهكت
الناقة أنهكها إذا لم يبق في ضروعها لبناً، والحَلَب بفتحتين اللبن المحلوب
وبتسكين اللام الفعل، والمعنى غير مستأصل اللبن، كذا ذكره القاري وغيره(٣).
(١) قوله: بلغنا، هذا البلاغ أخرجه عبد الرزاق، وابن سعد وسعيد بن
منصور وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر
والنحّاس في («ناسخه)) والبيهقي في سننه من طرق عن عمر، قال: إني أنزلت
نفسي في مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيتُ استعففت وإن احتجت أخذت
منه بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق
عليّ، عن ابن عباس: ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف يعني القرض. وكذا أخرجه
ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه، وأخرج عبد بن حميد والبيهقي من طريق
(١) والجربى: مؤنث أجرب، كذا في المحلى. أوجز المسالك ٣٣٩/١٤.
(٢) في الأصل: ((فإنه)).
(٣) قال الباجي: وقوله: فاشرب غير مضر بنسل: والحديث على معنى إباحة له ليشرب من
لبنها على شرطين: أحدهما: لا يضر بأولادها. والثاني: أن لا يستأصل في اللبن.
المنتقى ٢٣٨/٧.
٤٦٥

والي اليتيم، فقال: إن استغنى استعفَّ، وإن افتقر أكل بالمعروف
قرضاً. بلغنا عن سعيد بن جبير فسَّر هذه الآية ﴿ومن كان غنّيّاً
فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كان فقيراً فليأكل بالمَعْرُوفِ﴾ قال: قرضاً(١).
٩٣٨ - أخبرنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق (٢)، عن
صِلَة (٣) بن زُفَر: أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال:
أوصني (٤) إلى يتيم، فقال: لا تشتَرِيَنَّ (٥) من ماله شيئاً ولا تستقرض من
= ابن جبير عنه قال: والي اليتيم إن كان غنياً فليستعفف ولا يأكل، وإن كان فقيراً أخذ
من فضل اللبن، وأخذ بالقوت لا يجاوزه، وما يستر من عورته فإذا أيسر قضى، وإنْ
أعسر فهو في حِلّ. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي
عنه، قال: إذا احتاج والي اليتيم وضع يده فأكل من طعامهم ولا يلبس منه ثوباً
ولا عمامة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عنه قال: يأكل وليّ مال اليتيم بقدر قيامه
على ماله، ومنفعته له ما لم يسرف أو يبذّر. وفي الباب آثار أُخَر مبسوطة في ((الدر
المنثور)) للسيوطي .
(١) أي في معنى الأكل بالمعروف.
(٢) هو عمرو بن عبد الله بن علي السبيعي الهمداني الكوفي.
(٣) قوله: عن صلة، هو صلة بكسر الصاد وفتح اللام، بن زُفَر بضم الزاء
وفتح الفاء أبو العلاء العبسي الكوفي، روى عن عمار وحذيفة وابن مسعود وعليّ،
وابن عباس، وعنه أبو وائل، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأيوب السختياني وغيرهم، قال
الخطيب وابن خراش وابن حبان: ثقة، وكذا عن ابن معين والعِجلي وابن نمير،
مات في خلافة مصعب بن الزبير، كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(٤) أي انصحني في أمرٍ يتيمٍ هو في كفالتي.
(٥) بصيغة النهي مع النون المشددة .
٤٦٦

ماله شيئاً(١).
والاستعفاف(٢) عن ماله عندنا أفضل . وهو قول
أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.
٤٤ - (باب الرجل ينظر إلى عورة(٣) الرجل)
٩٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت
عبد الله بن عامر يقول: بينا(٤) أنا أغتسل ويتيم كان في حَجْر أبي،
يَصُبُّ أحدنا على صاحبه إذ طلع علينا عامر ونحن كذلك، فقال: ينظر
بعضكم إلى عورة بعض؟ والله إني كنت لأحسبكم خيراً منّا. قلت(٥):
(١) قوله: ولا تستقرض من ماله شيئاً، هذا بظاهره دالّ على عدم جواز
الاستقراض أيضاً وهو محمول على حالة الاستغناء وعدم الحاجة، وأما عند الحاجة
فيجوز كما دلت الآثار السابقة فإن اضطر إلى الأكل جاز أكله.
(٢) هذا قول المؤلف أي الكفّ عن ماله ولو استقراضاً إذا لم يحتج إليه
أفضل من غيره.
(٣) بفتح العين: ما يجب ستره.
(٤) في نسخة: بينما. قوله: بينا أنا أغتسل ويتيم كان في حَجْر - بالفتح -
أبي، يعني كان في تربية أبي عامر. يصُبّ أحدنا، أي أحد منا، أنا واليتيم، وكانا
يغتسلان عاريين في موضع واحد فيلقي الماء أحدهما على صاحبه الآخر. إذ طلع
علينا، أي ظهر علينا جاء إلينا أبي عامر بن ربيعة، ونحن أنا واليتيم كذلك، أي
نغتسل ونصب الماء فقال أي عامر متعجباً وزاجراً: ينظر بعضكم إلى عورة بعض
وهو حرام، والله إني كنت لأحسبكم أي نظنكم خيراً منّا أي في الديانة والتقوى،
وقد ظهر خلاف ذلك حيث لا تخاف الله وتنظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه .
(٥) قوله: قلت، أي في خاطري: قوم، أي هم قوم وُلدوا - مجهول - في
الإِسلام أي وعُلِّموا الأحكام ولم يولدوا في شيء من الجاهلية ليكونوا معذورين في
٤٦٧

قوم وُلِدوا في الإِسلام لم يُؤْلَدوا في شيء من الجاهلية، والله لأظنّكم
الخَلْفَ.
قال محمد: لا ينبغي للرجل (١) أن ينظر إلى عورة أخيه المسلم)((٢)
إلَّ من ضرورة لُداواة ونحوه(٣).
٤٥ - (باب النفخ في الشُّرْب (٤))
٩٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب (٥) بن حبيب مولى سعد بن
= الجهل ببعض الآداب الدينية: والله لأظنكم الآن الخَلْف بفتح الخاء وسكون اللام
لا بفتحها، ففي ((المصباح» هو خلف صدق من أبيه إذا قام مقامه، وهو خَلْف سوء
بالسكون هذا أكثر كلامهم، ومنهم من يجيز الفتح والسكون في النوعين، وعلى
السكون جاء التنزيل ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أضَاعُوا الصَّلَاةِ﴾(١)، كذا ذكره
القاري .
(١) وكذا للصبي المراهق.
(٢) وكذا الكافر.
(٣) قوله: إلَّ من ضرورة لمداواة، بالضم ونحوه(٢)، فإن الضرورات تُبيح
المخطورات فيجوز النظر إلى عورة الرجل والمرأة للاحتقان، والختان، والخفض
أي ختان المرأة، وموضع القرحة وغير ذلك، ومن مواضع الضرورة حالة الولادة
فيجوز للقابلة النظر إلى فرج المرأة، ومنها النظر إلى موضع البكارة إذا احتيج إليه
في مسألة العِنِين. والبسط في كتب الفقه.
(٤) في نسخة: الشراب. بالضم مصدر، أي في حالة شرب الماء وغيره.
(٥) قوله: أخبرنا أيوب بن حبيب، قال الذهبي في ((الكاشف)): أيوب بن =
(١) سورة مريم: الآية ٥٩.
(٢) في نسخة: ونحوها.
٤٦٨

أبي وقّاص، عن أبي المثنى الجهني (١) قال: كنت عند مَرْوان بن الحكم
فدخل أبو سعيد(٢) الخُدري على مروان، فقال له مروان (٣): أسمعتَ
من رسول الله 18 أنه نهى عن النفخ في الشراب؟ قال: نعم (٤)، فقال
= حبيب المدني، عن أبي المثنى، وعنه مالك وفليح وثقه النسائي، وقال أيضاً في
((الكنى)): أبو المثنى الجهني، عن سعد وأبي سعيد، وعنه أيوب ومحمد بن
أبي يحيى ثقة. انتهى. وقال ابن عبد البر: لم أقف على اسمه.
(١) بالضم نسبة إلى جهينة.
(٢) سعد بن مالك.
(٣) استخبار.
(٤) قوله: قال نعم، سمعته نهى عن النفخ في الشراب، وروي النهي عنه
أيضاً من حديث ابن عباس عند أحمد، وزيد بن ثابت عند الطبراني، وزاد أبو سعيد
الخُدري على الجواب ذاكراً سؤال رجل عن رسول الله وَ* وجوابه عند نهيه عن
النفخ في الشراب، فقال: فقال له أي لرسول الله و 18 رجل ممن حضر ذلك
المجلس: إني لا أُرْوَى - بفتح الألف وسكون الراء - من نَّفَس - بفتحتين -
واحد، يعني لا يحصل لي الريّ من الماء في تنفّس واحد، فلا بدَّ لي أن أتنفّس
في الشراب، فقال له رسول اللّه وََّ: أَبِنْ - أمرٌ من الإِبانة - القَدَح - بالفتح - أي
قدح الشراب عن فيك ثم تنفس، قال ذلك الرجل: فإني أرى القَذَاة - بالفتح -
عود أو شيء في الشراب يتأذى به الشارب فيه أي الماء، فلا بدَّ لي أن أنفخ في
الشُرب ليذهب ذلك القذاة. قال له رسول الله ورسله: فأهرقها بسكون الهاء من الإِراقة
بزيادة الهاء أي فأرق تلك القذاة عن الشراب، ولا تنفخ فيه. وإنما نهى عن النفخ
في الشراب لئلا يقع من ريقه فيه شيء فيقذُّره، وقد يتغير الماء بالنفخ(١)، وفي
(١) والأطباء الروميون في هذا الزمان يشدِّدون في النهي عن النفخ أشد النهي، ويزعمون أن
٤٦٩

له رجل: يا رسول الله، إني لا أرْوَى من نَفَس واحد، قال: فأبِنْ القَدَحَ
عن فيك ثم تنفّس، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: فأهرِقْها.
٤٦ - (باب ما يُكْرَهُ(١) من مصافحة النساء)
٩٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن أُمَيْمَة(٢)
بنت رُقَيْقَة أنها قالت: أتيتُ رسول الله وَله في نسوة تُبَايِعُه(٣) فقلنا:
= الحديث دليل على إباحة الشرب من نَفَس واحد لأنه لم ينه الرجل عنه، بل قال له
ما معناه: إنْ كنت لا تروى من واحد فأبِن القدح، حكاه ابن عبد البر عن مالك،
وورد النهي عن ذلك أيضاً، ومجرد الجواز لا ينافي الكراهة، فعند الترمذي:
لا تشربوا واحدة كشُرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسَمُّوا إذا أنتم شربتم.
(١) قوله: باب ما يُكره، ذكر صاحب ((الهداية)) وغيرها أنه لا يجوز مصافحة
النساء إذا كانت مما تشتهى، أما لو كانت عجوزاً لا تُشتهى أو كان الرجل شيخاً
كبيراً فلا بأس به لانعدام خوف الفتنة.
(٢) قوله: عن أُمَيْمة، بضم الهمزة وفتح الميم وتحتية ساكنة ثم ميم، بنت
رُقَيْقَة بقافين على وزن أميمة، وهي أخت خديجة أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد،
فخديجة خالة أميمة، وأبوها نجاد بن عبد الله بن عمير، وقيل: عبد الله بن نجاد
القرشي، كذا في ((الاستيعاب)) وغيره.
(٣) في نسخة: نبايعه. قوله: في نسوة تبايعه، قال القاري: صفة لجماعة
النسوة، ويحتمل أن يكون بنون المتكلم، وتُسمّى هذه البيعة بيعة النساء(١)، =
النفس تخرج الأبخرة الحارة السمية المشتملة على الجراثيم فتختلط بالشراب فإذا شربه
أحد عن ذلك ترجع هذه الجراثيم إلى الجوف فتحدث أمراضاً كثيرة، كذا في الأوجز
٢٦٥/١٤.
(١) قال الباجي: هذه البيعة التي ذكرتها أميمة كانت بالمدينة بعد الحديبية، المنتقى ٣٠٧/٧.
٤٧٠

يا رسول الله، نُبايعُك على أن لا نُشرك بالله شيئاً(١)، ولا نسرق،
ولا نزني، ولا نقتل (٢) أولادنا، ولا نأتي ببهتان نَفْتريه(٣) بين أيدينا (٤)
وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف(٥)، قال رسول الله وصل: فيما
استطعتُنَّ (٦)، وأطفْتُنَّ، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا (٧) منّا بأنفسنا،
:
= قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُ إذا جَاءَك المومناتُ يُبَايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ باللَّهِ
شَيْئاً ولا يَسْرِقْنَ، ولا يَزْنِينَ، ولا يَقْتُلْنَ أولادَهن ولا يَأْتِيْنَ بِبُهَتاٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيدِيهِنَّ،
وَأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِيْنَكَ في معروفٍ فَبَايِعْهُنَّ واستَغْفِرِ لَهُنَّ اللّهَ﴾(١).
(١) عامّ لكونه في سياق النفي.
(٢) كما كانت عادة أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية إملاق.
(٣) أي نختلقه.
(٤) قوله: بين أيدينا وأرجلنا، قال الزرقاني: أي من قِبَل أنفسنا فكنّى
بالأيدي والأرجل عن الذات، لأن معظم الأفعال بهما، أو أن البهتان ناشىء عما
يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم يبرزه بلسانه.
(٥) قوله: معروف، أي في ما عُرف شرعاً وفيه إشارة إلى أن لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق.
(٦) أي هذا كله بحسب طاقتكن.
(٧) قوله: أرحم، أي حيث قال الله: ﴿فَاتَّقوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾(٢)، وقال
رسوله: فيما استطعتُنَّ، فأوجبا الامتثال بحسب الطاقة البشرية ولم يُكَلَّفا بما ليس
في الوسع.
(١) سورة الممتحنة: الآية ١٢.
(٢) سورة التغابن: الآية ١٦.
٤٧١

هَلُمَّ (١) نُبايعك يا رسول الله وََّ، قال: إنِّي لا أَصافِحُ النساءَ(٢)، إنما
قولي لمائة امرأة كقولي (٣) لامرأة واحدة، أو (٤) مثل قولي لامرأة
واحدة .
(١) قوله: هلُمَّ، أي تعال نبايعك باليد كما تبايع الرجل بالمصافحة، وعند
النسائي فقلن: ابسُطْ يدك نصافحك.
" (٢) قوله: إني لا أصافح النساء، فيه دليل على أنه لا ينبغي المصافحة عند
البيعة بالنساء، وأن بيعة النبي وسي* بالنساء لم يكن بأخذ اليد، وهو مُفاد قول
عائشة: ما مست يدُ رسول الله يدَ امرأة قط إلَّ امرأةً يملكها، أخرجه البخاري، وفي
رواية له عنها: ((ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلاّ بقوله: قد
بايعتُكِ على ذلك)). وأخرج أبو نعيم في ((كتاب المعرفة)) من حديث نُهَيَّةَ بنت
عبد الله البكرية قالت: وفدت مع أبي على النبي ◌َّر فبايع الرجال وصافحهم،
وبايع النساء ولم يصافحهن. وعند أحمد من حديث ابن عمر: أنه وُّ لم يكن
يصافح النساء. وجاءت أخبار ضعيفة بمصافحته النساء عند البيعة أحياناً، فعند
الطبراني من حديث معقل بن يسار: أن النبي # كان يصافح النساء في بيعة
الرضوان من تحت الثوب، وأخرج ابن عبد البر، عن عطاء وقيس بن أبي حازم:
أن النبي 8 18 كان إذا بايع لم يصافح النساء إلَّ على يده ثوب(١)، كذا ذكره
ابن حجر والزرقاني، ولعله محمول على مصافحة العجائز، وقوله ◌َل# في حديث
الباب ((لا أصافح النساء)) الثابت بالطرق الصحيحة صريح في عدم مصافحته.
(٣) أي في حصول البيعة ووجوب الطاعة.
(٤) شكّ من الراوي في اللفظ والمعنى واحد.
(١) وضع الثوب على يده كان في أول الأمر، كذا في الأوجز ٢٦٢/١٥.
٤٧٢

٤٧ - (باب فضائل أصحاب(١) رسول الله (وَلا)
٩٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع
سعيد بن المسيّب يقول: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: لقد جَمَعَ
لي(٢) رسول الله ◌َّ أَبَوَيْه يوم أُحُد.
٩٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال
ابن عمر رضي الله عنهما: بعث رسول الله وَلَهَ بَعْثاً(٣) فأمَّر(٤) عليهم
أسامة بن زيد، فطعن(٥) الناس(٦) في إِمْرَته، فقام رسول الله وَجَه،
وقال: إِنْ تطعنوا في إمْرَته فقد كنتم تطعنون(٧) في إِمْرَة أبيه من قبلُ،
(١) أي بعضهم.
(٢) قوله: لقد جمع لي، أي قال يوم غزوة أُحد ارْمِ فداك أَبي وأمّي،
وكذا جمع للزبير بن العوام كما عند الترمذي وغيره، وفيه منقبة عظيمة لهما.
(٣) بالفتح، أي أرسل جيشاً(١).
(٤) أي جعله أميراً عليهم.
(٥) قوله: فطعن الناس في إمرته، قال القاري: بكسر الهمزة أي في إمارته
وولايته لكونه صغير القوم وحقيرهم في الصورة، ولأنه من الموالي، وكان في القوم
أبو بكر وعمر.
(٦) أي المنافقون أو أجلاف العرب.
(٧) قوله: فقد كنتم تطعنون، أي قبل ذلك في إمارة أبيه زيد بن حارثة
متبنّى رسول الله وحِبِّه.
(١) قال الحافظ: هو البعث الذي أمر بتجهيزه في مرض وفاته. فتح الباري ٨٧/٧.
٤٧٣

وأيْمُ (١) اللَّهِ إِنْ (٢) كان (٣) لِخَلِيقاً(٤) للإِمْرة، وإنْ كان(٥) ◌َمِنْ أحبّ الناس
إليّ من بعده(٦).
٩٤٤ - أخبرنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن
عبد الله (٧) بن مَعْمَر، عن عُبَيد(٨) يعني ابن حنين، عن أبي سعيد
الخُدري: أن رسول الله وَلهر جلس على المنبر(٩) فقال: إن عبداً (١٠)
(١) بهمزة مفتوحة بمعنى القسم.
(٢) مخفّفة من مثقّلة مكسورة.
(٣) أي أسامة .
(٤) أي لائقاً.
(٥) أي أسامة.
(٦) أي بعد أبيه زيد.
(٧) في نسخة: عبيد الله.
(٨) قال ابن حجر في ((التقريب)): عبيد بن حُنين بنونين مصغّراً، أبو عبد الله
المدني ثقة، قليل الحديث، مات سنة خمس ومائة.
(٩) أي للخُطبة .
(١٠) قوله: إن عبداً، وصف نفسه بالعبودية لأنها المرتبة الكاملة اقتداءً بقوله
تعالى في حقه: ﴿سُبْحَان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه لَيلاً﴾(١)، وبقوله تبارك: ﴿الذي نَزَّلَ
الفُرِقَان علَى عَبْدِه﴾(٢)، وبقوله تعالى: ﴿أرأيتَ الَّذِي ينهى * عبداً إذا صلى﴾(٣)، =
(١) سورة الإسراء: الآية ١ .
(٢) سورة الفرقان: الآية ١.
(٣) سورة العلق: الآية ٩ - ١٠.
٤٧٤

خيَّره الله تعالى بين أن يُؤْتِيَه من زهرة الدنيا(١) ما شاء، وبين ما عنده (٢)،
فاختار العبد ما عنده، فبكى أبو بكر(٣) رضي الله عنه، وقال: فَدَيْناك
بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا (٤) له، وقال الناس: انظروا إلى هذا
١٠
= وبقوله تعالى: ﴿وَأَنَّه لَمَّا قَام عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوه كَادوا يَكُونُون عَلَيْهِ لِيَدَأَ﴾(١) فإن المراد
بالعبد في هذه الآيات هو النبي وَالر، وإنما أبهم الأمر، ولم يعيِّن نفسه من بدو
الأمر إحالةً على إفهام حُذّاق الصحابة وامتحاناً لفهمهم، ولئلا يحصل لهم الملال
دفعة بسماع خبر مصيبةٍ عظيمة .
(١) قوله: من زَهرة الدنيا، بالفتح أي بهجتها وزينتها، قال النووي في
((شرح صحيح مسلم)): المراد بزهرة الدنيا نعيمها وأعراضها وحدودها، شبَّهها بزهرة
الروض.
(٢) أي ما عنده من لَذَّة العقبى والدرجات العلى.
(٣) قوله: فبكى أبو بكر، لما أنه كان من أفقه الصحابة وأعلمهم بالأسرار
النبوية، ففهم أن مراده بالعبد المخيّر المختار ما عند الله هو نفسه، فبكى حزناً على
فراقه، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا أي أنت عندي بآبائنا معاشر المسلمين،
وأمهاتنا، فإن بقاءك خير لنا من بقاء آبائنا وأمهاتنا.
(٤) قوله: قال فعجبنا، أي قال أبو سعيد الخُدْري: فتعجبنا - نحن حُضَّارَ
الصحابة - من بكاء أبي بكر، وقال الحاضرون بعضهم لبعض على سبيل
الاستعجاب: انظروا إلى هذا الشيخ مع كِبَر سنَّه ووفور علمه يخبر رسول الله بخبر
عبد من عباد الله، وهو يَفْدي الآباء والأمهات عليه. وهذا التعجب إنما كان لعدم
وصول الأفهام إلى ما فهمه أبو بكر، ثم ظهر لهم ما ظهر له أن العبد الذي أخبر عنه
رسولُ الله كان نفسه.
(١) سورة الجِنّ: الآية ١٩.
٤٧٥

الشيخ يُخبر رسول الله ﴿ ﴿ بخبر عبدٍ خيّه الله تعالى، وهو يقول: فديناك
بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله وَال هو المُخَيِّر (١)، وكان أبو بكر
رضي الله عنه أعلَمنا به(٢). وقال(٣) رسول الله وَله: إن أمنَّ الناس (٤)
عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متَّخَذً(٥) خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر
. (١) أي بين الأمرين الدنيا والعقبى.
(٢) أي بهذا الأمر، أو بالنبي وَله وبسرّه، وفيه منقبة عظيمة لأبي بكر
بإقرار الصحابة .
(٣) أي في تلك الخطبة .
(٤) قوله: إن أمنَّ الناس، قال ذلك تسلية لأبي بكر، ودفعاً لحزن حصل له
بخبر الرحلة النبوية، وإظهاراً لفضله على سائر الصحابة، ومعناه أن أمنَّ الناس اسم
تفضيل من المنّ يعني كثير المنَّة والإِحسان عليّ في صحبته وماله أبو بكر حيث
صحبه إذ لم يصحبه غيره فكان رفيقه في الغار، وأسلم حين لم يسلم أحد من
الرجال، وكان له عند ذلك على ما رُوي أربعون ألفاً أنفقها كلَّها على
رسول الله ﴾. وعند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة قال رسول الله وكلين :
ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلَّ قد كافأناه ما خلا أبا بكر فإنَّ له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم
القيامة(١)، وما نفعني مال أحد قطّ ما نفعني مال أبي بكر.
(٥) قوله: ولو كنت متخذاً، قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): قال
القاضي: أصل الخلَّة الافتقار والانقطاع، فخليل الله المنقطع إليه، وقيل: الخلّة
الاختصاص، وقيل: الخلَّة الاصطفاء، وقيل: الخليل من لا يسع قلبه غيره،
والمعنى أن حبّ الله لم يُبْقِ في قلبه موضعاً لغيره.
(١) قال الحافظ: فإن ذلك يدل على ثبوت يد لغيره إلاّ أن لأبي بكر رجحاناً، فالحاصل أنه
حيث أطلق أراد أنه أرجحهم في ذلك. فتح الباري ١٣/٧ .
٤٧٦

خليلاً ولكن أخوة (١) الإِسلام، ولا يُبْقَيْنَّ(٢) في المسجد خَوخة إلَّ خوخة
أبي بكر.
٩٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن إسماعيل (٣) بن
:
(١) أي الإِخوة الحاصلة بيني وبينه بسبب الإِسلام كافية، وفي رواية: ولكن
أخي وصاحبي، وفي رواية لمسلم والترمذي: إلَّ أني أبرأ إلى كلِّ خلِّ من خلِّه،
ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، إنَّ صاحبكم خليل الله .
(٢) قوله: ولا يُبْقَيَنَّ، بصيغة المجهول في المسجد. خَوْخَة، بالفتح باب
صغير إلى المسجد يدخل منه، إلاّ خوخة أبي بكر، وفيه منقبة عظيمة لأبي بكر،
وإشارة إلى استخلافه لكون الخليفة محتاجاً إلى المسجد في كل وقت، وقد ورد
نظير ذلك لعليّ من قوله وَله: ((سُدُّوا الأبواب كلَّها إلَّ باب علي))، أخرجه أحمد
والنسائي في ((السنن الكبرى)) والضياء في ((المختارة)) والحاكم والترمذي والطبراني
وغيرهم بألفاظ متقاربة متعددة، وقد أخطأ ابن الجوزي حيث حكم بوضعه زعماً منه
أنه معارِضٌ لما في الصحاح من حديث خوخة أبي بكر، وليس كذلك فإن عليّاً
لم يكن له باب إلّ إلى المسجد، وكان الأصحاب لهم بابان باب إلى المسجد
وباب إلى خارجه، فأمر النبي وَله بسدِّ الأبواب إلاّ باب عليّ ثم أحدث الناس
الخوخة إلى المسجد، فأمر الناس بسدِّها إلاّ خوخة أبي بكر، وكانت القصة الأولى
قبل غزوة أحد، والثانية في مرض الوفاة النبوية، كذا حققه الحافظ ابن حجر في
((القول المسدد في الذب عن مسند أحمد))(١) والسيوطي في ((شد الأثواب في سد
الأبواب)).
(٣) هو إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمَّاس الأنصاري المدني،
ذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين)) .
(١) وكذا في فتح الباري ١٥/٧.
٤٧٧

محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت(١) بن قيس بن شَمَّاس (٢)
الأنصاري، قال: يا رسول الله، لقد خَشِيْتُ أن أكونَ قد هلكتُ قال:
◌ِ(٣)؟ قال: نهانا الله أن نُحِبَّ أن نُحْمَدَ(٤) بما لم نَفْعَلْ، وأنا امرؤ أُحِبّ
الحمدَ(٥)، ونهانا عن الخُيَلاء(٦)، وأنا امرؤ أحِبُّ الجمالَ(٧)، ونهانا اللَّهُ
(١) هو من أعلام الأنصار شهد أحداً وما بعدها، وكان خطيب الأنصار،
استشهد يوم اليمامة سنة ١٢ هـ، كذا في ((جامع الأصول)).
(٢) بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم.
(٣) في نسخة: ثم قال: بِمَ، أي لأيِّ شيء هلكتَ.
(٤) قوله: نهانا الله أن نُحِبَّ أن نُحْمَدَ، بصيغة المجهول. بما لم نفعل، أي
بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبِنَّ الذين يَفْرَحُونَ بَمَا أُتُوا وَيُحِبُّون أن يُحمَدُوا بِمَا
لَمْ يَفْعَلُوا﴾(١) الآية نزلت في شأن المنافقين.
(٥) أي ثناء الناس لي .
(٦) بضم الخاء وفتح الياء، الكبر.
(٧) قوله: وأنا امرؤ أحب الجمالَ، كأنه ظنَّ أن مجرد حبِّ الجمال من
الخُيلاء، وقد نُهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يُحِبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ﴾(٢)، وقد
روى الترمذي عن ابن مسعود قال: قال النبي وَله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه
مثقال ذرَّةٍ من كبر، فقال رجل: إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً،
فقال: إن الله يحب الجمال، ولكن الكِبْر مَنْ بَطَر الحق، وغَمَص الناس، أي
احتقرهم وافتخر عليهم.
(١) سورة آل عمران: الآية ١٨٨.
(٢) سورة النساء: الآية ٣٦.
٤٧٨

أن نرفعَ (١) أصواتَنا فوق صوتِكَ، وأنا رجلٌ جَهِيْرِ(٢) الصوتِ، فقال
رسول الله وَله: يا ثابت، أما(٣) تَرْضِىَ أن تعيش (٤) حميداً(٥)، وتُقْتَلَ
شهيداً(٦)، وتَدْخُلَ الْجَنَّةَ(٧) .
٤٨ - (باب صفة النبي (3 1)
٩٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٨) ربيعة، عن (٩) أبي
(١) قوله: أن نرفع أصواتنا، بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصوَاتكم
فَوَقَ صَوتِ النَّبِي ولا تَجْهَروا له بالقَوْل كجَهْرِ بعضِكم لِبَعضٍ أن تَحْبَط أعمالكم
وَأَنْتُم لَا تَشْعُرُون﴾(١).
(٢) أي عالي الصوت، وكان في سمعه ثقل، من كان كذلك يكون جهير
الصوت غالباً.
(٣) بهمزة، وما نافية قاله تسلیةً له.
(٤) أي في الدنيا.
(٥) أي محموداً.
(٦) وكان كذلك.
(٧) قوله: وتدخل الجنة، قال القاري: لعل قوله ولو ببشارته إلى الجنة
متضمّن أنه ليس ممن يظنُّ نفسَه أنه في الخصائل الدنيَّة والشمائل الرديَّة .
(٨) قوله: أخبرنا ربيعة عن أبي عبد الرحمن، هكذا في نسخ عديدة،
والصواب في بعض النسخ موافقاً لما في ((موطأ يحيى)) وغيره: عن ربيعة بن أبي
عبد الرحمن أنه سمع ... إلخ، وهو المعروف بربيعة الرأي.
(٩) في نسخة : بن.
-
(١) سورة الحجرات: الآية ٢.
٤٧٩

عبد الرحمن، أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله وَله: ليس
بالطويل بالبائن (١)، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، وليس بالآدم،
وليس بالجَعْد القَطَّط، ولا بالسَّبِط، بعثه الله على رأس أربعين سنة (٢)،
(١) قوله: ليس بالطويل البائن، مِنْ بَانَ إذا ظَهَر أي المُفْرط في الطول،
ولا بالقصير أي البائن كما صرح به في رواية مسلم عن البراء يعني أنه بينهما، وعند
البخاري عن أنس: كان رَبْعة من القوم. ولا بالأبيض الأمهق، من المهق، شدة
البياض أي ليس شديد البياض، كلون الجِصّ. وليس بالآدم، بالمد، أي لا شديد
السمرة، وإنما كان يخالط بياضه الحُمْرة. وليس بالجَعْد، بفتح الجيم وسكون
العين ودال مهملة أي منقبض الشعر، يتجعّد ويتكسّر كشعر الحبش، والزَّنج.
القطط، بفتح القاف والطاء الأولى ويجوز كسرها، وهو مقابل السَّبِط بفتح السين
وكسر الموحدة، أي المنبسط المسترسل يعني أن شعره ليس نهاية في الجعودة
ولا في السبوطة بل وسطاً بينهما كذا في ((شرح شمائل الترمذي)) لعلي القاري
وغيره.
(٢)) قوله: على رأس أربعين سنة، أي آخر أربعين سنة من عمره، وهذا
القول بأنه بُعث في الشهر الذي ولد فيه، والمشهور عند الجمهور أنه وُلد في الربيع
الأول وبُعث في رمضان، فعلى هذا يكون حين البعث أربعون سنة ونصف أو تسع
وثلاثون ونصف، فمن قال أربعين ألغى الكسر، أو جبر. وأما ما رواه الحاكم أنه
بُعث وهو ابن ثلاث وأربعين(١)، وعن مكحول أنه بُعث ابن اثنين وأربعين فشاذٌ،
كذا ذكره الحافظ ابن حجر.
(١) وقال القاري: ولعل الجمع بينهما بأن بعث النبوة في أول الأربعين وبعث الرسالة في رأس
ثلاثة وأربعين، كذا في الأوجز ٢١٣/١٤ .
٤٨٠