Indexed OCR Text
Pages 401-420
قال محمد: وبهذا نأخذ. ينبغي (١) للرجل أن يجيب الدعوة العامة، ولا يتخلّف عنها إلا لعلّة، فأما الدعوة الخاصّة فإن شاء أجاب وإن شاء لم يُجب. ٨٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَلقول: طعام الاثنين(٢) كافٍ للثلاثة وطعام الثلاثة كافٍ للأربعة. (١) قوله: ينبغي، على سبيل السُّنّة والتأكُّد. للرجل أنْ يجيب الدعوة العامة، التي لا تكون لرجل خاص بحيث لو علم الداعي أنه لا يحضر لا يفعله. ولا يتخلّف عنها، أي عن الدعوة العامة. إلا لعِلّة بالكسر، كمرض وحاجة ونحو ذلك، فأمّا الدعوة الخاصة فإن شاء أجاب وهو السُّنّة إذا خلا عن الرياء والسمعة ونحو ذلك، لأنه من حُسْن العِشرة. وإن شاء لم يُجِبْ، إلا إذا خاف ملال أخيه. ..---- (٢) قوله: طعام الاثنين، أي الطعام الذي يشبع الاثنين كافٍ للثلاثة، والمشبع للثلاثة كافٍ للأربعة. وفي ((صحيح مسلم)) من حديث عائشة: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية، وعند ابن ماجة: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة. وعند الطبراني: كلوا جميعاً ولا تفرّقوا فإن الطعام الواحد يكفي الاثنين. والغرض من هذه الأحاديث الحضّ على المكارمة والتقنّع بالكفاية، والمواساة بأنه ينبغي إدخال ثالث لطعامهما ورابع أيضاً حسبما يحضر وإن البركة تنشأ من كثرة الاجتماع(١) فكلما ازداد الجمع زادت، كذا في ((الكوكب الدراري» و «فتح الباري» وغيرهما. (١) قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة. فتح الباري ٥٧٤/١٠. ٤٠١ ١٧ - (باب فضل المدينة(١)) ٨٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن أعرابياً(٢) بايع رسولَ الله وَلّر على الإِسلام، ثم أصابه وَعَك(٣) بالمدينة، فجاء إلى رسول الله وَلّر فقال: أقلني (٤) بيعتي، فأبى(٥)، ثم جاء فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاء فقال: أقلني (١) النبوية على ساكنها أفضل الصلوات والتحية. (٢) قوله: أن أعرابياً، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ((ربيع الأبرار)) أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور، صرّحوا بأنه هاجر فوجد النبي ◌َّه قد مات، فإن كان محفوظاً فلعله رجل آخر، وفي ((الذيل)) لأبي موسى المديني في الصحابة قيس بن حازم المنقري . (٣) قوله: وَعَك، بالفتح وبفتحتين، الحُمَّى، وكانت المدينة في أوائل الإِسلام ذا وباءٍ وحُمَّى شديدة، فدعا النبي ◌َّر، فنقل حُمَّاها إلى الجُحْفة وكانت إذ ذاك مسكن اليهود وصارت المدينة أطيب البلاد أرضاً وهواءً وماءً ورد بذلك أخبار بسطها السيوطي في رسالته ((كشف الغُمَّى عن فضل الحُمَّى)). (٤) من الإِقالة، أي رُدّ عليّ بيعتي فإني لست براضٍ به(١). (٥) قوله: فأبى، وقيل: إنما استقاله من الهجرة، ولم يُرِدْ الارتداد عن : (١) قوله: (أقلني بيعتي) إنما كان ظناً منه أن البيعة كما كانت انعقدت به له فكذلك انفساخها منوط بمشيئته وإرادته، ولم يكن الأمر كذلك بل المدار في ذلك على عقيدة المسترشد وإرادته إن ثبت على عهده الذي عقد فذلك وإلا انفسخ، وإنما أبى النبي # إقالته ذلك الذي عهد لأنه كان ارتداداً من الإِسلام، فكيف لا ينكره النبي صل#. الكوكب الدرّي ٤٥٩/٤. ٤٠٢ بيعتي، فأبى، فخرج(١) الأعرابي، فقال رسول الله وليتو: إن المدينة کالکیر(٢)، تنفي خبثها وتنصح طِيبها . ١٨ - (باب اقتناء(٣) الكلب) ٨٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيفَة، أن السائب بن الإِسلام، ولو أراد الردّة لقتله هناك، وقيل: استقاله من القيام بالمدينة، وقيل: TT كانت بيعته على الإِسلام إنْ كانت بعد (١) الفتح فلم يُقِلْه، لأنه لا يحل الرجوع إلى الكفر، وإن كان قبله فهي على الهجرة والمُقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه الأصلي . (١) أي من المدينة إلى البدو. (٢) قوله: إن المدينة كالكِير، بكسر الكاف المنفخ الذي يُنفخ به النار، أو الموضع المشتمل عليها. تَنْفي، بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء. خَبَثَها، بفتحتين ما تبرزه النار من وسخ وقذر من الذهب والفضة، ويروى بضم الخاء وسكون الباء. وتَنْصَع، بفتح الفوقية، وفي رواية بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد من النصوع، بمعنى الخلوص أي يخلص ويميز. طِيْبها، بكسر الطاء وسكون الياء، شبّه المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد بالكير، وما يدور عليه بمنزلة الخبث فيذهب الخبث ويبقى الطيب، فكذا المدينة تنفي شِرارها(٢) بالبلاء وتطهّر خيارهم وتزكّيهم، كذا في ((شرح الزرقاني)). (٣) أي اتخاذه وتربيته. (١) في الأصل: ((قبل الفتح))، وهو تحريف. انظر شرح الزرقاني (٢٢١/٤). (١) قال العيني: فإن قلت إن المنافقين سكنوا في المدينة وماتوا بها ولم تنفهم، قلت: كانت المدينة دارهم أصلاً ولم يسكنوها بالإِسلام ولا حباً له، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يُرِد ◌َاهُ بضرب المثل إلا من عقد الإِسلام راغباً فيه ثم خبث قلبه. عمدة القاري ٢٤٦/١٠. ٤٠٣ يزيد أخبره، أنّه سمع سفيان(١) بن أبي زهير وهو رجلٌ من شَنُوءَة، وهو (٢) من أصحاب رسول الله وَلل يحدّث (٣) أناساً معه، وهو عند باب المسجد، قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: من اقتنى(٤) كلباً لا يُغني به (١) قوله: سفيان بن أبي زُهير، بضم الزاء، قال ابن المديني وخليفة: اسم أبيه الفرد، وقيل: نمير بن عبد الله بن مالك، ويقال له النميري لأنه من ولد النمر بن عثمان بن نصر بن زهران، نزل المدينة، وكان رجلاً من أَزْد بفتح الهمزة وسكون الزاء المعجمة، شَنُوءَة بفتح الشين وضم النون بعد الواو همزة مفتوحة ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سباء، قبيلة معروفة، كذا ذكره الزرقاني . (٢) هذا كلام أحد الرواة والظاهر أن قائله السائب بن يزيد. (٣) أي سمع سفيان حال كونه يحدِّث عند باب المسجد النبوي . (٤) قوله: من اقتنى، من الاقتناء، وهو من القِنْية بالكسر أي اتّخذ كلباً. لا یغني به، أي لا يحفظ صاحبه به أو لا يحفظ الكلب بنفسه، أو لأجل صاحبه، وفي ((موطأ يحيى)): لا يغني عنه زرعاً، بالفتح أي حرثاً. ولا ضَرعاً، بالفتح المراد به المواشي أصحاب الضروع كالغنم والبقر. نُقِص من عمله، أي أجر أعماله وثواب عباداته كل يوم من أيام الاقتناء مالم يتب. قيراط، قال الباجي: هو قدر لا يعلمه إلا الله يعني أن الاقتناء يكون سبباً لنقصان ثوابه وحرمانه، فإن من السيئات ما يحبط الحسنات، وقيل: المراد من النقص أن الإِثم الحاصل بقدر قيراط أو قيراطين فيوازن ذلك القدر من أجر عمله، وقيل: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملاً، فإذا اتخذه نقص من ذلك العمل. وسبب النقص إما امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب أوما يلحق المارِّين من الأذى أو عقوبة لمخالفة النهي عن الاتخاذ، وفي رواية ابن عمر نقص من عمله قيراطان، قال الزرقاني: قيل من عمل الليل قيراط، ومن عمل النهار قيراط، وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل قيراط، ولا يخالفه قوله في الحديث السابق: قيراط لأن الحكم للزائد أو يُنَزّل على حالين. ٤٠٤ زرعاً ولا ضرعاً نُقِص من عمله كل يوم قيراط. قال(١): قلت: أنت سمعتَ هذا من رسول الله وَ رَ؟ قال: إيْ(٢) وربّ الكعبة وربِّ هذا المسجد . قال محمدٌ: يُكره(٣) اقتناء الكلب لغير منفعة، فأما كلب الزرع أو الضرع أو الصيد أو الحرس (٤) فلا بأس به. ٠ ٨٩٢ - أخبرنا مالك، عن عبد الملك(٥) بن مَيْسَرة، عن إبراهيم (١) أي السائب من سفيان طلباً لتحقيق روايته. (٢) بالكسر(١) كلمة إيجاب أي نعم أنا سمعت منه. (٣) قوله: يكره اقتناء الكلب لغير منفعة، هذا بالإِجماع، وأما بيعه فلا يجوز عند الشافعي مطلقاً، وبه قال أحمد، وعند بعض المالكية يجوز بيع الكلب المأذون بإمساكه، وعندنا يجوز مطلقاً إلا إذا كان عقوراً لا يقبل التعليم والأدلّة مذكورة في الهداية وشروحها . (٤) بالفتح أي حفاظة البيوت وغيرها. (٥) قوله: عن عبد الملك بن مَيْسَرة، بفتح الميم وفتح السين بينهما ياء مثناة تحتية، كذا ضبطه في ((المغني)) وفي ((تهذيب التهذيب)) عبد الملك بن ميسرة الهلالي، أبو زيد العامري الكوفي، روى عن ابن عمر وأبي الطفيل وطاوس وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة ومسعر ومنصور، قال ابن معين والنسائي والعجلي: ثقة، وذكره البخاري في من مات في العشر الثاني من المائة الثانية . = (١) (إي) حرف جواب بمعنى: ورب هذا المسجد، الواوللقسم، هكذا لفظ البخاري، وفي رواية سليمان بن بلال: ورب هذه القبلة، قال الحافظ: القسم للتوكيد وإن كان السامع مصدقاً، كذا في الأوجز ١٦٣/١٥. ٤٠٥ النَّخَعي قال: رخّص رسول الله وَّر لأهل البيت القاصي(١) في الكلب يتخذونه . قال محمد: فهذا(٢) للحرَس. ٨٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: من اقتنى كلباً - إلّ كلبَ ماشيةٍ أو ضارياً(٣) - نُقِص من عمله كلَّ يوم قيراطان . = انتهى ملخصاً. وهناك ابن ميسرة آخر وهو عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العزرمي الكوفي، روى عن أنس وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، وعنه شعبة والثوري والقطان وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن مسعود وغيرهم مات سنة ١٤٥، ذكره في ((تهذيب التهذيب)) أيضاً. (١) أي البعيد عن العمارة المحتاج إلى الحراسة. (٢) قوله: فهذا، أي هذا الذي رخصه رسول الله ومطهر لأهل البيت القاصي كان للحفظ، فعلم جوازه منه . (٣) قوله: أو ضارياً، أي معلَّماً للصيد معتاداً له، ومقتضى هذه الرواية حصر الجواز في كلب الصيد وحفظ المواشي، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم والترمذي وغيرهما إلا كلبَ حرث أو ماشية، ومدار الحصر على اختلاف المقامات واعتقاد السامعين، فالمقام الأول اقتضى إخراج كلب الصيد، والثاني استثناء كلب الزرع ولا تنافي في ذلك، كذا في ((الكواكب الدراري)». ٤٠٦ ١٩ - (باب ما يُكره من الكذب وسوء الظن والتجسُّس(١) والنميمة(٢)) ٨٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سليم، عن(٣) عطاء بن يسار: أن رسول الله و # سأله رجل فقال: يا رسول الله أَكْذِبُ(٤) امرأتي؟ قال رسول الله وَله: لا خير(٥) في الكذب، فقال يا رسول الله: أعِدُها(٦) وأقولُ، قال(٧) رسول الله وَليل: لا جُناح(٨) عليك. قال محمد: وبهذا نأخذ. لا خير في الكذب في جِدّ(٩) ولا هزل، (١) أي التفتيش عن عيوب الناس وسرائرهم. (٢) أي نقل كلام قوم إلى قوم على جهة الإِفساد. (٣) قوله: عن عطاء بن يسار، ليس في ((موطأ يحيى)) ذكره، بل فيه مالك عن صفوان بن سليم أن رجلاً، الحديث، قال ابن عبد البر: لا أحفظه مسنداً بوجه من الوجوه، ورواه ابن عيينة عن صفوان، عن عطاء مرسلاً. (٤) بحذف الاستفهام أي أأكذبُ من امرأتي؟ (٥) أي بل هو شرّ كلّه من امرأته كان أو من غيرها. (٦) قوله: أعِدُها، بحذف همزة الاستفهام أي أعِدُها من الوعدة. وأقولُ، أي لها بلساني أفعلُ لك كذا وكذا ولا يكون في نيّتي إيفاؤه. (٧) في رواية ((يحيى)): فقال أي في جوابه. (٨) قوله: لا جُناح، بالضم أي لا إثم عليك في ذلك، للفرق بين الكذب والوعد لأن ذلك ماضٍ وهذا مستقبل، وقد يمكنه تصديق خبره فيه، قاله الباجي في ((شرح الموطأ)). (٩) قوله: في جِدّ، بكسر الجيم وتشديد الدال خلاف الهَزْل، والهَزْل = ٤٠٧ فإن وسعَ الكذب(١) في شيء ففي خَصْلة واحدةٍ أن ترفَعَ عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، فهذا نرجو أن لا یکون به بأس. ٨٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ له قال: إيّاكم (٢) والظنَّ، فإن الظنَّ أكذب(٣) الحديث،. = بالفتح إظهار ما ليس في قلبه وصدق همّته بلسانه لرضاء المخاطب وسروره ونحو ذلك. (١) قوله: وسع الكذب، أي إنْ جاز في صورة ففي صورة واحدة وهي أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مَظْلِمة بكسر اللام أي ظلماً بسبب الكذب، ومنه الكذب للإصلاح بين الناس، وفيه إشارة إلى أن التعريض في مثل هذه الصور أحوط . (٢) قوله: إياكم والظن، أي احذروا وقُوْا أنفسَكم من الظنّ، أي ظَنّ السوء بالمسلم وهو تهمة يميل إليها(١) القلب بلا دليل، ويركن إليها والمراد به عقد القلب، وحكمه على غيره بالسوء بلا دليل، وهو حرام كسوء القول، وأما الخواطر وحديث النفس فعفو، كذا حققه الغزالي في ((إحياء العلوم)). (٣) قوله: أكذب الحديث، أي حديث النفس لأنه يكون بوسوسة الشيطان في قلب الإِنسان، قال الخَطّبي: ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تُناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضرّ بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بلا دليل، وقال عياض: استدل بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي، وحمله المحققون على ظنِّ مجرّدٍ عن الدليل ليس مبنيّاً على أصل ولا تحقیق نظر. (١) في الأصل إليه، وهو تحريف. ٤٠٨ ولا تجسَّسُوا(١) ولا تنافسوا(٢) ولا تحاسدوا(٣) ولا تباغضوا(٤) ولا تدابروا، وكونوا عبادَ(٥) الله إخواناً(٦). ٨٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن (١) قوله: ولا تجسّسوا، من التجسّس، وهو البحث والتفتيش عن معائب الناس وسرائرهم، وفي رواية: بزيادة ((ولا تحسّسوا)) بالحاء مكان الجيم من التحسس، وهو بمعنى التجسس، ومنهم من فرّق بأن الذي بالحاء استماع حديث القوم، والثاني البحث عن العورات، وقيل غير ذلك، كما بسطه الزرقاني في «شرحه)) . (٢) قوله: ولا تنافسوا، من المنافسة، الرغبة في الشيء وطلب الانفراد به، وُلُوّه فيه، والمنهي عنه التنافس في أمور الدنيا لطلب العلوّ والفخر على الناس، وأما في أمور الخير فجائز، بل مستحب لقوله تعالى: ﴿فليتنافس المتنافسون﴾(١). (٣) قوله: ولا تحاسدوا، من الحسد وهو تمنّ زوال ما أنعم الله على غيره أراده لنفسه أم لم يُرد، وأما تمنِّي مثله لنفسه من غير أن يزول عن غيره فهو غِبْطة بالكسر جائزة . (٤) قوله: ولا تباغضوا، أي لا تكسبوا أسباباً مفضية إلى البغض والعداوة، وهو مذموم إذا كان لغير الله، وأما إن كان في الله فهو مندوب، وكذا التدابر أي مهاجرة أخيه وترك السلام والكلام معه، كأنّ كلّ منهما يُوْلِي دُبُره ويُعرض عن أخيه فإن لم يكن في الله فهو حرام، وإن كان الله كمهاجرة أهل البدع من حيث ابتداعُهم فهو مندوب، كما بسطه السيوطي في رسالته ((الزجر بالهجر)). (٥) أي عبيده الخوّاص الكاملين. (٦)، خبر بعد خبر أي متآخِين ومتاحبِّين في ما بينهم. (١) سورة المطفّفين: الآية ٢٦. ٤٠٩ أبي هريرة، عن رسول الله وَللهول أنه قال: من شرّ الناس(١) ذو الوجهين الذي(٢) يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. ٢٠ - (باب الاستعفاف (٣) عن المسألة والصدقة) ٨٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخُدري: أنّ ناساً(٤) من الأنصار سألوا (١) أي عند الله يوم القيامة. (٢) قوله: الذي يأتي، تفسير لذي الوجهين وإشارة إلى أنه ليس المراد به تعدد الوجه حقيقة فما جعل الله لرجل من وجهين في جسده، بل المراد أنه يأتي قوماً بوجه وقوماً بوجه آخر، فيظهر عند كل أحد ما يخفيه عن الآخر كذباً وخداعاً، وإفساداً ونفاقاً. (٣) قوله: باب الاستعفاف(١) عن المسألة، أي السؤال، وأخذ الصدقة أي طلب العفّة والكفّ عنه من غير حاجة . (٤) قوله: أنّ ناساً، قال الحافظ ابن حجر: لم يتعيَّنْ لي أسماؤهم إلا أنّ في النسائي ما يدل على أن أبا سعيدٍ الراوي منهم، وللطبراني عن حكيم بن حزام أنه خوطب ببعض ذلك لكنه ليس أنصاريًّاً إلا بالمعنى الأعمِّ، وردّه العيني بأنّ في النسائي عن أبي سعيد: سرَّحَتْني أمي إلى رسول الله وَّ ه يعني لأسأله من حاجة شديدة فأتيته فاستقبلني، فقال: من استغنى أغناه الله، الحديث وزاد فيه: من سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت: ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله. وليت شعري أيّ دلالة هذا من أنواع الدلالات وليس فيه شيء يدل على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم . (١) ترجم البخاري: باب الاستعفاف عن المسألة، قال الحافظ: أي في شيء من غير المصالح الدینیة، فتح الباري ٣٣٦/٣. ٤١٠ رسول الله ور فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى أنفَدَ(١) ما عنده، فقال: ما يكنْ(٢) عندي من خير فلن أدَّخِرَه (٣) عنكم، من يستعِفَّ(٤) يَعُفَّه(٥) اللَّهُ، ومن يستَغْن(٦) يُغنه الله، ومن يَتَصَبِّرْ(٧) يُصَبِّرْه الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً هوخيرٌ (٨)، وأوسعُ من الصبر(٩). ٨٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه(١٠) م (١) أي أفرغ وأفنى، ولم يبق منه شيء. (٢) شرطية وفي رواية: ما يكون فما موصولة. (٣) قوله: فلن أدّخره، بتشديد الدال المهملة أي لن أحفظه وأجعله ذخيرة معرضاً عنكم بل كل ما يكون عندي أعطيه لكم. - (٤) بتشديد الفاء وكسر العين أي يطلب العفة، ويكفّ عن السؤال. (٥) قوله: يَعُفَّه، بفتح حرف المضارع وضم العين وفتح الفاء المشددة، أو من الإِعفاف أي يرزقه العفّة ويوفقه ما يمنعه عن الذِّلّة. (٦) قوله: ومن يستغن، أي يُظهر الغنى بما عنده عن المسألة. يُغنه الله، من الإِغناء أي يمدّه بالغنى عن الناس فلا يحتاج إلى أحد. (٧) قوله: ومن يتصبّر، بتشديد الباء أي يعالج صبراً ويتكلّفه مع الضيق. يُصبِّره الله، أي يرزقه صبراً ويوفقه له. (٨) في رواية خيراً بالنصب صفة عطاء. (٩) لكونه جامعاً لمكارم الأخلاق. (١٠) قوله: أن أباه، أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وفي رواية أحمد بن منصور البلخي، عن مالك، عن عبد الله، عن أبيه، عن أنس. ٤١١ أخبره: أن رسول الله وَالر استعمل (١) رجلاً من بني عبد الأشْهل(٢) على الصدقة، فلما قدم سأله أَبْعِرَةً(٣) من الصدقة، قال (٤): فغضب رسول الله وَثُ حتى عُرف(٥) الغضبُ في وجهه، وكان مما يُعْرَفُ به الغضبُ في وجهه أن (٦) يَحْمَرَّ عيناه، ثم قال: الرجل يسألني ما(٧) لا يصلح لي ولا له، فإن منعتُه كرهتُ(٨) المنعَ، وإن أعطيتُه أعطيته ما لا (٩) يصلح لي ولا له، فقال الرجل: لا أسألك منها(١٠) شيئاً أبداً. قال محمد: لا ينبغي أن يُعطى من الصدقة (١١) غنياً. وإنما نَرَى(١٢) (١) أي جعله عاملاً وناظراً. (٢) بالفتح وسكون الشين: بطن من الأوس. (٣) قوله: أَبْعِرَة، بالفتح وسكون الباء وكسر العين جمع بعير، أي سأله عدداً من تلك الإِبل زيادة على قدر عمله. (٤) أي الراوي. (٥) أي بأثره وهو الحُمْرة. (٦) لشدّة الغضب وكظمه الغيظ. (٧) ومنه مال الصدقة . (٨) لكون جبلّته على الجود والكرم. .----- - (٩) لعدم حِلّه لي وله. (١٠) أي من الصدقة. (١١) أي إلا العامل عليها بقدر عمله. (١٢) أي نَظُنّ. ٤١٢ ،،۔ ٠٠ أن النبي ◌َّ قال ذلك(١)، لأنّ الرجل كان غنياً(٢)، ولو كان فقيراً لأعطاه منها . ٢١ - (باب الرجل يكتب إلى الرجل يبدأ(٣) به) ٨٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنه كتب (٤) إلى أمير المؤمنين عبد الملك يُبايعه(٥) فكتب(٦): بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد(٧)، لعبد (١) أي ذلك الكلام الدالّ على الامتناع لذلك العامل. (٢) قوله: كان غنّاً، كما يفيده قوله إنْ أعطيتُه أعطيتُه بما لا يصلح لي وله، فلا يحلّ له من مال الصدقة إلا بقدر عمله لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ والمَسَاكِين وَالعَامِلِين عَلَيهَا﴾(١). (٣) قوله: يبدأ به، أي بالرجل المكتوب إليه، ويذكر اسمه ونعته في صدر مراسلته، ثم يذكر اسم نفسه وما يقوم مقامه . (٤) قوله: أنه كتب، في رواية البخاري، عن ابن دينار قال: شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، يعني بعد قتل عبد الله بن الزبير، وانتظام المُلْك له وتفرُّده به، ومبايعة الناس له. (٥) جملة حالية. (٦) أعاده تفسيراً وتثبيتاً. (٧) قوله: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، هذه كلمة ينبغي استعمالها في صدور الكتب والرسائل، وقد استعملها النبي مثل# في صدور مكاتبته إلى كسرى = (١) سورة التوبة: الآية ٦٠. ٤١٣ الله (١) عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلامٌ عليك(٢)، فإني أُحَمَد (٣) إليك الله الذي لا إله إلّ هو وأُقِرُّ (٤) لك بالسمع (٥) والطاعة على = وهرقل وغيرهما، ويقال: أول من تكلم بها داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويُستحبُّ أيضاً البداية بالبسملة، وعليه كانت كُتُب النبي ◌َّ بعدما نزلت حكاية كتابة سليمان إلى مَلِكة سبأ بلقيس: ((إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرجيم))، وقد ورد أن النبي ◌َل﴿ كان يكتب أولاً باسمك اللَّهم، كما كان أهل الجاهلية يكتبونه حتى نزلت: ﴿بسم الله مَجراها ومُرسها﴾(١) فكتب بسم الله إلى أن نزلت: ﴿قال ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ فكتب بسم الله الرحمن إلى أن نزلت آية كتاب سليمان، فكتب البسملة التامَّة، أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو عبيد عن الشعبي. وفي الباب، عن أبي مالك أخرجه أبو داود في («مراسيله))، وميمون بن مهران، أخرجه ابن أبي حاتم، وكذا عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة، كما ذكره السيوطي في ((الدرّ المنثور)). (١) قوله: لعبد الله، أي هذا مكتوبَ لأجله أو اللام بمعنى إلى، ووصفه بعبد الله إشارة إلى أنه ينبغي له الخضوع وعدم الاغترار بالملك. (٢) قوله: سلام عليك، بالتنكير وهو والتعريف فيه متساويان، وقيل: التنكير أوْلى اقتفاءً بما في القرآن: ﴿سلامٌ على نوح﴾ و﴿سلام على إبراهيم﴾ وغير ذلك، وقيل عند الخطاب والمشافهة التعريف أَوْلى اقتداءً بالأحاديث الواردة به . (٣) أي أُنهي(٢) إليك حمده. (٤) من الإِقرار. (٥) أي سمع ما تأمره وتنهاه، والإِطاعة فيه لقوله تعالى: ﴿أطيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولي الأمرِ مِنْكُمْ﴾ (٣). (١) سورة هود: الآية ٤١ . (٢) والأظهر أن يقال أحمد الله منتهياً إليك، كذا في الأوجز ١١٥/١٥. (٣) سورة النساء: الآية ٥٩. ٤١٤ سُنَّةِ الله (١)، وسُنَّة رسول الله وَلّ فيما استطعت(٢). قال محمد: لا بأس إذا كتب الرجل إلى صاحبه أن يبدأ بصاحبه(٣) قبل نفسه . ٩٠٠ - عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت: أنه كتب إلى معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت(٤). (١) قوله: على سُنّة الله، أي على طريقته وطريقة رسوله وشريعته، أشار بذلك إلى ما ورد ((لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق))، أخرج الترمذيُّ نحوَه وغيره . (٢) أي في ما قدرت(١) فإن التكليف والأِّباع ليس إلَّ بحسب الوسع، وما هو خارج عنه. (٣) أي يذكره قبل ذكره. (٤) قوله: من زيد بن ثابت، تتمَّته: سلامٌ عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّ هو، أما بعد: فإنك كتبت تسألني عن ميراث الجدّ والإِخوة، وإن الكلالة وكثيراً مما نقضي به في هذه المواريث لا يعلم مبلغها إلَّ الله، وقد كنا نحضر من ذلك أموراً عند الخلفاء بعد رسول الله صلمر فوعينا منها ما شِئنا أن نعيَ، فنحن نُفتي بعدُ من استفتانا في المواريث، كذا أورده السيوطي في ((الدر المنثور»، في آخر سورة النساء مسنداً إلى رواية الطبراني عن خارجة بن زید. (١) قال الباجي: على حسب ما كان النبي 8 أخذ عليهم من قوله: ((فيما استطعتم))، وأنه إذا التزم ذلك للنبي ول# بشرط الاستطاعة فبأن يشترط ذلك لغيره أَوْلى وأحرى. أوجز المسالك ٠٢٦٤/١٥ ٤١٥ ولا بأس(١) بأن يبدأ الرجل بصاحبه قبل نفسه في الكتاب . ٢٢ - (باب الاستئذان (٢)) ٩٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار(٣): أن رسول الله وَ ل وي سأله رجلٌ، فقال: يا رسول الله . (١) قوله: ولا بأس، إعادة لما مرَّ تأكيداً. ومراده به بيان الجواز من غير كراهة أخذاً من فعل زيد وابن عمر وإلّ فالأفضل هو البداية بنفسه قبل ذكر صاحبه اقتداءً بكتاب سليمان، وكتب النبي وََّ إلى السلاطين فإنها مُصَدَّرة بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي وإلی کِسری وإلى غير ذلك، بل قد وردت فيه أخبار قولية سردها السيوطي في ((الجامع الصغير)) وعليّ المُتَّقي في ((منهج العُمَّال في سنن الأقوال))، فأخرج الطبراني في ((المعجم الأوسط)) عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه وإذا كتب فليُتَرِّبْه فإنه أنجحُ للحاجة)) وهو من التتريب أي يُلقي التراب عليه ليجفَّ وينجح، وأخرج الطبراني في ((الكبير)) من حديث النعمان بن بشير: إذا كتب أحدكم إلى أحد فليبدأ . بنفسه، وأخرج الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أبي هريرة: العجم يبدأون بكبارهم إذا كتبوا فإذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه. (٢) قوله: باب الاستئذان، أي طلب الإذن بالدخول المأمور به في قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تستأنِسُوا وَتُسَلِّموا على أَهْلِهَا﴾(١) الآية، قال أبو أيوب: قلت: يا رسول الله هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فَيُوذن أهل البيت، أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، والحكيم الترمذي . (٣) قال ابن عبد البر: مرسل صحيح لا أعلمه يُسْنَد من وجه صحيح صالح. (١) سورة النور: الآية ٢٧ . ٤١٦ أستأذِنُ (١) على أمّي؟ قال: نعم، قال الرجل: إني معها(٢) في البيت، قال: استأذِن عليها، قال: إني أخدِمُها، قال رسول الله وَله: أتُّجِبُّ (٣) أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذِنْ عليها. قال محمد: وبهذا نأخذ. الاستئذان حَسَن (٤)، وينبغي أن يستأذن الرجل على كل (٥) من يَخْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها . ٢٣ - (باب التصاوير(٦) والجَرَس وما يُكره منها) ٩٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم بن عبد الله، عن (١) بحذف حرف الاستفهام. (٢) قوله: إني معها في البيت، يعني أنا وأمّي يكونان في بيت واحدٍ، والاستئذان إنما شُرع في غير بيته فكأنه أراد بذكر هذا ثم بذكر خدمته لها الاطلاع على علَّة شرعية الاستئذان في مثل هذا، أو قصد التخفيف لتعسُّر الاستئذان في كل مرة، فنَّ النبي ◌َّ﴿ على علَّ شرعية بقوله: أتحبّ أن تراها - أي أمك - عريانة؟! باستفهام إنكاري، يعني إذا لم تحبه فإنْ دخلت عليها بلا إذن فلعلها عند ذلك تكون عريانة فتراها كذلك(١). (٣) بهمزة الاستفهام. (٤) أي مستحب مستحسن. (٥) ولو كان من محارمه لا على زوجته وأمته. (٦) قوله: باب التصاوير، جمع تصوير مصدر مستعمل في المصور. والجَرَس، محرَّكة ما يُعَلَّق بعنق الدابَّة فيصوّت، كذا في ((المغرب)). (١) إن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلاّ أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها ونحوهما، أنظر الأوجز ١٢٤/١٥. ٤١٧ الجرّاح(١) مولى أم حبيبة عن أُمّ حبيبة(٢): أن رسول الله وَظهر قال: العِيْرُ(٣) التي فيها جَرَس لا تصحبها الملائكة (٤) . قال محمد: وإنما رُوي(٥) ذلك في الحرب لأنه يُنْذَر به العدوُّ. ٩٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر (٦) مولى عمر بن (١) قوله: عن الجرّاح، قال القاري: بالفتح وتشديد الجيم. انتهى. وقال السيوطي في ((إسعاف المبطّأ)): كنيته أبو الجرّاح، عن مولاته أم حبيبة وعثمان، وعنه سالم وغيره، وثّقه ابن حبان، ويقال اسمه الزبير. (٢) أخت معاوية أمّ المؤمنين. (٣) بالكسر أي القافلة. (٤) أي ملائكة الرحمة غير الكَتْبَة. (٥) في نسخة: نرى. قوله: وإنما رُوي ذلك، أي تعليق الجرس في أعناق الدواب لأنه يُنذَر - مجهول - من الإِنذار أي يُخَوَّف به العدو، فجاز ذلك بهذه النيّة ليكون أهيبَ وأخوف في نظر الكفار، قال عليّ القاري: فيه أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقد ورد: الجرس مزامير الشيطان، رواه أحمد في «مسنده» ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة: ((لا تصحبن الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس))، وأبو داود بلفظ ((لا تدخل الملائكة بیتاً فیه جرس)». (٦) قوله: أخبرنا أبو النضر، سالم بن أبي أميَّة مولى عمر بن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عُتبة - بضم العين - ابن مسعود الهذلي. أنه، أي عبد الله بن عتبة هكذا في نسخ عديدة، وعليها شرح القاري، وفيه اختلاج من وجوه: أحدها: أن أبا النضر إنما هو مولى لعمر بن عبيد بن معمر التيمي لا لعمر بن عبد الله بن عبيد الله كما مرَّ ذكره في (باب الوضوء من المذي). وثانيها: أن سالماً = ٤١٨ ـلبـ عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يَعُوده(١)، فوجد عنده(٢) سهلَ بنَ حُنَيف (٣)، فدعا أبو طلحة إنساناً (٤) يَنزع(٥) نَطاً تحته، فقال سهل بن حنيف: لم أبا النضر لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عتبة بن مسعود بل عن ابنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة. وثالثها: أن صاحب الرواية والداخل على أبي طلحة ليس هو عبد الله بن عتبة بل ابنه كما حققه ابن عبد البر(١). فالصواب ما في ((موطأ يحيى)): مالك عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه دخل على أبي طلحة. فلعل تبديل عبيد في قوله مولى عمر بن عبيد بعبد الله تبديل عن عبيد الله بابن عبد الله، وتبديل ابن عبد الله بن عتبة بعن عبد الله من زلّة النساخ، وفي بعض نسخ هذا الكتاب أخبرنا أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود ... إلخ، وهذا هو الصحيح . (١) أي لعيادته في مرضه. (٢) أي عند أبي طلحة. (٣) بصيغة التصغير. (٤) أي من خدمه . (٥) قوله: ينزع، أي ليخرج نَمَطاً كان تحته، وهو بفتح النون وفتح(٢) الميم: ضرب من البسط له خمل رقيق، قاله السيوطي . (١) قال ابن عبد البر: لم يختلف رواة الموطأ في إسناد هذا الحديث ومتنه. وزّعّم بعض العلماء أن عبيد الله لم يلقَ أبا طلحة، وما أدري كيف قال ذلك، وهو يروي حديث مالك هذا؟ وأظنه لقول بعض أهل السِّير: مات أبو طلحة سنة ٣٤هـ، وعبيد الله حينئذٍ لم يكن ممن يصح له السماع، وهذا ضعيف، والأصح أن وفاة أبي طلحة بعد الخمسين، كذا في الأوجز ١٤٦/١٥. (٢) في الأصل: ((كسر الميم))، وهو خطأ. انظر مجمع بحار الأنوار ٤ /٧٨٧. ٤١٩ تنزِعُه(١)؟ قال: لأنَّ فيه(٢) تصاوير، وقد قال رسول الله وَ ل فيها ما قد علمتَ(٣). قال سهل: أَوَلَمْ يقل إلَّ ما كان. (١) أي لأيِّ سبب تخرجه من تحتك؟ (٢) أي في ذلك النمط . . (٣) قوله: ما قد علمت، من أنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة. وفي رواية عند الشيخين: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة. وعند أبي داود والنسائي وابن حبان: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا جنب ولا كلب. والمراد بالجنب الذي يعتاد ترك الغسل ويتهاون به قاله الخطابي، ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان: أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلَّ أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرام - بالكسر أي ستر - فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فُمُرْ برأس التمثال الذي في البيت فيقطع فيصير كهيأة الشجرة ومُرْ بالسِتر فيقطع فيجعل وسادتين منبوذتين توطآن ومُرْ بالكلب فُيُخرج. وفي الباب أخبار أُخَر مبسوطة في ((كتاب الترغيب والترهيب)) للمنذري وغيره، قال ابن حجر المكي الهَيْتَمي في كتابه ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)»: عَدُّ هذا أي تصوير ذي روح على أي شيء كان كبيرة هو صريح الأحاديث الصحيحة، ولا ينافيه قول الفقهاء: يجوز ما على أرض وبساط ونحوهما من كل مُمْتَهَن، لأن المراد أنه يجوز بقاؤه ولا يجب إتلافه، وأما جعل التصوير لذي روح فهو حرام مطلقاً، ثم رأيت في ((شرح مسلم)) ما يصرح بما ذكرته حيث قال ما حاصله: تصوير صورة الحيوان حرام من الكبائر سواء صنعه لما يُمْتَهَن أو لغيره، سواء كان ببساط أو درهم أو ثوب، وأما تصوير صورة الشجر ونحوها فليس بحرام، وأما المصوَّر بصورة الحیوان فإن کان معلّقاً على حائط أو ملبوس کثوب أو عمامة مما لا يُمتهن فحرام، أو ممتهناً كبساط يُداس ووسادة فلا يحرم. لكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ الأظهر أنه عامّ في كل صورة. هذا تلخيص مذهب جمهور علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كالشافعي ومالك والثوري وأبي حنيفة وغيرهم. ٤٢٠